لوسي ليتبي... قصة امرأة اختارت التمريض «امتناناً» فأصبحت قاتلة أطفال متسلسلة

إعلاميون بالقرب من شاشة كبيرة تظهر صورة الممرضة المدانة لوسي ليتبي (رويترز)
إعلاميون بالقرب من شاشة كبيرة تظهر صورة الممرضة المدانة لوسي ليتبي (رويترز)
TT

لوسي ليتبي... قصة امرأة اختارت التمريض «امتناناً» فأصبحت قاتلة أطفال متسلسلة

إعلاميون بالقرب من شاشة كبيرة تظهر صورة الممرضة المدانة لوسي ليتبي (رويترز)
إعلاميون بالقرب من شاشة كبيرة تظهر صورة الممرضة المدانة لوسي ليتبي (رويترز)

تعود قضية الممرضة البريطانية لوسي ليتبي إلى الواجهة، بعدما أثارت صدمة في المملكة المتحدة والعالم، العام الماضي، بارتكابها أبشع الجرائم بحق أطفال خُدّج، فأزهقت حياة 7 رضّع، وفشلت في محاولة القضاء على 7 آخرين.

وبعدما صدر في 21 أغسطس (آب) الماضي 14 حكماً بحقها، تنصّ جميعها على سجنها مدى الحياة. في سبتمبر (أيلول) عزمت على الاستئناف، ليأتي الرد أمس (الجمعة) بخسارتها محاولتها للحصول على استئناف قضائي ضد قرار إدانتها... وبالتالي، لن تخرج ليتبي من السجن ما دامت حية.

وليتبي (33 عاماً)، التي كانت في منتصف العشرينات، وتعمل في مستشفى «كونتيسة تشيستر» حين ارتكبت جرائم القتل التي نفّذتها بين يونيو (حزيران) 2015 ويونيو 2016، هي أكبر قاتلة أطفال في المملكة المتحدة في العصر الحديث. وهي رابع سيدة في تاريخ بريطانيا يقال إنها ستُسجن مدى الحياة.

وقال القاضي غوس لمحكمة مانشستر كراون: «إن أثر جرائمك هائل»، مضيفاً أن استهداف ليتبي أطفالاً تسبب بـ«ضرر دائم ومستمر مدى الحياة» حين أنهت حياتهم «وهي بالكاد في بدايتها». وتابع: «لقد حرمت آباء محبين من أبنائهم المحبوبين الأعزاء. لقد تسببت في حدوث صدمة نفسية عميقة لهم».

واتُهمت ليتبي بحقن الهواء عن طريق الوريد للأطفال حديثي الولادة، وباستخدام أنابيبهم الأنفية المعوية لإرسال الهواء، أو بإعطائهم جرعة زائدة من الحليب، إلى بطونهم.

وفي حالات أخرى، أضافت الممرضة الإنسولين إلى محلول غذائي، وسحبت أنبوب التنفس لطفلة خديجة، كما أعطت كميات مفرطة من الطعام لضحية أخرى بواسطة أنبوب.

وكان من بين الضحايا توأم، وفي إحدى الحالات قتلت شقيقين في أيام متتالية. أصغر طفل قتلته كان عمره يوماً واحداً فقط. وكانت أكبرهم تبلغ من العمر 11 أسبوعاً، وهي طفلة هاجمتها أربع مرات قبل أن تنجح في قتلها، وفق «رويترز».

فمن هي لوسي ليتبي؟ ولماذا قتلت الأطفال؟

لحظة توقيف لوسي ليتبي (رويترز)

اختارت التمريض «امتناناً»

أرادت ليتبي أن تصبح ممرضة منذ أن كانت في سن المراهقة، وقالت صديقتها دون هاو لـ«بي بي سي»: «لقد كانت ولادتها صعبة، وكانت ممتنة للغاية لبقائها على قيد الحياة للممرضات اللاتي كان من الممكن أن يساعدن في إنقاذ حياتها».

وأضافت: «أعتقد أن ذلك أثّر على الكثير من حياتها... إنها تشعر بأن هذا ما طُلب منها القيام به، لمساعدة الأطفال الذين ربما وُلدوا في ظروف مماثلة».

الصديقة «اللطيفة»

في المدرسة الثانوية، كان لديها مجموعة من الأصدقاء المقربين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «عائلة Miss Match»، بحسب هاو، التي قالت إنها وصديقاتها كن يحببن اللعب والمرح.

أما عن شخصية ليتبي آنذاك، فوصفتها هاو بأنها «الصديقة الأكثر لطفاً ونعومة»، وقالت صديقة أخرى إنها كانت «مرحة ومسالمة».

«قرّة عين والديها»

في بادئ الأمر، كان الوالدان، جون وسوزان ليتبي، في حالة إنكار، بحسب ما نقلت صحيفة «دايلي ريكورد». إلا أنهما حضرا طوال مدة محاكمة ابنتهما قاتلة الأطفال التي استمرت 10 أشهر، لكنهما لم يحضرا يوم النطق بالحكم، تماماً كما اختارت ابنتهما أن ترتعد في زنزانتها، ورفضت الحضور إلى محكمة مانشستر كراون للحكم عليها.

لوسي ليتبي في المستشفى الذي تعمل به (تويتر)

وليتبي الابنة الوحيدة لأبويها، نشأت في هيريفورد وهي مدينة تقع شمال بريستول.

وليس من غير المألوف أن يكون للقتلة ماضٍ مؤلم، لكن ليتبي تمتعت بطفولة جميلة، حيث كانت قرّة عيني والديها، على حد وصف الصحيفة.

وكانت العائلة تقضي إجازات ثلاث مرات سنوياً معاً، حتى عندما كانت ليتبي بالغة.

