دبلوماسية ماكرون في الشرق الأوسط... لهجة حازمة لا تسفر عن نتائج

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف .ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف .ب)
TT

دبلوماسية ماكرون في الشرق الأوسط... لهجة حازمة لا تسفر عن نتائج

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف .ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف .ب)

يظهر حزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتزايد تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رغبة باريس في الدفع لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، لكنه يخفي أيضاً حالاً من العجز.

ويشارك الرئيس الفرنسي الجمعة بقمة في برلين مع نظيره الأميركي جو بايدن، تضم أيضاً المستشار الألماني أولاف شولتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

وأثارت مواقف نُقلت عن ماكرون وأخرى علنية له هذا الشهر، جدلاً حاداً مع نتنياهو، وقلقاً في صفوف الجالية اليهودية وجزء من الطبقة السياسية في فرنسا.

ودعا ماكرون قبيل ذكرى السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلى «وقف تصدير الأسلحة» المستخدمة في الهجوم الإسرائيلي على غزة ولبنان.

وندد نتنياهو بدعوة ماكرون، معتبراً أنها «عار»، ما دفع الرئيس الفرنسي إلى التأكيد أن «وقف تصدير الأسلحة» لا يعني تجريد إسرائيل من السلاح، لكنه «الرافعة الوحيدة» لوضع حد للنزاعات.

وهذا الأسبوع، نقل مشاركون في جلسة للحكومة الفرنسيّة عن ماكرون قوله لوزرائه إنه ينبغي لنتنياهو «ألا يتجاهل قرارات الأمم المتحدة» و«ألا ينسى أن بلاده أُنشِئت بقرار من الأمم المتحدة»، في إشارة إلى تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 على خطة لتقسيم فلسطين دولتين يهودية وعربية.

وأثارت هذه التصريحات حول قيام دولة إسرائيل جدلاً كبيراً وغضباً في أوساط المؤسسات اليهودية في فرنسا ولدى بعض الطبقة السياسية.

وسارع نتنياهو إلى الرد قائلاً إن دولة إسرائيل نشأت نتيجة «الانتصار» في حرب عام 1948، لا نتيجة قرار أممي.

وقال نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه: «تذكير لرئيس فرنسا: لم تنشأ دولة إسرائيل بقرار من الأمم المتحدة، بل بموجب الانتصار في حرب الاستقلال الذي تحقق بدماء المقاتلين الأبطال، وبينهم الكثير من الناجين من المحرقة، خصوصاً من نظام فيشي في فرنسا».

وبعد صمت استمر 48 ساعة ندد ماكرون مساء الخميس بـ«قلة مهنية... وزراء» اتهمهم بأنهم نقلوا عنه «تصريحات محرّفة»، و«صحافيين» كرروا هذه التصريحات، و«مُعلّقين» لم يتحققوا من صحتها.

«تفعل ما تريد»

يأتي هذا الجدل في وقت لا تخفي بعض الجهات الفاعلة في الدبلوماسية الفرنسية تشاؤمها بقدرة المجتمع الدولي على وقف التصعيد في المنطقة.

وقال مسؤول فرنسي: «إن أدوات الإكراه المتاحة لنا محدودة طبعاً، ويجب أن نكون واقعيين».

وقال السفير السابق جيرار آرو: «نحن عاجزون من ناحيتين: أولاً لأن إسرائيل تفعل ما تريد وليس لدينا أي تأثير، ولكن هذا هو حال جميع الأوروبيين». وأضاف: «ثم، بسبب التوترات المجتمعية لدينا» في مواجهة هذا «النزاع الذي يثير كثيراً من العواطف».

ورأى أن ماكرون «فقد ثقة مؤيدي إسرائيل»، وعليه «أن يلتزم الصمت»، أو أن يرفع صوته بالتنسيق «مع أوروبيين آخرين» حتى يكون لمبادراته تأثير أكبر.

وتخشى باريس أسابيع «صعبة» تفصل عن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة قد تُشل خلالها الدبلوماسية الأميركية، الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل، لكنها لا تستبعد أن يتمكن الرئيس الأميركي جو بايدن بعد الانتخابات من تحقيق انفراجات في الشرق الأوسط خلال الفترة الانتقالية السابقة لتنصيب مَن سيخلفه في يناير (كانون الثاني).

