استهداف أوكرانيا مرافق الطاقة الروسية رد «منصف» وأهداف عسكرية مشروعة

الكرملين عدّ الضربات موجعة ولها تأثير «محدود للغاية» لكنها ليست قاضية

محطة للطاقة بخاركيف استهدفتها روسيا في مارس الماضي (أ.ب)
محطة للطاقة بخاركيف استهدفتها روسيا في مارس الماضي (أ.ب)
TT

استهداف أوكرانيا مرافق الطاقة الروسية رد «منصف» وأهداف عسكرية مشروعة

محطة للطاقة بخاركيف استهدفتها روسيا في مارس الماضي (أ.ب)
محطة للطاقة بخاركيف استهدفتها روسيا في مارس الماضي (أ.ب)

تفيد أوكرانيا بأن استهدافها مرافق الطاقة الروسية رد «منصف» على الهجمات الروسية على البنى التحتية التابعة لها المخصصة للكهرباء، والتي أدت إلى غرق ملايين السكان في الظلام، وهو أمر يتفق معه كثيرون في الغرب. وقال مسؤول غربي رفيع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم الكشف عن هويته: «نتحدّث عن منتجات مكررة يستخدمها الجيش، لذلك فإنها أهداف عسكرية مشروعة تماماً». وأضاف: «يضغط ذلك على آلة الحرب الروسية».

محوّل كهرباء جرى إعطابه بغارة روسية على كييف (رويترز)

لكن مع تواصل الحرب على مدى عامين ونصف العام، تفيد تقارير بأن الجانبين يشعران بالإنهاك من استهداف مواقع الطاقة. وذكرت «واشنطن بوست» في منتصف أغسطس (آب)، أن الجانبين أرادا التوصل إلى اتفاق بشأن وضع حد للهجمات على منشآت الطاقة في إطار «وقف جزئي لإطلاق النار»، لكن هجوم أوكرانيا على منطقة كورسك أخرج الخطط عن مسارها. وقلل مصدر في الرئاسة الأوكرانية من أهمية المقترح، قائلاً إن كييف خططت لاجتماع بشأن أمن الطاقة، لكن مع البلدان التي شاركت في قمة يونيو (حزيران) للسلام في سويسرا فحسب، وهو اجتماع لم تُدعَ إليه روسيا. وقال مسؤول في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الضربات ستتواصل في الوقت الحالي». وأضاف أن «عددها ومداها يزدادان».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال تسليم مولدات كهرباء (رويترز)

ونقلت وكالات أنباء روسية عن وزارة الدفاع قولها السبت، إن قوات روسية ضربت منشآت للطاقة في أوكرانيا الليلة الماضية، مستخدمة أسلحة عالية الدقة وطائرات مسيرة. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الجمعة، خلال زيارة لكييف، أن الاتحاد الأوروبي يعتزم إقراض أوكرانيا 35 مليار يورو (39 مليار دولار) من فوائد الأصول الروسية المجمدة لديه مع اقتراب فصل الشتاء، بينما تواصل روسيا هجماتها على البنى التحتية للطاقة في البلاد.

وحذرت الوكالة الدولية للطاقة الخميس، من أن الشتاء المقبل سيكون «الاختبار الأشد حتى الآن» لشبكة الطاقة في أوكرانيا، بينما أعلن الاتحاد الأوروبي عن مساعدات إضافية لتمكين البلاد من الصمود في وجه هجمات روسيا على البنى التحتية للطاقة.

وبحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة فإنه في عامي 2022 و2023 «نحو نصف قدرة توليد الطاقة في أوكرانيا، إما تم احتلالها من قبل القوات الروسية أو تدميرها أو تخريبها، وتضرر نحو نصف محطات الشبكة الكبيرة بسبب الصواريخ والطائرات من دون طيار». وقال التقرير: «نجحت منظومة الطاقة بأوكرانيا في اجتياز الشتاءين الماضيين (...) لكن هذا الشتاء سيكون، إلى حد بعيد، أصعب اختبار لها حتى الآن».

ومع خسارة أوكرانيا أكثر من ثلثي قدرتها على إنتاج الكهرباء منذ بدء الحرب، حذر التقرير من «فجوة هائلة بين إمدادات الكهرباء المتاحة والطلب في أوقات الذروة».

