غضب في ألمانيا بسبب مؤامرة روسية مزعومة لقتل رئيس شركة «راينميتال» للأسلحة

المخابرات الأميركية أبلغت برلين بالمخطط لاغتيال أرمين بابيرغير وشخصيات في صناعة التسليح الألمانية والأوروبية.

رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)
رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)
TT

غضب في ألمانيا بسبب مؤامرة روسية مزعومة لقتل رئيس شركة «راينميتال» للأسلحة

رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)
رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)

تسبب الكشف عن مخطط روسي لاغتيال رئيس شركة أسلحة ضخمة في ألمانيا، بغضب لدى الأوساط السياسية الألمانية، التي دعت بالرد على موسكو بطرد دبلوماسييها. ويأتي هذا ليزيد من التوتر بين برلين وموسكو في أسبوع شهد إعلاناً حول نشر أسلحة أميركية بعيدة المدى في ألمانيا؛ مما أغضب الكرملين.

رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير (إ.ب.أ)

وكشفت قناة «سي إن إن» الأميركية، الخميس، عن مخطط روسي لاغتيال رئيس شركة «راينميتال» للأسلحة أرمين بابيرغير، يبدو أنه كان في مراحل متقدمة، في حين رفض الكرملين، الجمعة، الاتهامات وما جاء في التقرير. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: «كل ذلك تم تقديمه بأسلوب الأخبار المضللة؛ لذا لا يمكن أخذ مثل تلك التقارير على محمل الجد». وأضاف: «من الصعب جداً بالنسبة لنا أن نعلّق على تقارير لوسائل إعلام مختلفة لا تحتوي على أي حجج جدية وتستند إلى مصادر مجهولة».

وبحسب القناة التي نقلت عن مصادر في المخابرات الأميركية، فإن واشنطن أطلعت برلين على المخطط فور كشفها عنه مطلع العام الحالي، وإن ألمانيا اتخذت خطوات لمنع حدوث ذلك بتأمين حماية أمنية مشددة لبابيرغير.

واستندت «سي إن إن» في تقريرها إلى «خمسة مسؤولين أميركيين وغربيين على اطلاع بالحادثة»، وتم إخطار السلطات الألمانية بالمؤامرة؛ لذلك شددت ألمانيا الإجراءات الأمنية لبابيرغير، في ذلك الوقت.

مقر الشركة في دوسلدورف (د.ب.أ)

وبحسب القناة الأميركية، فإن اغتيال رئيس الشركة الألمانية سببه الأسلحة التي تصنعها «راينميتال» وتقدمها لأوكرانيا، وأن العملية كانت جزءاً من مخطط أوسع لاغتيال عدد من مسؤولي شركات الأسلحة الأوروبية المتورطة بصناعة أسلحة لأوكرانيا، إلا أن اغتيال بابيرغير كان الأكثر تقدماً.

وتعد «راينميتال» واحدة من أكبر الشركات الأوروبية المورّدة لتكنولوجيا الدروع وقذائف المدفعية لأوكرانيا. وبحسب بياناتها، فهي أكبر شركة مصنّعة لذخائر المدفعية في العالم الغربي. ولم تعلق «راينميتال» حتى الآن على التقرير.

وقالت القناة الأميركية إن مصادر في الحكومة الألمانية أكدت تلقي معلومات حول عملية اغتيال بابيرغير من المخابرات الأميركية. ونقلت مجلة «دير شبيغل» عن مصادر أمنية ألمانية قالت إن السلطات تلقت تحذيراً من الـ«سي آي إيه» قبل قرابة الشهرين بعد أن لاحظت المخابرات الأميركية تحركات مشبوهة لعملاء روس في الأشهر الماضية، وأن بعضهم دخل حتى إلى منطقة الشنغن؛ ما يعني أن سفرهم إلى ألمانيا كان سيكون سهلاً. ونقلت المجلة كذلك أنه لوحظ وجود «أشخاص مشبوهين» في محيط مقر شركة «ريانميتال» في دوسلدورف وفي أماكن سفر بابيرغير في الخارج.

