رحيل فرنسيس... البابا المدافع عن المهمّشين والمهاجرين

أُصيب بجلطة دماغية... و«مجمع الكرادلة» يستعد لانتخاب خلف له

TT

رحيل فرنسيس... البابا المدافع عن المهمّشين والمهاجرين

الموت غيّب البابا فرنسيس الاثنين عن 88 عاماً (أ.ب)
الموت غيّب البابا فرنسيس الاثنين عن 88 عاماً (أ.ب)

تُوفي البابا فرنسيس، في السابعة والنصف من صباح اثنين الفصح، بعد ساعات معدودات على لقائه الخاطف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، في دير القديس مرتا المتواضع داخل حَرَم الفاتيكان؛ حيث كان يقيم منذ جلوسه على كرسي بطرس.

وتوفي البابا إثر إصابته بجلطة دماغية تسببت في دخوله بغيبوبة وفشل في الدورة الدموية للقلب، بحسب شهادة الوفاة التي أصدرها الفاتيكان، الاثنين. ووفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية، جاء في الوثيقة التي وقّعها مدير إدارة الصحة والنظافة في الفاتيكان، البروفسور أندريا أركانجيلي، أن «الوفاة تم تأكيدها من خلال تسجيل تخطيط كهربية القلب».

وألقى الكاردينال كيفن جوزيف فارّيل، الذي يقوم مقام الحَبر الأعظم في حال شغور الكرسي الرسولي، بياناً مقتضباً جاء فيه: «أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أنعى إليكم بحزن شديد الأب الأقدس فرنشيسكو».

وقبيل العاشرة صباحاً، صدر البيان الرسمي عن حاضرة الفاتيكان يعلن وفاة أول بابا يسوعي في تاريخ الكنيسة، والأول من خارج أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، والأول الذي تجرّأ على اختيار اسم القديس فرنسيس، الذي اشتهر بصدامه مع البذَخ الكنَسي وتكريس حياته للفقراء.

دخان أبيض يتصاعد من مدخنة كنيسة سيستين معلناً انتخاب بابا جديد الأربعاء 13 مارس 2013 (أ.ب)

مجمع الكرادلة

هذا الحرص على إرساء الكنيسة في الهوامش الجغرافية والاجتماعية، رسّخه فرنسيس أيضاً في مجمع الكرادلة؛ وهو أعلى سُلطة كنَسية.

ومن المفترض أن تبدأ عملية انتخاب خليفة له من قِبل مجمع الكرادلة، الذي يبلغ عدد أعضائه حالياً 252، منهم 136 لهم حق انتخاب البابا المقبل؛ لكونهم لم يتجاوزوا الثمانين، ومن هؤلاء 108 عيّنهم البابا الراحل.

عاد أسقف روما إلى بيت أبيه، بعد حياةٍ كرّسها بكاملها لخدمة الكنيسة، ثابتاً في دفاعه عن الفقراء والمهمّشين والمهاجرين، ومطلقاً عاصفة اجتماعية وإصلاحية في الكنيسة الكاثوليكية تسببت في تعرّضه لانتقادات شديدة من لدن الأوساط اليمينية المتطرفة التي ذهبت أحياناً إلى حد وصفه بالثائر والشيوعي، أو إلى مطالبته بالاستقالة.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، تقرع رتبة الحزن بلا انقطاع من أجراس كنائس العاصمة الإيطالية التي تحتفل في مثل هذا اليوم من كل سنة بعيد تأسيسها، وسط عروض ومظاهرات تجوب الشوارع بين حشود السيّاح الذين يتدفقون أمواجاً في أحياء المدينة الخالدة.

البابا فرنسيس لدى إلقائه عظته بمناسبة عيد الفصح الأحد (أ.ب)

تعاطف مع معاناة غزة

وكان البابا فرنسيس قد غادر المستشفى، أواخر الشهر الفائت، بعد أن أمضى 37 يوماً يُعالَج من التهاب حادّ في القصبات الهوائية، وظهر، للمرة الأخيرة، أمام المؤمنين، أمس (الأحد)، في ساحة القديس بطرس ليُلقي عظته المعتادة التي لم يقرأ سوى فقرة واحدة منها، ثم ترك لمُساعده أن يكمل قراءتها، وجالَ في نهايتها بين المصلّين داخل سيارة صغيرة مكشوفة بدا فيها مودِّعاً الجماهير التي كانت تملأ الساحة. وفي موعظته الأخيرة، عاد ليعرب عن حزنه العميق لما يتعرّض له الفلسطينيون في قطاع غزة، وتعاطفه مع المهاجرين الذين أبدى أسفه للازدراء الذي يعامَلون به.