أوكرانيون يحتمون بأنفاق المترو في كييف من الهجمات الروسية أمس (إ.ب.أ)

وعندما أطلقت أوكرانيا عملية عسكرية كبيرة لاستهداف منشآت النفط والغاز الروسية قبل 9 أشهر، كانت أهدافها واضحة: الإضرار بموسكو مالياً وتعطيل البنى التحتية المستخدمة لدعم الغزو. لكن بينما حدّت الضربات من إمكانات التكرير الروسية، كان التأثير الأوسع على القطاع محدوداً حتى الآن.

وتعدّ مصافي التكرير ومخازن النفط قوة هائلة محرّكة للاقتصاد الروسي، إذ ولّدت عائدات تصدير بقيمة أكثر من 17 مليار دولار في يوليو (تموز)، بحسب كلية كييف للاقتصاد. ومنذ ضربت محطة أوست-لوغا الروسية الضخمة للوقود المطلة على بحر البلطيق في يناير (كانون الثاني)، أعقبت أوكرانيا التحرّك بعدة هجمات استهدفت 10 مصافٍ روسية على الأقل.

وخفضت الضربات مجتمعة إمكانات التكرير الروسية بنحو «16 في المائة» بمرحلة ما في مارس (آذار)، أو ما يعادل نحو 1.1 مليون برميل يومياً، بحسب رئيس قسم الطاقة الروسية لدى شركة «إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس» (S&P Global Commodity Insights) للتحليل، ماثيو سيغرز.

وردّت شركات النفط الروسية سريعاً على الهجمات المتكررة، إذ سارعت لإعادة تشغيل المصافي والحصول في بعض الحالات على أنظمة دفاعية خاصة بها.

رجال إنقاذ يعملون على إخماد حريق تسبب فيه القصف الروسي بمنطقة أوديسا يوم 26 أغسطس (أ.ف.ب)

وقال سيرغي فاكولنكو من مركز «كارنيغي لروسيا وأوراسيا»: «عاد كثير من المصافي للعمل بعد أسبوعين أو ثلاثة من أعمال الصيانة»، رغم أنه حذّر من أن الأمر يعتمد على حجم الأضرار. كما تمكّنت شركات كبرى من إعادة تحويل النفط إلى مواقع بعيدة عن أوكرانيا، بحسب سيغرز. وفي بعض الحالات «استخدمت دفاعاتها الخاصة بها». وقال: «اشتروا أسلحة نارية مضادة للطائرات، وثبّتوا وجلبوا شبكات معدنية مضادة للمسيّرات».

وقال الكرملين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات الأوكرانية كان لها تأثير «محدود للغاية». لكن نائب رئيس الوزراء المعني بشؤون الطاقة ألكسندر نوفاك، أقر بأن منعها «بنسبة 100 في المائة أمر مستحيل».

ومددت الحكومة الروسية أيضاً حظراً لصادرات البنزين حتى نهاية العام، في خطوة تقول إنها نتيجة خضوع المصافي إلى «أعمال صيانة مقررة مسبقاً». لكن محللين ربطوا القرار بهجمات كييف.

وبعد أعمال الصيانة التي تم القيام بها في الأشهر الأخيرة، تراجع حجم إمكانات التكرير الخارجة عن الخدمة «إلى صفر في المائة تقريباً»، بحسب سيغرز، باستثناء منشأة كبيرة استُهدفت في موسكو مطلع سبتمبر (أيلول). لكن الضربات بقيت موجعة بالنسبة لموسكو.

وقال سيغرز إن تكلفة الأضرار «تتراوح من بضعة ملايين إلى عشرات ملايين الدولارات» لكل ضربة.

ويقع أكثر من 60 في المائة من مصافي روسيا الكبيرة البالغ عددها 30 أو نحو ذلك (وهي مجمّعات كبيرة عادة يسهل استهدافها)، ضمن مسافة 1300 كيلومتر عن مواقع إطلاق المسيّرات في أوكرانيا.

وبالنسبة لأوكرانيا، فإن القدرة على تعطيل المصافي باستخدام «من 5 إلى 50 كيلوغراماً من المتفجرات» تتجاوز في أهميتها بأشواط تكلفة تنفيذ الضربات بالمسيّرات، بحسب فاكولينكو الذي أعد تقريراً في هذا الشأن. وقال إن «كل هجوم يكلّف على الأرجح ما بين مليون و5 ملايين دولار لكل غارة وموقع، وهو ثمن ضئيل نسبياً لمهاجمة هدف بمليارات الدولارات».


