بوتين... من أروقة الـ«كي جي بي» إلى الكرملين (صور)

بوتين مع صديقة في مرحلة الشباب (إكس)
بوتين مع صديقة في مرحلة الشباب (إكس)
TT

بوتين... من أروقة الـ«كي جي بي» إلى الكرملين (صور)

بوتين مع صديقة في مرحلة الشباب (إكس)
بوتين مع صديقة في مرحلة الشباب (إكس)

فاز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بولاية رئاسية خامسة في الانتخابات التي اختُتمت، أمس (الأحد)، بعد حصوله على نحو 87.29 في المائة من نسبة أصوات المقترعين.

فمن هو «القيصر»؟ وكيف شقّ طريقة من أروقة الـ«كي جي بي» إلى الكرملين؟

بوتين الشاب

وُلد فلاديمير بوتين في مدينة لينينغراد السوفياتية في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1952 وكان الطفل الوحيد الباقي على قيد الحياة لوالديه. كان لديه شقيقان ماتا قبل ولادته - فقد شقيقه فيكتور حياته عندما فرضت القوات النازية حصاراً على لينينغراد خلال الحرب العالمية الثانية.

بوتين مع والدته عام 1958 (إكس)

قضى بوتين طفولته في لينينغراد (سانت بطرسبرغ اليوم)، حيث شملت اهتماماته الشبابية التدريب على السامبو (فنون قتالية تجمع بين الجودو والمصارعة تم تطويرها من قبل الجيش الأحمر السوفياتي) ثم الجودو.

بوتين يصارع رفيقه في مرحلة الشباب (إكس)

بعد المدرسة، درس بوتين القانون في جامعة لينينغراد، وتخرج فيها عام 1975، وانضم على الفور إلى جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي). أُرسل في أول مهمة رسمية إلى مدينة دريسدن في ألمانيا الشرقية عام 1985، بعد إكمال عام من الدراسة في أكاديمية الـ«كي جي بي» في موسكو.

ووفقاً لموقع الكرملين، كان بوتين يرغب في العمل لدى الاستخبارات السوفياتية حتى قبل أن ينهي دراسته المدرسية. في أكتوبر عام 2015، قال بوتين: «قبل خمسين عاماً، علمتني شوارع لينينغراد قاعدة مفادها أنه إذا كان لا بد من معركة، فعليك أن تسدد الضربة الأولى».

خلال تلك الفترة، في عام 1983، تزوج من مضيفة طيران تدعى ليودميلا التي أنجبت له ابنتين، ماريا وكاترينا. انفصل بوتين عن ليودميلا عام 2013.

بوتين يوم زواجه بليودميلا عام 1983 (إكس)

حياة «القيصر» السياسية

تم استدعاؤه من دريسدن إلى لينينغراد في عام 1990، عندما كان الاتحاد السوفياتي على وشك الانهيار.

خلال الفترة التي قضاها في الـ«كي جي بي»، عمل بوتين ضابطاً مسؤولاً عن عدد من الملفات وحصل على رتبة مقدم.

بوتين بالزي العسكر السوفياتي (إكس)

وفي 1990 - 1991، انتقل إلى الاحتياط بجهاز المخابرات وعاد إلى جامعة ولاية لينينغراد مساعداً لنائب رئيس الجامعة. وأصبح مستشاراً لأحد أساتذته السابقين في القانون، أناتولي سوبتشاك، الذي ترك الجامعة ليصبح رئيساً لمجلس مدينة لينينغراد. عمل بوتين مع سوبتشاك خلال الحملة الانتخابية الناجحة لسوبتشاك الذي أصبح أول عمدة منتخب ديمقراطياً لما يعرف الآن باسم سانت بطرسبرغ. وفي يونيو (حزيران) 1991، أصبح بوتين نائباً لرئيس بلدية سانت بطرسبرغ، وعُيّن مسؤولاً عن لجنة العلاقات الخارجية بالمدينة. استقال رسمياً من الـ«كي جي بي» في أغسطس (آب) 1991.

