رحيل فرنسيس... البابا المدافع عن المهمّشين والمهاجرين

أُصيب بجلطة دماغية... و«مجمع الكرادلة» يستعد لانتخاب خلف له

TT

رحيل فرنسيس... البابا المدافع عن المهمّشين والمهاجرين

الموت غيّب البابا فرنسيس الاثنين عن 88 عاماً (أ.ب)
الموت غيّب البابا فرنسيس الاثنين عن 88 عاماً (أ.ب)

تُوفي البابا فرنسيس، في السابعة والنصف من صباح اثنين الفصح، بعد ساعات معدودات على لقائه الخاطف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، في دير القديس مرتا المتواضع داخل حَرَم الفاتيكان؛ حيث كان يقيم منذ جلوسه على كرسي بطرس.

وتوفي البابا إثر إصابته بجلطة دماغية تسببت في دخوله بغيبوبة وفشل في الدورة الدموية للقلب، بحسب شهادة الوفاة التي أصدرها الفاتيكان، الاثنين. ووفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية، جاء في الوثيقة التي وقّعها مدير إدارة الصحة والنظافة في الفاتيكان، البروفسور أندريا أركانجيلي، أن «الوفاة تم تأكيدها من خلال تسجيل تخطيط كهربية القلب».

وألقى الكاردينال كيفن جوزيف فارّيل، الذي يقوم مقام الحَبر الأعظم في حال شغور الكرسي الرسولي، بياناً مقتضباً جاء فيه: «أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أنعى إليكم بحزن شديد الأب الأقدس فرنشيسكو».

وقبيل العاشرة صباحاً، صدر البيان الرسمي عن حاضرة الفاتيكان يعلن وفاة أول بابا يسوعي في تاريخ الكنيسة، والأول من خارج أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، والأول الذي تجرّأ على اختيار اسم القديس فرنسيس، الذي اشتهر بصدامه مع البذَخ الكنَسي وتكريس حياته للفقراء.

دخان أبيض يتصاعد من مدخنة كنيسة سيستين معلناً انتخاب بابا جديد الأربعاء 13 مارس 2013 (أ.ب)

مجمع الكرادلة

هذا الحرص على إرساء الكنيسة في الهوامش الجغرافية والاجتماعية، رسّخه فرنسيس أيضاً في مجمع الكرادلة؛ وهو أعلى سُلطة كنَسية.

ومن المفترض أن تبدأ عملية انتخاب خليفة له من قِبل مجمع الكرادلة، الذي يبلغ عدد أعضائه حالياً 252، منهم 136 لهم حق انتخاب البابا المقبل؛ لكونهم لم يتجاوزوا الثمانين، ومن هؤلاء 108 عيّنهم البابا الراحل.

عاد أسقف روما إلى بيت أبيه، بعد حياةٍ كرّسها بكاملها لخدمة الكنيسة، ثابتاً في دفاعه عن الفقراء والمهمّشين والمهاجرين، ومطلقاً عاصفة اجتماعية وإصلاحية في الكنيسة الكاثوليكية تسببت في تعرّضه لانتقادات شديدة من لدن الأوساط اليمينية المتطرفة التي ذهبت أحياناً إلى حد وصفه بالثائر والشيوعي، أو إلى مطالبته بالاستقالة.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، تقرع رتبة الحزن بلا انقطاع من أجراس كنائس العاصمة الإيطالية التي تحتفل في مثل هذا اليوم من كل سنة بعيد تأسيسها، وسط عروض ومظاهرات تجوب الشوارع بين حشود السيّاح الذين يتدفقون أمواجاً في أحياء المدينة الخالدة.

البابا فرنسيس لدى إلقائه عظته بمناسبة عيد الفصح الأحد (أ.ب)

تعاطف مع معاناة غزة

وكان البابا فرنسيس قد غادر المستشفى، أواخر الشهر الفائت، بعد أن أمضى 37 يوماً يُعالَج من التهاب حادّ في القصبات الهوائية، وظهر، للمرة الأخيرة، أمام المؤمنين، أمس (الأحد)، في ساحة القديس بطرس ليُلقي عظته المعتادة التي لم يقرأ سوى فقرة واحدة منها، ثم ترك لمُساعده أن يكمل قراءتها، وجالَ في نهايتها بين المصلّين داخل سيارة صغيرة مكشوفة بدا فيها مودِّعاً الجماهير التي كانت تملأ الساحة. وفي موعظته الأخيرة، عاد ليعرب عن حزنه العميق لما يتعرّض له الفلسطينيون في قطاع غزة، وتعاطفه مع المهاجرين الذين أبدى أسفه للازدراء الذي يعامَلون به.