مقالات ذات صلة

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

تحليل إخباري جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً، فحرب أوكرانيا غيّرت كل شيء وخطر المواجهة الأكبر أصبح أكثر جدية.

أنطوان الحاج
أوروبا عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب) p-circle

5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

أسفرت ضربات مسيّرات روسية عن مقتل 5 أشخاص، الجمعة، في وضح النهار في كييف، بعدما أعلنت أوكرانيا حصولها على موافقة نهائية من ترمب لإنتاج صواريخ «باتريوت» محلياً.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث في سان بطرسبورغ (رويترز)

بوتين: روسيا لا تستعد لأي صراع مع أوروبا

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة، أن بلاده «لا تستعد لأي نوع من أنواع الصراع مع أوروبا».

«الشرق الأوسط» (سان بطرسبورغ)
أوروبا ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت» p-circle

ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت»

حسم الرئيس دونالد ترمب قراراً يسمح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، دخلت القارة مرحلة أمنية جديدة تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الهجمات السيبرانية والتخريب وانتهاكات المجال الجوي وحملات التضليل والضغط على البنية التحتية. والمقلق أن أوروبا تتحدث على نحو متزايد عن الاستعداد لحرب محتملة مع روسيا في نهاية العقد، مع أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) يواصل التأكيد أن لا مؤشرات تُنبئ بهجوم وشيك.

المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير خلال زيارة لقاعدة فورفنيخ الجوية في غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

المشهد الأوروبي يحمل إذاً رسالتين متوازيتين: الأولى أن خطر المواجهة الأوسع أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، والثانية أن الحرب الشاملة ليست، راهناً، السيناريو المتوقع غداً أو بعد غد. فالمخاوف الحالية ترتبط بصورة أساسية بتراكم أحداث «الحرب الهجينة»، وباحتمال أن تستخدم موسكو عمليات محدودة أو خفيّة لاختبار مدى استعداد الحلف للرد.

وتتزايد الدلائل على ذلك. فقد شهدت الأشهر الأخيرة حوادث مرتبطة بالمجال الجوي، بينها إسقاط مقاتلات تابعة للناتو طائرة مسيّرة روسية فوق ليتوانيا، وحوادث أخرى شملت طائرة عسكرية روسية وسفينة روسية ومروحية عسكرية دنماركية. وفي ألمانيا، رُبطت محاولة هجوم بطائرة مسيّرة في مطار لايبزيغ بشخص يُشتبه في ارتباطه بروسيا. وفي الوقت نفسه، تتحدث حكومات أوروبية عن تصاعد عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية واستهداف البنية التحتية.

*استعدادات ميدانية

ولم يعد الأمر مقتصراً على التحذيرات السياسية، فألمانيا تستعد لاحتمال استقبال أعداد كبيرة من المصابين في المستشفيات، فيما حدّثت ليتوانيا خطط إجلاء المدنيين، وتكثفت المناورات العسكرية في منطقة بحر البلطيق والدول الإسكندنافية. وأجرت القوات الألمانية والسويدية تدريبات مشتركة قرب جزيرة غوتلاند الاستراتيجية، في وقت تجري فيه قوات «الناتو» تدريبات أخرى بالقرب من جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا والبعيد عن الحدود الروسية نحو 360 كيلومتراً.

علم حلف شمال الأطلسي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل لا يتعلق فقط بما يحدث الآن، بل بموعد الحرب الذي يتردد في أوروبا سراً وعلناً: 2029 – 2030.

لماذا تحديداً نهاية العقد؟

التفسير الرسمي الأوروبي والأطلسي لا يقول إن الحرب ستندلع بحلول عام 2030. بل إن التقديرات تتحدث عن الفترة التي يمكن أن تكون فيها روسيا قد أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد الحرب في أوكرانيا، وأعادت تجهيز قواتها بما يكفي لتهديد الجناح الشرقي لـ«الناتو». ويوضح الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني (أعلى رتبة عسكرية في ألمانيا)، أن الكلام عن تاريخ معيّن ليس نبوءة، بل تقدير زمني لقدرة الجيش الروسي المحتملة على استعادة قوته. وحسب التقديرات المنسوبة إلى الناتو، يمكن أن تكون موسكو، بحلول نهاية العقد، قد راكمت الموارد والقدرات اللازمة لشن هجوم محتمل.