في عام 1996، بعد أن خسر سوبتشاك الانتخابات المحلية، انتقل بوتين إلى موسكو للعمل في الكرملين في الإدارة التي كانت تدير الممتلكات الرئاسية. وفي مارس (آذار) 1997، تمت ترقية بوتين إلى منصب نائب رئيس موظفي الكرملين. وتولى عدداً من المسؤوليات الأخرى داخل الكرملين قبل تعيينه رئيساً لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي الـ(كي جي بي سابقاً) في يوليو (تموز) 1998. وبعد عام، في أغسطس 1999، تم تعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء ثم رئيساً لوزراء روسيا في عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، الذي أشار أيضاً إلى أن بوتين هو خليفته المفضل كرئيس للدولة.

بوتين برفقة يلتسين عام 1999 (إكس)

5 ولايات رئاسية

في 31 ديسمبر (كانون الأول) 1999، أصبح بوتين رئيساً بالنيابة لروسيا بعد استقالة يلتسين. تم انتخابه رسمياً لمنصب الرئيس في مارس 2000. خدم بوتين فترتين رئيساً لروسيا من عام 2000 إلى عام 2004 ومن عام 2004 إلى عام 2008، قبل أن يتنحى - تماشياً مع الحظر الدستوري الروسي على ثلاث فترات رئاسية متتالية - لتولي منصب رئيس الوزراء. وفي مارس 2012، أُعيد انتخاب بوتين ليتولى فترة ولاية أخرى رئيساً لروسيا حتى عام 2018، وذلك بفضل التعديل الدستوري الذي أقرّه الرئيس آنذاك ديمتري ميدفيديف في ديسمبر 2008 لتمديد الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات.

بوتين وميدفيديف جنباً إلى جنب (أرشيفية - رويترز)

انتُخب بوتين في مارس عام 2024 لولاية رئاسية خامسة بعد حصوله على 88 في المائة من نسبة أصوات المقترعين الروس.

في عام 2020 عُدّل الدستور مرة أخرى لتمديد فترة الولاية الرئاسية مرتين. بالتالي، بات يمكن لبوتين حالياً أن يحصل على فترتين رئاسيتين على الأقل، أي حتى 2036. وإذا حصل هذا فعلاً يتخطى بوتين الرقم القياسي الذي حققه جوزيف ستالين بحكمه البلاد 29 عاماً.

شخصية بوتين

وفق تقرير نشرته مؤسسة «بروكينغز»، استفاد بوتين من كونه عميلاً في الاستخبارات السوفياتية، ليبقي طموحاته الخاصة طي الكتمان. مثل معظم الأشخاص الطموحين، استغل الفرص التي أتيحت له. أولى بوتين اهتماماً وثيقاً بالأفراد الذين قد يعزّزون مسيرته المهنية. درسهم، وعزّز علاقاته الشخصية والمهنية معهم، وقدم لهم المعروف، وتلاعب بهم. سمح للناس بالتقليل من شأنه حتى عندما كان يناور في مناصب مؤثرة ليراكم بهدوء قوة حقيقية.

فلاديمير بوتين يدلي بتصريحات للصحافيين بعد فوزه بالانتخابات أمس (أ.ف.ب)

يتسم حكم الرئيس بوتين بالقومية الروسية المحافظة، وبه أصداء قوية لحكم القياصرة الديكتاتوري، كما يحظى بتأييد الكنيسة الأرثوذوكسية، وفق ما ذكرته شبكة «بي بي سي». بعيد توليه الرئاسة، عكف بوتين على تهميش الشخصيات الليبرالية، وعادة ما كان يستبدلهم بحلفاء أقوياء له، أو محايدين لا يخالفونه الرأي. على سبيل المثال، انتهى المطاف بشخصيات كانت مقربة من الرئيس السابق يلتسين، مثل رجلي الأعمال الثريين بوريس بيريزوفسكي وفلاديمير غوسينسكي، بالعيش في المنفى خارج البلاد.