وولدت ليتبي في 4 يناير (كانون الثاني) 1990، وكان والدها جون يعمل ببيع الأثاث وكان يبلغ من العمر 44 عاماً عندما ولدت، وأمها سوزان كانت كاتبة حسابات وكانت تبلغ من العمر آنذاك 29 عاماً.

أول شخص في عائلتها يدخل الجامعة

وبحسب مجلة «نيويوركر»، كانت ليتبي أول شخص في عائلتها يدخل الجامعة. وحصلت على شهادة التمريض من جامعة تشيستر عام 2011، وبدأت العمل في وحدة حديثي الولادة في مستشفى كونتيس تشيستر، حيث تدربت كطالبة ممرضة.

وكانت تشيستر على بعد مائة ميل من هيريفورد، ووفق المجلة، لم يحب والداها وجودها بعيداً جداً عن المنزل.

وقالت ليتبي لزميل لها في رسالة نصية: «أشعر بالذنب الشديد لبقائي هنا في بعض الأحيان، لكن هذا ما أريده».

وكان والداها سعيدين للغاية بتخرجها، لدرجة أنهما نشرا إعلاناً في الصحيفة المحلية، وجاء فيها: «نحن فخوران جداً بك بعد كل عملك الشاق».

ونشرا إعلاناً آخر عندما بلغت 21 عاماً، وأرفقا شعار عيد الميلاد بصورة لابنتهما وهي طفلة جميلة المظهر.

وحينها، وصفت فريق التمريض في مستشفى كونتيس تشيستر بأنه «مثل عائلة صغيرة»، أمضت وقت فراغها مع ممرضات أخريات من الوحدة، وكثيراً ما كانت تظهر في الصور على «فيسبوك» بملابس منمقة وملمع الشفاه وابتسامة ساذجة وشعر أشقر أملس، بحسب «نيويوركر».

رسم لوسي ليتبي في محكمة مانشستر كراون (أ.ب)

لماذا قامت بقتل الأطفال؟

لم تخبر ليتبي المحققين والقضاة بسبب قيامها بهذا الفعل الإجرامي، وقال مدير المباحث بول هيوز، الذي قاد التحقيق لـ«رويترز»: «لسوء الحظ، لا أعتقد أننا سنعرف أبداً ما لم تختار أن تخبرنا».

وصف كبير المفتشين نيكولا إيفانز، ليتبي بأنها «باهتة».

وأضاف إيفانز: «كانت تتمتع بحياة اجتماعية صحية، وكانت لديها دائرة من الأصدقاء، وكان لديها والداها وعطلاتها، ولم يكن هناك أي شيء غير عادي في أي من ذلك، ولم نجد أي شيء غير عادي».

وأكد أنه «لم يكن هناك أي شيء يمكن أن تجده الشرطة غير عادي بالنسبة لامرأة في مثل عمرها في تلك المرحلة من حياتها».

وقد لا تعلن ليتبي أبداً عن الأسباب التي دفعتها إلى قتل الأطفال، لكن المحلفين حصلوا على عدد من الدوافع المحتملة من قِبل الادعاء خلال المحاكمة، بحسب صحيفة «الغارديان».

استمتعت ليتبي بلعب «دور الرب»

اقترح المدعي العام نيك جونسون كيه سي أن ليتبي، استمتعت بـ«لعب دور الرب» من خلال إيذاء الأطفال، ثم كانت أول من نبّهت زملاءها إلى تراجعهم.

كما أدلت بتصريحات وصفها الادعاء بأنها «منذرات الهلاك» مع تدهور حالة بعض ضحاياها.

وبعد قتلها ضحيتها الأخيرة في يونيو (حزيران) 2016، قالت للأطباء: «إنه لن يخرج من هنا حياً، أليس كذلك؟». وتوفي الطفل البالغ من العمر أياماً بعد فترة وجيزة.

وكانت ليتبي، التي كانت آنذاك في منتصف العشرينات من عمرها، قد أدلت بتعليقات مماثلة في جريمتي قتل سابقتين.

وقال جونسون للمحلفين: «كانت تعرف ما سيحدث. وكانت تسيطر على الأمور. وكانت تستمتع بما يحدث. كانت تتنبأ بأشياء كانت تعلم أنها ستحدث. لقد كانت، في الواقع، تلعب دور الرب».

«شعرت بالإثارة» 

وصف الآباء والممرضات ليتبي في أكثر من مناسبة بأنها تتصرف بشكل غير عادي عندما يتراجع الأطفال فجأة.

وعندما ماتت الطفلة المعروفة باسم «الطفلة الأولى» بعد هجمات متكررة من قِبل ليتبي، أخبر والداها الشرطة أنهما يتذكران الممرضة «التي كانت تبتسم وتتحدث عن كيفية حضورها في الحمام الأول (للطفلة الأولى) ومدى حبها لها».

ورأى جونسون أن ليتبي كانت «تشعر بالإثارة بسبب ما كنت تشاهده، والحزن واليأس، في تلك الغرفة».

فأجابت عند الإدلاء بشهادتها: «قطعاً لا، لا».

وبحثت ليتبي أيضاً على «فيسبوك» عن عائلات ضحاياها. وقال الادعاء إنها كانت تبحث في كثير من الأحيان عن عدد منهم في غضون دقائق، ويبدو أنها تبحث عن الحزن واحداً تلو الآخر.

لقد بحثت عنهم في الذكرى السنوية لوفاة أطفالهم، بل وأجرت عمليات بحث في يوم عيد الميلاد. والدليل على ذلك، قالت الممرضة إنها ستبحث عن جميع أنواع الأشخاص، وليس فقط آباء الأطفال في الوحدة.

