روسيا تعلن السيطرة على 12 قرية لخلق مناطق حدودية عازلة لكن مدينة خاركيف ليست هدفاً

«الناتو» لا يتوقع حدوث اختراق روسي استراتيجي... والبنتاغون على موقفه من عدم ضرب الأراضي الروسية

من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)
من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)
TT

روسيا تعلن السيطرة على 12 قرية لخلق مناطق حدودية عازلة لكن مدينة خاركيف ليست هدفاً

من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)
من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)

أعلنت روسيا، الجمعة، أن جيشها يواصل التقدم في شمال شرقي أوكرانيا وأنه سيطر على 12 قرية في منطقة خاركيف خلال أسبوع منذ إطلاق هجوم بري جديد كبير، فيما أكد قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي، الجمعة، أن القوات الروسية وسعت منطقة القتال المحتدم بنحو 70 كيلومتراً حين شنت هجوماً في المنطقة، إلا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي حذر في اليوم السابق من «صعوبة الأوضاع» في الجهة الشمالية الشرقية، قال الجمعة إن القوات الروسية تقدمت لمسافة 10 كيلومترات لكن الوضع «استقر» اليوم.

بنايات تعرضت للقصف بسالتيفكا في خاركيف (رويترز)

ونقل موقع «آر بي سي - أوكرانيا» عن زيلينسكي قوله للصحافيين «اليوم أوقفت قواتنا الدفاعية الروس حيث هم الآن. أعمق نقطة في تقدمهم هي 10 كيلومترات». وذكر أن روسيا شنت الهجوم لإجبار أوكرانيا على إرسال كتائب إضافية من جنود الاحتياط إلى القتال. وأضاف أنه يتوقع احتدام القتال في الوقت الذي تستعد فيه القوات الأوكرانية أيضاً للدفاع عن منطقة سومي بشمال البلاد.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن «وحدات من مجموعة الشمال حررت 12 بلدة في منطقة خاركيف... وتواصل التقدم في عمق دفاعات العدو». وقال الرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق، الجمعة، إن القوات الروسية التي تتقدم في منطقة خاركيف تنشئ «منطقة عازلة» لحماية المناطق الحدودية الروسية، لكنه قال إن السيطرة على مدينة خاركيف نفسها ليست جزءاً من خطة روسيا في الوقت الراهن.

توجيه الناس داخل مترو خاركيف للاحتماء بسبب الهجوم الروسي (إ.ب.أ)

وأضاف بوتين، الذي أدلى بهذه التصريحات في مؤتمر صحافي خلال زيارة دولة للصين، كما نقلت عنه «رويترز»، أن تقدم روسيا في الآونة الأخيرة في منطقة خاركيف جاء رداً على قصف أوكرانيا لمناطق حدودية روسية مثل بيلغورود. وتابع: «بالنسبة لما يحدث في منطقة خاركيف، فهذا خطأ (أوكرانيا) لأنها تنفذ هجمات وتواصل ذلك وللأسف تقصف أحياء سكنية في المناطق الحدودية، من بينها بيلغورود».

وأردف: «المدنيون يموتون هناك. ومن الواضح أنهم يقصفون وسط المدينة بشكل مباشر فضلاً عن المناطق السكنية. وقلت علناً إذا استمر هذا الحال، فسنضطر إلى إنشاء حزام أمني أو منطقة عازلة. هذا ما نفعله الآن».

وقال بوتين عند سؤاله عما إذا كانت القوات الروسية تعتزم السيطرة على مدينة خاركيف، ثانية كبرى مدن أوكرانيا: «بالنسبة لخاركيف، لا توجد مثل هذه الخطط في الوقت الحالي».