مقالات ذات صلة

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب) play-circle

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب) play-circle

ويتكوف وكوشنر للقاء بوتين قريباً... وكييف ترغب بحسم ملف الضمانات الأمنية

ويتكوف وكوشنر للقاء بوتين قريباً، وكييف ترغب في حسم ملف الضمانات الأمنية، وزيلينسكي يرى «الوضع صعباً في كل مكان»، وخطة أوروبية لدعم أوكرانيا بـ90 مليار يورو.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا فيلاديمير بوتين خلال اجتماع مع نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف (الكرملين)

نائب رئيس الوزراء الروسي: عقود تصدير الأسلحة الموقَّعة تبلغ رقماً قياسياً

أكد نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف، اليوم (الاثنين)، أن الاهتمام بالأسلحة الروسية في الخارج بلغ مستوى قياسياً.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
TT

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)

وصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة الخميس إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه السيطرة عليها.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، ردا على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية. والأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنودا في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك. وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، أنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جنديا ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي». وشدد خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا في جنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي بأن «تكون الى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها».

وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع وسيتم تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية». غير أن البيت الأبيض اعتبر الخميس أن هذه الخطوة لن تغيّر شيئا في خطط ترمب.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي «لا أعتقد أن نشر قوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبدا على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».

وغداة الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت مع مسؤولين أميركيين في البيت الأبيض، أقرّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن بوجود «خلاف جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الجزيرة القطبية، مؤكّدة أن واشنطن لا تزال عازمة على السيطرة على غرينلاند.

وقالت «من الواضح أنّ الوضع خطير، ولذلك نواصل جهودنا لمنع حدوث هذا السيناريو». ورحّبت بإرسال قوات أوروبية للمشاركة في «تدريبات مشتركة في غرينلاند ومحيطها». وأشارت إلى أنّ «هناك إجماعا داخل حلف شمال الأطلسي على أنّ تعزيز الوجود في القطب الشمالي أمر ضروري لأمن أوروبا وأميركا الشمالية».

وجاء ذلك فيما أعلن وزير دفاعها ترولز لوند بولسن وضع خطة لإنشاء وجود دائم أكبر في العام 2026. وتلتقي رئيسة الوزراء الدنماركية وفدا من الكونغرس الأميركي يزور كوبنهاغن يومي الجمعة والسبت، وفق ما أكد مكتبها لوكالة الصحافة الفرنسية الخميس.

لكنّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال مساء الخميس عبر محطة ARD التلفزيونية عندما سُئل عن طموحات ترمب في ما يتعلق بغرينلاند إنه ليس قلقا، مؤكدا أن «الولايات المتحدة ليست منحصرة بإدارة دونالد ترمب». وأضاف أن مشاركة أوروبا في «ضمان أمن» غرينلاند «تنتزع الحجة الرئيسية» الذي قدمها الرئيس الأميركي.

في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «قلق بالغ» بعد نشر قوات من دول حلف شمال الأطلسي في غرينلاند. ورفضت روسيا فكرة أنّها تشكل خطرا على غرينلاند، واصفة إياها بـ«الخرافة». وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، إنّ جزءا من الأراضي الدنماركية «أُدرج ضمن مجال مصالح واشنطن بشكل تعسّفي».

وأكدت أن «خرافة وجود نوع من التهديد الروسي، التي روجت لها الدنمارك وغيرها من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لسنوات، هي نفاق محض».

في غرينلاند، أعرب رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن عن الرغبة في التعاون مع الولايات المتحدة «ولكن على أساس القيم الأساسية مثل الديموقراطية والاحترام»، مشيرا إلى أنّ «الحوار والدبلوماسية هما الطريق الصحيح للمضي قدما».

والأربعاء، أكّد وزير الخارجية الدنماركي أنّ كوبنهاغن تودّ «العمل بتعاون وثيق مع الولايات المتّحدة، لكن ينبغي بالطبع أن يكون هذا التعاون قائما على الاحترام».

