البنتاغون لـ«الشرق الأوسط»: منح الأولوية لتسليم أوكرانيا أنظمة الدفاع الجوي مخطط له مسبقاً

كيربي: رسالة حاسمة لموسكو... وإسرائيل وتايوان لن تتأثرا

صواريخ «باتريوت» بمعرض في بوخارست (إ.ب.أ)
صواريخ «باتريوت» بمعرض في بوخارست (إ.ب.أ)
TT

البنتاغون لـ«الشرق الأوسط»: منح الأولوية لتسليم أوكرانيا أنظمة الدفاع الجوي مخطط له مسبقاً

صواريخ «باتريوت» بمعرض في بوخارست (إ.ب.أ)
صواريخ «باتريوت» بمعرض في بوخارست (إ.ب.أ)

يعكس قرار إعادة توجيه إنتاج الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، حدود القاعدة الصناعية الدفاعية الغربية، التي تكافح من أجل توفير ما يكفي من الأسلحة لتلبية الطلب العالمي. كما أنه اعتراف بالحاجة الملحة لأوكرانيا وسط الهجمات المكثفة التي تشنها روسيا.

وبينما لم تذكر إدارة جو بايدن عدد الصواريخ الاعتراضية التي سترسلها، قال مسؤول أميركي كبير إن أوكرانيا ستُمنح الأولوية خلال الأشهر الستة عشر المقبلة، وسيتم تسليم الصواريخ إلى كييف فور خروجها من خط التجميع. وستتسلم أوكرانيا صواريخ اعتراضية لكل من صواريخ «باتريوت»، ونظام الصواريخ «ناسامز» أرض - جو الوطني المتقدم.

أرشيفية لزيلينسكي في أثناء زيارته منطقة لتدريب الجنود الأوكرانيين على نظام الدفاع الجوي باتريوت شرق ألمانيا (أ.ف.ب)

وقالت واشنطن لأوكرانيا إن بإمكانها استخدام الأسلحة التي تمنحها لها في ضرب أي قوات روسية تهاجم عبر الحدود، لا القوات المتمركزة في المنطقة القريبة من خاركيف فقط. وبحسب صحيفة «بوليتيكو»، يأتي التغير الطفيف في الرسائل، الذي يشدد مسؤولون على أنه لا يمثل تغيراً في السياسة، بعد أسابيع من سماح الولايات المتحدة لكييف بتوجيه ضربات داخل روسيا في رد فعل على الهجمات عبر الحدود على مدينة خاركيف.

قرار مخطط له مسبقاً

وفي رده على «الشرق الأوسط» حول دلالات الإعلان عن هذا القرار في هذا الوقت، وعما إذا كان مرتبطاً بجولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الآسيوية، خصوصاً بعد توقيعه اتفاقاً استراتيجياً مع كوريا الشمالية، جدد متحدث باسم البنتاغون تأكيد ما أعلنه الجنرال بات رايدر، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع، قائلاً إن القرار كان مخططاً له منذ وقت سابق.

وقال نحن نعمل بشكل وثيق مع الصناعة بشأن إجراءات التعاقد المناسبة من عملية إعادة التسلسل هذه؛ لضمان قدرتنا على الاستمرار في دعم متطلبات المساعدة الأمنية الخاصة بنا. ورفض الخوض في تفاصيل ماهية إجراءات التعاقد وتلك الشركات. وأضاف: «لا داعي للقول، مرة أخرى، إننا سوف نتأكد من أننا لا ندعم أوكرانيا فحسب، بل إننا نستمر في الحفاظ على المسار الصحيح لتسليم تلك الشحنات من الخدمات العسكرية الخارجية في أسرع وقت ممكن».

وكان جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، قد أعلن، الخميس، أن أوكرانيا ستحصل على الصواريخ الاعتراضية الإضافية بحلول نهاية الصيف. وأضاف: «الرسالة الأوسع هنا إلى روسيا واضحة، إذا كنت تعتقد أنك ستتمكن من الصمود بعد أوكرانيا، وإذا كنت تعتقد أنك ستكون قادراً على الصمود في وجه من يدعمون أوكرانيا، فأنت مخطئ تماماً».

جون كيربي المتحدث باسم الأمن القومي في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

والأسبوع الماضي، لمح الرئيس الأميركي جو بايدن إلى هذه الخطوة خلال اجتماع مجموعة السبع في إيطاليا، قائلاً: «لقد أخبرنا تلك الدول التي تتوقع منا أنظمة دفاع جوي في المستقبل بأنها سيتعين عليها الانتظار». وقال مسؤول أميركي إن بايدن أبلغ نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالقرار خلال القمة، كما أطلع البيت الأبيض قيادة الكونغرس والحلفاء المتأثرين في ذلك الوقت تقريباً.

ورفض كيربي تحديد عدد الدول التي تأثرت بإعادة ترتيب أولويات عمليات تسليم إمدادات الدفاع الجوي، لكنه أكد أن إسرائيل وتايوان لن تتأثرا بهذا القرار.