وخلال لقائه نائب الرئيس الأميركي، الذي كان مصحوباً بأسرته، لم يلفظ البابا فرنسيس عبارة واحدة، واكتفى بالمصافحة لتبادل التهاني بعيد الفصح.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إنه سيحضر جنازة البابا. وذكر ترامب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «أنا و(زوجتي) ميلانيا سنشارك في جنازة البابا فرنسيس في روما».

«نهاية العالم»

وفي 13 مارس (آذار) من عام 2013، أطلّ خورخي ماريو بيرغوليو، الأرجنتيني الذي كان خارج كل الرهانات والترجيحات، من شُرفة القصر الرسولي ليخاطب الجماهير المحتشدة في ساحة القديس بطرس باللغة الإيطالية المثقلة بلهجة بوينس آيرس، ويقول: «تعرفون أن مِن واجب المجمع انتخاب أسقف لروما. يبدو أن إخوتي الكرادلة قد ذهبوا للبحث عنه إلى نهاية العالم».

لكن نهاية العالم التي ذكرها، في ذلك اليوم، لم تكن مجرد موقع جغرافي بعيد يشير إلى مسقط رأسه، بل استعارة قوية الدلالة على بُعد مفهومه للكنيسة، مقارنة بالأحبار الذين سبقوه. ولم يكن اختياره اسم القديس فرنسيس عنواناً لحبريته سوى إنذار مبكر بالأسلوب التقشفي والإصلاحي الذي تميّز به، وكان سبباً لحرب شعواء غير مسبوقة شنّها عليه القطاع اليميني المتطرف في الكنيسة، خاصة الأميركية، والتهم التي انهالت عليه ووصفته أحياناً بالكفر والزندقة.

وإلى جانب الإصلاحات الهيكلية التي أطلقها البابا فرنسيس في المؤسسات والأجهزة التي تشرف على إدارة شؤون الكنيسة الكاثوليكية، يمكن القول إن إرثه الرئيسي هو بلا شك اهتمامه بهوامش الكنيسة وأرباضها المتواضعة البعيدة عن الأضواء. ومنذ اليوم الأول، وارى الترف الذي يميّز حياة أحبار الفاتيكان. اختار خاتماً من فضّة، ومَلبساً بسيطاً، وقرر أن يقيم في دير القديسة مرتا بين الراهبات، وليس في القصر الرسولي الفخم. وجعل من الفقراء والمهمشين والمحرومين محوراً مركزياً لحبريته، ورفع لواء الدفاع عن المهاجرين في عز تفاقم ظاهرة الهجرة التي حمل تداعياتها اليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا.

اهتمام مفرط بالديانات الأخرى

وبعد أشهر قليلة على جلوسه، توجّه فرنسيس إلى جزيرة لامبيدوزا التي كانت تصل إلى شواطئها زوارقُ المهاجرين المخلّعة، وبكى الضحايا الذين قضوا في محاولتهم العبور، وأقام قداساً على مذبح من بقايا قارب خشبي مات على متنه عشرات المهاجرين. وفي أبريل (نيسان) 2016، زار مخيماً للاجئين في جزيرة لسبوس اليونانية، وعاد برفقة اثني عشر منهم على متن الطائرة التي أقلّته إلى روما. وعندما كان، في خميس الفصح من كل عام، يغسل أقدام المساجين والمهاجرين، من مسلمين وبوذيين، ويقبّلها، وفقاً للتقاليد الإنجيلية، كان اليمين المتطرف يمطره بوابل الانتقادات، ويأخذ عليه اهتمامه المفرط بالديانات الأخرى أو العلمانيين، عوضاً عن اهتمامه بالكاثوليكيين. تلك، في جملة القول، كانت الحرب التي خاضها طوال حبريته، وعلى امتداد زياراته إلى 66 بلداً كان يحرص على أن تكون فيها أقليات مسيحية، مثل بنغلاديش وميانمار والكونغو وجنوب السودان واليابان وموزمبيق ومدغشقر والفلبين. وكانت حساسيته ضد الأنظمة الرأسمالية الغربية سبباً في رفضه تلبية عدد من الدعوات الرسمية لزيارة بلدان مثل فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا، ومَوطنه الأرجنتين.

هذا الحرص على إرساء الكنيسة في الهوامش الجغرافية والاجتماعية، رسّخه فرنسيس أيضاً في مجمع الكرادلة؛ وهو أعلى سُلطة كنَسية مِن مهامها، الآن، انتخاب خليفة له.