مدرّعة من تصنيع شركة «راينميتال» تم تسليمها للجيش الألماني (رويترز)

وأكدت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر على حزم السلطات الأمنية الألمانية في التعامل مع التهديدات الروسية. وقالت فيزر في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية في برلين: «نحن لا نعلّق على وقائع تهديد فردية... لكن هناك شيئاً واحداً واضحاً للغاية: نحن نأخذ التهديد المتزايد بشكل كبير من العدوان الروسي على محمل الجد»، مؤكدة التعاون مع الشركاء الدوليين والسلطات الأمنية في الولايات الألمانية من أجل حماية ألمانيا وإحباط خطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأوضحت فيزر أن نظام بوتين يريد تقويض الدعم الذي تحظى به أوكرانيا، وقالت: «لكننا لن نرتهب»، مضيفة أنه في ضوء التهديدات الروسية، تمت زيادة إجراءات الحماية بشكل كبير في العامين الماضيين، وقالت: «تتراوح التهديدات بين التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية وإرهاب تمارسه الدولة». وأشارت فيزر إلى أن المخابرات الألمانية أحبطت عملين تخريبيين في أبريل (نيسان) الماضي. وفي ذلك الوقت ألقت السلطات الألمانية القبض على رجلين في ولاية بافاريا بتهمة التخطيط لارتكاب أعمال تخريبية، خاصة ضد الدعم الألماني لأوكرانيا في الحرب ضد روسيا. وقالت فيزر: «لقد تصرفت سلطاتنا الأمنية بشكل حازم للغاية ومنعت وقوع هجمات تفجيرية محتملة في ألمانيا... سنواصل بذل كل ما في وسعنا لمنع التهديدات الروسية في ألمانيا».

ويتمتع رئيس شركة «راينميتال» بحماية أمنية منذ أشهر وحراسة على مدار الساعة، بحسب صحيفة «بيلد». ونقلت الصحيفة أن عدداً من سيارات الشرطة تصطف أمام مقرّ الشركة منذ أشهر بشكل يومي، وفيها عناصر مسلحون بشكل مرئي.

المستشار الألماني أولاف شولتس يتحدث خلال تدشين موقع للشركة لتصنيع الذخيرة (د.ب.أ)

وعلّق المستشار الألماني أولاف شولتس الذي كان يشارك في اجتماعات حلف شمال الأطلسي في واشنطن عندما نشرت «سي إن إن» الخبر، وقال من دون أن يكشف عن أي تفاصيل، إن ألمانيا «تعلم أنها معرّضة لتهديدات من نشاطات روسية بمختلف الطرق»، وإنها «شديدة التنبه لذلك».

واتهمت وزيرة الخارجية أنالينا بيروبوك التي كانت موجودة في واشنطن مع شولتس، روسيا بشنّ «هجمات هجينة» على أوروبا، مشيرة إلى أن هذا الأمر يستدعي من الأوروبيين «حماية أنفسهم وألا يكونوا سذجاً».

ورغم الحذر في التصريحات من المسؤولين في الحكومة، خرجت تصريحات من سياسيين ألمان تدعو إلى تصعيد المواجهة مع روسيا. وقال رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) ماركوس فابر المنتمي إلى الحزب الليبرالي المشارك في الحكومة، إنه «إذا تم التوصل لمعرفة أي وكالة روسية مسؤولة عن العملية التي كان يُعدّ لها، فيجب طرد دبلوماسيين روس، ولو تطلب الأمر إصدار مذكرات توقيف دولية». وأضاف فابر في تصريحات لصحيفة «بيلد» إن محاولة روسيا اغتيال بابيرغير «تؤكد أن موسكو تجلب حربها وإرهابها إلى أوروبا، وأن نظام بوتين يحاول كذلك قتل مواطنين ألمان».