بوتين والرئيس الفيتنامي (إ.ب.أ)

ورحب جون هاردي، كبير الباحثين في الشأن الروسي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بقرار إدارة بايدن. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه جاء في الوقت المناسب للمساعدة في الدفاع عن البنية التحتية للطاقة الأوكرانية مع اقتراب فصل الشتاء. وشكك في أن تكون زيارة بوتين لكوريا الشمالية قد لعبت دوراً مباشراً في قرار إدارة بايدن. لكنه أضاف: «إذا أدت الزيارة إلى حصول موسكو على مزيد من الصواريخ الباليستية من بيونغ يانغ، فستكون هناك حاجة أكبر إلى الصواريخ الاعتراضية الإضافية بالنسبة لأوكرانيا، التي تعتمد على صواريخ (باتريوت) لإسقاط الصواريخ الباليستية».

وقال هاردي إن الضربات الصاروخية الروسية وطائرات «شاهد» الإيرانية دون طيار ضد البنية التحتية لتوليد الكهرباء في أوكرانيا، كانت مشكلة خاصة هذا العام، وستجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للمواطنين الأوكرانيين والصناعة الأوكرانية هذا الصيف، وخاصة في الشتاء مع زيادة الطلب على الكهرباء. ومن المرجح أن تغتنم روسيا هذه الفرص لتوجيه المزيد من الضربات للبنية التحتية في أوكرانيا، بهدف تقويض اقتصاد أوكرانيا وإرادتها للقتال.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر (أ.ب)

حتى الآن هناك ما لا يقل عن 3 بطاريات باتريوت في أوكرانيا، لكن الرئيس الأوكراني أكد أن بلاده بحاجة ماسة إلى سبع بطاريات باتريوت إضافية على الأقل. ورغم ذلك، قالت الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، إنها سترسل إلى أوكرانيا بطارية باتريوت إضافية، وإنها تسعى للحصول على أنظمة أخرى من الحلفاء، وهو ما التزمت به رومانيا التي أعلنت، الخميس، أنها سترسل أيضاً نظام باتريوت.

وقال زيلينسكي في تغريدة على «إكس» (تويتر سابقاً)، الخميس، رداً على إعلان رومانيا: «هذه المساهمة الحاسمة ستعزز درعنا الجوية، وتساعدنا على حماية شعبنا والبنية التحتية الحيوية بشكل أفضل من الإرهاب الجوي الروسي».

«باتريوت» يحظى بشعبية خاصة

وتشمل بطاريات «باتريوت«، التي ساعدت في حماية القوات الأوكرانية والأصول المدنية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك حول كييف، أجهزة الرادار وقاذفات الصواريخ وأنظمة الاعتراض. ويمكن لكل منها إطلاق العشرات من الصواريخ الاعتراضية في اشتباك واحد لمهاجمة الطائرات أو الصواريخ. كما أن نظام «ناسامز» الجوي قصير إلى متوسط ​​المدى، يمكنه إطلاق 72 صاروخاً اعتراضياً في وقت واحد. وتحظى صواريخ باتريوت، التي تقدر قيمتها بمليار دولار، بشعبية خاصة في كييف. فهو النظام الوحيد في ترسانتها الذي أثبت قدرته على إسقاط الصواريخ الروسية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، والتي يصعب اكتشافها والدفاع عنها بشكل خاص.

قاذفة صواريخ باتريوت متنقلة معروضة خارج موقع فورت سيل العسكري بالقرب من لوتون - أوكلاهوما (أ.ب)

ومع ذلك، كافحت أوكرانيا بقوة للحماية من القنابل الانزلاقية الروسية؛ لأنه يكاد يكون من المستحيل إسقاطها بمجرد إطلاقها. ويقول المسؤولون الأوكرانيون إن الحل هو استهداف الطائرات التي تطلق تلك الأسلحة. وعلى المدى الطويل، تأمل أوكرانيا أن يكون أسطولها من الطائرات المقاتلة المتقدمة من طراز «إف - 16»، بمثابة ضربة مضادة هائلة للقنابل الانزلاقية، لكن وصول تلك الطائرات، التي تعهدت بها الدول الغربية قبل أشهر، لا يزال على بُعد عدة أسابيع، كما يقول المسؤولون.

زيارة بوتين الآسيوية

من جهة أخرى، رأت واشنطن أن عدم استبعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إرسال أسلحة إلى كوريا الشمالية، «مقلق جداً»، لافتة إلى أن ذلك يهدد بـ«زعزعة استقرار شبه الجزيرة الكورية». وصرح المتحدث باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميلر للصحافيين: «إنه أمر مقلق جداً، قد يؤدي إلى زعزعة استقرار شبه الجزيرة الكورية». وأضاف: «بحسب نوع الأسلحة (التي قد ترسلها موسكو إلى بيونغ يانغ)، قد ينتهك ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي التي أيّدتها روسيا بنفسها».