وهنا تظهر معضلة أوروبا السياسية. فكلما تكررت التحذيرات من حرب محتملة في 2029 أو 2030، أصبح التاريخ نفسه جزءاً من الوعي العام. والأهم أن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى رفع الإنفاق الدفاعي، والحكومات تعيد بناء قدراتها العسكرية، و«الناتو» يكثّف تدريباته، بينما تتحول فكرة الاستعداد لحرب مستقبلية إلى سياسة دائمة.

آثار قصف روسي بالصواريخ في العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

وقد عبّر الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، عن هذا المنطق بالقول إن أوروبا «آمنة الآن»، لكنها قد لا تكون كذلك بعد ثلاث إلى خمس سنوات، مستخدماً هذا الإطار الزمني لدفع خيار زيادة الإنفاق الدفاعي. وفي المقابل، تحدث مسؤولون أوروبيون عن ضرورة الاستعداد للرد على «العدوان الروسي»، لا عن قرار أوروبي بخوض حرب مع روسيا.

*بين الوقاية والعلاج

انطلاقاً من هذا، يمكن فهم أحد أكثر جوانب المشهد إثارة للاهتمام: هل تعمل أوروبا على منع الحرب، أم أنها بدأت تتعامل معها باعتبارها نتيجة محتملة لا بد من الاستعداد لها؟

الفرق ليس لغوياً فقط. فالاستعداد العسكري يمكن أن يكون أداة ردع، وقد يكون الهدف منه إقناع الخصم بأن كلفة الهجوم ستكون مرتفعة. لكن كثافة الخطاب حول الحرب يمكن، في المقابل، أن تجعل سيناريو كان يبدو مستبعداً قبل سنوات جزءاً من النقاش السياسي اليومي.

طائرتان مقاتلتان روسيتان من طراز «سوخوي 35» (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا السياق، بدأت بعض الأصوات الأوروبية تدعو في الوقت نفسه إلى العودة إلى الحوار مع موسكو. وقال الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، إن الوقت حان لكي يبدأ الاتحاد الأوروبي فتح قنوات اتصال مع روسيا، فيما تحدث رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن استعداد أوروبا لاحتمال إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا. ويناقش الاتحاد الأوروبي تحديد جهة اتصال لإجراء هذه المحادثات.

يعكس هذا التناقض بين الاستعداد العسكري والحاجة إلى الحوار المأزق الأوروبي الحقيقي. فمن جهة، تتزايد الضغوط الشعبية لإنهاء الحرب وتقليص الأموال التي تُنفَق على الأسلحة. ومن جهة أخرى، ترى الحكومات الأوروبية أن إنهاء الحرب بشروط قد يسمح لروسيا بإعادة بناء قوتها العسكرية سريعاً، فيما تكون أوروبا نفسها في مرحلة انتقالية لإعادة تسليح جيوشها.

أما أوكرانيا، فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة. فاستمرار الدعم العسكري الأوروبي يعني استمرار تدفق الأسلحة إلى كييف، لكنه يعني أيضاً استمرار الحرب. وهكذا يصبح الدعم العسكري في الوقت نفسه وسيلة لمساعدة أوكرانيا ووسيلة لإبقاء الضغط العسكري على روسيا، في انتظار أن تستعيد أوروبا قدراتها الدفاعية.

*حملة نفسية؟

لكن كل هذه الحسابات لا تعني أن حرباً بين روسيا والناتو باتت حتمية. على العكس، فقد أكدت مصادر في الناتو أنه لا يوجد في الوقت الحالي تهديد وشيك بهجوم. كما لم يتغير التقييم الرسمي للحلف، ولم يتلق الحلفاء إحاطة رسمية بشأن معلومات استخباراتية جديدة تشير إلى هجوم وشيك.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يصافح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته روما في 15 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

وكان لافتاً أن يقول وزير الخارجية الليتواني كستوتيس بودريس إن التصريحات السياسية يمكن أن تكون حملة منسقة لتحذير موسكو من اختبار المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي للناتو.

