غضب في ألمانيا بسبب مؤامرة روسية مزعومة لقتل رئيس شركة «راينميتال» للأسلحة

المخابرات الأميركية أبلغت برلين بالمخطط لاغتيال أرمين بابيرغير وشخصيات في صناعة التسليح الألمانية والأوروبية.

رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)
رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)
TT

غضب في ألمانيا بسبب مؤامرة روسية مزعومة لقتل رئيس شركة «راينميتال» للأسلحة

رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)
رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في صورة أرشيفية (أ.ف.ب)

تسبب الكشف عن مخطط روسي لاغتيال رئيس شركة أسلحة ضخمة في ألمانيا، بغضب لدى الأوساط السياسية الألمانية، التي دعت بالرد على موسكو بطرد دبلوماسييها. ويأتي هذا ليزيد من التوتر بين برلين وموسكو في أسبوع شهد إعلاناً حول نشر أسلحة أميركية بعيدة المدى في ألمانيا؛ مما أغضب الكرملين.

رئيس شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة أرمين بابيرغير (إ.ب.أ)

وكشفت قناة «سي إن إن» الأميركية، الخميس، عن مخطط روسي لاغتيال رئيس شركة «راينميتال» للأسلحة أرمين بابيرغير، يبدو أنه كان في مراحل متقدمة، في حين رفض الكرملين، الجمعة، الاتهامات وما جاء في التقرير. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: «كل ذلك تم تقديمه بأسلوب الأخبار المضللة؛ لذا لا يمكن أخذ مثل تلك التقارير على محمل الجد». وأضاف: «من الصعب جداً بالنسبة لنا أن نعلّق على تقارير لوسائل إعلام مختلفة لا تحتوي على أي حجج جدية وتستند إلى مصادر مجهولة».

وبحسب القناة التي نقلت عن مصادر في المخابرات الأميركية، فإن واشنطن أطلعت برلين على المخطط فور كشفها عنه مطلع العام الحالي، وإن ألمانيا اتخذت خطوات لمنع حدوث ذلك بتأمين حماية أمنية مشددة لبابيرغير.

واستندت «سي إن إن» في تقريرها إلى «خمسة مسؤولين أميركيين وغربيين على اطلاع بالحادثة»، وتم إخطار السلطات الألمانية بالمؤامرة؛ لذلك شددت ألمانيا الإجراءات الأمنية لبابيرغير، في ذلك الوقت.

مقر الشركة في دوسلدورف (د.ب.أ)

وبحسب القناة الأميركية، فإن اغتيال رئيس الشركة الألمانية سببه الأسلحة التي تصنعها «راينميتال» وتقدمها لأوكرانيا، وأن العملية كانت جزءاً من مخطط أوسع لاغتيال عدد من مسؤولي شركات الأسلحة الأوروبية المتورطة بصناعة أسلحة لأوكرانيا، إلا أن اغتيال بابيرغير كان الأكثر تقدماً.

وتعد «راينميتال» واحدة من أكبر الشركات الأوروبية المورّدة لتكنولوجيا الدروع وقذائف المدفعية لأوكرانيا. وبحسب بياناتها، فهي أكبر شركة مصنّعة لذخائر المدفعية في العالم الغربي. ولم تعلق «راينميتال» حتى الآن على التقرير.

وقالت القناة الأميركية إن مصادر في الحكومة الألمانية أكدت تلقي معلومات حول عملية اغتيال بابيرغير من المخابرات الأميركية. ونقلت مجلة «دير شبيغل» عن مصادر أمنية ألمانية قالت إن السلطات تلقت تحذيراً من الـ«سي آي إيه» قبل قرابة الشهرين بعد أن لاحظت المخابرات الأميركية تحركات مشبوهة لعملاء روس في الأشهر الماضية، وأن بعضهم دخل حتى إلى منطقة الشنغن؛ ما يعني أن سفرهم إلى ألمانيا كان سيكون سهلاً. ونقلت المجلة كذلك أنه لوحظ وجود «أشخاص مشبوهين» في محيط مقر شركة «ريانميتال» في دوسلدورف وفي أماكن سفر بابيرغير في الخارج.

مدرّعة من تصنيع شركة «راينميتال» تم تسليمها للجيش الألماني (رويترز)

وأكدت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر على حزم السلطات الأمنية الألمانية في التعامل مع التهديدات الروسية. وقالت فيزر في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية في برلين: «نحن لا نعلّق على وقائع تهديد فردية... لكن هناك شيئاً واحداً واضحاً للغاية: نحن نأخذ التهديد المتزايد بشكل كبير من العدوان الروسي على محمل الجد»، مؤكدة التعاون مع الشركاء الدوليين والسلطات الأمنية في الولايات الألمانية من أجل حماية ألمانيا وإحباط خطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأوضحت فيزر أن نظام بوتين يريد تقويض الدعم الذي تحظى به أوكرانيا، وقالت: «لكننا لن نرتهب»، مضيفة أنه في ضوء التهديدات الروسية، تمت زيادة إجراءات الحماية بشكل كبير في العامين الماضيين، وقالت: «تتراوح التهديدات بين التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية وإرهاب تمارسه الدولة». وأشارت فيزر إلى أن المخابرات الألمانية أحبطت عملين تخريبيين في أبريل (نيسان) الماضي. وفي ذلك الوقت ألقت السلطات الألمانية القبض على رجلين في ولاية بافاريا بتهمة التخطيط لارتكاب أعمال تخريبية، خاصة ضد الدعم الألماني لأوكرانيا في الحرب ضد روسيا. وقالت فيزر: «لقد تصرفت سلطاتنا الأمنية بشكل حازم للغاية ومنعت وقوع هجمات تفجيرية محتملة في ألمانيا... سنواصل بذل كل ما في وسعنا لمنع التهديدات الروسية في ألمانيا».

