اليمين المتطرف على أبواب السلطة في فرنسا

انتقادات لرهان ماكرون «الخطير» بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية

قائدا حزب «التجمع الوطني» مارين لوبان وجوردان بارديلا يخاطبان أنصارهما مساء الأحد (أ.ف.ب)
قائدا حزب «التجمع الوطني» مارين لوبان وجوردان بارديلا يخاطبان أنصارهما مساء الأحد (أ.ف.ب)
TT

اليمين المتطرف على أبواب السلطة في فرنسا

قائدا حزب «التجمع الوطني» مارين لوبان وجوردان بارديلا يخاطبان أنصارهما مساء الأحد (أ.ف.ب)
قائدا حزب «التجمع الوطني» مارين لوبان وجوردان بارديلا يخاطبان أنصارهما مساء الأحد (أ.ف.ب)

لم تخطئ استطلاعات الرأي في توقع نتائج الانتخابات الأوروبية التي شهدتها فرنسا، الأحد، مع 19 دولة أوروبية أخرى؛ حيث جاءت النتائج متطابقة إلى حد بعيد مع التوقعات. وتفيد آخر الأرقام بأن لائحة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، برئاسة جوردان بارديلا، البالغ من العمر 28 عاماً، حصلت على 31.5 في المائة من الأصوات، ما سيمكِّنها من إرسال 30 نائباً إلى البرلمان الأوروبي الجديد. بالمقابل، فإن لائحة حزب «النهضة» الرئاسي، والحزبين المتحالفين معه: «الديمقراطي» الوسطي و«هورايزون» برئاسة إدوارد فيليب، رئيس الوزراء الأسبق وأحد السياسيين الأكثر شعبية، لم تحصل إلا على 14.6 في المائة من الأصوات، ما يتيح لها إرسال 13 نائباً إلى برلمان ستراسبورغ الأوروبي.

تغير جذري في المشهد السياسي

بالطّبع، هذه النتائج النهائية جاءت بمثابة لطمة غير مسبوقة للرئيس إيمانويل ماكرون الذي بنى صعوده السياسي على مجابهة اليمين المتطرف، وتخطّي الأحزاب التقليدية يميناً ويساراً. وفي الانتخابات الرئاسية الماضية في عام 2022؛ حيث تفوّق على منافسته مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، أكّد ماكرون أنه لن يألو جهداً في مواجهة اليمين المتطرف الذي عدّه خارج «القوس الجمهوري»؛ الذي يضمّ الأحزاب الملتزمة بقيم الجمهورية يميناً ويساراً. وبيّنت النتائج أن المشهد السياسي الفرنسي تغيّر جذرياً، فذهب إلى أقصى اليمين.

مظاهرة طلابية ضد اليمين المتطرف في باريس الاثنين (أ.ف.ب)

هذه النتيجة لا يمكن مقارنتها بما حصل في دول أوروبية أخرى، نظراً لحجم فرنسا الديموغرافي والسياسي والاقتصادي والاستراتيجي داخل البناء الأوروبي. فرنسا ليست بلجيكا ولا مالطا ولا لوكسمبورغ؛ هي مع ألمانيا دولة مؤسسة ورائدة ومؤثرة في مسيرة الاتحاد.

وبيّنت الأشهر الأخيرة، فيما خصّ الحرب في أوكرانيا، أن ماكرون شكّل «القاطرة» التي دفعت غالبية عواصم الاتحاد إلى انتهاج سياسة أكثر تشدداً إزاء روسيا، أكان لجهة تمكين القوات الأوكرانية من استهداف الأراضي الروسية بالأسلحة الأوروبية، أو عزمه بناء تحالف يُمكّن كييف من الحصول على طائرات «ميراج 2000-5» التي تصنعها شركة «داسو» للطيران الفرنسية، أو إرسال مدربين عسكريين لتدريب الجيش الأوكراني على الأراضي الأوكرانية نفسها.