أرادت ليتبي اهتمام طبيب مجهول

كذلك، قال الادعاء إن ليتبي كانت على علاقة سرية مع طبيب متزوج يعمل في مستشفى كونتيس تشيستر، ولا يمكن ذكر اسمه لأسباب قانونية، رغم أن الممرضة نفت ذلك مراراً وتكراراً.

وكشفت النصوص التي عُرضت على المحكمة، عن أن الاثنين كانا يتراسلان بانتظام، ويتبادلان رموز الحب التعبيرية، والتقيا مرات عدة خارج العمل - بما في ذلك في رحلة ليوم واحد إلى لندن، حتى بعد إخراج ليتبي من وحدة الأطفال حديثي الولادة في يوليو (تموز) 2016.

وقيل إن طبيعة علاقتهما كانت مهمة: فقد كان أحد الأطباء الذين يتم الاتصال بهم عندما تتدهور حال الأطفال فجأة. واقترح الادعاء أنها ألحقت بهم الأذى لجذب «اهتمامه الشخصي»، لكن ليتبي نفت ذلك.

ملل

بصفتها ممرضة من الفرقة الخامسة، كانت ليتبي مؤهلة لرعاية الأطفال الأكثر مرضاً في وحدة حديثي الولادة. وهذا يعني أنها غالباً ما أرادت أن تكون في الحضانة بجناح العناية المركزة.

وأثناء تقديم الأدلة في المحاكمة، وافقت على أنها وجدت العمل أقل تحفيزاً عندما تم تكليفها رعاية الأطفال الذين لا يحتاجون إلى الكثير من الرعاية الطبية.

ورقة بخط يد لوسي ليتبي (رويترز)

لم تكن «جيدة بما يكفي لرعايتهم»

وأقرب ما حصل عليه الادعاء من اعتراف جاء في شكل ملاحظات مكتوبة بخط اليد تم العثور عليها في حقيبة يد ليتبي بعد اعتقالها في يوليو 2018. كتبت على إحداها: «قتلتهم عمداً لأنني لست جيدة بما يكفي للاهتمام بهم. من أجلهم، وأنا شريرة فعلت هذا».

وكتبت أيضاً: «لن أنجب أطفالاً أو أتزوج أبداً. لن أعرف أبداً ما يعنيه أن يكون لديك عائلة».

وأخبرت ليتبي المحلفين أن الملاحظات كانت عبارة عن هراء لشخص يعاني نفسياً، وقد كتبتها بعد إيقافها عن العمل في انتظار التحقيق في حالات الوفاة غير العادية، وأن الأوراق تحتوي أيضاً على الكثير من احتجاجات البراءة.

ورغم أن الوثائق أعطت الشرطة نظرة أولى حقيقية لعقل الممرضة القاتلة، فإنه لم يتم تقديمها إلى المحكمة كدليل قاطع على دوافعها.


مقالات ذات صلة

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

المشرق العربي  سوق ساحة التل فر طرابلس بشمال لبنان (الشرق الأوسط)

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

عثر، اليوم (الجمعة)، على رجل الأعمال عبد الله كرامي مقتولاً داخل مكتبه في مدينة طرابلس شمال لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

من الحقنة المميتة إلى غاز النيتروجين... كيف تحولت طرق الإعدام في أميركا إلى معركة تشريعية وقانونية؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المغنية الأميركية ريهانا (أ.ب)

مهاجمة منزل ريهانا بـ20 رصاصة... والادعاء: المتهمة كانت تستهدف قتلها

كشف ممثلو الادعاء أن إيفانا أورتيز كانت تستهدف قتل المغنية الأميركية ريهانا، عندما أطلقت، وفقاً للاتهامات، وابلاً من الرصاص على قصرها الفخم في مدينة لوس أنجليس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا مركبات طوارئ تابعة للشرطة الألمانية تسير في موكب بهامبورغ (د.ب.أ)

الادعاء الألماني يتّهم 4 عراقيين بالانتماء إلى «داعش»

أعلن الادعاء العام في مدينة دريسدن بشرق ألمانيا، اليوم الثلاثاء، توجيه تهمة القتال في صفوف تنظيم «داعش» لأربعة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (برلين)

السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

ثمة قاعدة يعمل بوحيها الرؤساء الفرنسيون وتقوم على الامتناع عن تناول الشؤون الفرنسية الداخلية في المؤتمرات الصحافية التي يعقدونها خارج أراضي بلادهم. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن احترمها في أكثر من مناسبة. غير أنه تجاوز هذا العرف خلال مؤتمر صحافي بالدوحة، في ختام زيارة دولة قام بها إلى قطر، إذ تحدّث طويلاً عن الاضطرابات وأعمال العنف والنهب التي عانت منها المدن الرئيسية في فرنسا يوم السبت الماضي، والتي تكرّر بعضها كما في باريس في اليوم التالي.

ولأن الصورة التي عكستها فرنسا للعالم عن وضعها كانت كارثية، ولأن ماكرون أراد أن يوجه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن الوضع لن يخرج مجدداً عن السيطرة، وأن يداً من حديد ستضرب الخارجين عن القانون، فقد أجاب عن الأسئلة كافة التي طُرحت عليه وأكّد أنه سلم الحكومة، قبل بدء رحلته إلى الخليج، «خريطة طريق» وهي تعمل على تنفيذها.

