اعتقال المشتبه به في تنفيذ الهجوم الدموي في ألمانيا... و«داعش» يتبنى

الحادث تسبب بمقتل 3 أشخاص وإصابة 8 آخرين 4 منهم حالتهم خطرة

TT

اعتقال المشتبه به في تنفيذ الهجوم الدموي في ألمانيا... و«داعش» يتبنى

عدد من قوات الأمن يحيطون بمكان الاعتداء (رويترز)
عدد من قوات الأمن يحيطون بمكان الاعتداء (رويترز)

اعتُقل، السبت، رجل يُشتبه في أنه منفّذ عملية الطعن الدامية التي وقعت، الجمعة، خلال مهرجان في مدينة زولينغن بغرب ألمانيا وأعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عنها، بحسب ما أكد وزير الداخلية الإقليمي هربرت ريول.

وقال وزير داخلية ولاية شمال الراين-ويستفاليا لتلفزيون «إيه آر دي» العام، إن «الرجل الذي كنا نبحث عنه طوال اليوم احتُجز منذ قليل في مقراتنا». وأضاف «اعتقلنا للتو المشتبه به الحقيقي»، مشيراً إلى أن المشتبه به على صلة بدار للاجئين تم تفتيشها في وقت سابق، ومؤكداً أن ثمة «أدلة» في حوزة المحققين، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

وأعلن تنظيم «داعش» في بيان، السبت، مسؤوليته عن عملية طعن وقعت في مدينة زولينغن قُتل فيها ثلاثة أشخاص. وقال التنظيم المتشدد في بيان على حسابه على «تلغرام»: «منفذ الهجوم على تجمع النصارى بمدينة زولينغن بألمانيا أمس جندي من (الدولة الإسلامية) ونفذه انتقاماً للمسلمين في فلسطين وكل مكان».

ولم يقدم بعد أي دليل على أنه من يقف وراء الهجوم ولم تتضح الصلة بين المهاجم والتنظيم.

ووفقاً لصحيفتي «بيلد» و«شبيغل» الألمانيتين، فإن المشتبه به المعتقل سوري يبلغ 26 عاماً ووصل إلى ألمانيا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2022 حيث يستفيد من وضع حماية غالباً ما يُمنح إلى الأشخاص الفارين من بلاده. وهو لم يكن قبل الهجوم معروفاً لدى الأجهزة الأمنية على أنه متطرف، وفقاً لوسيلتي الإعلام.

وفي وقت سابق، وصف هندريك فوست، رئيس وزراء ولاية شمال الراين-ويستفاليا، الهجوم الذي وقع، الجمعة، خلال احتفال بمدينة زولينغن بأنه «عمل إرهابي».

بدورها، قالت وزيرة الداخلية نانسي فيزر: «إن السلطات تبذل كل ما في وسعها للإمساك بالجاني». ووقع الهجوم في ساحة سوق فرونهوف حيث تجمع الناس للاستماع لعزف فرق موسيقية.

وقال ماركوس كاسبرز، وهو مسؤول بمكتب المدعي العام في دوسلدورف: «إن السلطات تتعامل مع الهجوم بوصفه عملاً إرهابياً محتملاً لأنه لا يوجد دافع آخر واضح».

وقال تورستن فليس وهو مسؤول في الشرطة: «إن المهاجم كان يستهدف على ما يبدو طعن أعناق الضحايا».

وزيرة الخارجية نانسي فيزر في حديث مع عدد من مسؤولي المدينة التي شهدت الاعتداء (إ.ب.أ)

كانت الشرطة الألمانية قد رفعت مستوى انتشارها في أنحاء البلاد بعد عملية الطعن. بينما رفعت السلطات المحلية بولاية شمال الراين-ويستفاليا من مستوى التهديد في الولاية، بعد هذه العملية التي نفذها رجل، ليل الجمعة، استهدف رواد مهرجان غنائي، ما تسبب بمقتل 3 أشخاص وإصابة 8 آخرين، 4 منهم حالتهم خطرة.

وفر الرجل وسط الفوضى من دون أن تتمكن السلطات الأمنية من القبض عليه، بعد مرور ساعات على الحادث ولا حتى تحديد هويته.