وصرّح سيرغي شويغو، الذي تولى أخيراً منصب رئيس مجلس الأمن الروسي، بأن القوات الروسية تحرز تقدماً على الجبهات كافة دون الخوض في التفاصيل. وقد تنطوي تصريحات شويغو على احتمال توغل روسي أعمق في الأراضي الأوكرانية، سواء بهدف دفع كييف إلى سحب قواتها من خط المواجهة الساخن في دونباس شرق البلاد، أو للاستيلاء على مزيد من المناطق الأوكرانية.

بنايات تعرضت للقصف بسالتيفكا في خاركيف (رويترز)

ووفقاً لتقديرات كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، فإن روسيا تعتزم شن هجوم آخر عابر للحدود باتجاه مدينة سومي الواقعة شمال غربي أوكرانيا. ويعتقد بودانوف أن «مجموعة صغيرة من القوات الروسية تتركز في تلك المنطقة وجاهزة للتحرك والمضي قدماً في الهجوم المرتقب».

ويرى المحلل العسكري الروسي، أناتولي ماتفيتشوك، أن سيطرة روسيا على خاركيف ستشكل «نقطة تحول» في مسار الحرب، وستوجه ضربة قوية للقدرات الصناعية الأوكرانية.

من جانبه، يقول أولكساندر موسيينكو، رئيس مركز الدراسات العسكرية والسياسية في كييف، إن «الاستراتيجية الروسية تهدف إلى محاصرة خاركيف بعدّها مركزاً إقليمياً». وبهذه الطريقة، لن يقتصر الأمر على إنشاء منطقة عازلة بعمق 10 - 15 كم فحسب، بل سيتيح لروسيا خيار مهاجمة خاركيف في وقت لاحق.

زيلينسكي يزور جبهة خاركيف (أ.ف.ب)

قالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، الجمعة، إن أوكرانيا بحاجة إلى مزيد من الأسلحة بعيدة المدى للتصدي للتوغل الروسي في منطقة خاركيف، إذ لا يزال الوضع «مأساوياً للغاية» في ثانية كبرى المدن في البلاد. وقالت بيربوك على هامش اجتماع في ستراسبورغ إنه من المهم قطع طرق الإمداد الروسية وتزويد أوكرانيا بأسلحة «يمكن استخدامها على مسافات متوسطة وبعيدة». وأضافت: «نعمل مع شركاء لتحقيق هذا الأمر... الوضع بشكل عام صعب للغاية». وأصبحت ألمانيا ثاني أكبر مزود بالأسلحة لأوكرانيا منذ الغزو الروسي في عام 2022، لكن المستشار أولاف شولتس يحجم حتى الآن عن تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى.

من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (أ.ف.ب)

لكن يعتقد القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أوروبا، الجنرال كريستوفر كافولي، أن أوكرانيا يمكنها «الحفاظ على خطوطها» في مواجهة الهجوم الروسي في منطقة خاركيف. وأشار كافولي، خلال حديثه في مقر الحلف بعد اجتماع لرؤساء أركان الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلسي، إلى أن «الروس ليست لديهم الأعداد اللازمة لتحقيق اختراق استراتيجي».

وقال الجنرال الأميركي إن الجيش الروسي يحاول استعادة الأراضي التي خسرها في خاركيف، مع تحقيق بعض المكاسب المحلية، لكن موسكو لم تحشد بعد ما يكفي من القوات للقيام بهجوم واسع. وأضاف: «الأهم من ذلك، أنهم لا يملكون المهارة ولا القدرة على العمل بالنطاق الواسع اللازم للاستفادة من أي اختراق لتحقيق ميزة استراتيجية».