ماكرون أخذ يطرح نفسه «زعيماً» لأوروبا، بعد أن «تحوّل من حمامة إلى صقر» في تعامله مع الملف الأوكراني. وجاءت الاحتفالات بالذكرى الثمانين لإنزال النورماندي؛ حيث استضاف ما لا يقلّ عن 25 رئيس دولة وحكومة، ثم قمّته مع الرئيس الأميركي جو بايدن لتجعله رقماً رئيسياً في السياسة الدولية، و«المحاور» الطبيعي لأميركا أوروبياً.

ماكرون شارك الاثنين بمدينة تول جنوب البلاد في احتفال تكريمي لـ99 ضحية قتلهم الجيش الألماني يوم 9 يونيو 1944 (أ.ف.ب)

كل ذلك تبخّر مع إعلان نتائج الانتخابات في الساعة الثامنة من مساء الأحد. «التجمع الوطني» فرض نفسه بوصفه أول قوة سياسية في فرنسا، ووجد أنه على أعتاب السلطة، بحيث إن «السقف الزجاجي» الذي كان يمنعه من الوصول إليها تهاوى بشكل جدي في إعادة تشكيل المشهد السياسي على الساحة الفرنسية. ولو أضيف إليه ما حصل عليه حزب إريك زيمور الأكثر تطرفاً منه، لتبين أن أقصى اليمين الشعبوي والقومي المعادي للمهاجرين، والمندّد بـ«فقدان الهوية الأوروبية»، و«خروج مناطق من فرنسا عن سلطة الدولة» و«تغلغل الإسلام المتطرف»، والسّاعي لسياسة انطوائية وغير المتحمّس للبناء الأوروبي، تحوّل إلى القوة الأكبر؛ حيث يحصل على نحو 40 في المائة من الدعم الشعبي. والجديد أنّه يتقدّم في كافة المناطق الفرنسية، ولم يعد محصوراً بالأرياف أو في جنوب وشمال البلاد.

زلزال حل البرلمان

جوردان بارديلا رئيس لائحة اليمين المتطرف الفائزة في الانتخابات الأوروبية (رويترز)

​كل ما سبق وقع كالصاعقة على الطبقة السياسية في الداخل، وأرعب كثيراً من القادة الأوروبيين. بيد أن الزلزال السياسي حلّ بعد أقل من ساعة، عندما ظهر الرئيس الفرنسي على شاشات التلفزة، ليعلن حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة بجولتين في 30 يونيو و7 يوليو (تموز).

ومنذ تلك اللحظة، صبّت التعليقات كلها في اتجاه واحد: مقامرة غير محسوبة النتائج، جنون، رهان خاسر، فتح أبواب قصور الجمهورية أمام اليمين المتطرف، ماكرون يريد «المساكنة» مع جوردان بارديلا رئيساً للحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات النيابية.

وتذكّر الجميع ما حصل عام 1997، عندما حلّ الرئيس جاك شيراك الديغولي البرلمان بعد مرور عامين فقط على انتخابه، لتعطل الحركة في البلاد بسبب إضرابات واضطرابات اجتماعية احتجاجاً على خطط الحكومة الإصلاحية. وجاءت النتيجة بعكس ما اشتهى؛ إذ خسر الانتخابات التي فاز بها الحزب «الاشتراكي»، ما حمل زعيمه ليونيل جوسبان إلى رئاسة الحكومة؛ حيث أمضى في منصبه 5 سنوات.

قرار متسرّع

أنصار حزب «التجمع الوطني» يحتفلون بنتائج الانتخابات في باريس مساء الأحد (أ.ب)

​في كلمته إلى الفرنسيين، جاء فيها ما حرفيته: «إن قرار حل البرلمان خطير وثقيل؛ لكنه يعبِّر عن ثقتي بكم أنتم مواطنيّ الأعزاء، وبقدرة الشعب الفرنسي على الاختيار الصحيح له وللأجيال القادمة، كما أنه يعبِّر عن ثقتي بنظامنا الديمقراطي». وأضاف ماكرون: «ليعُد القرار إلى الشعب، وهذا القرار يُعَد (قمة العمل بقيم) الجمهورية. إنه أفضل من أي ترتيبات أخرى. إن زمن توضيح الأمور الضروري قد حان، ولي ثقة بفرنسا التي عرفتْ دوماً المحافظة على وحدتها في الأزمنة الصعبة، والنضال من أجل رسم صورة المستقبل؛ بدل الانطواء والاستسلام أمام كافة الطروحات الديماغوجية».