الرد على انتقادات الخارج

بيد أن الرئيس الفرنسي لم يكتفِ بذلك، إذ إنه حرص على الرد بقوة على التعليقات الخارجية التي استهدفت بلاده. ووجّه كلامه، من دون تسميتهم، إلى الرئيسين الأميركي والروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كما هاجم الذين يستغلون الأحداث لبث أخبار كاذبة وإشاعات ومقاطع فيديو يستولدها الذكاء الاصطناعي. واتهم ماكرون هؤلاء بأنهم يطلقون «تعليقات لا يمكن قبولها، كما أنها غبية»، مضيفاً: «ثمة أشخاص يشنّون حملاتهم على حساب فرنسا، وقادة يعيشون أجواء الحملات الانتخابية في المنطقة أو على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ويرددون أحياناً، بدافع من السذاجة، ما يركّبه الذكاء الاصطناعي، أو ينقلون ما تسعى بعض الجهات، بطبيعة الحال، إلى إيهام الناس به».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

وعاد الهدوء إلى شوارع وساحات المدن الفرنسية منذ الاثنين، بعد أن لجأت السلطات إلى فرض منع التجول في الأحياء «الحساسة». كما تعمل المنظومة القضائية، على كامل الأراضي الفرنسية، بكامل قدراتها لمعاقبة المتورطين في أعمال الشغب والنهب واستهداف الأعيان العامة والممتلكات الخاصة، مستجيبةً لدعوة جيرالد دارمانان، وزير العدل، للضرب بيد من حديد على المخرّبين.

غير أن هذا الهدوء لا يعني أن الأمور عادت إلى مجاريها، فالنار ما زالت تحت الرماد. ودعت حركة «السترات الصفراء» إلى «الفصل الثاني» من الحراك من خلال مسيرة كبيرة يوم السبت المقبل والذي يليه في باريس، للتعبير عن احتجاجها على أسعار المشتقات النفطية بالغة الارتفاع، وغلاء المعيشة، وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الأكثر هشاشة.

وانضمّت إليها، حتى الآن، مجموعات طلابية مستعيدةً الشعارات التي رُفعت منذ أن بدأ حراكها قبل ما يزيد على الشهر، وعلى رأسها المطالبة بمزيد من الاستثمارات في قطاع التعليم الثانوي، وتوفير الأساتذة البدلاء عن الأساتذة المتغيبين، وإصلاح الحالة المادية للمدراس، فضلاً عن إلغاء آلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات المتوافرة في المرحلة الجامعية.

كذلك، أطلقت صوفي بينيه، الأمينة العامة لنقابة «كونفيدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، دعوة لإضرابات مفتوحة بدءاً من الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني). وقالت بينيه، عقب اجتماع للنقابات مع سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، إن الأخير لم «يطرح أي مبادرة ملموسة» استجابةً لمطالب العمال والطلاب، وبالتالي يتعين التوجه نحو «مسار» جديد؛ أي الإضراب المفتوح.

السلطات تسعى لتلافي التقصير

بناءً على ما سبق، يُعدّ يوم السبت المقبل «اختباراً» جديداً لقدرة الحكومة على السيطرة على الوضع الأمني الذي تفلَّت من بين يديها طيلة يومي السبت والأحد الماضيين.

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)

ونبّه ماكرون الأربعاء، من الدوحة، إلى أن «من يسعون لإثارة الفوضى في الاحتجاجات المقبلة لن يتمكنوا من فعل ذلك»، مُضيفاً أنه «ينبغي ألا يكون هناك أي تردد على أعلى مستوى في الدولة» في فرض الأمن بالوسائل الضرورية. وينُمّ كلامه عن ثقته بفاعلية التدابير الأمنية الجديدة. ولا شكّ أن الرئيس الفرنسي الذي سيغادر قصر الإليزيه بعد أقل من مائتي يوم لا يرغب في أن يؤحذ عليه أنه ترك منصبه فيما الفوضى تعم البلاد.

وفي الأيام الأخيرة، تكاثرت الانتقادات الموجهة إلى كيفية تعاطيه مع المطالب؛ أكانت تلك الصادرة عن طلاب التعليم الثانوي أو الجامعي أو من نقابات الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص. وفيما تجهد الحكومة في تمرير ميزانية تقشفية للعام 2027، وتصل ديون الدولة إلى مستويات غير مسبوقة (3600 مليار يورو) ونسبة فوائد مرتفعة للغاية (أكثر من 5 في المائة)، فإن التجاوب مع المطالب المرفوعة يحتاج إلى مليارات غير متوافرة. كما يؤخذ على ماكرون أنه لم يكشف عن أي تدبير ملموس حول كيفية الاستجابة للمطالب وسط أزمة الغلاء المستشري في السلع والخدمات.

لم يعرف حتى اليوم ما إذا كانت مديرية الشرطة ستتجاوب مع حركة «السترات الصفراء» للتظاهر السبت، بين ساحة «لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، أي في قلب العاصمة، علماً بأن أعمال الشغب انطلقت تحديداً من ساحة «لا ريبوبليك».

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو خلال جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

والأربعاء، أصدرت مديرية الشرطة في باريس قراراً بمنع التجول وأي تجمع غير مصرح به من الحادية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً في المناطق الحساسة؛ التي تشمل مقرات رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان ومجلس الشيوخ وجادَّة الشانزليزيه والساحة المركزية المسماة «لي هال»، ومحطات القطارات والساحات الساخنة التي شهدت أعمال العنف.

ويُرجّح مواصلة العمل بهذا المنع طيلة أيام الأسبوع ونهايته. وثمة إجراءات مشابهة في مدن أخرى مثل ليون ومارسيليا وبوردو. واستباقاً لمظاهرات السبت، قررت وزارة الداخلية تشديد انتشارها الأمني لتجنب اتهامها بـ«التقصير». وبإمكانها الاستعانة بطوافات الدرك، والمسيَّرات، وبفرق الجيش التي تم اللجوء إليها بعد العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عام 2015 وما تلاه.