وبعد المحادثات، قال ترمب لصحافيّين في البيت الأبيض «لديّ علاقات جيّدة جدّا مع الدنمارك وسنرى كيف يتطوّر كلّ ذلك. أعتقد أننا سنتوصّل إلى حلّ». قبل ذلك ببضع ساعات، أكّد مرّة جديدة على منصّته تروث سوشال أنّ الولايات المتّحدة «بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ»، وأنها «ضرورية للقبّة الذهبيّة التي نبنيها»، في إشارة إلى نظام أميركيّ للدفاع الصاروخي والجوّي.

وكانت هذه أوّل مرّة يربط فيها ترمب السيطرة على غرينلاند بمشروع الدرع الصاروخيّة الأميركيّ الضخم. لكن راسموسن قال إن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند «غير وارد». وأضاف «لا نريد ذلك في الدنمارك، ولا في غرينلاند، وهو أمر يتعارض مع كل القواعد الدولية. إنه ينتهك سيادتنا».

ويردّد ترمب أنّ بلاده تحتاج إلى غرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبيّة الشماليّة، من غير أن يستبعد استخدام القوّة للسيطرة على الجزيرة. وفيما كانت المحادثات جارية الأربعاء، نشر البيت الأبيض على «إكس» رسما تظهر فيه زلّاجتان تجرّهما كلاب، واحدة متّجهة إلى البيت الأبيض تحت سماء صافية، والثانية متّجهة إلى سور الصين العظيم والساحة الحمراء وتحيط بهما الظلمة. وأعلن راسموسن للصحافة الدنماركية أنّه ليس هناك سفن ولا استثمارات صينيّة «كبيرة« في غرينلاند.

وقبل الاجتماع في واشنطن، انتشرت أعلام غرينلاند الحمراء والبيضاء على واجهات محلّات العاصمة نوك ونوافذ المنازل وسطوح السيارات والحافلات، وحتى على أسلاك رافعة.


انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

اتّجهت بعثة عسكرية أوروبية أمس (الخميس) إلى غرينلاند، غداة لقاء عقد في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين وغرينلانديين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على السيطرة عليها.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج، الأربعاء، أنها ستنشر قوّة عسكريّة على الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج، بحسب مصدر في وزارة الجيوش الفرنسية، في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك.

وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة «إكس» أن «أول العناصر العسكريين في طريقهم، وسيتبعهم آخرون».

كما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أن المهمة تقررت بسبب «التهديدات الروسيّة والصينيّة»، من غير أن تأتي على ذكر تهديدات ترمب بالسيطرة على الجزيرة. وتابعت الوزارة أن «ألمانيا سترسل بالتعاون مع شركاء آخرين في الحلف الأطلسي، فريق استطلاع إلى غرينلاند».

وسارعت روسيا للإعراب عن قلقها البالغ حيال الإعلان عن البعثة. وقالت السفارة الروسية في بروكسل: «عوضاً عن القيام بعمل بنّاء في إطار المؤسسات القائمة، وخصوصاً مجلس القطب الشمالي، اختار حلف شمال الأطلسي مسار عسكرة متسارعاً في الشمال».


ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
TT

ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً عن طموحه للسيطرة على غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتساءل عما إذا كان للدنمارك أي حق قانوني في الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وأحيا هذا النقاش التدقيق في الطريقة التي أصبحت بها غرينلاند تابعة للدنمارك والحكم الذاتي فيها ومسعاها للاستقلال والوجود العسكري الأميركي هناك.