ودعا ماكرون الفرنسيين إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع، موضحاً أن فرنسا «بحاجة لأكثرية واضحة، حتى تعمل في أجواء من الصفاء والوئام». وطرح ماكرون نفسه مدافعاً صلباً عن اتحاد أوروبي قوي وأوروبا مستقلة؛ لأنها «مفيدة لفرنسا»، ومؤكداً أن تصاعد الطروحات القومية والديماغوجية «يُشكّل خطراً بالنسبة لأمتنا، ولكن أيضاً بالنسبة لأوروبا ولموقع فرنسا داخلها وفي العالم».

مارين لوبان زعيمة «التجمع الوطني» تتأهب لإلقاء خطاب عقب فوز حزبها حيث أعلنت أنه «جاهز لتسلُّم السلطة» (إ.ب.أ)

كل القراءات والتحليلات التي أعقبت قرار ماكرون صبّت في اتجاه واحد: إذا كان رهان الرئيس الفرنسي الذي تنتهي ولايته الثانية في ربيع عام 2027 يقوم على اعتبار أن الانتخابات الجديدة ستوفر له أكثرية برلمانية لم يحصل عليها في انتخابات عام 2022 التشريعية، فإن رهانه خاطئ. والانطباع الذي عبّر عنه كثير من السياسيين أن ماكرون اتّخذ قراراً «متسرّعاً»؛ لا بل إن مسؤولين سياسيين اعتبروا أنه «خضع» لطلب بارديلا حلّ البرلمان، بينما أعلنت زعيمة «التجمع الوطني» أن حزبها «جاهز» لتسلم قيادة البلاد.

خطة مُحكمة

مئات المتظاهرين تجمّعوا في باريس للاحتجاج ضد صعود اليمين المتطرف وسط باريس (أ.ف.ب)

لكن حقيقة الأمر تجافي هذا الانطباع. فقد بيّنت معلومات صحافية -ومنها ما جاء على موقع صحيفة «لوموند» المستقلة، والتي تعد الأكثر رصانة في فرنسا- أن «ضربة» ماكرون السياسية كانت مجهّزة سلفاً، ومُعدّة لإحداث صدمة نفسية وسياسية لدى الفرنسيين. وحسب الصحيفة المذكورة، فإن «خلية» ضيّقة كانت تعمل منذ شهور في قصر الإليزيه، لبلورة سيناريو حل البرلمان، من بينها شخصيات مقرّبة من الرئيس اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي.

والأطرف من ذلك أن رئيس الحكومة غبريال أتال، ووزراء رئيسيين مثل وزير الاقتصاد برونو لومير، لم يكونوا على اطّلاع على ما يخطط له الإليزيه. وسيناريو حل البرلمان كان مُعداً للاستخدام في حال جاءت نتائج الانتخابات كارثية بالنسبة للمعسكر الرئاسي. أما إذا حصلت اللائحة الرئاسية على نسبة تتراوح ما بين 20 و22 في المائة، فعندها كان سيعوّل على الألعاب الأولمبية التي تستضيفها فرنسا نهاية يوليو، ثم الاحتفال بتدشين كاتدرائية نوتردام بعد انتهاء أعمال الترميم، للاتجاه بصدمة الانتخابات الأوروبية إلى التراجع والنسيان.

حسابات ماكرون

يراهن ماكرون على «قدرة الفرنسيين على القيام بالخيار الأفضل» لبلادهم في الانتخابات القادمة، ما يعني عملياً أن ينتخبوا مرشحي الأحزاب غير المتطرفة التي تضم -إلى جانب «التجمع الوطني»- حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد. والخوف الكبير أن يحصل اليمين المتطرف على الأكثرية المطلقة، ما سيُلزم ماكرون باستدعاء جوردان بارديلا إلى تشكيل الحكومة القادمة التي ستحل محل حكومة غبريال أتال، بحيث يكون للسلطة التنفيذية رأسان غير متناغمين. وسبق أن جرّب ذلك في الماضي رئيسان: الاشتراكي فرنسوا ميتران، واليميني جاك شيراك.

