هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن أميركا أمنياً وإقامة صناعة دفاعية فعّالة؟

طائرة «رافال إف 4» فرنسية خلال تحليق تدريبي في سماء مدينة ليواردن الهولندية (أ.ف.ب)
طائرة «رافال إف 4» فرنسية خلال تحليق تدريبي في سماء مدينة ليواردن الهولندية (أ.ف.ب)
TT

هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن أميركا أمنياً وإقامة صناعة دفاعية فعّالة؟

طائرة «رافال إف 4» فرنسية خلال تحليق تدريبي في سماء مدينة ليواردن الهولندية (أ.ف.ب)
طائرة «رافال إف 4» فرنسية خلال تحليق تدريبي في سماء مدينة ليواردن الهولندية (أ.ف.ب)

أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن أوروبا تتجه صوب امتلاك قدرات دفاعية «قوية وذات سيادة أكبر»، وذلك خلال قمة أزمة عقدها قادة الاتحاد الأوروبي مطلع مارس (آذار) الماضي، لمناقشة جهود إعادة التسلح في مواجهة أي خطر روسي.

وقال رئيس وزراء البرتغال السابق كوستا: «نحن نضع أموالنا في مكانها الصحيح».

إلا أن هناك أسئلة ملحّة يواجهها الاتحاد الأوروبي حاليا، وهي: أين تنفق هذه الأموال: هل يجب توجيه المليارات إلى أوروبا أم إلى الولايات المتحدة؟ هل يجب إنفاق موازنات الدفاع الأوروبية، التي تمولها عائدات الضرائب الأوروبية، على شركات الدفاع في الاتحاد؟ ما الخطة؟

وأيد زعماء الاتحاد الأوروبي، الذين أقلقهم احتمال فك ارتباط الولايات المتحدة بأمن التكتل الأوروبي، وصدام الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، خطة في 20 مارس تهدف إلى تعزيز دفاعات الاتحاد والدعم العسكري لأوكرانيا، فيما تواصل كييف التصدي للغزو الروسي الشامل لأراضيها.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يصافح رئيسة وزراء آيسلندا كريسترون فروستادوتير خلال لقاء في بروكسل (رويترز)

وتقتضي الخطة زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، إذ تتضمن جمع 800 مليار يورو (887 مليار دولار) على مدى السنوات الأربع المقبلة، منها قروض مقدارها 150 مليار يورو لمشاريع التسليح، تجمعها المفوضية الأوروبية عبر أسواق المال، وتدرجها في موازنة الاتحاد الأوروبي.

وتسمح الخطة أيضاً بمنح استثمارات الدول الأعضاء في مجال الدفاع إعفاءات من قواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بالديون.

وتنطوي التدابير الأخرى لإطلاق المزيد من الأموال على دور مهم لبنك الاستثمار الأوروبي، وحشد التمويل الخاص، بفضل استكمال «اتحاد أسواق رأس المال» الأوروبي.

العبرة في التنفيذ

يجب الآن وضع المبادرة موضع التنفيذ، ولكن هذا هو الوضع الذي عادة ما تثار فيه المشاكل الحقيقية في الاتحاد الأوروبي.

وتشكو عدة دول أوروبية من أن الخطة لم تذهب بعيدا بشكل كاف من الناحية المالية. وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إنه يجب التفكير جدياً في مزيد من الاقتراض الجديد على نطاق واسع في الاتحاد الأوروبي.

يشار إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يلجأ إلى «سندات اليورو»، سوى مرة واحدة للتخفيف من التداعيات الاقتصادية خلال فترة جائحة فيروس «كورونا». ومع ذلك، لا تزال دول مثل ألمانيا وهولندا والنمسا تعارض بشدة اللجوء إلى ذلك مجدداً.

وأقرت الحكومة الألمانية، الجديدة، الشهر الماضي إحداث تغييرات في حدود الإنفاق الصارمة لتمهيد الطريق أمام توجيه مئات مليارات اليورو إلى استثمارات جديدة في مجالي الدفاع والبنية التحتية.

رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس (إ.ب.أ)

ورغم ذلك، ليس من المرجح أن تتبع هولندا، التي تتجنب الديون، هذا السبيل، في حين أن الدول المثقلة بالديون مثل إيطاليا وفرنسا قد تفتقر إلى القدرة المالية.

والجانب الشائك الآخر هو مبدأ «شراء المنتجات الأوروبية»، الذي تدافع عنه فرنسا من أجل تعزيز الصناعات الأوروبية، والذي بموجبه تُنفَق الأموال العامة الأوروبية في الاتحاد الأوروبي مع شركات الدفاع الأوروبية.