ويتمتع رئيس شركة «راينميتال» بحماية أمنية منذ أشهر وحراسة على مدار الساعة، بحسب صحيفة «بيلد». ونقلت الصحيفة أن عدداً من سيارات الشرطة تصطف أمام مقرّ الشركة منذ أشهر بشكل يومي، وفيها عناصر مسلحون بشكل مرئي.

المستشار الألماني أولاف شولتس يتحدث خلال تدشين موقع للشركة لتصنيع الذخيرة (د.ب.أ)

وعلّق المستشار الألماني أولاف شولتس الذي كان يشارك في اجتماعات حلف شمال الأطلسي في واشنطن عندما نشرت «سي إن إن» الخبر، وقال من دون أن يكشف عن أي تفاصيل، إن ألمانيا «تعلم أنها معرّضة لتهديدات من نشاطات روسية بمختلف الطرق»، وإنها «شديدة التنبه لذلك».

واتهمت وزيرة الخارجية أنالينا بيروبوك التي كانت موجودة في واشنطن مع شولتس، روسيا بشنّ «هجمات هجينة» على أوروبا، مشيرة إلى أن هذا الأمر يستدعي من الأوروبيين «حماية أنفسهم وألا يكونوا سذجاً».

ورغم الحذر في التصريحات من المسؤولين في الحكومة، خرجت تصريحات من سياسيين ألمان تدعو إلى تصعيد المواجهة مع روسيا. وقال رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) ماركوس فابر المنتمي إلى الحزب الليبرالي المشارك في الحكومة، إنه «إذا تم التوصل لمعرفة أي وكالة روسية مسؤولة عن العملية التي كان يُعدّ لها، فيجب طرد دبلوماسيين روس، ولو تطلب الأمر إصدار مذكرات توقيف دولية». وأضاف فابر في تصريحات لصحيفة «بيلد» إن محاولة روسيا اغتيال بابيرغير «تؤكد أن موسكو تجلب حربها وإرهابها إلى أوروبا، وأن نظام بوتين يحاول كذلك قتل مواطنين ألمان».

من داخل مصنع لصناعة الأسلحة والمعدات القتالية في ألمانيا (أرشيفية - رويترز)

ودعا كذلك رئيس لجنة العلاقات الخارجية في «البوندستاغ» ميشائيل روث المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الحاكم، إلى «رد ألماني صارم». ونقلت مجموعة «فونكه» الإعلامية عن الخبير في الشؤون الأمنية في حزب الخضر المشارك أيضاً في الحكومة، كونسنتين فون نوتز، قوله إنه يتعين على الحكومة «أن تتخذ رداً صارماً لو ثبت التقرير»، وانتقد ردود الفعل على حوادث شبيهة في الماضي، ووصفها بأنها كانت «خجولة وغير حاسمة».

وصدرت موافقة شبيهة من الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض والذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، وقال الخبير في الشؤون الدفاعية النائب سيراب غوتر لصحيفة «بيلد»، إن رد الفعل يجب أن يكون زيادة الدعم لأوكرانيا، في حين دعا النائب رودريش كيسفيتر إلى «زيادة تسليح أنفسنا»، مضيفاً في تصريحات للقناة الألمانية الثانية، إنه «من المهم أن نحضّر أنفسنا وشعبنا للدفاع عن نفسه».

وجاء الكشف عن المخطط بعد يوم على توقيع الولايات المتحدة وألمانيا على اتفاق مشترك في واشنطن لنشر أسلحة أميركية بعيدة المدى بداية عام 2026، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة. والأسلحة المتفق على نشرها هي صواريخ كروز من نوع «توماهوك» صواريخ «إس إم 6» تفوق سرعتها سرعة الصوت. وكانت هذه الأسلحة محظورة منذ عام 1988 بحسب اتفاقية بين روسيا وأميركا للحد من انتشار الأسلحة البعيدة المدى والتي انهارت قبل 5 سنوات ولم يتم تجديدها. وأغضب الاتفاق موسكو التي هددت برلين بالرد، وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف إن بلاده «سترد عسكرياً على التهديد الجديد»، متهماً «ناتو» والولايات المتحدة بالتصعيد «ومحاولة ترهيب روسيا».

المستشار الألماني أولاف شولتس متحدثاً بواشنطن في ختام قمة «ناتو» الخميس (رويترز)

ورد شولتس على تهديدات روسيا من واشنطن، قائلاً إن موسكو هي تلك رفضت تجديد اتفاقية عدم نشر الأسلحة البعيدة المدى مع واشنطن قبل 5 سنوات، وأضاف: «نحن اليوم نواجه حقيقة جديدة وهي أن روسيا زادت من عدد صواريخها وكذلك من حجم وقدرة هذه الصواريخ، وبات من الضروري للردع والسلام أن تكون الأسلحة اللازمة موجودة أيضاً في أوروبا وألمانيا».


مقالات ذات صلة

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا فرق إطفاء تعمل على إخماد حريق شب عقب هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا (رويترز)

مقتل شخصين على الأقل بهجوم روسي على دنيبرو

قُتل شخصان على الأقل وفقد ثالث وأصيب ثمانية في هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا، وفق ما أعلنت السلطات الإقليمية الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».