وأعرب إيمانويل ماكرون وقادة غربيون آخرون عن الأمل بأن يمثل مقتل زعيم حركة «حماس» يحيى السنوار، بعد عام من الهجوم غير المسبوق الذي شنته الحركة الفلسطينية على إسرائيل، فرصة يجب اغتنامها من أجل «وقف الحرب». لكن أحد الدبلوماسيين رأى أن مقتل السنوار أدى إلى خسارة مفاوض على وقف النار وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة، وقد يؤدي إلى تعزيز موقف القادة الإسرائيليين الأكثر تشدداً، في خططهم الرامية إلى إعادة تحديد التوازن في الشرق الأوسط بالقوة.

وحذر دبلوماسيون في فرنسا من أن نموذج الحرب التي قادتها واشنطن في العراق بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، يظهر أن الأمور قد تنتهي بشكل سيئ. ولكن هل لدى الدبلوماسية الفرنسية قدر كافٍ من النفوذ لمنع ذلك؟

«صوت مسموع»

وأعرب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الجمعة، في حديث لقناة «فرنس إنتر» عن «اعتقاده» أن فرنسا تملك قدراً كافياً من النفوذ.

واعتبر أن حرص نتنياهو على الرد مرتين خلال عشرة أيام على الرئيس الفرنسي يؤكد أن «صوت فرنسا مسموع».

وشدّد ماكرون على أن «فرنسا تؤدي دوراً نشطاً في الشرق الأوسط».

ويواصل الرئيس الفرنسي إعلان مواقف وطرح مبادرات في هذا السياق، على غرار المؤتمر الهادف إلى دعم لبنان والمقرر عقده الخميس في باريس.

وأكدت فرنسا أنها إحدى القوى القليلة التي تتحدث مع كل الأطراف، وبينهم بنيامين نتنياهو على الرغم من «الاختلافات»، بحسب الإليزيه، وقادة لبنان الذي يربطها به تقارب تاريخي، وأيضاً مع إيران، وحتى مع الجناح السياسي لـ«حزب الله».

وقال الموفد الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان، في حديث لصحيفة «لا تريبون»، الأحد: «علينا أن نتحدث معه (حزب الله)، وأنا أتحدث معه بنفسي؛ لأنه ممثل في البرلمان اللبناني».

ومع ذلك، فإن عدم تحقيق تحرك ماكرون ومهمة لودريان الأخيرة في لبنان نتائج ملموسة، يظهر أن لهذه الجهود حدوداً.


مقالات ذات صلة

«الصحة» في غزة تحذر من توقف مولدات المستشفيات بسبب نقص الزيوت وقطع الغيار

المشرق العربي الأطباء يجرون عملية جراحية لمريض في غرفة العمليات الجراحية بمجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة في 9 أغسطس 2025 حيث تعاني مستشفيات غزة من نقص في الغذاء والإمدادات الأساسية بما في ذلك الأدوية والوقود (أ.ف.ب)

«الصحة» في غزة تحذر من توقف مولدات المستشفيات بسبب نقص الزيوت وقطع الغيار

حذّرت وزارة الصحة في قطاع غزة اليوم (السبت)، من خطر تعطّل مولدات الكهرباء في المستشفيات المتبقية عن العمل بسبب النقص الحاد في الزيوت اللازمة لتشغيل المحركات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال لقاء سابق مع غوتيريش على هامش «قمة بريكس» في الهند سبتمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

غوتيريش في مصر... حراك أممي بشأن أزمات المنطقة

زيارة جديدة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى القاهرة، بدأت السبت، على أمل أن تسهم في حل أزمات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

كثّفت «اللجنة المصرية» في قطاع غزة من تحركاتها مؤخراً مع تردي الأوضاع الإنسانية وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر.

