توافق أميركي - فرنسي على حاجة الحلفاء إلى دفاع يواجه تحديات اليوم والمستقبل

يوم حافل لبلينكن في باريس تناول الملفات الساخنة من غزة إلى أوكرانيا ومنطقة الهندي - الهادي

الوزيران ستيفان سيجورني وأنتوني بلينكن الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية الفرنسية (أ.ف.ب)
الوزيران ستيفان سيجورني وأنتوني بلينكن الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

توافق أميركي - فرنسي على حاجة الحلفاء إلى دفاع يواجه تحديات اليوم والمستقبل

الوزيران ستيفان سيجورني وأنتوني بلينكن الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية الفرنسية (أ.ف.ب)
الوزيران ستيفان سيجورني وأنتوني بلينكن الثلاثاء خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية الفرنسية (أ.ف.ب)

يوم حافل أمضاه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في باريس، قبل أن ينتقل إلى بروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية الحلف الأطلسي وفي اجتماع ثلاثي يضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأرمينيا. وهيمنت تطورات الحرب الأوكرانية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على محادثات المسؤول الأميركي في باريس التي شملت تباعاً وزيري الدفاع والخارجية ومساءً الرئيس إيمانويل ماكرون.

وفي أول أنشطته، الاثنين، زار بلينكن، يرافقه سيباستيان لوكورنو، وزير الدفاع الفرنسي مصنع شركة «نكستر» الفرنسية - الألمانية في مدينة فرساي (غرب باريس) التي تصنع مدافع «قيصر» التي سلم منها العشرات للقوات الأوكرانية والتي تريد لفرنسا أن تجعل منها واجهة الدعم الذي تقدمه لكييف. وأفاد لوكورنو بأن «نكستر» عجّلت في إنتاج المدافع وقد أصبحت قادرة على إنتاج 12 منها شهرياً، وغالبيتها ستكون وجهته أوكرانيا.

واغتنم بلينكن المناسبة ليؤكد أن أوكرانيا تمر في حربها مع روسيا «في لحظة حرجة» وبالتالي، «من الضروري للغاية أن يحصل الأوكرانيون على ما زالوا في حاجة إليه للدفاع عن أنفسهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالذخائر والدفاعات الجوية». ومجدداً، ذكّر بلينكن بالصعوبات التي تواجهها الإدارة الأميركية في دفع مجلس النواب الأميركي للموافقة على مشروع القانون الذي تقدمت به لتقدم مساعدة من 60 مليار دولار لكييف.

الوزير الأميركي بمعية وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لو كورنو لدى زيارة مصنع «نكستر» العسكري (أ.ب)

وفي المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الفرنسي ستيفان سيجورنيه، عقب اجتماعهما، شدد بلينكن على حاجة الحلفاء «إلى بناء دفاع أقوى يكون قادراً على مواجهة تحدي اليوم, ولكن أيضاً التحدي المستقبلي»، مضيفاً أن هذا الأمر هذا يعد «أحد الأسباب التي تجعل من الضروري أن يقرّ الكونغرس طلب الميزانية التكميلية للرئيس بايدن في أقرب وقت ممكن». ولم تفت بلينكن الإشارة إلى أن تزويد أوكرانيا بمزيد من الأسلحة من شأنه أن يزيد من قوة الصناعة الدفاعية الأميركية و«خلق المزيد من الوظائف الجيدة في الولايات المتحدة».

وفي ملف الحرب في غزة، وفي حين قدمت باريس مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي غايته توفير الوسائل من أجل مراقبة وقف إطلاق النار، في حال تم التوصل إليه، وعرض مقترحات لمساعدة السلطة الفلسطينية وتمكينها من إدارة القطاع لاحقاً، وهو المشروع الذي وصفه السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة نيكولا دو ريفيير بأنه «طموح»، عبّر الوزير الأميركي عن شكر بلاده للجهود التي تبذلها باريس، وأكد أن البلدين «يعملان معاً لمنع الصراع الذي نراه في غزة من الانتشار إلى أجزاء أخرى من المنطقة»، كما أنهما متفقان على ضرورة التوصل إلى وقف إطلاق النار بأسرع ما يمكن للسماح بإطلاق سراح الرهائن حتى لا نتمكن من زيادة المساعدات الإنسانية واستدامتها». وأشار أيضاً إلى أن باريس وواشنطن تعملان معاً «من أجل إيجاد طريق لسلام دائم ودائم مع ضمانات أمنية وضمانات سياسية للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء».