زيلينسكي يزور جبهة خاركيف (أ.ف.ب)

وخلال زيارته لخاركيف وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الوضع في المنطقة بأنه مستقر. وكتب زيلينسكي عبر صفحته على منصة «تلغرام»، الخميس: «الوضع بشكل عام يمكن السيطرة عليه، ومقاتلونا يلحقون خسائر ملحوظة بالمحتلين». وقال إن التعزيزات قادمة. وقالت هيئة الأركان الأوكرانية في أحدث تقاريرها عن الوضع إن هناك نجاحاً في إبطاء الهجوم الروسي الكبير الجاري منذ أسبوع تقريباً. وتابع التقرير، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية» أنه تم إحباط «خطط العدو للتوغل إلى مواقع أعمق بقدر الإمكان في فوفشانسك وتحصين نفسه هناك». ويجري القتال في الجزء الشمالي من المدينة. وأعلنت هيئة الأركان الأوكرانية أيضاً أن الوضع تحت السيطرة.

وحذر زيلينسكي أوروبا من أن تهاجم روسيا منظومة الغاز. وقال الزعيم الأوكراني يوم الخميس لنظيره البولندي، إن أوروبا تحتاج إلى أن تكون متيقنة من أنها مستعدة لأي هجمات صاروخية روسية محتملة على منظومة نقل الغاز. وقال زيلينسكي في خطابة المسائي يوم الخميس إنه تحدث مع رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بهذا الشأن.

وقبل اندلاع الحرب، كان عدد سكان مدينة خاركيف يبلغ 1.4 مليون نسمة، ما يجعلها ثالث أهم مدينة في أوكرانيا من الناحية الاقتصادية بعد العاصمة كييف ومدينة دنيبرو.

ونظراً لقربها الشديد من الحدود الروسية، تفتقر المدينة إلى دفاعات جوية كافية، وقد تعرضت مراراً لقصف روسي مدمر بصواريخ باليستية وصواريخ مضادة للطائرات معدلة وقنابل انزلاقية. كما أن عدم تمكن الجيش الأوكراني من استخدام أسلحته الصاروخية بعيدة المدى، لاستهداف القوات الروسية المحتشدة خلف الحدود، بسبب القيود التي تفرضها الولايات المتحدة، يضاعف من الخطر على المدينة.

دبابة أوكرانية مدمرة في خاركيف (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال واشنطن متمسكة بموقفها. ومساء الخميس، جددت نائبة المتحدث باسم البنتاغون، سابرينا سينغ، خلال مؤتمرها الصحافي القول إن الولايات المتحدة لم تغير موقفها، وإنها لا تزال تعتقد أن المعدات والقدرات التي تمنحها مع دول أخرى لأوكرانيا: «يجب أن تستخدم لاستعادة الأراضي ذات السيادة الأوكرانية».

ورداً على سؤال عمّا إذا كان هذا طلب الأوكرانيين أو أنه شرط ملزم مصاحب لتسليم الأسلحة، قالت سينغ: «لقد جعلنا طلباتنا علنية جداً في هذا الشأن. مرة أخرى، أود أن أكرر أنه خلال كل اجتماعات مجموعة الاتصال الدفاعية عن أوكرانيا التي يعقدها الوزير لويد أوستن، يؤكد فيها أن الأسلحة المقدمة، مخصصة للاستخدام في ساحة المعركة». وأضافت: «يتحدث الوزير مع نظيره الأوكراني، عن أفضل السبل لاستخدام هذه القدرات، ونعتقد أن ذلك يقع داخل الأراضي الأوكرانية».

هذا، وقد قالت شركة «ماكسار» الأميركية للأقمار الاصطناعية التجارية، إن ضربة أوكرانية بعيدة المدى على قاعدة بيلبك الجوية التي تسيطر عليها روسيا في شبه جزيرة القرم دمرت ثلاث طائرات حربية روسية ومنشأة للوقود قرب مدرجها الرئيسي. واستندت الشركة إلى صور أقمار اصطناعية التقطت الخميس، وأظهرت تدمير طائرتين مقاتلتين من طراز ميغ - 31 ومقاتلة من طراز سو - 27. وأضافت أن الهجوم أسفر أيضاً فيما يبدو عن إلحاق أضرار بمقاتلة من طراز ميغ - 29. ولم تعلن أوكرانيا صراحة مسؤوليتها عن ضرب القاعدة الجوية.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها اعترضت الجمعة أكثر من 100 مسيّرة أطلقتها أوكرانيا خلال الليل على جنوب البلاد، فوق البحر الأسود وشبه جزيرة القرم. وقالت الوزارة في بيان إنها اعترضت 51 طائرة مسيّرة وست مسيّرات بحرية في شبه جزيرة القرم و44 مسيّرة فوق منطقة كراسنودار وست طائرات مسيّرة أخرى فوق منطقة بيلغورود. وأضافت: «خلال الليل، دمّر الطيران البحري وزوارق دورية تابعة لأسطول البحر الأسود ست مسيّرات بحرية في مياه البحر الأسود».