أحمد جمال (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينية تهتم بطفلة تتلقى العلاج من حروق أصابتها إثر هجوم إسرائيلي على مبنى سكني قتل والديها بمدينة غزة في 15 أكتبر 2026 (د.ب.أ)

الغزيون يأملون رحيل نتنياهو... وتغيير واقعهم بعد انتخابات «الكنيست»

يتطلع سكان قطاع غزة لرحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بنيامين نتنياهو، عن الحكم، بعدما خاض 3 سنوات من أقسى الحروب ضدهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

احتجاجات تجتاح مدناً إيطالية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
TT

احتجاجات تجتاح مدناً إيطالية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة

تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)
تظاهرة احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة في مدينة تورينو بإيطاليا (إ.ب.أ)

شهدت مدن إيطالية كبرى، السبت، احتجاجات اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة تخللت بعضها أعمال عنف، وذلك بعد أسبوع من اندلاع اضطرابات في أنحاء البلاد.

ونشرت السلطات أعداداً كبيرة من الشرطة، بينما أغلقت متاجر كثيرة أبوابها احترازياً خشية وقوع أضرار محتملة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت التظاهرات عقب اشتباكات وقعت، مطلع الأسبوع الماضي، بين محتجين والشرطة والتي شهدت أعمال نهب للمتاجر وتخريب للممتلكات.

واتسمت تظاهرات اليوم بالعنف في تورينو وروما وبولونيا، حيث اندلعت مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين. أما في ميلانو، فكانت الاحتجاجات سلمية إلى حد بعيد.

متظاهر يحمل لافتة أمام الشرطة خلال تظاهرة في بولونيا بإيطاليا (رويترز)

ولم يرصد مراسلو وكالة «رويترز» أي أعمال نهب للمتاجر أو تخريب للممتلكات.

وبعد انتشار دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم مزيد من التظاهرات خلال الأسبوع الحالي، اتخذت السلطات ترتيبات أمنية واسعة، ونشرت أعداداً كبيرة من الشرطة لمنع تكرار أعمال العنف التي وقعت، مطلع الأسبوع الماضي.

وفي وقت سابق من اليوم، قالت الشرطة الإيطالية إنها احتجزت شخصاً يشتبه في صلته بتنظيم «حركة 17 أكتوبر» التي قادت احتجاجات، الأسبوع الماضي، واقتادته إلى مقر الشرطة في ميلانو لاستجوابه.


إعادة انتخاب بارديلا رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا

مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
TT

إعادة انتخاب بارديلا رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا

مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)
مارين لوبان وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

أعيد انتخاب جوردان بارديلا، المقرب من مارين لوبان والمرشح الرئاسي الفرنسي المحتمل، رئيساً لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، خلال مؤتمر للحزب انعقد في مدينة أورليون، جنوب باريس، وفقاً لما أعلنه الحزب عبر منصة «إكس» اليوم السبت.

وتزامن المؤتمر مع احتجاجات مناهضة للحزب.

وذكرت وسائل إعلام فرنسية أن بارديلا حصل على نحو 99 في المائة من الأصوات، فيما بلغت نسبة المشاركة قرابة 68 في المائة. ولم تكن النتيجة مفاجئة، حيث كان بارديلا 31 عاماً المرشح الوحيد للمنصب الذي يتولاه منذ عام 2022.

وينظر إلى بارديلا باعتباره مقرباً من لوبان، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنها ستتصدر حالياً قائمة المرشحين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وفي حال تعذر ترشح لوبان بسبب إدانتها في قضية اختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي، فإن بارديلا يعد البديل الأبرز في صفوف الحزب.

ومن المقرر أن تنظم لوبان أول فعالية رئيسية ضمن حملتها الانتخابية غداً الأحد، عقب إعادة انتخاب رئيس الحزب.

ووفقاً للسلطات الإدارية المحلية، تظاهر نحو 13 ألف شخص ضد فعالية الحزب في أورليون، قرابة منتصف نهار اليوم. وأفادت السلطات بأن المسيرة مرت بصورة سلمية عبر المدينة، وعدلت السلطات مسارها مسبقاً.

وفي تلك الأثناء، أعلن عمدة المدينة فرض حظر تجوال ليلي على الأطفال والشباب، بهدف منع الإخلال بالنظام العام والحد من مخاطر اندلاع اضطرابات.


إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
TT

إجراءات أمنية غير مسبوقة تجنّب فرنسا تكرار «السبت الأسود»

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)
انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

نادراً ما عرفت فرنسا انتشاراً أمنياً كالذي شهدته البلاد في سبت التعبئة الثاني، الذي دعت إليه النقابات و«السترات الصفراء» والطلاب بدعم ومشاركة من أحزاب اليسار والخضر.

فالهم الأول للسلطات كان ألّا تشهد البلاد نسخةً جديدةً من العنف والمواجهات والحرائق، خصوصاً أعمال الشغب والنهب والسرقة التي طالت ما لا يقل عن 3 آلاف مخزن ومتجر، فضلاً عن إحراق مبنى بلدية مدينة ليموج التاريخي ومبنى المركز السياحي التاريخي أيضاً في مدينة ليون، ثالث المدن الفرنسية، ومقر رئيسة بلدية بوردو، واقتحام مقر بلدية مرسيليا.

جانب من الاشتباكات التي شهدتها مدينة ستراسبورغ يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

والصور التي نقلتها القنوات العالمية عمّا حصل في باريس ومدن أخرى كانت سيئة، لا بل مهينة للحكومة الفرنسية، التي أقرَّ وزير داخليتها، لوران نونيز، الاثنين الماضي، بأن قواته «فقدت السيطرة على الوضع». ورغم اعتقال، نهاية الأسبوع الماضي، 3 آلاف من المتظاهرين والمشاغبين والسارقين وسوقهم أمام المحاكم، فإنَّ الحذر الحكومي كان سيد الموقف.

وانعكس ذلك في التعبئة الأمنية الاستثنائية ليوم السبت. وبحسب وزارة الداخلية، فقد تمَّ نشر 70 ألف رجل شرطة ودرك مدعومين بفرق مكافحة الشغب وفرق النخبة المتخصصة الأخرى في قوى الأمن الداخلي. كذلك، استُدعيت وحدات من الجيش وفرق الخيالة والطوافات والمسيّرات والسيارات المصفحة. وباختصار، فإن السلطات أخرجت من ثكناتها كل ما تمتلكه للمحافظة على الأمن ودرء اتهامها بـ«التقصير». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد اتهم جماعات من أقصى اليسار بأنها «تسعى لإسقاط الجمهورية».

شرطي يقف وراء سحابة من الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة في بوردو يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

واستبق نونيز، في كلمة له صباح السبت، انطلاق المظاهرات عبر البلاد ليؤكد «وجود دعوات مهمة صادرة عن حركات سياسية ومجموعات من المشاغبين لإثارة البلبلة»، في إشارة إلى اليسار الأكثر تطرفاً وراديكالية. وفي ردٍّ مسبق على الاتهامات الموجَّهة للقوى الأمنية بالإفراط باستخدام القوة، طمأن نونيز قواته بأنها «تحظى بدعم القيادات ووزير الداخلية»، مشيراً إلى أنها «تعمل في الإطار الشرعي والقانوني»، وأنَّ ردود فعلها «متناسبة» مع ما يقتضيه الوضع. واستطرد قائلاً: «لن نتساهل مطلقاً مع مثيري الشغب وممارسي أعمال النهب»، متعهداً بتنفيذ تدخلات أمنية «تتسم بقدر كبير من الحزم».

اتهامات للسلطة

لم تكتفِ السلطات بذلك، إذ عمدت عبر المديرين الأمنيِّين في المدن الكبرى والأقاليم إلى حظر التجول في المناطق الحساسة في المدن، وتعطيل حركة النقل العام، ومنع كثير من المظاهرات.

شارك 110 آلاف شخص في مظاهرة باريس التي انتهت باشتباكات محدودة مع رجال الأمن يوم 24 أكتوبر (رويترز)

كذلك، لجأت إلى «تكتيك» معروف يقوم على تحديد مسارات للمظاهرات التي سمحت بحصولها بعيداً عن وسط المدن ومقرات السلطة والشوارع التجارية، بحجة تجنب التكسير والنهب، وهو ما حصل في باريس ومرسيليا وأورليان وغيرها من المدن. وصدرت قرارات بمنع التظاهر في مدن كثيرة منها نيس، ومونبلييه، وبوردو، ونانسي، وميتز، وبيزانسون، وروان، وتولون، ولو هافر.