وتوقف بلينكن عند استهداف الطيران الإسرائيلي موظفين العاملين لصالح تنظيم «وورلد سنترال كيتشن»؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل سبعة منهم، مطالباً بإجراء «تحقيق سريع ونزيه لفهم ما حدث بالضبط»، مؤكداً أن هؤلاء «قاموا بعمل شجاع غير عادي يوماً بعد يوم لمحاولة التأكد من حصول المحتاجين على ما يحتاجون إليه بدءاً من أبسط الأشياء الأساسية للبقاء على قيد الحياة». وأضاف بلينكن أن القتلى السبعة «انضموا إلى عدد قياسي من العاملين في المجال الإنساني الذين قُتلوا في هذا الصراع»، واصفاً إياهم بـ«الأبطال الذين يركضون في النار وهم أفضل ما يمكن أن تقدمه الإنسانية». عندما يذهبون للحصول على الأشياء التي يجب أن تكون محمية». وخلاصة بلينكن أنه «يجب علينا في هذا الصراع مع التأثير على الإسرائيليين بضرورة بذل المزيد من الجهد لحماية المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين أو عمال الإغاثة اليومية، وكذلك للحصول على المزيد من المساعدات الإنسانية لعدد أكبر من الناس بشكل أكثر فاعلية».

وكان الملف اللبناني حاضراً في مباحثات بلينكن. وفي المؤتمر الصحافي قال الوزير الأميركي إن بلاده «تنسق بشكل وثيق عندما يتعلق الأمر بلبنان، ونحاول منع أي انتشار للصراع وإيجاد طريقة دبلوماسية للمضي قدماً». واللافت أن بلينكن لم تصدر عنه أي كلمة تنديد أو إدانة بما قامت به إسرائيل على غرار غالبية الدول الغربية التي كان أقصى ما طالبت به هو قيام تحقيق ذي صدقية.

وزير الخارجية الأميركي مجتمعاً مع مديرة عام منظمة «يونيسكو» أودري أزولاي في مقر المنظمة (رويترز)

قال وزير الخارجية الفرنسي إن جميع أفعال فرنسا في الشرق الأوسط تهدف إلى خفض حدة التوتر في المنطقة. وأحجم الوزير عن التطرق إلى موضوع الغارة الجوية التي نفذت في وقت سابق من هذا الأسبوع على مجمع السفارة الإيرانية في سوريا. وتتهم إيران إسرائيل بالمسؤولية عن الهجوم، في حين لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عنه. وقال إن خطر تصاعد العنف في الشرق الأوسط يقع على عاتق أطراف معينة في سوريا ولبنان واليمن ممتنعاً عن الذهاب أبعد من ذلك لتوضيح قوله. والتزم بلينكن الخط نفسه مكتفياً بالقول إن واشنطن تحاول التأكد من الحقائق بشأن الهجوم الإسرائيلي على السفارة الإيرانية في دمشق

كثيرة الملفات التي تناولها الطرفان وأشار إليها الوزيران في المؤتمر الصحافي، ومنها الوضع في منطقة الهندي - الهادي. وأكد بلينكن وجود «تقارب بين فرنسا والولايات المتحدة حول التحديات الرئيسية في عصرنا هذا ونحن تعاون معاً لمحاولة ضمان وجود منطقة الهندي - الهادي حرة ومفتوحة؛ ما يعني منطقة تكون فيها الدول حرة في اختيار مسارها الخاص بها وموقعها الخاص». وكان الوزير الأميركي يشير بشكل غير مباشر إلى الصين التي جعلت منها الولايات المتحدة المنافس الأول لحضورها في المنطقة والعالم.

وبما أن الدول الأطلسية تحتفل هذا العام بمرور 75 عاماً على قيامه، وفي ظل الشكوك التي تعتور الأوروبيين حول مستقبله وحول السياسة التي قد تنهجها واشنطن في حال عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، فقد حاول بلينكن طمأنة الأوروبيين بقوله إن الدول المنضوية في الحلف «سوف تعتني ببعضها بعضاً وتحمي بعضها بعضا، وبذلك تقل احتمالية حدوث اعتداءات تستهدفها».