ولا جدل في أن لوران نونيز، وزير الداخلية الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية يوم الأحد الماضي بسبب ما عُدَّ «تقصيراً» منه في فرض الأمن والسيطرة على الأوضاع، لن يدخر جهداً لتجنّب تكرار «الفشل الأمني» الذي يُعدّ إحدى النقاط النادرة من توافق التشخيص بين اليمين واليسار، لا بل أيضاً مع رئاسة الجمهورية والحكومة.

انهيار في الداخل والخارج

في افتتاحيتها المعنونة «صورة ماكرون تنهار في الخارج»، كتبت صحيفة «لوموند» أن التعبئة الشعبية وأعمال الشغب التي واكبتها «ضربت صورة ماكرون، ووفَّرت مادةً لأعداء فرنسا».

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

وأضافت الصحيفة أن محصلة السنوات العشر التي قضاها ماكرون في رئاسة الجمهورية آخذة في الانهيار. وفي الداخل، انهارت شعبية ماكرون إلى حد لم يعرفه في السابق، وذلك إلى درجة أن المرشحَين الرئيسيَّين عن «الكتلة المركزية» الداعمة له؛ وهما إدوارد فيليب عن حزب «هوريزون»، وغابريال أتال عن حزب «النهضة»، وكلاهما شغل رئاسة الحكومة، يمتنعان عن تبني محصلة الحكم التي كانا جزءاً منها، لا بل إنهما لا يترددان في انتقاد الرئيس الحالي.

ويؤخذ على ماكرون أمران رئيسيان: الأول، أنه لم يعرف كيف يتعامل مع المطالب التي ترفعها فئات مجتمعية كثيرة؛ بمن فيهم التلامذة الذين عوملوا بقسوة خلال مظاهراتهم التي لم تشهد العنف إلا على الهامش. والآخر، تدهور مالية الدولة بشكل يهدد النظام المالي الفرنسي، وبعضهم يُحذر من تبعاته على العملة الأوروبية الموحدة وعلى النظام المالي الأوروبي بكليته. ويبقى، أخيراً، أن ماكرون وعدَ الفرنسيين بأن حُكمه سينزع البساط من تحت رجلَي الأحزاب اليمينية المتطرفة وعلى رأسها حزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبن. والحال أن جميع استطلاعات الرأي ترجح وصول لوبن إلى قصر الإليزيه، وهو ما يشكل إخفاقاً كبيراً وإضافياً لماكرون.


محادثات روسية - أميركية لإنقاذ عملية السلام... وملف إيران حاضر على الطاولة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
TT

محادثات روسية - أميركية لإنقاذ عملية السلام... وملف إيران حاضر على الطاولة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

حملت الزيارة التاسعة لمبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف إلى روسيا، الأربعاء، جديداً على صعيد جهود دفع جهود التسوية السياسية للصراع في أوكرانيا. خصوصاً في إطار مساعي واشنطن لكسر جمود عملية السلام ومواجهة التصعيد الميداني الواسع المتبادل خلال الأشهر الأخيرة.

ومع أن الطرفين؛ الروسي والأميركي، لم يفصحا عن تفاصيل الأفكار التي طُرحت للنقاش خلف أبواب مغلقة، لكن ما تسرب من معطيات في الشق العلني من نقاشات الرئيس فلاديمير بوتين مع ويتكوف، حمل إشارات إلى تطور مهم في إطار الحديث عن «وثائق محددة» تم تسليمها إلى الكرملين لدراستها، تحدِّد أطراً للتسوية تمت مناقشتها في اليومين الماضيين مع الجانبين الأوروبي والأوكراني في أوسلو.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ويحمل هذا جديداً لافتاً، خصوصاً أن زيارات ويتكوف السابقة كانت قد طرحت أفكاراً أميركية وأوراقاً للعمل لكنها لم تحدد إطاراً ملموساً يمكن الانطلاق بالنقاش حوله.

أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، أن المحادثات التي أجراها الموفد الأميركي ستيف ويتكوف، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، في أوسلو كانت «إيجابية». وقال روبيو خلال زيارة للهند إن المحادثات «كانت إيجابية، لا شيء غير متوقع، لا شيء مفاجئاً، وسيكون بإمكانه الآن الذهاب إلى سانت بطرسبرغ حاملاً هذه الأفكار وتقاسمها مع الطرف الروسي» مضيفاً: «دعونا نرَ إن كان بإمكاننا إحراز بعض التقدم».

أما الجديد الثاني فقد تمثل في طرح ملف إيران والحرب الدائرة في منطقة الخليج على طاولة البحث خلال اللقاء الذي استمر لأكثر بقليل من ساعتين، مما أوحى بوجود تطور في الموقف الأميركي حيال احتمال أن تلعب روسيا دوراً للوساطة أو تقدم إسهاماً لبلورة اتفاق بين واشنطن وطهران.

ويتكوف نقل إلى بوتين «أفكاراً»

وأعلن ويتكوف أنه نقل، خلال اجتماعه بالرئيس الروسي في سان بطرسبرغ «أفكاراً» من أجل اتفاق سلام في أوكرانيا. وقال ويتكوف لبوتين، في تصريحات بثّها التلفزيون الرسمي الروسي: «أحضرنا بعض الأوراق. إنها في الواقع بعض الأفكار بشأن شكل من أشكال اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، ويمكنك الاطلاع عليها حين يتسنى لك ذلك». وأوضح ويتكوف، الذي التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أوسلو الثلاثاء، أنه حضر إلى روسيا على أمل بحث استئناف المحادثات الثلاثية. وأضاف أنّ مجرّد التطرق إلى «ما قد تكون عليه الخطوة المقبلة» سيكون في ذاته أمراً «مهماً».