وخلال لقائه نائب الرئيس الأميركي، الذي كان مصحوباً بأسرته، لم يلفظ البابا فرنسيس عبارة واحدة، واكتفى بالمصافحة لتبادل التهاني بعيد الفصح.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إنه سيحضر جنازة البابا. وذكر ترامب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «أنا و(زوجتي) ميلانيا سنشارك في جنازة البابا فرنسيس في روما».

«نهاية العالم»

وفي 13 مارس (آذار) من عام 2013، أطلّ خورخي ماريو بيرغوليو، الأرجنتيني الذي كان خارج كل الرهانات والترجيحات، من شُرفة القصر الرسولي ليخاطب الجماهير المحتشدة في ساحة القديس بطرس باللغة الإيطالية المثقلة بلهجة بوينس آيرس، ويقول: «تعرفون أن مِن واجب المجمع انتخاب أسقف لروما. يبدو أن إخوتي الكرادلة قد ذهبوا للبحث عنه إلى نهاية العالم».

لكن نهاية العالم التي ذكرها، في ذلك اليوم، لم تكن مجرد موقع جغرافي بعيد يشير إلى مسقط رأسه، بل استعارة قوية الدلالة على بُعد مفهومه للكنيسة، مقارنة بالأحبار الذين سبقوه. ولم يكن اختياره اسم القديس فرنسيس عنواناً لحبريته سوى إنذار مبكر بالأسلوب التقشفي والإصلاحي الذي تميّز به، وكان سبباً لحرب شعواء غير مسبوقة شنّها عليه القطاع اليميني المتطرف في الكنيسة، خاصة الأميركية، والتهم التي انهالت عليه ووصفته أحياناً بالكفر والزندقة.

وإلى جانب الإصلاحات الهيكلية التي أطلقها البابا فرنسيس في المؤسسات والأجهزة التي تشرف على إدارة شؤون الكنيسة الكاثوليكية، يمكن القول إن إرثه الرئيسي هو بلا شك اهتمامه بهوامش الكنيسة وأرباضها المتواضعة البعيدة عن الأضواء. ومنذ اليوم الأول، وارى الترف الذي يميّز حياة أحبار الفاتيكان. اختار خاتماً من فضّة، ومَلبساً بسيطاً، وقرر أن يقيم في دير القديسة مرتا بين الراهبات، وليس في القصر الرسولي الفخم. وجعل من الفقراء والمهمشين والمحرومين محوراً مركزياً لحبريته، ورفع لواء الدفاع عن المهاجرين في عز تفاقم ظاهرة الهجرة التي حمل تداعياتها اليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا.

اهتمام مفرط بالديانات الأخرى

وبعد أشهر قليلة على جلوسه، توجّه فرنسيس إلى جزيرة لامبيدوزا التي كانت تصل إلى شواطئها زوارقُ المهاجرين المخلّعة، وبكى الضحايا الذين قضوا في محاولتهم العبور، وأقام قداساً على مذبح من بقايا قارب خشبي مات على متنه عشرات المهاجرين. وفي أبريل (نيسان) 2016، زار مخيماً للاجئين في جزيرة لسبوس اليونانية، وعاد برفقة اثني عشر منهم على متن الطائرة التي أقلّته إلى روما. وعندما كان، في خميس الفصح من كل عام، يغسل أقدام المساجين والمهاجرين، من مسلمين وبوذيين، ويقبّلها، وفقاً للتقاليد الإنجيلية، كان اليمين المتطرف يمطره بوابل الانتقادات، ويأخذ عليه اهتمامه المفرط بالديانات الأخرى أو العلمانيين، عوضاً عن اهتمامه بالكاثوليكيين. تلك، في جملة القول، كانت الحرب التي خاضها طوال حبريته، وعلى امتداد زياراته إلى 66 بلداً كان يحرص على أن تكون فيها أقليات مسيحية، مثل بنغلاديش وميانمار والكونغو وجنوب السودان واليابان وموزمبيق ومدغشقر والفلبين. وكانت حساسيته ضد الأنظمة الرأسمالية الغربية سبباً في رفضه تلبية عدد من الدعوات الرسمية لزيارة بلدان مثل فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا، ومَوطنه الأرجنتين.