مقالات ذات صلة

غياب علييف عن «قمة الدول التركية» في أنقرة عزز التكهنات حول أزمة مع تركيا

شؤون إقليمية صورة تجمع بين قادة الدول المشاركين في القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» التي غاب عنها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وأناب عنه وزير خارجيته جيهون بيراموف في حضورها (الرئاسة التركية)

غياب علييف عن «قمة الدول التركية» في أنقرة عزز التكهنات حول أزمة مع تركيا

عزّز غياب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن القمة الـ13 لـ«منظمة الدول التركية» في أنقرة التكهنات بشأن أزمة في العلاقات مع تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مشيّعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص رسالة من «حماس» للوسطاء: لا نخطط لهجمات... وننتظر نتائج انتخابات إسرائيل

أظهرت حركة «حماس» اهتماماً بانتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) التي تجري الثلاثاء، وسط آمال بأنها قد تكون بداية لنهاية أزمة تطبيق «خطة ترمب» في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة الأحد (رويترز)

إسرائيل تكثف غاراتها في غزة وتقتل 7 فلسطينيين

كثّف الجيش الإسرائيلي من نمط هجماته النهارية في غزة؛ إذ شن غارات خلال ساعات قصيرة من صباح الأحد، ما أسفر عن مقتل 7 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج قافلة المساعدات المقدمة من السعودية لدى وصولها إلى دير البلح وسط غزة (واس)

قافلة مساعدات إغاثية جديدة من السعودية تصل إلى غزة

وصلت قافلة مساعدات إغاثية جديدة إلى مدينة دير البلح وسط غزة، تحمل خياماً وسلالاً غذائية، ضمن الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب الفلسطيني في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يحاولون إخماد حريق بمركبة دُمرت جراء غارة جوية إسرائيلية جنوب مدينة غزة يوم الخميس (إ.ب.أ) p-circle

خاص «فرار ومحاولات اغتيال»... ماذا يحدث في مناطق عصابات غزة؟

أظهرت بيانات لعائلات في غزة وإفادات لمصادر من حركة «حماس» متغيرات لافتة تجري في أوساط العصابات المسلحة التي تدعمها إسرائيل وتنشط بالمناطق التي تحتلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...


فرنسا تترقب احتجاجات جديدة... ومظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية

افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)
افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تترقب احتجاجات جديدة... ومظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية

افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)
افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)

تستعد فرنسا لاحتجاجات ضخمة متوقعة مرة أخرى اليوم (السبت)، مما دفع السلطات إلى مواصلة فرض حظر التجول والقيود على التجمعات، بعد أن تسبب مثيرو الشغب في الدمار بعدة مدن في وقت سابق من الشهر الحالي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وبسبب المخاوف من مزيد من الاضطرابات، أصدرت باريس حظراً على طرق التظاهر في وسط العاصمة، ووافقت عليها فقط خارج العاصمة. وستتم إعادة فرض حظر تجول ليلي في المواقع المركزية.

ومع ذلك، قضت المحكمة الإدارية في باريس بإمكان المضي قدماً في تنظيم مسيرة بين «ساحة الباستيل» و«ساحة الأمة» بوسط المدينة، حسبما ذكرت وسائل إعلام فرنسية. وقال وزير الداخلية لوران نونيز، إنه سيتم تقديم استئناف ضد القرار.

وأعلن نونيز عن انتشار مكثف لقوات الشرطة في الشوارع، مشيراً إلى وجود تهديدات تمس النظام العام ومخاوف من إلحاق أضرار بالمتاجر والممتلكات.

وتتوقع السلطات مشاركة مئات الآلاف في موجة الاحتجاجات الجديدة، وذلك بعد أسبوع من نشر 70 ألف شرطي للتصدي لأعمال الشغب والسرقة.

ومنذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، اتسعت رقعة مظاهرات الشباب في فرنسا لتنضم إليها فئات أخرى. ورغم أن الحراك بدأ قبل أسابيع للمطالبة بدعم الكوادر التعليمية وتجهيز المدارس، فإن الاحتجاجات باتت تستهدف بالأساس الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.