وحتى صباح السبت، كان الجدل ما زال قائماً بين النقابات التي دعت إلى التظاهر في باريس وبين مديرية الشرطة حول مسار المظاهرة الوحيدة في العاصمة التي سمح بها. وغيَّرت مديرية الشرطة مسارها في الساعات الأخيرة ما أوجد حالةً من البلبلة. إلا أنها انطلقت، في النهاية، من «ساحة إيطاليا» باتجاه شرق باريس وصولاً لما يُسمى «مدخل فانسان». واتهم بنجامين بال، الناطق باسم «تنسيقية السترات الصفراء»، الحكومة بانتهاك «حرية التظاهر» وانتهاج «سلوك سلطوي».

وفي باريس، أغلقت المتاحف أبوابها بوجه الزوار، وأولها متحف اللوفر، وتبعته متاحف «أورسيه»، و«بيكاسو»، و«القصر الكبير»، و«القصر الصغير».

وبالتوازي، توقّفت الزيارات في «قصر فرساي» منذ الظهيرة، وكذلك حال «المكتبة الوطنية الكبرى» و«أوبرا باريس» و«أوبرا باستيل». ولإعاقة تنقلات المتظاهرين وقطع الطريق على المشاغبين، أُغلقت كثير من محطات المترو وتوقف السير في عدد من الخطوط، بينما الأمر نفسه ينطبق على حافلات التروماي. وعمدت الشركة المشغلة للدراجات الهوائية في باريس، التي أُحرق كثير منها الأسبوع الماضي في «السبت الأسود»، إلى إغلاق 110 مراكز.

وباختصار، فإنَّ باريس نادراً ما شهدت هذا النوع من التدابير الأمنية التي حوَّلتها بشكل ما إلى «مدينة تحت الحصار».

مناوشات محدودة

الواضح أن هذه التدابير، مقرونة بالطقس العاصف، نجحت في خفض حدة التوتر. فبدت مظاهر العنف التي سادت نهاية الأسبوع الماضي أقلّ انتشاراً.

في باريس، أفادت مصادر الشرطة بأن 110 آلاف شخص شاركوا في المظاهرة وهي الوحيدة التي سُمح بها. وهذا العدد يتطابق مع عدد متظاهري العاصمة الأسبوع الماضي. وبعد أن سارت المظاهرة في العاصمة بهدوء، حصلت اشتباكات محدودة بنهايتها بين مجموعة من الأشخاص الملثمين ورجال الشرطة الذين عمدوا إلى توقيف العشرات من الأشخاص.

متظاهر خلال اشتباكات مع قوات الأمن خلال مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وسعت هذه المجموعة إلى إقامة حواجز في الشوارع، وألقت الحجارة وكل ما وقع بين يديها على الأمن الذي ردَّ بالقنابل المسيلة للدموع. وتسعى القوى الأمنية إلى منع هؤلاء المشاغبين من التفرُّق والولوج إلى أحياء العاصمة، بينما المواجهات تدور على أحد مداخلها.

وفي مدينة ليون، ثالث أكبر المدن الفرنسية، جرت عمليات كر وفر، وسعت قوات الأمن إلى منع مجموعات من المتظاهرين من الوصول إلى وسط المدينة. كذلك حصلت مناوشات محدودة في مدينة بوردو، رغم منع المظاهرة التي جمعت 15 ألف متظاهر. والأمر نفسه تكرَّر في مدينة كليمرون فيران (وسط فرنسا) مع القوى الأمنية التي لجأت، كالعادة، إلى استخدام الغاز المسيل للدموع.

أما في مدينة أورليان (جنوب باريس)، حيث يلتئم المؤتمر العام لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، كان التوتر أكثر حدة. فقد خرج الآلاف من الرافضين لـ«التجمع الوطني» وآيديولوجيته للتظاهر. وحرصت مديرية الشرطة على منع الاحتكاك بينهم وبين أنصار لوبان، كما منعت مظاهرة مقررة الأحد.