الرئيس دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن قبل جلسة عامة لقمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لاهاي 25 يونيو 2025 وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية من أن أي هجوم أميركي على أحد حلفاء «ناتو» سيكون نهاية «كل شيء» وذلك بعد أن كرر الرئيس الأميركي رغبته في ضم غرينلاند (أ.ف.ب)

كيف حصلت الدنمارك على غرينلاند؟

كانت شعوب الإنويت من آسيا وأميركا الشمالية تسكن غرينلاند على فترات متقطعة منذ ​نحو 2500 سنة قبل الميلاد. واستقر الفايكنج بقيادة إريك الأحمر في جنوب الجزيرة عام 985 تقريباً، ومارسوا الزراعة وبنوا الكنائس. ووصل في نفس الوقت تقريباً أسلاف الإنويت الحاليين وعاشوا على الصيد وجمع الثمار وباتت ثقافتهم هي المهيمنة، وطردوا المستوطنين من الفايكنج عام 1400 تقريباً.

واستعمرت الدنمارك غرينلاند في القرن الثامن عشر عندما وصل المبشر هانز أجد في عام 1721 لتبدأ الحقبة الاستعمارية. ولا يزال تمثال المبشر أجد على قمة تل في إحدى مناطق العاصمة نوك، ويعدّه العديد من سكان غرينلاند رمزاً لتقاليد الإنويت المفقودة.

وكان يشار إلى الإنويت في السابق باسم «الإسكيمو».

واشترت الولايات المتحدة في عام 1916 جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت الآن الجزر العذراء الأميركية، مقابل ذهب بقيمة 25 مليون دولار. وفي إطار هذه المعاهدة، قالت واشنطن إنها لن تعترض على قيام الحكومة الدنماركية بتوسيع «مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل غرينلاند بأكملها»، لتعترف بذلك رسمياً بالسيادة الدنماركية.

صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وعينه على غرينلاند (إكس)

ما وضع غرينلاند الآن؟

تحولت غرينلاند من مستعمرة إلى إقليم رسمي في عام 1953 بموجب الدستور الدنماركي، رغم أنه لم تتم ‌استشارة سكان الجزيرة. ‌وتتطلب أي عملية بيع تعديلاً دستورياً. وأصبح بإمكان غرينلاند، منذ عام 2009، إعلان الاستقلال من خلال عملية تستلزم ‌استفتاء ⁠وموافقة ​البرلمان الدنماركي، والحكم الذاتي ‌واسع النطاق لكنه يستثني الشؤون الخارجية والدفاع، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

ويبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 57 ألف نسمة، ولديها بنية تحتية محدودة دون طرق تربط بين بلداتها البالغ عددها نحو 17.

العلاقات بين الدنمارك وغرينلاند

توترت العلاقات بسبب الكشف عن سوء سلوك تاريخي؛ إذ قامت السلطات الدنماركية بنقل سكان الإنويت قسراً إلى بلدات أكبر في الخمسينات من القرن الماضي، مما أدى إلى تهميش ممارسات ولغات السكان الأصليين الذين يشكلون نحو 90 في المائة من السكان. واعتذرت الدنمارك في عام 2022 عن تجربة في خمسينات القرن الماضي بإرسال أطفال غرينلاند إليها.

وتظهر السجلات أنه تم تركيب أجهزة داخل أرحام آلاف من النساء والفتيات في عمر صغير حتى 13 عاماً، دون موافقتهن من 1966 حتى عام 1991 الذي سيطرت فيه غرينلاند على الرعاية الصحية. واعتذرت الدنمارك في عام 2025 عن حملة تحديد النسل التي استمرت لعقود.

وجاء في فيلم وثائقي عام 2025 ⁠أن الدنمارك وشركاتها استفادت من منجم للكريوليت بين عامي 1853 و1987 دون أن يستفيد السكان المحليون من ذلك. واستخرجت الكريوليت، المستخدم في إنتاج الألومنيوم، من غرينلاند التي لديها أكبر المكامن في العالم.

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

ما علاقة ‌غرينلاند بالاتحاد الأوروبي؟

انضمت الجزيرة إلى الجماعة الأوروبية في عام 1973 عن طريق الدنمارك، لكنها انسحبت منها في عام 1985 بعد الحكم الذاتي. وتحمل الآن وضع إقليم تابع للاتحاد ‍الأوروبي في الخارج، وتحتفظ بترتيب خاص بمصائد الأسماك.