وفي أعقاب أعمال شغب عنيفة على هامش المسيرات في 17 أكتوبر، تمكنت الشرطة يوم السبت الماضي، إلى حد كبير، من منع تجدد أعمال العنف.

مظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية

وفي ألمانيا دعت الحركة الشبابية الألمانية «جين زد ريغيلت» (جيل زد يتولى الأمر) إلى المشاركة في تجمعات احتجاجية في 34 مدينة اليوم (السبت)، ويتوقع المنظمون مشاركة أكثر من 165 ألف شخص.

ومن المقرر أن ينزل المشاركون إلى الشوارع للاحتجاج على التجنيد الإجباري وارتفاع تكاليف المعيشة، والمطالبة باستثمارات في التعليم والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية ومكافحة تغير المناخ.

وتدعو المجموعة إلى الاحتجاج السلمي وترفض أي شكل من أشكال العنف. ويقول المنظمون على موقعهم الإلكتروني إنهم لا يريدون مشاركة جماعات متطرفة، أو رفع رموز مناهضة للدستور خلال مظاهراتهم. كما يحذرون من إحضار زجاج أو أسلحة إلى المظاهرات، ومن استفزاز الشرطة.

عمال يحصّنون متجراً للأزياء الراقية في برلين تحسباً (أ.ف.ب)

وأغلقت متاجر في بعض المناطق أبوابها بسبب مخاوف أصحابها من وقوع أضرار أو اضطرابات.

وقالت السلطات الأمنية الألمانية إنها لم تتلقَّ أي معلومات بشأن دعوات فعلية إلى ممارسة العنف خلال المظاهرات.

ومع ذلك، قالت متحدثة باسم وزارة الداخلية إن «أجزاء من أوساط اليسار المتطرف، إلى جانب مجموعات منفردة من التيارات المتطرفة المرتبطة بالخارج»، تستجيب أيضاً لدعوات المشاركة.

وقال المنظمون أمس (الجمعة)، إن التركيز على مخاطر العنف خلال المظاهرات يصرف الانتباه عن المخاوف الحقيقية التي يسعون إلى التعبير عنها.

وبحسب المنظمين، تشكلت حركة «جين زد ريغيلت» قبل بضعة أسابيع فقط، ويضم فريقها المركزي للتنسيق 30 شخصاً.

ورغم أن المجموعة تروج على موقعها الإلكتروني إلى المظاهرات المقررة في 34 مدينة، فإنها لا تتحمل مسؤولية المحتوى والتنظيم سوى في 4 منها؛ وهي كولونيا وبرلين وفرانكفورت وميونيخ.


ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
TT

ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)

دعت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل إلى تولي امرأة منصب رئيس ألمانيا لتخلف فرانك فالتر شتاينماير، عند انتهاء ولايته الثانية التي تستمر خمس سنوات في مارس (آذار) المقبل.

وذكرت ميركل، في مقابلة مع قناة «ماجينتا تي في» أُذيعت يوم الجمعة: «يمتد تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى 77 عاماً، ولم تتولَّ امرأة منصب الرئيس طوال هذه المدة».

وقالت السياسية المنتمية إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، خلال البرنامج الحواري «بستبِزِتسونج»، إنه ينبغي للجميع أن يسألوا أنفسهم: «ألم يحن الوقت لذلك الآن؟». وشددت ميركل قائلة: «أعرف نساء موجودات بالفعل، وهن قادرات على تولي هذا المنصب».

لكنها رفضت ذكر أي أسماء، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي 30 يناير (كانون الثاني)، ستنتخب الجمعية الاتحادية الرئيس المقبل للدولة، وهي هيئة دستورية خاصة ومؤقتة تُشكَّل حصرياً بغرض انتخاب الرئيس كل خمس سنوات.

ومنذ أشهر، يطالب ماركوس زودر، رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الشريك البافاري للحزب المسيحي الديمقراطي، باختيار إيلزه آيغنر، رئيسة برلمان ولاية بافاريا، خلفاً لفرانك فالتر شتاينماير في منصب رئيس ألمانيا.

وتشمل الأسماء الأخرى المتداولة داخل التكتل المحافظ رئيسة البرلمان الاتحادي جوليا كلوكنر، ووزيرة التعليم كارين براين، والرئيسة السابقة للحزب المسيحي الديمقراطي أنجريت كرامب-كارنباور.