أنصار حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف يحتفلون بنتائج الانتخابات البرلمانية مساء الأحد (أ.ب)

بعد وقت قليل من إعلان حل البرلمان، سارع ستيفان سيجورنيه، وزير الخارجية الذي احتفظ -رغم توزيره- برئاسة حزب «النهضة»، إلى توجيه نداء من أجل «حشد كل القوى الجمهورية». ووعد سيجورنيه من سماهم «النواب المنتهية ولايتهم في المعسكر الجمهوري» بـ«الاستفادة من دعمنا إذا كانوا يوافقون على المشروع المقدم»، بحيث لا يرشح حزبه منافسين أمام النواب الذين يقبلون الانضمام إليه. وواضح أن النداء موجّه لحزب «الجمهوريين» اليميني التقليدي الذي حصل على 7.6 في المائة من الأصوات، ما سيُمكّنه من إرسال 6 نواب إلى البرلمان الأوروبي.

والحسابات الرئاسية أن الانتخابات الرئاسية شيء، والنيابية شيء آخر، وأن عدداً من نواب اليمين التقليدي الحاليين قد يفضلون الانشقاق عن حزبهم والالتحاق بالحزب الرئاسي، في حال طمحوا للاحتفاظ بمقاعدهم. وسبق لماكرون أن نجح سابقاً في اجتذاب أعداد قليلة منهم. من هنا، فإن الأيام القادمة ستشهد مساومات وصفقات من فوق الطاولة أو من تحتها.

قطعاً، لا يشكل حزب «الجمهوريين» خطراً على ماكرون، بعكس اليسار المتنوع الذي إذا حافظ على وحدته كما في الانتخابات النيابية السابقة، فإنه قد يكون مصدر الخطر؛ خصوصاً أن الحزب «الاشتراكي» عادت إليه بعض قواه السابقة، وحصل على نحو 14 في المائة من الأصوات، وعلى 13 مقعداً. وهذا التقدم قد يدفع بمن تركوه من المحازبين للعودة إلى صفوفه. لكن رهان ماكرون أن الخلافات بين حزب «فرنسا الأبية» و«الاشتراكيين» و«الشيوعيين» و«الخضر» عميقة لدرجة أنهم سيكونون عاجزين عن الاتفاق فيما بينهم، وتشكيل جبهة ولوائح موحدة.

جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» يأمل بتوحيد قوى اليسار المتنوع في الانتخابات القادمة (أ.ف.ب)

يبقى أن الخطر الأكبر عنوانه «التجمع الوطني». ومنذ اليوم الأول بعد الانتخابات الأوروبية، ستنطلق استطلاعات الرأي لقياس قدرته على الحصول على الأكثرية المطلقة، بينما كان لديه 88 نائباً في البرلمان المنحل. ونقلت «لوموند» أن التوقعات تفيد بأن الحد الأقصى الذي قد يصل إليه هو 239 نائباً، بينما الأكثرية المطلقة تفترض الحصول على 289 نائباً.

وباختصار، فإن فرنسا -بعد الزلزال- قادمة على مرحلة من الضبابية والتحولات التي يصعب منذ اليوم التنبؤ بمآلاتها. والثابت فيها -في أي حال- أن طموحات ماكرون في الحصول على الأكثرية بعيدة جداً عن الواقع، وبالتالي فإن أياماً صعبة تنتظره للأعوام الثلاثة المتبقية له في قصر الإليزيه.