مقالات ذات صلة

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز) p-circle

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده.

«الشرق الأوسط» (موسكو- واشنطن)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

انتقد الرئيس الأوكراني، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في أثينا يوم 7 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

ويتكوف وكوشنر يلتقيان مفاوضين أوكرانيين وأوروبيين

محادثات فلوريدا تختبر «هدنة الشتاء» وسط تحذيرات من تصعيد أخطر... زيلينسكي يرد على روبيو: «لسنا أمام طريق مسدود دبلوماسياً»

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا صورة نشرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لجندي من كوريا الشمالية وقع أسيراً في يد الجنود الأوكرانيين (حساب زيلينسكي على «إكس»)

كوريا الجنوبية تستدعي سفيرها لدى أوكرانيا

أعلنت كوريا الجنوبية، الخميس، استدعاء سفيرها لدى أوكرانيا وسط تفاقم خلاف دبلوماسي بشأن نقل أسيرَي حرب كوريين شماليين إلى سيول.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

يوماً بعد آخر، تسعى السلطات الفرنسية لـ«إطفاء» حراك تلاميذ التعليم الثانوي من خلال إعلان الاستجابة لمطالبهم الرئيسية. وأعلن وزير التربية إدوار جيفراي، ليل الخميس، في حديث تلفزيوني، أن وزارته أعدت «خطة طوارئ» نجحت في توفير «عدة آلاف» من الأساتذة لسد النقص الذي يشكو منه التلاميذ، والذي كان أحد مطالبهم الرئيسية.

وحسب جيفراي، فإن أجهزة وزارته أحصت ثلاثة آلاف معلم متوفرين وجاهزين لسدّ النقص في 514 ثانوية تشكو من الفراغ التعليمي الناتج عن غياب الأساتذة الأصيلين، فيما ثانويات عامة أخرى موجودة بشكل عام في ضواحي المدن الكبرى تشكو بشكل مزمن من هذا الغياب. كذلك، أكد الوزير المعني أنّ «المنصة الإلكترونية» التي أطلقتها وزارته لتلقي شكاوى التلاميذ والطلاب تلقى نجاحاً بارزاً، إذ إن ما لا يقل عن أربعين ألفاً منهم لجأوا إليها لهذا الغرض. وأكثر من ذلك، أفاد جيفراي بأنه سيُعطي مديري الأكاديميات القدرة على التعاقد مع أساتذة حيث تدعو الحاجة.

إجراءات لتهدئة الشارع

بعكس الكلمة المتلفزة لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، التي لم تحمل جديداً باستثناء الطلب من مديري الثانويات تخصيص نصف يوم تعليمي لـ«الحوار الديمقراطي الداخلي» مع التلامذة، وهو ما عدّه الكثير منهم بلا فائدة، فإن جيفراي لم يغلق الباب أمام احتمال زيادة الميزانية المخصصة لوزارة التربية التي ستبلغ العام المقبل 64 مليار يورو. إلا أن الميزانية الجديدة تنصّ أيضاً على إلغاء 1588 وظيفة تعليمية بسبب تناقص أعداد التلاميذ المتواصل.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي (وسط) في حوار مع التلامذة خلال زيارة إلى مدرسة ثانوية في مدينة كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