لكن الأرقام تعكس في الوقت نفسه سبب القلق. فبين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2026، سُجلت 100 واقعة حرب هجينة مسجلة رسمياً في أوروبا، مقابل 60 خلال الفترة نفسها من العام السابق، وفق «مركز ساهايداشني للأمن» في أوكرانيا. وقال مصدر في الناتو إن العدد الحقيقي قد يتجاوز 200 حادث إذا استُبعدت الهجمات الإلكترونية، التي قال إنها تصل إلى آلاف الهجمات شهرياً ضد مؤسسات الحلف.

ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق الأوروبي هو ما فعله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 18 سبتمبر (أيلول)، عندما جمع في قصر الإليزيه قادة الأحزاب والمرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة في اجتماع أمني سري. وقد تلقى المشاركون إحاطة من مسؤولين استخباراتيين كبار حول تطور التهديد. وقال ماكرون إن طبيعة التهديد الروسي في أوروبا تتغير، وإن التخريب الذي كان يستهدف أساساً منشآت حكومية أو عسكرية قد يتجه نحو أهداف يمكن أن توقع ضحايا مدنيين.

هكذا تبدو أوروبا اليوم عالقة بين حربين: حرب قائمة في أوكرانيا، وحرب محتملة يجري الاستعداد لها في نهاية العقد. وبينهما مساحة واسعة من الردع والتخريب والحرب السيبرانية والمناورات والتحذيرات.

قد يكون الحديث عن 2029 أو 2030 مجرد إطار تخطيطي لإعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، وقد يكون جزءاً من استراتيجية ردع تهدف تحديداً إلى منع موسكو من التفكير في اختبار «الناتو». لكن الخطر يكمن في أن يتحول الاستعداد للحرب إلى حالة دائمة، وأن يصبح سيناريو الحرب نفسه أكثر اعتياداً من سيناريو السلام.

دبابتان روسيتان من طراز «ت 72» (أرشيفية - رويترز)

في النهاية، لا تقول المعطيات الحالية إن أوروبا ذاهبة حتماً إلى حرب مع روسيا. لكنها تقول شيئاً أكثر تعقيداً: أوروبا بدأت تتصرف على أساس أن عليها أن تكون مستعدة لها، فيما لا تزال في الوقت نفسه تبحث عن الطريق الذي يمكن أن يمنع وقوعها، والخيار الثاني هو مسؤولية الطرفين.


فرنسا تعمل على إصدار قرار أممي بشأن مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
TT

فرنسا تعمل على إصدار قرار أممي بشأن مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)

تعمل فرنسا على إعداد مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة يدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، حسبما أفاد دبلوماسي بالأمم المتحدة يوم الجمعة.

وقال الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن القرار سيؤكد مجددا ضرورة احترام حرية الملاحة في المضيق وهو نقطة توتر في الحرب في إيران، مشيرا إلى أهميته بالنسبة للشحنات العالمية الحيوية لأمن الغذاء والطاقة.

وأضاف الدبلوماسي إن قرار الأمم المتحدة المقترح سيذكر بضرورة احترام قانون البحار ودعم المبادرات السلمية الرامية إلى ضمان المرور الآمن في المضيق.


5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
TT

5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)

أسفرت ضربات مسيّرات روسية عن مقتل 5 أشخاص، الجمعة، في وضح النهار في كييف، بينهم فتى في الرابعة عشرة، بعدما أعلنت أوكرانيا حصولها على موافقة نهائية من دونالد ترمب لإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوّي محلياً.

وأكّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن نظيره الأميركي حسم قراره لجهة السماح لكييف بإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي، بعد أخذ ورد استمر طويلاً بشأن هذه المسألة.

وبُعيد الإعلان، أسفرت ضربة في وضح النهار بمسيّرة على مبنى يضمّ مكاتب في كييف عن مقتل 4 أشخاص وإصابة سبعة على الأقلّ، بينهم طفل، على ما قال رئيس البلدية فيتالي كليتشكو.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» مارة يهرعون للاحتماء في الشارع على وقع هدير مسيّرة نفّاثة.

وبينما كان الناس في طريقهم إلى أعمالهم صباحاً، أصابت مسيّرة مبنى سكنياً في المدينة، ما أسفر عن مقتل فتى يبلغ 14 عاماً، بحسب البلدية.

وأفادت وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن الفتى كان يحمل الجنسية الإسرائيلية، وبأن والدته في عداد المصابين.

وأسفرت هذه الضربات عن إصابة أكثر من 30 شخصاً، وفق فيتالي كليتشكو.