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتفيد استطلاعات الرأي بأن لوبان هي الأوفر حظاً في التأهل للجولة الانتخابية الحاسمة والفوز برئاسة الجمهورية في رابع محاولة لها. وليس سراً أن حالة فرنسا، خصوصاً المالية، تثير قلق شركائها في الاتحاد؛ بسبب ارتفاع مديونيتها (3600 مليار يورو)، وفائدة استدانتها (أكثر من 5 في المائة)، ونسبة الدين لناتجها الداخلي الخام (119 في المائة).

في أي حال، كان مرتقباً أن يتراجع العدد العام للمتظاهرين؛ بسبب منع التظاهر في عشرات المدن. كذلك، فإن كثيراً ممن تظاهروا الأسبوع الماضي (ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر) عدلوا عن النزول إلى الشوارع؛ إما بسبب الخوف من القنابل المسيلة للدموع، أو من الأسلحة الأخرى غير المميتة التي تستخدمها وحدات محاربة الشغب، ومن بينها القنابل الصوتية وقنابل فك الحصار (عن رجال الأمن) والرغبة في الابتعاد عن المشاغبين والغوغائيين واللصوص.

ولم يعرف ما إذا كان انفتاح الحكومة على الطلاب قد كان له أثر إيجابي. فالرئيس ماكرون استقبل ممثلين عنهم الجمعة، بينما يتوقّع أن يستقبلهم رئيس الحكومة الاثنين. ولم تتغيَّر المطالب؛ إن كان بالنسبة لطلبة التعليم الثانوي أو الجامعي، التي تتلخص بتوفير الأساتذة البدلاء، وإصلاح الأوضاع المادية للمدارس، والتخلي عن آلية توجيه الطلاب في المرحلة الجامعية، وتوفير ما لا يقل عن 250 ألف فرصة مقعد جامعي من مختلف الاختصاصات.

وسار التلامذة والطلاب، السبت، إلى جانب النقابات العمالية و«السترات الصفراء»، ما يعكس الترابط بين الأطراف؛ ذلك أن الجميع يشكو من غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية مع مطالبة عامة برفع الرواتب، وتحديداً رواتب الحد الأدنى. بينما «السترات الصفراء» تشكو من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز، وكلها تسهم في تدهور المستويات المعيشية. ويحصل ذلك كله وسط مناخ اجتماعي وسياسي متوتر بينما البلاد تتأهب لخوض الانتخابات الرئاسية بعد أقل من 200 يوم.

ميلونشون يتصدَّر مظاهرة باريس

وكما في الأسبوع الماضي، تصدَّر جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» المسيرة الباريسية، محاطاً بمسؤولين من حركته.

رجل شرطة خلال دورية قرب جادة «شانزليزيه» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وتتهم الحكومة واليمين، بجناحيه التقليدي والمتطرف والإعلام الموالي له، ميلونشون بالنفخ في نار التمرُّد، واستغلال المظاهرات سياسياً؛ الأمر الذي ينفيه قطعاً. ونبّه الأخير الرئيس ماكرون إلى أن عليه التجاوب مع المطالب المرفوعة. وحذَّره من أنه إذا لم يفعل، فإنه «سيفهم أن ما يحصل (اليوم) سوف يتكرَّر كل أسبوع».

وتتجه الأنظار منذ الآن إلى الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث أطلقت نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» القريبة من «الحزب الشيوعي» دعوةً من أجل إضراب عام، ما يعني عملياً أن البلاد دخلت في دوامة من الحراك.

ويُجمع المراقبون على أن حصر التعامل مع الاحتجاجات في الجانب الأمني لن يسهم في إطفائها، وبالتالي فإنها تحتاج لحلول سياسية واقتصادية ومالية. لكن وضع ميزانية الدولة لا يتيح للحكومة أن تتجاوب مع رفع الرواتب أو تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم الثانوي. من هنا، فإن ما يحصل راهناً لن يكون نهاية الحراك الاجتماعي.