هذا الحرص على إرساء الكنيسة في الهوامش الجغرافية والاجتماعية، رسّخه فرنسيس أيضاً في مجمع الكرادلة؛ وهو أعلى سُلطة كنَسية مِن مهامها، الآن، انتخاب خليفة له.


مقالات ذات صلة

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

أوروبا البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في نابولي (رويترز)

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

قال البابا ليو الرابع عشر إنه يشعر بأنه «أول المبارَكين» لدى احتفاله، بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، وذلك خلال زيارة لجنوب إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بومبيي)
العالم العربي احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

احتفالات عيد الميلاد تعود إلى بيت لحم بعد عامين من الحرب على غزة

تجوب فرق الكشافة شوارع بيت لحم الأربعاء، مع بدء الاحتفالات بعيد الميلاد في المدينة الواقعة في الضفة الغربية المحتلّة بعد عامين خيّمت عليهما حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (بيت لحم)
شؤون إقليمية البابا ليو يتفقد الطراز المعماري لجامع السلطان أحمد في إسطنبول خلال زيارته له يوم 29 نوفمبر (أ.ب)

بابا الفاتيكان يتجول داخل جامع السلطان أحمد في ثالث أيام زيارته إلى تركيا

زار البابا ليو الـ14 جامع السلطان أحمد في إسطنبول المعروف بـ«الجامع الأزرق» في أول زيارة لدار عبادة ومعلم إسلامي بارز منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي مرحباً ببابا الفاتيكان في القصر الرئاسي في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

البابا يُدشّن أولى زياراته الخارجية من تركيا

دشّن بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، أولى زياراته الخارجية من تركيا، حيث وصل إلى العاصمة أنقرة، أمس (الخميس)، في زيارة تستمر 4 أيام، ينتقل بعدها إلى لبنان.

سعيد عبد الرازق ( أنقرة)
المشرق العربي السيارة التي استخدمها بابا الفاتيكان الراحل فرنسيس خلال زيارته لبيت لحم منذ أكثر من 10 أعوام (أ.ب)

سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس تتحول إلى عيادة متنقلة لأطفال غزة

تحولت سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس قبل أن تتحول إلى عيادة متنقلة لتقديم الرعاية للأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

ماكرون: المشهد في غزة «يُخجلنا جميعاً»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: المشهد في غزة «يُخجلنا جميعاً»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عن حلّ الدولتين للفلسطينيين والإسرائيليين، معتبراً أنه من غير المقبول «التفرّج على هذا المشهد الذي يخجلنا جميعاً» في غزة والضفة الغربية المحتلة «مكتوفي الأيدي».

وتساءل الرئيس الفرنسي: «أين هي مصداقيتنا إذا بقينا مكتوفي الأيدي أمام غزة؟»، مشيراً إلى أن قيام حلّ الدولتين هو ضمانة «الأمن اليوم وغداً لإسرائيل دولةً وشعباً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وانتقد ماكرون أيضاً تصاعد ⁠عنف ⁠المستوطنين في الضفة الغربية قائلاً إنه يسلب الشعب الفلسطيني حقه المشروع في الوجود.


انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)

تنطلق محاكمة كارثة تحطّم طائرة شرم الشيخ في مصر أمام القضاء الفرنسي في 26 أبريل (نيسان)، وفق ما أفاد مصدر قضائي، الثلاثاء، بعد 23 عاماً على الحادث الذي أودى بـ148 شخصاً، بينهم 135 فرنسياً، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان محمد نور، المصري البالغ 72 عاماً والرئيس السابق لمجلس إدارة شركة الطيران المنخفض التكلفة «فلاش إيرلاينز» التي صُفّيت لاحقاً، أُحيل في مارس (آذار) 2025 إلى محكمة الجنح في باريس بتهمة القتل غير العمد.

ومن المقرر أن تُعقد محاكمته بين 26 أبريل و11 يونيو (حزيران) 2027 أمام الدائرة المختصة بالحوادث الجماعية والصحة العامة.