«سباق تكنولوجي»

وشاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» في موقع الهجوم الصباحي سكاناً يتجمعون حول مبنى متعدد الطبقات، مع تضرر شقق في الطابقين التاسع والعاشر جراء الهجوم.

وقال ميكيتا سيسوييف (23 عاماً) خارج المبنى المتضرر الذي يقطنه، إنه استيقظ على دوي انفجار، لكنه لم يدرك أن الضربة استهدفت المبنى إلا بعد أن اطلع على الأخبار.

وأضاف: «اندهشت كثيراً. إنه أمر غريب. من جهة، اعتدت على الضربات، لكن من جهة أخرى يتواصل وقوع قتلى».

ورداً على سؤال عن تزايد الضربات بالطائرات المسيّرة، قال: «إنّه سباق تكنولوجي وحرب تكنولوجية... للأسف، سيعاني الناس بينما يتم البحث عن حلول».

وندد زيلينسكي بالهجوم، واصفاً إياه بأنه «ضربة وحشية ومروعة، ولا تمتّ إلى أي منطق عسكري بصلة». وأشار لاحقاً إلى أن مستودعاً تابعاً لسلسلة «ماكدونالدز» للوجبات السريعة أصيب بالقرب من كييف.

رجال الإطفاء يعملون في موقع مستودع تابع لشركة «ماكدونالدز» تعرض لضربة بمسيّرة روسية (رويترز)

هجمات في وضح النهار

وفي منطقة أوديسا (جنوب)، قُتل شخص في ضربة جديدة استهدفت منشأة بريدية سبق أن تعرضت للاستهداف، وفق السلطات.

واضطر عناصر الإسعاف إلى إجلاء سبعة مرضى من مستشفى في زابوريجيا إثر غارة روسية ألحقت أضراراً بالمبنى وتسبّبت باندلاع حريق، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وتستهدف روسيا العاصمة الأوكرانية بطائرات مسيّرة نفاثة طوّرتها حديثاً ونجحت في تجاوز بعض الأنظمة الاعتراضية الأوكرانية. وبعدما كانت موسكو تستهدف كييف بشكل رئيسي خلال ساعات الليل، باتت تشنّ هجمات كثيرة في وضح النهار.

وكثّفت أوكرانيا من جهتها ضرباتها على روسيا في الأشهر الأخيرة، مستهدفة خصوصاً منشآت للجيش وأخرى للطاقة.

وليل الخميس إلى الجمعة، أصابت ضربات أوكرانية مصفاتين للنفط ومصنعاً عسكرياً وراداراً للجيش في عدّة مناطق روسية، بحسب ما كشف زيلينسكي عبر «تلغرام».

واتّهمت موسكو كييف، الجمعة، بقصف مركبة مدنية كانت تنقل مساعدات إنسانية في منطقة تحت الاحتلال الروسي في جنوب أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة متطوّعين.

لا أثر فورياً

وقال زيلينسكي في تسجيل صوتي للصحافيين بعد أيّام من لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة: «في اجتماعنا الأخير، أكد الرئيس لي أنه اتخذ قراراً نهائياً. ستحصل أوكرانيا على تراخيص لإنتاج صواريخ باتريوت».

ومن شأن هذا المشروع في حال تحوّل إلى واقع ملموس أن يشكّل تقدّماً كبيراً لأوكرانيا التي تجهد للحصول على صواريخ «باك - 3» الاعتراضية لأنظمة «باتريوت» الوحيدة القادرة على إسقاط المقذوفات الباليستية.

لكنه مشروع يستغرق وقتاً طويلاً، ولن يكون له أيّ أثر فوري على الوضع الميداني في الوقت الراهن.

وكان الرئيس الأوكراني قد قال في فترة سابقة من هذا الأسبوع إن بدء إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا قد يستغرق «سنة أو سنة ونصف سنة».

وأشار في يوليو (تموز) إلى أن البلد بحاجة إلى 30 صاروخ «باتريوت» على الأقلّ خلال الشتاء عندما تكثّف روسيا عادة ضرباتها على نظام الطاقة، ما يغرق ملايين الأوكرانيين في الظلمة والبرد.

ومنذ بدء الغزو الروسي في 2022، حدّثت أوكرانيا أنظمتها للدفاعات الجوية، وطوّرت مجموعة واسعة من المسيّرات الاعتراضية التي تسمح لها بتحييد الجزء الأكبر من المسيّرات الانقضاضية الروسية.