مقالات ذات صلة

هل يغيّر وصول اليمين المتطرف لرئاسة حكومة فرنسا في العلاقات مع روسيا؟

أوروبا مارين لوبان زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني وجوردان بارديلا المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الأوروبية يحضران اجتماعاً سياسياً يوم الأحد 2 يونيو 2024 في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)

هل يغيّر وصول اليمين المتطرف لرئاسة حكومة فرنسا في العلاقات مع روسيا؟

تثير هزيمة حزب الرئيس الفرنسي في الانتخابات الأوروبية ردود فعل المسؤولين الروس، في حين يخضع صعود اليمين المتطرف في فرنسا للتدقيق من قِبل الصحافة الروسية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس البلاد الأسبق نيكولا ساركوزي في 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

ساركوزي يحذر من مخاطر حدوث فوضى في فرنسا مع اقتراب الانتخابات

حذر رئيس فرنسا الأسبق نيكولا ساركوزي من أن قرار الرئيس إيمانويل ماكرون المفاجئ بحل «الجمعية الوطنية» والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة ربما تكون له آثار معاكسة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافاييل غروسي

تنديد فرنسي - بريطاني - ألماني بسعي إيران للتوسع في برنامجها النووي

نددت فرنسا وألمانيا وبريطانيا، اليوم السبت، بأحدث تحركات إيران للتوسع في برنامجها النووي، التي تضمنها تقرير من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون: إسرائيل وأميركا وفرنسا ستبحث إنهاء التوتر بين «حزب الله» وإسرائيل

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم إنه وافق على تشكيل لجنة ثلاثية تضم فرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة لمناقشة نزع فتيل التوتر بين «حزب الله» وإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بورجو إينياتسيا)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إلى رص الصفوف في وجه كل أشكال «التطرف»

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم الأربعاء إلى رص الصفوف في مواجهة كل أشكال «التطرف» استعداداً للانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مجلس أوروبا يطالب تركيا مجدداً بالإفراج عن دميرطاش وكافالا

شيناخ خلال اجتماع مع مسؤولي حزب «الديمقراطية ومساواة الشعوب» المؤيد للأكراد في أنقرة (موقع الحزب)
شيناخ خلال اجتماع مع مسؤولي حزب «الديمقراطية ومساواة الشعوب» المؤيد للأكراد في أنقرة (موقع الحزب)
TT

مجلس أوروبا يطالب تركيا مجدداً بالإفراج عن دميرطاش وكافالا

شيناخ خلال اجتماع مع مسؤولي حزب «الديمقراطية ومساواة الشعوب» المؤيد للأكراد في أنقرة (موقع الحزب)
شيناخ خلال اجتماع مع مسؤولي حزب «الديمقراطية ومساواة الشعوب» المؤيد للأكراد في أنقرة (موقع الحزب)

طالب مجلس أوروبا تركيا مجدداً بتنفيذ قرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بشأن الإفراج عن الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش والناشط المدني رجل الأعمال عثمان كافالا المعتقلين منذ عام 2017. وكررت الهيئات التشريعية والتنفيذية لمجلس أوروبا، دعوتها للحكومة التركية للإفراج عن دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية» المؤيد للأكراد، الذي يواجه قضايا تتعلق بالإرهاب يصل مجموع أحكامها حال إدانته فيها إلى أكثر من 140 عاماً، والناشط المدني عثمان كافالا، المحكوم بالسجن المؤبد المشدد في القضية المعروفة بأحداث «غيزي بارك» وارتباطه بـ«منظمة فتح الله غول» التي تتهمها السلطات بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016.

وجاءت مطالبة هيئات مجلس أوروبا عقب اجتماعها في مقر المجلس بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، الثلاثاء، بعدما أكدت لجنة وزراء مجلس أوروبا في اجتماعات في الفترة من 11 إلى 13 يونيو (حزيران) الحالي، ضرورة إطلاق سراح كافالا ودميرطاش. وشددت اللجنة على أن إجراءات المحكمة الدستورية التركية يمكن أن تمثل فرصة مهمة للإفراج عن كافالا، معربة عن قلقها من أن طلبه، الذي قدمه قبل عامين لإعادة محاكمته، لم تتم معالجته بعد، وحثت المحكمة على معالجته على الفور.

واستعرضت اللجنة قضيتي الرئيسين المشاركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطية صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسكداغ، وطلبت معلومات مفصلة من السلطات التركية حول الأحكام الصادرة ضدهما، ودعت اللجنة المحكمة الدستورية إلى الإسراع بمعالجة طلباتهما دون مزيد من التأخير.