أما على المستوى الأمني، وبعد الانتقادات العنيفة التي وُجّهت إلى كيفية تعامل الشرطة والدرك مع المتظاهرين، فقد عمدت وزارة الداخلية إلى منع استخدام القنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، فيما جهاز التفتيش الداخلي التابع للشرطة أعلن فتح 18 تحقيقاً بخصوص تجاوزات قد تكون ارتُكبت في أيام التظاهر الأخيرة. فالأنظار ما زالت تتركز على تلميذ فَقَدَ إحدى عينيه بسبب إصابته برصاصة مطاطية، وآخر يعاني من تشويه في وجهه، وثالث بُترت يده اليسرى بسبب قنبلة صوتية. لذا، أعلن لوران نونيز، وزير الداخلية، منع استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع حراك التلاميذ والطلاب، وطلب التركيز على استخدام خراطيم المياه لتفريقهم.

تحذير مفوضية حقوق الإنسان

بيد أن هذه التدابير لم تُقنع المفوضية العليا لحقوق الإنسان التي أعلنت شابيا مانتو، الناطقة باسمها، من جنيف، عن «قلق» إزاء «الأحداث» التي شهدتها المظاهرات الأخيرة.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي خلال حوار مع التلامذة في كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقالت هذه الناطقة إن المفوضية «تدعو جميع الأطراف إلى الإبقاء على سلمية المظاهرات والابتعاد عن اللجوء غير المتناسب للقوة من قِبل القوى الأمنية»، في انتقاد مباشر لأدائها في الأيام الأخيرة. وشددت المفوضية على ضرورة احترام المظاهرات السلمية، علماً بأن وزير الداخلية الذي يدافع دوماً عن أداء قواته، ويتهم عناصر «مشاغبة» بالتدخل، يؤكد احترام التجمعات والمظاهرات السلمية.

في المقابل، ينتقد التلاميذ والطلاب وأحزاب اليسار «القمع البوليسي» و«عنف الشرطة»، وتحديداً وحدات مكافحة الشغب. وتفيد آخر الإحصاءات بأن ما لا يقل عن 6877 شخصاً تم توقيفهم في الأيام الأخيرة، وأن 86 في المائة منهم من القاصرين. ويقول المشككون إنه من الصعوبة بمكان تصديق أن هذه النسبة المرتفعة من القاصرين تنتمي إلى فئة المشاغبين.

ووفق وزارة العدل، فإن 2376 شخصاً من الموقوفين تتم ملاحقتهم قضائياً، ومن بين هؤلاء 1923 قاصراً.

أحد المتظاهرين يعيد رمي قنبلة غاز مسيّل للدموع في اتجاه الشرطة خلال اشتباكات في باريس يوم 6 أكتوبر (د.ب.أ)

من جانبها، دعت «النقابة الفرنسية الديمقراطية للعمل» القريبة من الحزب الاشتراكي إلى مراجعة معمّقة لأساليب حفظ النظام. وقالت ماريليز ليون، أمينتها العامة، في تصريح إذاعي يوم الجمعة، إن «ما يثير القلق البالغ» أن وزارة الداخلية انتظرت أن تُبتر يد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً قبل منع اللجوء إلى القنابل الصوتية. كما أعربت عن «تساؤلاتها» بشأن العديد من الأشخاص الذين تم توقيفهم منذ 28 سبتمبر (أيلول).

وتعمد السلطات، إلى جانب تركيزها على الاستعداد للاستماع والتجاوب مع المطالب المرفوعة، إلى الإيحاء بأن الحراك الطلابي آخذ في التراجع. ودليلها على ذلك تراجع عدد المشاركين في مظاهرات الخميس، بحيث لم يتجاوز سقف 71 ألف شخص، منهم 24 ألفاً في باريس وحدها.