وهناك انقسام في المواقف، إذ تريد بعض الدول الأعضاء سلسلة قيمة أكثر انفتاحا، وربما حتى بما يشمل الولايات المتحدة.

وأُعدّت مبادرة تشجيع «شراء المنتجات الأوروبية» - التي تنطبق على الـ150 مليار يورو من القروض - لتشجيع المشتريات المشتركة، خاصة في ما يتعلق بالمشاريع الكبرى التي تنطوي على مصلحة جماعية، مثل مجالات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى وطائرات الشحن والاستثمارات السيبرانية أو الفضائية.

وبحسب الخطة، يجب أن تمثل قيمة تجارة الأسلحة بين الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ما لا يقل عن 35% من قيمة السوق في القارة بأكملها بحلول عام2030. وتبلغ الحصة الحالية نحو 15%.

وألقت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس بثقلها وراء هذه الخطوة من أجل تقليص اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في ما يتعلق بمشتريات الدفاع.

وقالت أخيراً خلال اجتماع غير رسمي لوزراء دفاع الدول الأعضاء في التكتل، في وارسو عاصمة بولندا: «نشتري الكثير (من الأسلحة) من الأميركيين في الوقت الحالي، لكننا بحاجة إلى تنويع محفظتنا بحيث تكون لدينا القدرة على إنتاج الذخيرة والأشياء التي نحتاجها هنا».

وقال رئيس وزراء السويد أولف كريسترسون في فبراير (شباط) الماضي: «من الغريب أن يتم شراء 80% من الأسلحة في أوروبا من الولايات المتحدة، في حين أن لدينا صناعة دفاع أوروبية ناجحة».

وأعلنت ألمانيا وفرنسا وبولندا حديثاً خططاً لتعزيز قواتها المسلحة. وتسعى وارسو إلى تخصيص 5% من الناتج الاقتصادي لديها في عام 2026 من أجل الإنفاق العسكري، مقارنة بـ4.7% العام الحالي. كما ترغب بولندا في تيسير وصول الشركات من خارج الاتحاد الأوروبي إلى الإنفاق الدفاعي للتكتل، وهو ما يتعارض مع موقف فرنسا في هذا الشأن.

ولطالما كافحت فرنسا، وهي دولة تمتلك صناعة دفاع متطورة، من أجل أن تطور أوروبا قدراتها على التحرك بشكل مستقل عن الولايات المتحدة في ما يتعلق بالشؤون العالمية. وأعلن الرئيس إيمانويل ماكرون خططا لزيادة طلبات شراء طائرات «رافال» الفرنسية المقاتلة، وقال إن على بلاده الاستعداد للدفاع عن نفسها «إذا ما أردنا تجنب الحرب».

ومن المقرر أن تسلم فرنسا عدة مئات من صواريخ سطح-جو، من طراز «ميسترال»، للدنمارك، بحسب ما أعلنه قصر الإليزيه مطلع أبريل (نيسان). وسعت الدنمارك على مدار الأشهر الأخيرة إلى الحصول على دعم أوروبي في مواجهة تهديدات ترمب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند القطبية.

مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس (إ.ب.أ)

تعاون وصفقات

ووقعت اليونان صفقة للتعاون العسكري مع فرنسا، وطلبت شراء 24 طائرة مقاتلة من طراز «رافال»، وثلاث فرقاطات دفاع وتدخل، طراز «بلهارا». وتبلغ قيمة الصفقة نحو 5.5 مليار يورو.

وتعتزم اليونان استثمار 25 مليار يورو في مجال الدفاع على مدار السنوات الاثنتي عشرة المقبلة، ولكنها لا تقصر مشترياتها على المعدات العسكرية الأوروبية، بل وقعت صفقة لشراء 20 مقاتلة «إف-35» أميركية الصنع.

وتجري كرواتيا، من جهتها، مشتريات أسلحة ومعدات عسكرية من شركات أوروبية وأميركية على حد سواء. وطلبت زغرب العام الماضي، قبل إعادة انتخاب دونالد ترمب، شراء 8 أنظمة «هيمارس الصاروخية إم 142» التي تتميز بسرعة الحركة والدقة العالية، من شركة «لوكهيد مارتن» الأميركية. كما قررت شراء 89 مركبة مشاة قتالية مستعملة طراز «برادلي إم 2 إيه2»، من الولايات المتحدة أيضا، ووقعت صفقة لشراء 8 طائرات هليكوبتر «يو إتس60- إم».

دبابتان من طراز «ليوبارد 2» خلال مناورة عسكرية في مونستر بألمانيا (أرشيفية - رويترز)

واشترت كرواتيا أنظمة دفاع جوي فرنسية، ووقعت «خطاب نوايا» مع ألمانيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للحصول على 50 دبابة قتال رئيسية ألمانية جديدة «ليوبارد 2 إيه»، بسعر مخفض.