وأعلنت الشرطة الألمانية، السبت، توقيف شخص ثان في إطار التحقيق في الهجوم الدامي بسكين الذي وقع في اليوم السابق في زولينغن. وتم الإعلان عن الاعتقال فيما تجري عملية كبيرة للقوات الخاصة في المساء في مركز لإيواء اللاجئين يقع على مسافة ليست بعيدة عن مكان الهجوم.

وقالت السلطات في وقت سابق إنها اعتقلت فتى يبلغ من العمر 15 عاماً صباح الاعتداء، غير أنها أكدت أنه ليس منفذ العملية، بل تحقق في إمكانية ارتباطه بها.

عدد من سيارات الإسعاف التي هُرعت إلى مكان الاعتداء لإنقاذ المصابين (إ.ب.أ)

ورغم أن السلطات تعتقد أن منفّذ الاعتداء، الذي قالت الشرطة إنه استهدف ضحاياه بعمليات طعن محددة في الرقبة، تحرك وحده، فإنها لم تستبعد وجود شركاء له، وقالت إنها تحقق في كل الفرضيات، ومنها فرضية الإرهاب التي أيضاً ما زالت غير مؤكدة.

وفي ظل غياب معلومات مؤكدة عن منفذ الهجوم وعدم تحديد هويته، لا يمكن للسلطات تحديد الدوافع التي تقول إنها ما زالت غير واضحة بعد. وحتى الآن لم يتسلم المدعي العام الفيدرالي، الذي يحقق عادة في قضايا الإرهاب، التحقيقات، بل أرسل محققين للمشاركة بها.

وزيرة الخارجية الألمانية نانسي فيزر خلال وصولها إلى موقع الاعتداء (إ.ب.أ)

ونقلت صحيفة «بيلد» الألمانية أن الشرطة حددت أوصاف المشتبه به، وقالت إنه رجل يتراوح عمره بين الـ20 والـ30 عاماً، و«له ملامح جنوبية، يتمتع بقوة بدنية، وهو ذو لحية سوداء، وكان يرتدي ثياباً سوداء وقبعة بيضاء».

كما نقلت الصحيفة أن شهوداً تحدثوا عن رجل «ذي ملامح عربية»، لكن الشرطة عادت لتكتفي بتوصيف «جنوبي».

ورفضت الشرطة والمدعي، اللذان عقدا مؤتمراً صحافياً، بعد ظهر السبت، لإعطاء تحديث حول الاعتداء، الإدلاء بأي تفاصيل حول الفتى المعتقل. لكن الشرطة قالت إنه تم اعتقاله بعد أن أبلغت شاهدة سماعها محادثة بين الفتى ورجل آخر، كانا يناقشان فيها الاعتداء قبيل وقوعه. وتداولت صحف ألمانية كذلك عثور الشرطة على أداة الجريمة، أي السكين، في مكان يبعد بنحو 200 متر عن موقع الجريمة. لكن الشرطة قالت لاحقاً في المؤتمر الصحافي إنها عثرت على «عدد من السكاكين» في محيط الاعتداء، وهي تجري فحوصاً مخبرية عليها للتحقق من مدى ارتباط أي منها بعملية الطعن.

دماء بعض ضحايا الاعتداء تغطي المكان الذي شهد وقوع الاعتداء (إ.ب.أ)

وفتحت الشرطة في مدينة دوسلدورف خط هاتف محدداً للمواطنين، الذين يمكن أن تكون لديهم معلومات مفيدة للتواصل معها، كما عممت موقعاً لتحميل صور وفيديوهات ربما تكون قد التُقطت من موقع الجريمة لتحديد صورة المعتدي الذي ما زال مجهولاً. كما كثفت الشرطة من انتشارها في زولينغن وكامل أنحاء الولاية الغربية، واستمرت في إرسال التحذيرات للمواطنين بأن هناك رجلاً خطيراً ما زال طليقاً. بينما ألغت المدن والبلدات المجاورة لزولينغن المهرجانات التي كانت تعد لها في عطلة نهاية الأسبوع، بعد الاعتداء الذي رفع مستوى التحذير الأمني في الولاية.