مقالات ذات صلة

احتفالات عيد الميلاد تعود إلى بيت لحم بعد عامين من الحرب على غزة

العالم العربي احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

احتفالات عيد الميلاد تعود إلى بيت لحم بعد عامين من الحرب على غزة

تجوب فرق الكشافة شوارع بيت لحم الأربعاء، مع بدء الاحتفالات بعيد الميلاد في المدينة الواقعة في الضفة الغربية المحتلّة بعد عامين خيّمت عليهما حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (بيت لحم)
شؤون إقليمية البابا ليو يتفقد الطراز المعماري لجامع السلطان أحمد في إسطنبول خلال زيارته له يوم 29 نوفمبر (أ.ب)

بابا الفاتيكان يتجول داخل جامع السلطان أحمد في ثالث أيام زيارته إلى تركيا

زار البابا ليو الـ14 جامع السلطان أحمد في إسطنبول المعروف بـ«الجامع الأزرق» في أول زيارة لدار عبادة ومعلم إسلامي بارز منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي مرحباً ببابا الفاتيكان في القصر الرئاسي في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

البابا يُدشّن أولى زياراته الخارجية من تركيا

دشّن بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، أولى زياراته الخارجية من تركيا، حيث وصل إلى العاصمة أنقرة، أمس (الخميس)، في زيارة تستمر 4 أيام، ينتقل بعدها إلى لبنان.

سعيد عبد الرازق ( أنقرة)
المشرق العربي السيارة التي استخدمها بابا الفاتيكان الراحل فرنسيس خلال زيارته لبيت لحم منذ أكثر من 10 أعوام (أ.ب)

سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس تتحول إلى عيادة متنقلة لأطفال غزة

تحولت سيارة استخدمها البابا الراحل فرنسيس قبل أن تتحول إلى عيادة متنقلة لتقديم الرعاية للأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
يوميات الشرق البابا فرنسيس في استاد مدينة زايد الرياضية بأبوظبي... فبراير 2019 (د.ب.أ)

كاميرا للبابا فرنسيس تُباع بنحو 7.5 مليون دولار

بيعت كاميرا من ماركة «لايكا» كانت للبابا فرنسيس، ضمن مزاد أُقيم في فيينا، السبت، مقابل 7.49 مليون دولار، على أن يعود ريع المزاد لجمعية البابا الراحل الخيرية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

رئيس وزراء بريطانيا يعقد اليوم اجتماعا لبحث التداعيات الاقتصادية لحرب إيران

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا يوم 5 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا يوم 5 فبراير 2026 (رويترز)
TT

رئيس وزراء بريطانيا يعقد اليوم اجتماعا لبحث التداعيات الاقتصادية لحرب إيران

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا يوم 5 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال فعالية في سانت ليوناردز ببريطانيا يوم 5 فبراير 2026 (رويترز)

قالت الحكومة البريطانية إن من المقرر أن يترأس رئيس الوزراء كير ستارمر اجتماعا طارئا اليوم الاثنين بشأن التداعيات الاقتصادية للحرب في إيران، وذلك بحضور وزيرة الخزانة ريتشل ريفز ومحافظ بنك إنجلترا آندرو بايلي.

ويستعد المستثمرون لأسبوع آخر مضطرب في الأسواق المالية بعد أن أعلنت إيران أنها ستقصف شبكات الطاقة والمياه في دول الخليج المجاورة إذا نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بضرب شبكة الكهرباء الإيرانية. وتراقب بريطانيا الوضع بقلق بالغ. فقد أدى اعتماد البلاد الشديد على الغاز الطبيعي المستورد، واستمرار ارتفاع التضخم، والضغوط على المالية العامة إلى انخفاض سندات الحكومة البريطانية بشكل حاد مقارنة بنظيراتها الدولية.

وقالت وزارة الخزانة البريطانية قبل الاجتماع «من المتوقع أن تشمل المواضيع التي سيتم تناولها التأثير الاقتصادي للأزمة على الأسر والشركات، وأمن الطاقة، وقدرة الصناعة وسلاسل التوريد على الصمود، إلى جانب الاستجابة الدولية».

وستحضر الاجتماع وزيرة الخارجية إيفيت كوبر ووزير الطاقة أد ميليباند بالإضافة إلى ستارمر وريفز وبايلي. وقالت ريفز إن من المبكر جدا تحديد أثر الحرب على الاقتصاد البريطاني، ورفضت الدعوات إلى اتخاذ إجراءات واسعة النطاق لمواجهة أزمة كلفة المعيشة بالنسبة للأسر، قائلة بدلا من ذلك إن هناك إجراءات دعم موجهة بشكل أكبر قيد الدراسة.