من داخل مصنع لصناعة الأسلحة والمعدات القتالية في ألمانيا (أرشيفية - رويترز)

ودعا كذلك رئيس لجنة العلاقات الخارجية في «البوندستاغ» ميشائيل روث المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الحاكم، إلى «رد ألماني صارم». ونقلت مجموعة «فونكه» الإعلامية عن الخبير في الشؤون الأمنية في حزب الخضر المشارك أيضاً في الحكومة، كونسنتين فون نوتز، قوله إنه يتعين على الحكومة «أن تتخذ رداً صارماً لو ثبت التقرير»، وانتقد ردود الفعل على حوادث شبيهة في الماضي، ووصفها بأنها كانت «خجولة وغير حاسمة».

وصدرت موافقة شبيهة من الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض والذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، وقال الخبير في الشؤون الدفاعية النائب سيراب غوتر لصحيفة «بيلد»، إن رد الفعل يجب أن يكون زيادة الدعم لأوكرانيا، في حين دعا النائب رودريش كيسفيتر إلى «زيادة تسليح أنفسنا»، مضيفاً في تصريحات للقناة الألمانية الثانية، إنه «من المهم أن نحضّر أنفسنا وشعبنا للدفاع عن نفسه».

وجاء الكشف عن المخطط بعد يوم على توقيع الولايات المتحدة وألمانيا على اتفاق مشترك في واشنطن لنشر أسلحة أميركية بعيدة المدى بداية عام 2026، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة. والأسلحة المتفق على نشرها هي صواريخ كروز من نوع «توماهوك» صواريخ «إس إم 6» تفوق سرعتها سرعة الصوت. وكانت هذه الأسلحة محظورة منذ عام 1988 بحسب اتفاقية بين روسيا وأميركا للحد من انتشار الأسلحة البعيدة المدى والتي انهارت قبل 5 سنوات ولم يتم تجديدها. وأغضب الاتفاق موسكو التي هددت برلين بالرد، وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف إن بلاده «سترد عسكرياً على التهديد الجديد»، متهماً «ناتو» والولايات المتحدة بالتصعيد «ومحاولة ترهيب روسيا».

المستشار الألماني أولاف شولتس متحدثاً بواشنطن في ختام قمة «ناتو» الخميس (رويترز)

ورد شولتس على تهديدات روسيا من واشنطن، قائلاً إن موسكو هي تلك رفضت تجديد اتفاقية عدم نشر الأسلحة البعيدة المدى مع واشنطن قبل 5 سنوات، وأضاف: «نحن اليوم نواجه حقيقة جديدة وهي أن روسيا زادت من عدد صواريخها وكذلك من حجم وقدرة هذه الصواريخ، وبات من الضروري للردع والسلام أن تكون الأسلحة اللازمة موجودة أيضاً في أوروبا وألمانيا».


مقالات ذات صلة

روسيا تستأنف قصف كييف بعد وقف قصير لإطلاق النار

أوروبا تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)

روسيا تستأنف قصف كييف بعد وقف قصير لإطلاق النار

استأنفت روسيا ضرباتها المكثفة على العاصمة الأوكرانية كييف عقب وقف إطلاق نار قصير.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

يعكس اكتساح حزب «البديل» في ولاية ساكسونيا-أنهالت تحوّلات سياسية عميقة في شرق ألمانيا، تغذيها عوامل اقتصادية واجتماعية تعود جذورها إلى مرحلة الوحدة وما بعدها.

شادي عبد الساتر (بيروت)
العالم من فعاليات افتتاح الجسر البري بين كوريا الشمالية وروسيا (رويترز) p-circle

«مستوى غير مسبوق من الشراكة»... تدشين أول جسر بري بين روسيا وكوريا الشمالية

رحبت كوريا الشمالية، الثلاثاء، بافتتاح جسر بري يربطها بروسيا في اليوم السابق، وهو أول رابط بري بين البلدين صُمم لتعزيز التعاون في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا المدعي العام الأوكراني روسلان كرافشنكو (رويترز) p-circle