وبحسب قرار الإحالة الصادر عن قضاة التحقيق، الذي اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، سيُحاكم نور خصوصاً للاشتباه في أنه، بصفته رئيساً لشركة «فلاش إيرلاينز»، «أنشأ أو أسهم في إنشاء» الظروف التي أتاحت وقوع الحادث، و/أو لم يتخذ التدابير اللازمة لتفاديه.

وفي الثالث من يناير (كانون الثاني) 2004، سقطت طائرة تابعة لـ«فلاش إيرلاينز» في البحر الأحمر بعد ثلاث دقائق من إقلاعها من مدينة شرم الشيخ الساحلية، ما أسفر عن مقتل ركابها الفرنسيين الـ135 وأفراد طاقمها الـ13، في واحدة من أكثر كوارث الطيران دموية التي راح ضحيتها فرنسيون.

وبعد قرار بحفظ القضية عام 2017، أمرت محكمة استئناف باريس عام 2019، بناء على طلب عائلات الضحايا، باستئناف التحقيق على يد قضاة مختصين بالحوادث الجماعية، معتبرة أن المحاولات المبذولة خلال التحقيق للحصول على إفادات الرئيس السابق لمجلس إدارة «فلاش إيرلاينز» كانت «غير كافية».

ووُجّهت إلى نور رسمياً تهمة القتل غير العمد في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2021.

ويأخذ عليه قضاة التحقيق قصوراً في تدريب الطيارين، ومنح قائد الطائرة صفة قبطان بسرعة مفرطة، وعدم ضمان حصول الطيارين على فترات راحة كافية بين الرحلات.

ويواجه رجل الأعمال المصري عقوبة تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مقدارها 450 ألف يورو.


ترمب يوقع اتفاقاً يبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية

الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يوقع اتفاقاً يبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية

الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتفاقاً مع الدنمارك وغرينلاند يهدف إلى تعزيز أمن القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، ليخفف التوترات بشأن دعواته المتكررة لأن تصبح غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة. وإلى جانب ترمب، وقّعت الاتفاقية رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، ورئيس وزراء غرينلاند ينس - فريدريك نيلسن. وقال ترمب، قبل توقيع الاتفاق مباشرة: «هذا أمر هائل بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة وللجميع. وبالنسبة لغرينلاند، سيكون الأمر مذهلاً».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظرائه من دول وأقاليم القطب الشمالي (رويترز)

ويأتي توقيع الاتفاق الثلاثاء، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعد أيام من إعلان ترمب عن الاتفاق الذي يستهدف تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة الجليدية الشاسعة، مع إبقائها تحت السيطرة الدنماركية. ولم تقدم الحكومات سوى تفاصيل قليلة عن الاتفاق قبل التوقيع.

وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، صباح الثلاثاء، قدّم ترمب تفاصيل محدودة عن الاتفاق. وقال: «سنبدأ على الفور عملية تطوير وجود عسكري كبير في المواقع المناسبة»، بما في ذلك «بناء قاعدتين عسكريتين كبيرتين للغاية». وكان ترمب أصرّ في السابق على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى «الاستيلاء على غرينلاند» لمنع روسيا أو الصين من فعل الشيء نفسه. وعلى الرغم من أن ترمب قال إنه يفضل «عقد صفقة» بشأن الجزيرة، فإنه أضاف: «بطريقة أو بأخرى، سنحصل على غرينلاند»، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي.

وكان قد جرى التوصل إلى الاتفاق الأسبوع الماضي، وهي أرض تابعة للدنمارك، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وعندما رفض ترمب استبعاد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية للاستحواذ على الجزيرة، أدّى ذلك إلى نشوب أزمة دبلوماسية داخل حلف شمال الأطلسي في يناير (كانون الثاني)، وأجبر الدنمارك وحكومة الجزيرة على الدخول في مفاوضات مكثفة.

ورحّب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الثلاثاء، بالاتفاق الأمني، ووصفه بأنه «خطوة إيجابية للتعاون عبر (الأطلسي) و(الأمن) في القطب الشمالي». وكتب عبر منصة «إكس»: «الاتحاد الأوروبي مستعد لمواصلة العمل بشكل وثيق مع غرينلاند والدنمارك وشركائنا عبر (الأطلسي) من أجل منطقة قطبية شمالية سلمية وآمنة ومزدهرة»، قائلاً إن الاتفاق «يرتكز على احترام السيادة والسلامة الإقليمية وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير».