زيلينسكي: روسيا تحاول تكثيف الهجمات على الجبهة

جنديان أوكرانيان يجهزان لإطلاق مسيرة استطلاعية على جبهة خاركيف (أ.ب)
جنديان أوكرانيان يجهزان لإطلاق مسيرة استطلاعية على جبهة خاركيف (أ.ب)
TT

زيلينسكي: روسيا تحاول تكثيف الهجمات على الجبهة

جنديان أوكرانيان يجهزان لإطلاق مسيرة استطلاعية على جبهة خاركيف (أ.ب)
جنديان أوكرانيان يجهزان لإطلاق مسيرة استطلاعية على جبهة خاركيف (أ.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأحد إن الجيش الروسي يحاول «تكثيف» هجماته على الجبهة وإن أوكرانيا تكبّده خسائر فادحة.

وقال زيلينسكي على وسائل التواصل الاجتماعي بعد اجتماعه مع قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي «رصدنا هذا الأسبوع محاولات من جانب الروس لتكثيف هجماتهم، مستغلين تحسن الأحوال الجوية». وأضاف الرئيس الأوكراني «النتيجة الملموسة الوحيدة للجيش الروسي كانت زيادة خسائره، اذ سقط أكثر من 8000 جندي روسي بين قتيل ومصاب بجروح خطيرة في غضون سبعة أيام فقط». ولم تتمكن وكالة الصحافة الفرنسية من التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل.

وفي وقت سابق الأحد، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها سيطرت على قرية بوتابيفكا الصغيرة في منطقة سومي في شمال أوكرانيا قرب الحدود الروسية. ويحاول الجيش الروسي منذ أشهر إقامة «منطقة عازلة» في هذه البقعة الجغرافية، من خلال تحقيق اختراقات موضعية صغيرة في الجانب الأوكراني من الحدود.

وقال زيلينسكي إن الوحدات الروسية التي تحاول التقدم في سومي ومنطقة خاركيف المجاورة «تتعرض للتدمير». وأفاد مسؤولون أوكرانيون بمقتل فتى يبلغ 13 عاما وامرأة تبلغ 18 عاما في سومي جراء ضربة روسية بطائرة مسيرة استهدفت سيارة في منطقة شوستكا الحدودية.

وكانت القوات الروسية احتلت منطقة سومي جزئيا في بداية الغزو في فبراير (شباط) 2022، لكنّ القوات الأوكرانية تمكنت لاحقا من استعادتها. وتحاول موسكو تحقيق تقدم فيها مجددا، وأعلنت في الأشهر الأخيرة سيطرتها على قرى عدة عند حدودها. وتقول أوكرانيا إنها تصد التقدم الروسي، وإن موسكو تواجه صعوبات في ترسيخ وجودها في المنطقة.

وتحتل روسيا نحو خُمس مساحة أوكرانيا، واستولت على الجزء الأكبر منه إثر الغزو الواسع النطاق الذي شنّته عام 2022.

وسجل التقدم الروسي في فبراير (شباط) أبطأ وتيرة له منذ نحو عامين، بحسب تحليل أجرته وكالة الصحافة الفرنسية لبيانات من معهد دراسات الحرب.

وتواصل روسيا شن ضربات جوية على أوكرانيا يوميا. وقتل مدنيَّان بضربات روسية في مدينة نيكوبول في منطقة دنيبروبتروفسك في وسط شرق أوكرانيا، بحسب ما أفاد رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية على تطبيق تلغرام.


فرنسا: دور ثانٍ من الانتخابات البلدية لحسم المدن الكبرى

رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
TT

فرنسا: دور ثانٍ من الانتخابات البلدية لحسم المدن الكبرى

رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)

توجَّه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدور الثاني من الانتخابات البلدية بفرنسا، الأحد، في عملية ستحسم معارك المدن الكبرى وتشكل اختباراً لقوة اليمين المتطرف وقدرة الأحزاب الرئيسية على الصمود قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وبينما يخوض اليسار معركة للاحتفاظ بالعاصمة باريس، يختار الناخبون رؤساء بلديات أكثر من 1500 مدينة وبلدة، منها باريس ومرسيليا.

ويدير رؤساء البلديات في فرنسا ما يقرب من 35 ألف منطقة، تشمل مدناً كبرى وبلدات وقرى لا يزيد عدد سكانها على بضع عشرات، وهم المسؤولون المنتخبون الذين يحظون بالثقة الأكبر لدى السكان في أنحاء البلاد. وحصل الكثير منهم على أصوات كافية للفوز في الدور الأول الذي أجري يوم 15 مارس (آذار) الحالي، لكن المنافسة الشديدة في المدن الكبرى أفضت إلى جولة ‌ثانية.