المدعي العام الأوكراني يستقيل على خلفية اتهامات بالفساد

استقال المدعي العام الأوكراني على خلفية اتهامات بالفساد، بعدما قام عناصر من مكتب مكافحة الفساد بتفتيش مكاتبه في إطار تحقيقات تتعلق بمراكز اتصالات غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال مؤتمر في بوبينيي بالقرب من باريس 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا: خطط إرسال أنظمة دفاع جوي إلى أوكرانيا تمضي قدماً

قال مسؤول في مكتب الرئيس الفرنسي ماكرون، في إيجاز للصحافيين الاثنين، إن بلاده تمضي قدماً في خطتها لإرسال أنظمة الدفاع الجوي من طراز «سامب/تي» إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

بريطانيا تستعد لفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

 وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تستعد لفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

 وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)

من المقرر أن يعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، اليوم (الثلاثاء)، فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة تعكس تشدداً في موقف حكومة رئيس الوزراء أندي بيرنهام.

وقالت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) إنه من المتوقع أن يقدّم ميليباند بياناً أمام مجلس العموم، يحدد من خلاله ما وصفته الحكومة بـ«إعادة ضبط» العلاقات البريطانية مع إسرائيل.

وأشار وزراء بريطانيون إلى أن البضائع القادمة من المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، وهي أراضٍ فلسطينية، قد تخضع لقيود تجارية ضمن حزمة التغييرات المرتقبة.

وهددت إسرائيل بالفعل بالرد على أي عقوبات بريطانية تتعلق بالتوسع الاستيطاني المحتمل في الضفة الغربية، حيث حذّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قائلاً: «إذا عملت بريطانيا ضد إسرائيل فستعمل إسرائيل ضد بريطانيا».

واعتبر الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ الثلاثاء أن المملكة المتحدة ستضع نفسها في «الجانب الخطأ من التاريخ» إذا مضت في فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وقال هرتسوغ في خطاب من القدس «إذا حدث ذلك، وانضمت دول أخرى إلى هذه العقوبات، فأعتقد أنه سيكون سوء تقدير وقرارا سيضعهم في الجانب الخطأ من التاريخ».

وفي تصعيد لافت، دعا وزير الأمن العام الداخلي الإسرائيلي المتشدد، إيتمار بن غفير، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاعتراف رسمياً بجزر فوكلاند باعتبارها «أراضي أرجنتينية محتلة، يسرقها البريطانيون من الشعب الأرجنتيني».

ومن جانبه، دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إلى طرد السفير البريطاني فوراً، وكتب على منصة «إكس»، مساء الاثنين: «اطردوا السفير البريطاني الليلة».

وأضاف: «لن نكون ممسحة أرض تدوس عليها حكومة معادية للسامية، في بلد غزاها الإسلام الراديكالي، تحاول إنقاذ نفسها من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي بمهاجمة اليهود ودولة إسرائيل. الانتداب البريطاني في أرض إسرائيل قد انتهى».


روسيا تستأنف قصف كييف بعد وقف قصير لإطلاق النار

تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)
TT

روسيا تستأنف قصف كييف بعد وقف قصير لإطلاق النار

تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)

استأنفت روسيا ضرباتها المكثفة على العاصمة الأوكرانية كييف عقب وقف إطلاق نار قصير، حسبما قال مسؤولون أوكرانيون في وقت مبكر من صباح اليوم (الثلاثاء).

واتفقت كييف وموسكو على وقف الضربات على عاصمتيهما لمدة ثلاثة أيام، لإتاحة المجال أمام المفاوضين الأميركيين لزيارة الطرفَين خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأفادت تقارير بوقوع انفجارات ليلاً في كييف، حيث أصابت شظايا طائرات مسيّرة متساقطة عدة مبانٍ سكنية ومدرسة وسيارات، حسبما ذكرت وسائل إعلام أوكرانية.

وقالت صحيفة «كييف إندبندنت»، نقلاً عن رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو، إن عدة أشخاص علقوا تحت أنقاض مبنى سكني تضرر جراء الهجمات.