ووصف ويتكوف المحادثات التي جرت في أوسلو بين ممثلين عن أوكرانيا والولايات المتحدة بأنها مثمرة، مؤكداً وجود أرضية خصبة لتحقيق وقف إطلاق النار. وأفاد بأنه قدَّم وثائق إلى روسيا توضح مقاربات محددة التسوية، داعياً الرئيس الروسي إلى دراستها من أجل استئناف الحوار بشأنها. وأعرب ويتكوف عن اعتقاده بوجود «إمكانية لإنهاء النزاع».

كما أعرب عن أمله في أن ينظر بوتين في استئناف المحادثات الثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا؛ لمناقشة المسائل الفنية. وتطرق بشكل موجز إلى الموقف الأوكراني على خلفية لقائه مع زيلينسكي، وقال إنه يجب على الجانب الأوكراني أن يدرك الفرص الاقتصادية التي قد تتاح لكييف بعد انتهاء النزاع.

بوتين يوافق على مباحثات ثلاثية

صرح مسؤول في الكرملين بأن الرئيس بوتين وافق، الأربعاء، على استئناف المباحثات الثلاثية مع واشنطن وكييف. وقال يوري أوشاكوف، مستشار بوتين للشؤون الخارجية، للصحافيين عقب الاجتماع مع ويتكوف، إن بوتين وافق «من حيث المبدأ» على استئناف المباحثات الثلاثية بعد 10 نوفمبر (تشرين الثاني). وأوضح أوشاكوف أن المحادثات الثلاثية ستركز على «إرساء نظام أمني لروسيا وأوكرانيا بعد انتهاء الصراع».

حضر اللقاء الذي جرى في قصر قسطنطين التاريخي في عاصمة الشمال سان بطرسبرغ، من الجانب الروسي كل :من يوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية وهو المهندس الفعلي لسياسات الكرملين، وكيريل ديمترييف رئيس صندوق الاستثمارات المباشرة وهو عرّاب تطبيع العلاقات مع واشنطن ولديه علاقات وثيقة مع أركان الإدارة الأميركية. فيما غاب عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي كان في زيارة لطهران في اليومين الماضيين، مما أعطى الحديث عن الملف الإيراني خلال اللقاء بعداً إضافياً مهماً. ومن الجانب الأميركي غاب المبعوث الرئاسي الثاني جاريد كوشنر عن اللقاء لإصابته بوعكة صحية، لكنه شارك المجتمعين بعض النقاشات عبر مداخلة هاتفية.

زيلينسكي معانقاً ويتكوف ومعهما رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الفنلندي (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يتوقع اطلاعه على المحادثات

وكان من الطبيعي أن يبدأ الحوار في الشق العلني باستفسار الرئيس الروسي عن نتائج جولات الحوار التي أجراها ويتكوف في أوسلو مع مفاوضين أوروبيين وأوكرانيين، فضلاً عن لقائه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، رغم تدهور علاقة الأخير مع الإدارة الأميركية أخيراً.

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنّه يتوقع أن تُطلعه واشنطن على نتائج اجتماع المبعوث الأميركي مع الرئيس الروسي. ويأتي اللقاء بعدما شارك مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي في اجتماع ضمّ الرئيس الأوكراني وويتكوف، في أوسلو، الثلاثاء.

وقالت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي باولا بينيو: «كان الهدف الرئيسي استكشاف ما إذا كانت المقومات متوافرة للانتقال المحتمل إلى محادثات ثلاثية أو حتى متعددة الأطراف، بحضور أوكرانيا وروسيا، إلى الطاولة نفسها». وأضافت: «كانت القضايا الرئيسية التي تناولتها مناقشات الأمس هي الأراضي والأمن والازدهار بعد الحرب، ونتوقع إطلاعنا على نتائج المحادثات لدى عودة الوفد الأميركي من روسيا».

وأعرب بوتين، خلال اجتماعه مع ويتكوف، عن اهتمامه باستعادة التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، حسبما ذكرت وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء. وأشار بوتين إلى أنه سعيد برؤية ويتكوف في روسيا. وأضاف بوتين أن «الرئيس ترمب ركز خلال محادثاتنا الأخيرة على ضرورة إنهاء الصراع في أوكرانيا لوقف الخسائر البشرية».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال ويتكوف إن «هناك أرضية وأسساً قائمة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في الصراع الأوكراني». وشكر ويتكوف الرئيس الروسي بوتين نيابةً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على قرار روسيا بشأن اتفاق الديزل. وأكد ويتكوف أن «هناك آفاقاً لتطوير العلاقات الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة بعد انتهاء الصراع في أوكرانيا».

وأعرب ويتكوف عن أمله في أن ينظر بوتين في إمكانية استئناف المحادثات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا لمناقشة المسائل الفنية. وأضاف ويتكوف أنه أحضر إلى سان بطرسبرغ وثائق تحدد مقاربات تسوية الصراع في أوكرانيا.

وبدا بوتين واضحاً في رهانه على الدور الأميركي، وقدم الشكر لإدارة الرئيس دونالد ترمب ولزوجته ميلانيا التي لعبت أدواراً لتسوية مسائل إنسانية في أوكرانيا. ولم يقتصر الرهان كما بدا على البعد السياسي وآفاق عملية التسوية في أوكرانيا، إذ تحدث بوتين بشكل مطول عن العلاقات الثنائية ورغبته في توسيع نطاق التعاون مع الولايات المتحدة، وبعد إشارة إلى اتفاق الديزل الذي أثار أخيراً جدلاً واسعاً وانتقدته أوروبا وأوكرانيا، تحدث الرئيس الروسي عن استعداد لتزويد الأسواق الأميركية بكميات كبيرة من الأسمدة ومواد أخرى تحتاج إليها واشنطن.

ويحمل هذا التأكيد إشارة مهمة على صعيد توجه إدارة ترمب لتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا في قطاعات أخرى بعد قطاع الطاقة.