وبحسب ما كشفت عنه وسائل إعلام تركية، الأربعاء، فإن دعوة مجلس أوروبا تعد فرصة جديدة لتركيا، بعدما فتح المجلس إجراءات ضدها قد تؤدي إلى تجميد عضويتها بسبب عدم الالتزام بقرارات المحكمة الأوروبية.

وبدأ مجلس أوروبا إجراءات انتهاك ضد تركيا في أوائل عام 2022 لفشلها في تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن كافالا. وأحالت الأمر إلى لجنة الوزراء، التي لاحظت انتهاك تركيا الخطير لالتزاماتها بموجب المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وأعطت اللجنة الأولوية للحوار مع تركيا وأخرت العقوبات.

وكان مقرر تركيا في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا المشارك في لجنة تدقيق قضيتي دميرطاش وكافالا، ستيفان شيناخ، قد عقد في أنقرة وإسطنبول في الفترة من 11 إلى 14 يونيو (حزيران) الحالي، سلسلة اجتماعات مع مسؤولين من الحكومة التركية ونواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة وممثلي منظمات مدنية وزوجة الناشط عثمان كافالا، فضلاً عن زيارة دميرطاش وكافالا في السجن.

عثمان كافالا (أرشيفية)

وكرر شيناخ الدعوة للإفراج عن دميرطاش وكافالا، منتقداً الحكم الصادر مؤخراً ضد دميرطاش بالسجن 42 عاماً في قضية «احتجاجات كوباني».

وشدد، خلال لقاءاته في أنقرة وإسطنبول، على أن حل قضيتي كافالا ودميرطاش يكمن في القضاء التركي، وأنه يمكن إيجاد حلول قانونية لهاتين القضيتين المدرجتين على جدول أعمال لجنة الوزراء بمجلس أوروبا.

وتطرق شيناخ إلى المخاوف بشأن اكتظاظ السجون وفترات الاحتجاز الطويلة مع ممثلي منظمات المجتمع المدني. وقال إن زيارته كانت خطوة مهمة للحوار بين مجلس أوروبا والسلطات التركية، معرباً عن أمله في استمرار التعاون لتعزيز حماية حقوق الإنسان والقيم الأوروبية المشتركة.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد جدّد موقفه الرافض لتنفيذ قرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، بشأن الإفراج عن كل من دميرطاش وكافالا، ووصفهما خلال مؤتمر صحافي في مدريد مع رئيس الوزراء الإسباني بيدور سانشيز، الأسبوع الماضي، بأنهما «إرهابيان».

وعلق الكاتب في صحيفة «حرييت» القريب من دوائر الرئاسة التركية، عبد القادر سيلفي، في مقال الأربعاء، على التطورات الأخيرة، قائلاً: «بما أننا لا ننفذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية، فإنه تجري مناقشة تعليق عضويتنا في مجلس أوروبا، وستكون هذه عقوبة قاسية».

وانتقد سيلفي سؤال أحد المسؤولين الأتراك شيناخ عن سبب اهتمامه الشديد بعثمان كافالا، قائلاً إن «هذا الرجل أخطر من زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان».

وسخر سيلفي من المسؤول التركي، الذي لم يكشف عن اسمه، قائلاً: «ما هو شعورك عندما ترى أن عثمان كافالا، الذي يعارض الإرهاب والسلاح والعنف ولا يحمل حتى مسدس لعبة، أخطر من زعيم منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية؟... بعض المسؤولين يفعل أي شيء من أجل البقاء في المنصب».

وانتقد نائب رئيس حزب الحركة القومية شريك حزب العدالة والتنمية في «تحالف الشعب» فيتي يلدز، ما ذكره سيلفي بمقاله، وذكّره بأن وزارة العدل درست طلب إعادة محاكمة كافالا بناءً على طلب محاميه. وأضاف: «إذا حصلت على مساعدة من محامٍ جنائي مختص قبل المبالغة في عملية تقديم الالتماس للجمهور، فسوف تحترم حق المواطن في الحصول على معلومات دقيقة، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فستكون مجرد دعاية للمدانين».