وقال كليتشكو إن فرقاً طبية أُرسلت إلى أحد المواقع التي تعرضت للهجوم. ولم تتوفر حتى ذلك الحين معلومات عن أعداد الضحايا.

وأفادت الصحيفة بإطلاق صفارات الإنذار من الغارات الجوية في مناطق أخرى من البلاد.

أوكرانيا تندد بـ«هجوم مروّع»

وندّد وزير الخارجية الأوكراني بـ«الهجوم المروّع» الذي شنّته روسيا على كييف ليلاً. وكتب أندري سيبيغا في منشور على «إكس»: «فور مغادرة مبعوثي السلام للرئيس الأميركي، شنّ (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين هجوماً جديداً واسع النطق ومروّعا على كييف، ملحقاً أضراراً بأحياء سكنية وموديا بحياة شخصين على الأقلّ»، مضيفا أن «صواريخه البالستية أبلغ من خطاباته حول الدبلوماسية».

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، زار المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو أولاً، ثم توجها للمرة الأولى إلى كييف، لإجراء محادثات مع طرفَي الحرب بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وتُعدّ الولايات المتحدة نفسها وسيطاً في هذه العملية. ولم يتضح في البداية تحقيق أي تقدم فوري عقب الزيارتَيْن.

وتدافع أوكرانيا عن نفسها في مواجهة الغزو الروسي الشامل منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام. وتركزت الضربات الأوكرانية المضادة على منشآت النفط، ومؤخراً على شركات البيع بالتجزئة الروسية عبر الإنترنت.

من جانبه، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي لموقع «أكسيوس» الأميركي أن روسيا أبلغت مبعوثَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستعدادها لبدء مفاوضات بشأن الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى احتمال حدوث «خفض للتصعيد» خلال فصل الشتاء.

وقال زيلينسكي، في هذه المقابلة، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «في حاجة إلى ترمب»، ولا يريد «إغضابه»، لا سيما قبل انتخابات منتصف الولاية المقررة مطلع نوفمبر (تشرين الثاني).

وأشار «أكسيوس» إلى أن من بين المسارات التي طرحتها واشنطن لبدء عملية سلام، احتمال حدوث «خفض للتصعيد» قبل فصل الشتاء أو خلاله.

وقال زيلينسكي للموقع: «هناك أفكار تتعلّق بالطاقة والحبوب والكهرباء، وكذلك بالنفط والغاز».

وتمثّل البنى التحتية المرتبطة بهذه القطاعات هدفاً رئيسياً للهجمات المتبادلة التي يشنها الطرفان بشكل يومي.

من جهته، قدّر ويتكوف، الاثنين، أن جولته أتاحت تحقيق «تقدم جوهري» نحو تنظيم محادثات ثلاثية لإنهاء النزاع الذي اندلع جراء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وانتُخب ترمب عام 2024 مع تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة، وهو مسعى لم ينجح فيه حتى الآن.


اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أظهرت انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، التي أُجريت الأحد 6 سبتمبر (أيلول)، أن الانقسام السياسي بين شرق ألمانيا وغربها لا يزال حاضراً بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة الألمانية. فالنتيجة التاريخية التي حققها حزب «البديل من أجل ألمانيا» المنتمي إلى أقصى اليمين تعكس مساراً أوسع جعل ولايات الشرق معقله الانتخابي الأبرز، وأعادت طرح السؤال عن أسباب اختلاف سلوك ناخبي هذه الولايات عن بقية البلاد.

وحصد الحزب نحو 44 في المائة من الأصوات، بعدما حصل على 20.8 في المائة فقط عام 2021، بينما تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حزب المستشار فريدريش ميرتس، إلى نحو 18 في المائة بعدما نال 37.1 في المائة قبل خمس سنوات. وتكرّس هذه النتيجة اتجاهاً برز خلال السنوات الماضية في ولايات شرق ألمانيا، حيث عزّز «البديل» حضوره الانتخابي وبات يتقدّم بفارق واضح على الأحزاب التقليدية.