تفاؤل حكومي

لكن الحقيقة أن قراءة دقيقة لما جرى في الساعات الـ72 الأخيرة تعكس واقعاً مخالفاً لنظرة الحكومة التفاؤلية.

فنقابات التلامذة، بدعم من زملائهم في التعليم الجامعي، قررت تنظيم «يوم تعبئة» خامس يوم الثلاثاء المقبل. والأمر المستجد أن الحراك الذي بدأ في ثانويات الضواحي طال نظيرتها الرسمية «المتميزة»، والواقعة في الأحياء الباريسية «الراقية»، مثل ثانوية «لويس لوغران» أو ثانوية «هنري الرابع» القريبة من «البانتيون».

طلاب في مدرسة «لوفر» يعبّرون عن تضامنهم مع حراك التلاميذ في باريس، يوم 9 أكتوبر (رويترز)

وأكثر من ذلك، فإن الحراك طال المدارس الكاثوليكية الخاصة، بحيث تعطّلت الدراسة في 61 في المائة من مؤسساتها في منطقة ليون، ثاني أكبر مدينة فرنسية وتقع وسط البلاد.

وكان لافتاً أن تلاميذ مدرسة «ماسيون» الخاصة المعروفة في باريس شاركوا بدورهم في المسيرة الطلابية إلى ساحة «لا ريبوبليك». ثم إن العنف لم يختفِ، إذ جرت اشتباكات في ساحة «الباستيل» والشوارع المتفرعة عنها عند تفريق المظاهرة، كما تم القبض على 504 من المتظاهرين الذين تعدّهم الشرطة من «المشاغبين»، فيما جرح 48 عنصراً أمنياً.

وأكثر من ذلك، فإن جميع الجامعات في باريس، بما فيها كلية العلوم السياسية، أصبحت متوقفة عن الدراسة، ما يُبيّن أن التضامن الطلابي مع تلاميذ التعليم الثانوي آخذ في الارتفاع، وهو ما تسعى السلطات إلى تفاديه.

وتراهن السلطات على قرب العطلات المدرسية، التي تبدأ يوم 17 الحالي وتمتد حتى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تقفل المدارس ويتفرق التلاميذ، وبالتالي تختفي المظاهرات وما يرافقها من أعمال شغب، ما يتيح للحكومة أن تكسب بعض الوقت لكي «تتنفس» قليلاً.

استحقاق 17 أكتوبر

غير أن هذه الآمال قد تصطدم بيوم «التعبئة العام» الذي دعت إليه العديد من النقابات، ومنها نقابات تلاميذ الثانوية والطلاب. وما يفاقم قلق السلطات احتمال تداخل المطالب، وتوحّد الحراك الاحتجاجي الطلابي والاجتماعي العام، ومنها الدعوات إلى استعادة حراك «السترات الصفراء» الذي اندلع في عامَي 2018 و2019 بسبب غلاء أسعار المحروقات.

جانب من المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 8 أكتوبر (رويترز)

وسعى رئيس الحكومة، في كلمته المتلفزة مساء الأربعاء الماضي، إلى التركيز على ما تقوم به حكومته لمحاربة ارتفاع أسعار الديزل المستخدم في القطاع الزراعي. كما قد يشمل الحراك قطاع الطيران، فيما ثمة دعوة كذلك صادرة عن نقابات قطاع النقل للتحرك يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول). وأخيراً، فقد صدرت دعوة للإضراب من نقابات رئيسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية والمحافظة على المرتبات التقاعدية والوظيفة العمومية. وتأتي هذه المطالب مع انطلاق البحث في مشروع ميزانية العام 2027 في مجلس النواب.

ما سبق يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الحكومة، وعجزها عن التعاطي معها بسبب سياسات التقشف وارتفاع المديونية، ما يحرم الحكومة من الاستجابة للمطالب المرفوعة، فيما الأصوات تتعالى للتحذير من الأزمة المالية التي تضرب فرنسا ومن تأثيرها على منطقة اليورو بشكل عام.