روسيا ترسل أول شحنة ديزل الخميس

نقلت ‌صحيفة «فيدوموستي» عن ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، قوله إن موسكو سترسل، الخميس، أول ناقلة ديزل إلى ​الولايات المتحدة بعد التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورفعت روسيا في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الحظر الذي فرضته على صادراتها من الديزل، للتخفيف من وطأة نقص لديها بسبب هجمات أوكرانية بطائرات مسيَّرة على مصافي تكرير، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق مع ترمب لتزويد الأسواق ‌العالمية بالديزل. ونقلت تقارير ‌نشرتها وسائل إعلامية عن ​نوفاك ‌قوله، ⁠الأربعاء، ​إن ناقلة ⁠ستحمل 40 ألف طن من الوقود، وإن الإجراءات الورقية المتعلقة بالخطوة تقترب من نهايتها. ولم يذكر اسم ميناء تسليم الشحنة.

وذكر بوتين أيضاً: «نستعد حالياً لشحنات عدة سفن... الناقلات. ستغادر واحدة تلو الأخرى. ​ويجب توفير الشق ​المالي». وذكر أن روسيا ستكون قادرة أيضاً على توريد أسمدة «بكميات كبيرة» إلى السوق الأميركية.

وجاء ربط الرئيس الروسي غير المباشر بين الأزمة حول أوكرانيا والوضع حول إيران ليضيف أهمية خاصة للقاء. وقال بوتين إن بلاده مستعدة للمساعدة في حلّ النزاع في الشرق الأوسط.

وأضاف الرئيس الروسي أنه مهتم بتقييم الولايات المتحدة للوضع في الشرق الأوسط.

وأوضح قائلاً: «كما تعلمون، تربطنا علاقة خاصة قائمة على الثقة مع إيران، لأنها بُنيت على مدى عقود. وإذا كان بإمكاننا فعل أي شيء لحل هذه الأزمة، فسيسعدنا فعل ذلك».

وأكد بوتين أنه يتطلع لمناقشة إمكانية عقد اجتماع مع ترمب في الصين على هامش قمة «آبيك» الشهر المقبل.

ترمب يصافح بوتين خلال مؤتمر صحافي مشترك في ألاسكا 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

الإفراج عن ستيفن هوبارد

وشكر ستيف ويتكوف، نيابةً عن ترمب، بوتين على قراره بشأن قرار الإفراج عن أميركي أُدين بالقتال إلى جانب أوكرانيا. وكانت روسيا قد أفرجت، مع وصول ويتكوف، عن الأميركي ستيفن هوبارد، المدان بالعمل مرتزقاً. وأفاد بوتين بأنه موجود في مطار بولكوفو استعداداً لترحيله. وقد حُكم على هوبارد، البالغ من العمر 72 عاماً، بالسجن ست سنوات وعشرة أشهر بتهمة العمل مرتزقاً. وحسب المحققين، انضم هوبارد في 2022 إلى قوات الدفاع عن إيزيوم في منطقة خاركيف، وشارك في القتال إلى جانب القوات الأوكرانية.

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الأميركي ستيفن هوبارد الذي ألقت القوات الروسية القبض عليه في أوكرانيا قبل عام، بات في طريقه للعودة وأن أي «مبادلة» لم تحصل مع موسكو لتأمين إطلاق سراحه. وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال» أن «ستيفن في طريقه للعودة وسيكون قريباً إلى جانب عائلته. الولايات المتحدة، احتراماً للرئيس ترمب، لم تُضطر لتقديم شيء في المقابل، وهو وضع غير مسبوق بالنسبة إلى روسيا. لم تكن هناك أي ضرورة للقيام بمبادلة لإطلاق سراحه».

في اليوم السابق، كان ويتكوف وكوشنر قد أجريا محادثات في أوسلو مع زيلينسكي، بالإضافة إلى قادة النرويج وفنلندا. وأفاد موقع «أكسيوس» بأن كوشنر نقل إلى أوكرانيا مطالبة الرئيس ترمب بوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية.

من اليمين لليسار: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وعقب المشاورات، أعلن الجانب الأميركي إحراز تقدم في عدة جوانب أمنية واقتصادية، وقال إن المبعوث الخاص يعتزم عرضها على القيادة الروسية.

ووفقاً لـ«أكسيوس»، نقلاً عن مصدر في واشنطن، فقد اتفقت الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا على مواقف محددة بشأن الخطوات اللاحقة لحل النزاع والتواصل مع موسكو.

وفي إشارة إلى أن مهمة ويتكوف في سان بطرسبرغ قد تكون حاسمة لجهة دفع عملية السلام وتطوير الحارات مع الجانبين الأوروبي والأوكراني، قال رئيس الوزراء النرويجي، يوناس غار ستوره، إن ويتكوف سيعود إلى أوسلو بعد محادثاته مع بوتين مباشرةً. وأفاد لهيئة الإذاعة النرويجية (NRK): «أعتقد أننا سنعقد اجتماعاً آخر في المطار. نتوقع بعض الردود».

على صعيد آخر، أعرب زيلينسكي عن قلقه إزاء احتمال عقد اجتماع بين قادة الولايات المتحدة والصين وروسيا من دون إشراك بلاده. وكان الحديث عن هذا اللقاء قد تلقى دفعة قوية بعد إعلان الكرملين استعداد بوتين للمشاركة في قمة ثلاثية على هامش قمة «آبيك» وتبع ذلك إعلان ترمب أنه يتطلع للمشاركة في هذا اللقاء.