جذور السخط في الشرق

لفهم هذه الخريطة الانتخابية، لا بد من العودة إلى تجربة توحيد ألمانيا عام 1990. فبعد انهيار النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية، انتقلت المنطقة بسرعة إلى اقتصاد السوق، وأُغلقت أو أعيدت هيكلة مؤسسات صناعية كثيرة، فيما فقد مئات الآلاف وظائفهم وغادر عدد كبير من الشباب باتجاه الولايات الغربية.

مواطنون من ألمانيا الشرقية يتسلّقون جدار برلين عند بوابة براندنبورغ بعد الإعلان عن فتح الحدود مع ألمانيا الشرقية - برلين 10 نوفمبر 1989 (رويترز)

وبحسب «مؤسسة بروكينغز»، وهي مركز أبحاث أميركي، يرتبط صعود «البديل» في الشرق بعوامل من بينها عدم المساواة الاقتصادية، وضعف البنية المدنية، وتراجع الارتباط بالأحزاب، فضلاً عن استياء لدى بعض السكان من الطريقة التي جرت بها إعادة توحيد البلاد، عبر اندماج ألمانيا الشرقية سريعاً في النظام السياسي والاقتصادي القائم في الغرب. كما يستثمر الحزب حنين قسم من الناخبين إلى جوانب من ماضي ألمانيا الشرقية.

وتشير شبكة «دويتشه فيله» الإعلامية الألمانية إلى استمرار بعض الفوارق بين الشرق والغرب بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة، إذ لا تزال مستويات الدخل والثروة أدنى في الولايات الشرقية، التي شهدت أيضاً تراجعاً في عدد السكان وانتقال أعداد كبيرة من الشباب إلى غرب البلاد.

وتتداخل العوامل الاقتصادية مع شعور لدى قسم من سكان الشرق بأن تجربتهم وهويتهم لم تحظيا بالتقدير الكافي بعد الوحدة، وأن ألمانيا الشرقية اندمجت في النظام الغربي القائم من دون أن يشعروا بأن عملية توحيد البلاد قامت على شراكة متكافئة بين تجربتي الشرق والغرب.

الهجرة والهوية وتصويت الاحتجاج

وجد حزب «البديل» في ظل هذا الشعور بالتهميش والاستياء مساحة مناسبة لتقديم نفسه باعتباره قوة تتحدى النخب والأحزاب التي حكمت البلاد لعقود. واستفاد تباعاً من أزمة اللاجئين التي شهدتها ألمانيا عام 2015، والاعتراض على القيود خلال جائحة كورونا، ثم التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.

أنصار حزب «البديل من أجل ألمانيا» يحتجون على الحكومة في برلين بألمانيا 8 أكتوبر 2022 (رويترز)

وأصبحت الهجرة إحدى أبرز أدوات التعبئة السياسية للحزب، الذي يدعو إلى تشديد سياسات اللجوء والهجرة والترحيل. والمفارقة أن بعض المناطق التي يسجّل فيها «البديل» أعلى نسب التأييد تضم أعداداً محدودة نسبياً من المهاجرين، ما يشير إلى أن القضية تتصل أيضاً بالمخاوف من التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية وبمسألة الهوية.

ويرى «مركز كارنيغي للسلام الدولي»، وهو مركز أبحاث أميركي، أن تفسير قوة اليمين الشعبوي في شرق ألمانيا بالتراجع الاقتصادي وحده لم يعد كافياً، إذ تلعب الثقافة السياسية والشعور بهوية شرقية مميزة وعدم الثقة بالمؤسسات دوراً مهماً أيضاً.

ويشكّل التصويت الاحتجاجي جزءاً من قاعدة تأييد «البديل»، ويساعد في تفسير استمرار حضوره القوي رغم الجدل الذي أثارته مواقف متشددة لعدد من قياداته حيال المهاجرين والإسلام والهوية الألمانية، وتصريحات أثارت جدلاً بسبب صلتها بالحقبة النازية.