بريطانيا تفرج بكفالة عن رجلين اعتقلا في قاعدة جوية تستخدمها أميركا

ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
TT

بريطانيا تفرج بكفالة عن رجلين اعتقلا في قاعدة جوية تستخدمها أميركا

ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)

قالت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، الجمعة، إنها أفرجت بكفالة عن رجلين من لاتفيا تم القبض عليهما، أمس الخميس، داخل قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي في شرق إنجلترا تستخدمها القوات الأميركية.

وأوضحت الشرطة أن الرجلين، 32 عاماً و36 عاماً، أفرج عنهما بشروط صارمة، في حين تتواصل التحقيقات، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاء القبض عليهما بعد أسابيع من الكشف عن مخطط مشتبه به لاستهداف قاعدة جوية بريطانية أخرى يستخدمها الجيش الأميركي، وهي قاعدة «فيرفورد»، مما أثار مخاوف بشأن الأمن في المواقع العسكرية في أنحاء بريطانيا.

وأوضحت الشرطة أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى وجود صلة بين الواقعة التي حدثت في قاعدة «مولسوورث» الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والمخطط المشتبه به ضد قاعدة «فيرفورد» الجوية في غرب إنجلترا، والتي استخدمها الجيش الأميركي لشن عمليات ضد إيران.

وقالت هيلين فلاناجان، رئيسة شرطة مكافحة الإرهاب في لندن التي تقود التحقيق: «يتمثل أحد محاور التحقيق الرئيسية في تحديد أي دافع محتمل وراء وجود هذين الرجلين في ذلك الموقع، بما في ذلك ما إذا كان الأمر مرتبطاً بأي نشاط إجرامي».


رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
TT

رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

دافع رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو، اليوم (الجمعة)، عن استخدام الولايات المتحدة قاعدة لاغيس الجوية خلال الحرب على إيران، وقال إنه قانوني تماماً، وحث القضاء على عدم إصدار أحكام سياسية، وذلك بعد أن فتح ممثلو الادعاء تحقيقاً الأسبوع الماضي حول سماح الحكومة باستخدام القاعدة.

وأضفى هذا التحقيق، الذي جاء بناء على شكوى من حزب معارض يساري، بُعداً قانونياً إلى قضية حساسة سياسياً. فقد قيّدت عدة دول أوروبية أو رفضت دخول الطائرات العسكرية الأميركية إلى مجالها الجوي أو قواعدها في سياق الحرب على إيران.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد انتقدت المعارضة اليسارية حكومة الأقلية المنتمية لتيار يمين الوسط، بسبب سماحها لطائرات النقل العسكري الأميركية باستخدام قاعدة لاغيس الجوية في أرخبيل الأزور بالمحيط الأطلسي خلال حرب إيران.

في المقابل، فرضت كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وسويسرا قيوداً على هذه الرحلات، الأمر الذي أثار استياء واشنطن.

وقال مونتينيغرو أمام النواب خلال مناقشة برلمانية، بعد يوم من لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في لشبونة: «من الواضح أن للجميع الحق في إصدار أحكام سياسية بشأن القرارات، باستثناء السلطة القضائية، التي لا ينبغي لها إصدار أحكام سياسية».

وأضاف أنه يحترم التحقيق الجاري، وأنه «مطمئن جداً فيما يتعلق بالامتثال لجميع القواعد القانونية المعمول بها».

وقالت الحكومة إن البرتغال ليست طرفاً في الحرب، وإن استخدام قاعدة لاغيس يتوافق مع القانون الدولي، إذ لم يُسمح به إلا بعد حصول لشبونة على تأكيدات من واشنطن بأن أي عملية ستكون دفاعية وضرورية ومتناسبة، ومقتصرة على أهداف عسكرية.