في الوقت نفسه، يرى البعض أنه من قبيل الخطأ تحديد أهداف الإنفاق قبل مواءمة نهج الاتحاد الأوروبي.

وفي سلوفاكيا، قال النائب عن حزب سلوفاكيا التقدمي، المعارض ورئيس الوزراء السابق لودفيت أودور: «ينبغي أن تستند جميع أوجه الإنفاق على المستويين الأوروبي والوطني إلى استراتيجية مشتركة يمكن من خلالها إيجاد أوجه التآزر». وأضاف: «دعونا نحددها أولا، ويمكننا بعد ذلك الحديث عن نسب معينة».


مقالات ذات صلة

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ميناء جوادر الاستراتيجي بالمناطق الساحلية الجنوبية من البلاد (إعلام باكستاني)

تباطؤ صادرات باكستان للأسواق الأوروبية على خلفية حرب إيران

سجلت صادرات باكستان إلى الأسواق الرئيسية في غرب وشمال أوروبا نمواً ضعيفاً خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام المالي الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا رئيسا مصر وقبرص يوقّعان إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)

الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقبرص... تقارب سياسي وفوائد اقتصادية

عكس إعلان مصر وقبرص ترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية تقارباً في المواقف السياسية، ورغبة في تعزيز الفوائد الاقتصادية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الاقتصاد عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)

اتفاق أميركي أوروبي في قطاع المعادن لمواجهة الهيمنة الصينية

وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع الولايات المتحدة للتنسيق بشأن إمدادات المعادن الحيوية اللازمة، في ظل ازدياد القلق من هيمنة الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)

الرئيس الصربي يشبّه أوروبا بالإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها

وجّه الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، اليوم السبت، من باريس، انتقادات لاذعة لأوروبا التي وصفها بأنها متأخرة على الصعيد العالمي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.


وزير الخارجية الألماني: الردع ضروري في ظل التهديدات النووية

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية الألماني: الردع ضروري في ظل التهديدات النووية

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الاثنين، إن الردع ضروري في ظل التهديدات النووية، رغم تأكيده دعم منع انتشار الأسلحة النووية.

وذكر، في بيان صدر قبل اجتماعاتٍ من المرتقب أن تركز على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومن المقرر أن يحضرها، هذا الأسبوع، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك: «ما دامت التهديدات النووية مستمرة ضدنا وضد شركائنا، فسوف نحتاج إلى رادع يمكن الثقة فيه».

وأوضح أن المؤتمر سيسعى إلى إيجاد سُبل جديدة لحماية مكتسبات المعاهدة، والتركيز على نزع السلاح النووي.

وأعلنت فرنسا وألمانيا، الشهر الماضي، عن خطط لتعزيز التعاون في مجال الردع النووي، في تحول مهم بالسياسة الدفاعية، في ظل مواجهة أوروبا تهديدات متزايدة من روسيا وعدم الاستقرار المرتبط بحرب إيران.


بريطانيا: القبض على شخص آخر على صلة بهجمات ضد منشآت يهودية

عناصر من شرطة لندن وسط المدينة (إ.ب.أ)
عناصر من شرطة لندن وسط المدينة (إ.ب.أ)
TT

بريطانيا: القبض على شخص آخر على صلة بهجمات ضد منشآت يهودية

عناصر من شرطة لندن وسط المدينة (إ.ب.أ)
عناصر من شرطة لندن وسط المدينة (إ.ب.أ)

ألقت قوات الشرطة المعنية بمكافحة الإرهاب، التي تُحقق بشأن سلسلة من الهجمات على مواقع يهودية في لندن، القبض على شخص (37 عاماً)؛ للاشتباه في تخطيطه لتنفيذ أعمال إرهابية.

ذكرت وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا» أنه جرى إلقاء القبض عليه في موقع بالقرب من بلدة بارنستابلي بجنوب البلاد، أمس الأحد، وفق ما أعلنت شرطة العاصمة، اليوم الاثنين.

وقالت الشرطة إنه جرى إلقاء القبض على 26 شخصاً؛ على خلفية سلسلة من الهجمات التي استهدفت مواقع يهودية منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، وفقاً لما ذكرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقد وقعت عمليات «حرق عمد» استهدفت سيارات إسعاف تابعة للجالية اليهودية في جولديرز جرين، بشمال غربي لندن، وكنيس وجمعية خيرية يهودية سابقة، بالإضافة إلى واقعة تحليق طائرة مُسيرة بالقرب من السفارة الإسرائيلية.