منظر عام لمدينة نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

ووصف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الاتفاق بأنه ضمان في مواجهة النفوذ الصيني في الجزيرة القطبية ذات الأهمية الاستراتيجية في القطب الشمالي. ونقلت شبكة «فوكس نيوز»، الثلاثاء، عن روبيو وصفه الاتفاق بأنه «رائع» و«لا تاريخ انتهاء له». وأضاف: «إنه يسمح لنا ببناء العدد اللازم من القواعد العسكرية». ويتيح الاتفاق للولايات المتحدة والدنمارك فحص الاستثمارات الأجنبية المستقبلية بشكل مشترك.

وذكر روبيو أن الهدف هو تجنب الاستيقاظ في يوم، وإدراك أنه «حسناً، أجل، الجيش الصيني ليس هنا، لكن شركاتهم تملك جميع الموانئ، وشركاتهم تملك الأرض».

ومن المقرر أن يصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن الأربعاء في زيارة تستمر عدة أيام، يلتقي خلالها ترمب. ويمكن أن يلقي اتفاق غرينلاند بظلاله على الاجتماع. قال الكرملين، الثلاثاء، إن الاتفاقية بين ​الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند شأن يخص الأطراف المعنية، مضيفاً أن التعاون ‌بين روسيا ‌وواشنطن ​في ‌منطقة القطب ⁠الشمالي ​ليس أمراً مدرجاً ⁠حالياً على جدول الأعمال.

وردّاً على سؤال عما إذا كان ‌التعاون في القطب الشمالي مطروحاً للنقاش بين ⁠موسكو ⁠وواشنطن؟ قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين: «في الوقت الراهن، مسألة التعاون في القطب الشمالي ليست على جدول الأعمال. فالأميركيون والدول الأخرى بالقطب الشمالي يرفضون التعاون ​مع ​روسيا».

قالت 3 مصادر مطلعة لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة تعتزم إعادة فتح قاعدة عسكرية سابقة تعود إلى حقبة الحرب الباردة في جنوب غرينلاند، إلى جانب الوجود عسكرياً في قاعدة على الساحل الشرقي، تستخدمها حالياً دوريات الزلاجات الدنماركية، وذلك بموجب الاتفاق الذي تم توقيعه بين الأطراف الثلاثة؛ الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند.

وذكر مصدران أن الموقعين هما نارسارسواك، التي تقلص عدد سكانها إلى بضع عشرات، منذ أن أغلقت الولايات المتحدة قاعدة «بلوي ويست وان» العسكرية في خمسينات القرن الماضي، إلى جانب ميسترسفيج، وهي نقطة عسكرية نائية تستخدمها حالياً دورية سيريوس للزلاجات التي تجرها الكلاب، وهي وحدة من القوات الخاصة الدنماركية.

رئيسة الوزراء الدنماركية ورئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس حكومة غرينلاند في نوك عاصمة غرينلاند (إ.ب.أ)

ولم يُنشر نص الاتفاق علناً، وقالت المصادر، التي طلبت عدم كشف هوياتها، إن تفاصيله لن تصبح نهائية قبل توقيعه. ولم ترد حكومتا الدنمارك وغرينلاند ولا البيت الأبيض بعدُ على طلبات للتعليق.

وتقول الدنمارك إن الاتفاق يضع أمن منطقة القطب الشمالي تحت إشراف حلف شمال الأطلسي بدلاً من أن يبقى محصوراً بين الولايات المتحدة والدنمارك وحدهما.

وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، إن الاتفاق سيبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية، واصفة إياه بأنه «اتفاق جيد» يصبّ في مصلحة جميع الأطراف، بحسب ما ذكرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وقالت فريدريكسن، لوسائل إعلام محلية: «لن نتنازل عن السيادة، وأستطيع أن أضمن أنني لن أفعل ذلك أبداً بصفتي رئيسة وزراء الدنمارك». وأضافت فريدريكسن أنه «من الممكن تماماً الحفاظ على السيادة مع تعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع».

وتقع غرينلاند بين القطب الشمالي وأميركا الشمالية، وتحتوي على موارد هائلة من الطاقة. وكانت مستعمرة في السابق قبل أن تصبح أراضي شبه مستقلة تابعة لمملكة الدنمارك.