إيمانويل غريغوار مرشح الحزب الاشتراكي يغادر مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوته في باريس الأحد (إ.ب.أ)

معارك المدن الكبرى

ففي باريس، يتنافس اليساري إيمانويل غريغوار، النائب السابق لرئيسة البلدية الاشتراكية المنتهية ولايتها آن إيدالغو، ومنافسته الوزيرة السابقة المنتمية إلى اليمين رشيدة داتي. وعززت داتي حظوظها بعد انسحاب مرشح من يمين الوسط وآخر من اليمين المتطرف. لكن غريغوار رفض التعاون مع مرشح من اليسار المتشدد؛ ما أدى إلى تشتيت أصوات اليسار في السباق.

وتحالف اليساريون والوسطيون في الانتخابات الماضية بباريس ضد اليمين المتطرف، لكن اليسار يشهد انقساماً منذ تعرّض ناشط يميني متطرف لضرب مبرح أدى إلى مقتله الشهر الماضي، وذلك على هامش فعالية للنائبة ريما حسن، المنتمية إلى اليسار المتشدد.

وقال باتريس لوران (77 عاماً) بعدما أدلى بصوته في شمال شرق باريس التي قادها اليسار منذ نحو 25 عاماً: «لا أريد للمدينة أن تعود إلى اليمين».

رئيس بلدية مرسيليا المنتهية ولايته يدلي بصوته في المدينة الساحلية بجنوب فرنسا الأحد (أ.ف.ب)

كذلك، تُعدّ مرسيليا، ‌ثاني أكبر مدن فرنسا، إحدى المحطات الرئيسية في الانتخابات؛ ‌إذ يتنافس فيها مرشح حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مع مرشح الحزب الاشتراكي، وهو رئيس البلدية الحالي. وسيمثل فوز حزب التجمع الوطني، في حال حدوثه، انتصاراً كبيراً له.

وقال آلان فايولا (71 عاماً) وهو متقاعد من مرسيليا، إنه سيصوّت لصالح حزب التجمع الوطني بعد أن كان يدعم سابقاً الحزب اليميني السائد. وأضاف: «أريد التغيير. تدهورت أوضاع مرسيليا منذ تولي رئيس البلدية الحالي منصبه». وفي مركز الاقتراع نفسه المطل على الميناء القديم للمدينة، قال آخرون إنهم مصممون على وقف اليمين المتطرف.

وفي مناطق أخرى من فرنسا، يأمل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، في تحقيق نتائج أفضل من تلك التي حصل عليها في الاستحقاقات المحلية السابقة.

ويؤكد التجمع أن مرشحيه وحلفاءه أُعيد انتخابهم يوم 15 مارس، في 10 بلديات، بينها مدينة بيربينيان الجنوبية التي يبلغ عدد سكانها 120 ألف نسمة، وهي أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب اليميني المتطرف.

ويقول الحزب أيضاً إنه فاز للمرة الأولى في 14 دائرة أخرى. لكنه يأمل كذلك في الفوز بمناطق أكبر.

ونال مرشحه أعلى عدد من الأصوات بفارق كبير في طولون، وهي مدينة في جنوب البلاد يقطنها 180 ألف نسمة.

اختبار لليمين المتطرف

ويواجه حزب التجمع الوطني المناهض للهجرة ‌والمتشكك في الاتحاد الأوروبي في هذه الانتخابات ‌صعوبة في تحقيق مكاسب مهمة في انتخابات البلدية.وجاءت نتائجه في الجولة الأولى متباينة؛ إذ ‌حظي مرشحوه بإعادة الانتخاب في مدن عدة، لكنه لم يحقق انتصارات ‌كبرى خارج المناطق التي يحظى فيها بتأييد كبير في شمال البلاد وجنوبها.

وقالت آن موكسل، مديرة أبحاث العلوم السياسية في جامعة ساينس بو: «صحيح أن انتخابات البلدية في 2026 لن تجلب فوزاً ساحقاً لحزب التجمع الوطني، بل هي أبعد ما تكون ‌عن ذلك. لكن من المتوقع أن ترسخ (وجوده) في أنحاء فرنسا».

وتركز الانتخابات البلدية عادة على ملفات وقضايا محلية ونتيجتها لا تتوقع بمن سيفوز في انتخابات رئاسية تجرى في أبريل (نيسان) 2027، لكنها تقدم مؤشرات وتوجهات تتعلق بالتأييد الشعبي ونوع التحالفات التي يمكن أن تعقد في مشهد سياسي منقسم.وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية لكونها معياراً لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية إيمانويل ماكرون، في ظل شعور اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للامساك بالحكم.