وقال زيلينسكي الأربعاء، في مقابلة صحافية: «أودّ أن أفهم ما يُناقَش لتجنّب مزيد من المفاجآت. المسألة ليست فقط ما إذا كانوا سيجتمعون معنا أم من دوننا... ولكن إذا كانت أوكرانيا مطروحة على جدول الأعمال، فنحن نرغب في التشاور معنا». وأضاف زيلينسكي أنه لا يعلم ما الذي يمكن أن يُطرَح للنقاش خلال القمة الروسية - الأميركية - الصينية المحتملة حول الوضع في أوكرانيا.

روبيو: أوكرانيا «لم تكن لتبقى» لولا الدعم الأميركي

دافع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عن الدعم الذي تقدمه إدارة الرئيس دونالد ترمب لأوكرانيا، مؤكداً أن هذه الدولة «لم تكن لتبقى» لولا الدعم الأميركي. وقال روبيو، للصحافيين، الأربعاء، خلال زيارة إلى الهند: «لولا المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة، بما في ذلك في عهد إدارة ترمب، لما كانت هناك أوكرانيا اليوم». وأضاف روبيو أن «أوكرانيا لم تكن لتبقى دولة ذات سيادة».

وجاءت تصريحات روبيو رداً على أسئلة بشأن تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أفاد بأن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» أمر مؤخراً بإبطاء عمل نظام «ستارلينك» للأقمار الاصطناعية، الذي يساعد أوكرانيا على التصدي للهجمات الجوية الروسية الفتاكة. وذكر التقرير، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وآخرين لم يكشف عن هوياتهم، أن ماسك ناقش قرار إبطاء عمل نظام «ستارلينك» مع ​​الرئيس دونالد ترمب بعدما أصبح هذا الإجراء معروفاً علناً. وأوضح روبيو أنه لا يعلم أن الرئيس كان على علم مسبق بالقرار، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة، لا تستطيع، في جميع الأحوال، التحكم في كيفية تصرف شركة خاصة بشأن منتجاتها. وقال روبيو، رداً على أسئلة بشأن تقرير الصحيفة، «ليس صحيحاً أننا كنا على علم مسبق بالأمر أو أننا وجهنا باتخاذ هذا الإجراء بأي شكل من الأشكال».


بوتين يوافق على استئناف المحادثات الثلاثية مع أميركا وأوكرانيا الشهر المقبل

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال لقاء مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بمدينة سانت بطرسبرغ في روسيا يوم 21 أكتوبر 2026 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال لقاء مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بمدينة سانت بطرسبرغ في روسيا يوم 21 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

بوتين يوافق على استئناف المحادثات الثلاثية مع أميركا وأوكرانيا الشهر المقبل

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال لقاء مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بمدينة سانت بطرسبرغ في روسيا يوم 21 أكتوبر 2026 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال لقاء مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بمدينة سانت بطرسبرغ في روسيا يوم 21 أكتوبر 2026 (رويترز)

قال الكرملين إن الرئيس فلاديمير بوتين وافق على استئناف المباحثات الثلاثية وتشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا الشهر المقبل، حسبما أفادت وكالة "أسوشييتد برس".

صرّح يوري أوشاكوف، مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشؤون الخارجية، للصحافيين عقب اجتماع بين بوتين وستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأن الزعيم الروسي وافق "من حيث المبدأ" على استئناف المحادثات الثلاثية بعد العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني).

وأجرى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ يوم الأربعاء، تناولت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدفع كييف نحو التوصل إلى اتفاق ينهي القتال.

وفي تصريحات متلفزة في مستهل الاجتماع، أعرب ويتكوف عن أمله في مناقشة استئناف المحادثات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، بما يتيح للفرق الفنية بحث الخطوات التالية نحو تسوية سلمية.

وقد أعرب بوتين عن شكره لترمب وويتكوف على جهودهما الرامية لإنهاء الحرب.

وذكر الكرملين أن المحادثات استغرقت نحو ثلاث ساعات، دون أن يصدر أي تعليق فوري من المشاركين عقب انتهائها.

وجاءت هذه الزيارة بعد يوم واحد من لقاء جمع ويتكوف بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعدد من القادة الأوروبيين في أوسلو، عاصمة النرويج.

وتشير لقاءات ويتكوف إلى رغبة القادة في إضفاء زخم جديد على جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة، وذلك بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على بدء الغزو الروسي الشامل. ولم تحقق المساعي التي تبذلها إدارة ترمب منذ مطلع العام الماضي لإنهاء الحرب أي تقدّم ملموس، كما لا توجد مؤشرات على حدوث انفراجة وشيكة.

ولا تزال مواقف روسيا وأوكرانيا متباعدة للغاية بشأن شروط التسوية، في حين تواصل قواتهما الاشتباك في ساحات المعارك وتبادل الضربات بعيدة المدى بشكل يومي.

ومع ذلك، صرّح الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب في وقت متأخر من يوم الثلاثاء بأن اجتماع أوسلو - الذي شارك فيه - قد "حقّق تقدّماً حقيقياً".

من جانبه، أكد زيلينسكي أن تجميد النزاع في أوكرانيا يمثل "الحد الأدنى" المطلوب من روسيا لإنهاء الحرب. قال زيلينسكي في مقابلة بُثت يوم الأربعاء على شبكة "فوكس نيوز": "علينا في الوقت الراهن تجميد الوضع، وأعتقد أن هذه هي الطريقة الحقيقية لإنهاء هذه الحرب".

ويرى ويتكوف "قدراً من الزخم" في جهود السلام. وقد التقى ويتكوف وبوتين في قصر قسطنطين بمدينة سانت بطرسبرغ، بحضور المبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف ومستشار بوتين للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف. وذكر ويتكوف أن جاريد كوشنر، صهر ترمب، كان من المقرر أن ينضم إلى النقاش عبر رابط فيديو.