أحد مؤيدي حزب «البديل من أجل ألمانيا» يؤدي تحية هتلر خلال احتجاج في برلين 8 أكتوبر 2022 (رويترز)

روسيا في المزاج السياسي للشرق

يظهر التباين أيضاً بين شرق ألمانيا وغربها في المواقف تجاه السياسة الخارجية، إذ تسجّل الولايات الشرقية مستويات أعلى من التشكيك في بعض جوانب العلاقة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومواقف أكثر انفتاحاً على روسيا مقارنة بغرب البلاد، من دون أن يعني ذلك وجود توجّه عام مناهض للغرب. كما يبرز في الشرق اعتراض أكبر على سياسة برلين تجاه موسكو، ولا سيما العقوبات ودعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي.

ويعود ذلك جزئياً إلى الإرث التاريخي لألمانيا الشرقية، التي كانت جزءاً من المعسكر السوفياتي، وما تركته تلك المرحلة من روابط وتجارب مختلفة عن تلك التي عرفها سكان ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة.

واستثمر حزب «البديل» هذا التباين في مواقف ناخبي الشرق حيال روسيا والسياسة الغربية، مطالباً بإنهاء العقوبات على موسكو وإعادة العلاقات الاقتصادية معها، ومعارضاً إرسال الأسلحة إلى كييف. وهكذا تداخلت السياسة الخارجية مع الخطاب الداخلي للحزب، الذي يصوّر الحكومات المتعاقبة باعتبارها تضع الالتزامات الخارجية قبل المصالح الاقتصادية للألمان.

«جدار الحماية» أمام اختبار أصعب

لكن انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت تطرح سؤالاً سياسياً آخر يتعلّق بموقع الحزب في الحكم. فمنذ سنوات، تتمسك الأحزاب الألمانية الرئيسية بما يُعرف بـ«جدار الحماية» (Brandmauer)، أي رفض تشكيل ائتلافات أو إقامة تعاون سياسي مع حزب «البديل». وكان تطبيق هذه القاعدة أسهل عندما كان الحزب يشكل قوة انتخابية محدودة. أمّا عندما يحصل على أكثر من 40 في المائة من الأصوات ويحل أولاً بفارق كبير عن منافسيه، فتصبح عملية تشكيل حكومة من دونه أكثر تعقيداً سياسياً.

مرشح «البديل» في ساكسونيا-أنهالت أولريش زيغموند وزعيمة الحزب أليس فايدل خلال الاحتفال بنتائج الانتخابات في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ورغم أن النتيجة الانتخابية الأخيرة لا تمنح حزب «البديل» الأغلبية اللازمة للحكم منفرداً، فإن رفض القوى الأخرى التحالف معه يعني أن عدداً من الأحزاب التي حلّت خلفه قد تضطر إلى التعاون لتشكيل حكومة الولاية وإبقاء حزب «البديل» في المعارضة.

ويمنح ذلك الحزب بدوره مادة إضافية لخطابه المناهض للمؤسسات، إذ يستطيع تقديم نفسه أمام مؤيديه باعتباره الحزب الذي اختاره أكبر عدد من الناخبين، فيما تتكتل الأحزاب التقليدية لمنعه من الوصول إلى السلطة.

آثار الانقسام لا تزال واضحة

وتعطي انتخابات ساكسونيا-أنهالت صورة أوضح عن الانقسام في المشهد الألماني ككل. فهي تكشف أن آثار الانقسام الذي عاشته ألمانيا لأكثر من أربعة عقود قبل إعادة توحيدها لم تختفِ تماماً من الخريطة السياسية والاجتماعية.

وإذا واصل «البديل» تسجيل نتائج تتجاوز الأربعين في المائة في الشرق، فسيزداد الضغط على الأحزاب التقليدية التي تصر على إبقائه خارج السلطة، وقد يصبح الحفاظ على «جدار الحماية» أكثر صعوبة مع استمرار اتساع القاعدة الانتخابية للحزب.