وتوجهت وزيرة الخارجية نانسي فيزر إلى موقع الاعتداء، بعد أن كانت قد أكدت أنها على تواصل مع السلطات الأمنية هناك، التي أكدت بذلها كل الجهود لتحديد هوية منفذ العملية واعتقاله. بينما حث المستشار الألماني أولاف شولتس السلطات على اعتقال منفذ عملية الطعن وإنزال «أشد العقوبات» به.

مواطنان يضعان الشموع بالقرب من المكان الذي شهد الهجوم (رويترز)

ورغم أن منفذ العملية ما زال مجهولاً وكذلك دوافعه، فقد ربط حزب «البديل لألمانيا»، اليميني المتطرف، الحادث بتزايد أعداد المهاجرين في ألمانيا.

وأعادت زعيمة الحزب المتطرف أليس فايدل، نشر تغريدة من صفحة حزبها من ولاية ساكسونيا تقول فيها: «تعازينا الحارة لضحايا اعتداء زولينغن. لن نتوقف عن الترديد بأن الحزب المسيحي الديمقراطي لن يغير شيئاً، وهو سمح لهذا الوضع بالوصول إلى هنا، ومستمر في مواصلة سياسة الحدود المفتوحة في بروكسل وحتى المزيد من الهجرة. إذا أردتم التغيير فهناك فقط بديل واحد!».

ويتصدر الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض، الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، استطلاعات الرأي حالياً بنسبة تزيد على 32 في المائة، بينما يحل حزب «البديل لألمانيا» ثانياً بنسبة 17 في المائة من الأصوات، لكن «البديل لألمانيا» يحل أولاً في الولايات الشرقية التي تستعد لانتخابات محلية في الأسابيع المقبلة. ويعد الحزب المسيحي الديمقراطي اليميني الوسطي، «البديل لألمانيا» أكبر تهديد بالنسبة إليه بسبب «سرقته» لناخبين محافظين غير راضين عن سياساته السابقة فيما يتعلق بالهجرة، خصوصاً في ظل حكومات ميركل المتعاقبة.


مقالات ذات صلة

كيف فاز بايرن ميونيخ بلقب الدوري الألماني 13 مرة خلال 14 عاماً؟

رياضة عالمية هاري كين (أ.ب)

كيف فاز بايرن ميونيخ بلقب الدوري الألماني 13 مرة خلال 14 عاماً؟

توّج بايرن ميونيخ بلقب الدوري الألماني لكرة القدم (بوندسليغا)، الأحد، ليرفع رصيده إلى 13 لقباً في آخر 14 عاماً، وذلك بعد موسم حافل، وأمامه فرصة لتحقيق المزيد.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد ازدحام السيارات في ساعة الذروة على الطريق السريع بالعاصمة الألمانية برلين (رويترز)

قطاع النقل الألماني يتوقع زيادة حالات الإفلاس وسط تفاقم أزمة الطاقة

يتوقع قطاع النقل في ألمانيا زيادة جديدة في حالات الإفلاس في ضوء تدهور الأوضاع على خلفية تداعيات حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية ماري لويز إيتا مدربة يونيون برلين الجديدة (د.ب.أ)

إيتا تأمل في عقد طويل الأمد بصفتها مدربة لـ«يونيون برلين»

تتطلع ماري لويز إيتا في توقيع عقد طويل الأمد كونها مدربة لفريق يونيون برلين للرجال.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد محطة وقود في ألمانيا (إكس)

سعر الديزل في ألمانيا يسجل رقماً قياسياً

سجل سعر وقود الديزل في ألمانيا، الأحد، (أحد الفصح) رقماً قياسياً جديداً، وذلك وفقاً لما أعلنه نادي السيارات الألماني «إيه دي إيه سي»، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بجانب محطة للطاقة الشمسية في ألمانيا (إكس)

غالبية الألمان يرغبون التوسع في الطاقة المتجددة جراء حرب إيران

يرى «قطاع الطاقة الشمسية» في ألمانيا أن أكثر من ثلثي المواطنين يرغبون تسريع التوسع في الطاقة المتجددة.

«الشرق الأوسط» (برلين)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».