الرئيسان الفيتنامي والروسي في القصر الرئاسي بهانوي أمس (أ.ب)

وقال بوتين للصحافيين خلال زيارته فيتنام: «نحتفظ بحق إرسال أسلحة إلى مناطق أخرى في العالم، مع أخذ اتفاقاتنا مع كوريا الشمالية في الاعتبار. ولا أستبعد هذا الاحتمال». كذلك، حذر كوريا الجنوبية من تزويد أوكرانيا بالسلاح، بعدما أعلنت سيول أنها «ستراجع» سياستها التي تمنعها من ذلك، رداً على توقيع اتفاق دفاعي، الأربعاء، بين روسيا وكوريا الشمالية.

وسئل ميلر هل سيؤدي هذا الأمر أيضاً إلى زعزعة استقرار شبه الجزيرة الكورية، فقال: «يعود إلى كل بلد أن يقرر ما إذا كان سيقدم أسلحة إلى أوكرانيا»، مع إشادته بهذه الخطوة.


مقالات ذات صلة

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

أوروبا قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا روسيا تطلق عشرات الصواريخ على أوكرانيا... وكييف تقول إن الحصيلة مقتل 16 شخصاً p-circle

روسيا تطلق عشرات الصواريخ على أوكرانيا... وكييف تقول إن الحصيلة مقتل 16 شخصاً

روسيا تطلق عشرات الصواريخ على كييف، التي تقول إن الحصيلة مقتل 16 شخصاً على الأقل، وزيلينسكي يتهم موسكو بالتصعيد... والكرملين ينتظر موعداً لزيارة كوشنر وويتكوف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ خبيران: بعد مضي عام... «روح قمة أنكوريج» الأميركية - الروسية دبلوماسية بلا استراتيجية

خبيران: بعد مضي عام... «روح قمة أنكوريج» الأميركية - الروسية دبلوماسية بلا استراتيجية

بعد مضي عام، «روح قمة أنكوريج» الأميركية الروسية، دبلوماسية بلا استراتيجية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسان بطرسبرغ (رويترز) p-circle

الصين تدخل على خط السجال الروسي الياباني... وتذكّر طوكيو بنتائج الحرب العالمية

الصين تدخل على خط السجال الروسي الياباني... وتذكّر طوكيو بنتائج الحرب العالمية وأوكرانيا تهاجم العمق الروسي بـ453 مسيرة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد مضخات وقود في محطة بنزين في روستوف أون دون بروسيا (رويترز)

محطات وقود بموسكو تحد من المبيعات في ظل نقص الإمدادات

أعادت بعض محطات الوقود في موسكو، فرض قيود على شراء البنزين بسبب نقص الإمدادات المرتبط بهجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة على مصافٍ، وفي ظل طلب موسمي قوي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو (حزيران) و15 أغسطس (آب) 2026، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الرقم ضعف ذلك المُسجل خلال صيف عام 2003 الذي شهد موجة حر قاتلة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وفق حسابات الوكالة المستندة إلى بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن «المرصد الأوروبي للجفاف» وبيانات السكان من «مركز البحوث المشترك».

كما يتجاوز رقم عام 2026 الأعداد المسجلة في الفترة نفسها خلال صيفي عامي 2022 و2025، حين تأثر ما بين 55 و60 مليون شخص بمثل هذه الدرجات من الحرارة.

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس وسط ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

وشهدت أوروبا الغربية أكثر بدايات الصيف حرارة على الإطلاق عام 2026، إذ بلغت درجات الحرارة في الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو (تموز) مستويات غير مسبوقة، في ظل موجات حر متكررة، وجفاف واسع النطاق، وحرائق غابات مدمرة أججتها ظاهرة الاحترار المناخي.

منذ منتصف يونيو، طالت حرارة تجاوزت 40 درجة 30 مليون نسمة في فرنسا، ولا سيما في الغرب، و23 مليون نسمة في إسبانيا، و8 ملايين نسمة في كل من ألمانيا وإيطاليا.

وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الحرارة 35 درجة في مناطق يقطنها 80 في المائة من سكان أوروبا، أي ما يعادل نحو 490 مليون نسمة، في حين لم تطل الموجة المناطق الجبلية ودول البلطيق وشمال أوروبا.

وأعلن معهد «كارلوس الثالث» الصحي في إسبانيا أن الحرارة تسببت في نحو 4500 وفاة إضافية بين الأول من يونيو و19 أغسطس.

وفي ألمانيا، تُقدّر السلطات الصحية عدد الوفيات بنحو 14 ألفاً حتى التاسع من أغسطس. أما في فرنسا، فقد أعلنت السلطات الصحية عن حصيلة أوّلية تتجاوز 7000 وفاة إضافية في الفترة ما بين منتصف يونيو و22 يوليو، قبل موجة الحر الثالثة التي شهدها العام واستمرت 23 يوماً على الأقل.