ما الوجود الأميركي؟

يُبقي الجيش الأميركي على وجود دائم في قاعدة بيتوفيك الجوية بشمال غربي غرينلاند بموجب اتفاقية في عام 1951 تتيح حرية بناء القواعد بإخطار للدنمارك والجزيرة.

واستوعبت الدنمارك تاريخياً الوجود الأميركي؛ لأنها لا تستطيع الدفاع عن غرينلاند، وتستفيد من الضمانات الأمنية الأميركية من خلال حلف شمال الأطلسي.

لماذا يريد ترمب غرينلاند؟

قال ترمب إن الاستحواذ على الجزيرة يمثل أولوية للأمن القومي، وإن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها. ويمر أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية عبر غرينلاند، مما يجعلها مهمة لنظام الإنذار المبكر الأميركي ضد الصواريخ الباليستية.

وتقع الجزيرة في مفترق طرق جيوسياسي وسط عسكرة للقطب الشمالي من ​حلف شمال الأطلسي وروسيا والصين. وتريد الولايات المتحدة توسيع وجودها العسكري بوسائل، من بينها الرادارات لمراقبة المياه التي تستخدمها السفن والغواصات الروسية.

لا توجد أدلة تذكر حالياً على أن عدداً كبيراً من السفن الصينية والروسية تبحر بالقرب من سواحل غرينلاند. وتظهر بيانات شحن ⁠أن معظم الملاحة الصينية في مياه القطب الشمالي تتم في أقصى شمال المحيط الهادئ وطريق بحر الشمال بالقرب من روسيا، أما معظم الملاحة الروسية في مياه القطب الشمالي تتم حول سواحل روسيا نفسها، لكن محللين يقولون إن غواصات روسية كثيراً ما تبحر في المياه الواقعة بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا.

وتقول روسيا إن الحديث عن أن موسكو وبكين تشكلان تهديداً لغرينلاند كذب لإثارة حالة من الهيستيريا.

وبشكل عام، زاد استخدام القطب الشمالي في أغراض عسكرية مع قيام دول حلف شمال الأطلسي والصين وروسيا بتوسيع نشاطها هناك.

وتتمتع الجزيرة، التي تقع عاصمتها نوك على مسافة أقرب إلى نيويورك من العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، بثروات معدنية ونفطية وغاز طبيعي، لكن التنمية بطيئة ولم يشهد قطاع التعدين إلا استثمارات أميركية محدودة جداً.

طائرة تحمل رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب جونيور تصل إلى نوك في غرينلاند (أ.ف.ب)

ماذا يريد سكان غرينلاند؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان الجزيرة يؤيدون الاستقلال من حيث المبدأ. لكن كثيرين منهم يحذرون من التسرع بسبب الاعتماد الاقتصادي على الدنمارك، والانكشاف المفرط على الولايات المتحدة في حالة السعي للاستقلال بسرعة كبيرة.

ويمثل صيد الأسماك أكثر من 90 في المائة من صادرات غرينلاند. وتغطي الإعانات الدنماركية نحو نصف الموازنة العامة، وتمول المستشفيات والمدارس وتدعم البنية التحتية للجزيرة الشاسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

وقد يسمح الاستقلال بالارتباط مع الولايات المتحدة بموجب اتفاق الارتباط الحر على غرار الاتفاقيات مع ميكرونيزيا وبالاو وجزر مارشال.

ويوفر اتفاق الارتباط الحر عادة الخدمات والحماية العسكرية الأميركية مقابل الدخول لممارسة أنشطة دفاعية، لكن مدى استفادة غرينلاند من ذلك يتوقف على حجم الدعم ووتيرة تنويع ‌الاقتصاد بعيداً عن صيد الأسماك.

ماذا تقول الدنمارك وغرينلاند؟

عندما عرض ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى شراء الجزيرة، وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن العرض بأنه «سخيف».

وشددت فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في ديسمبر (كانون الأول) 2025 على أنه لا يمكن ضم غرينلاند، وأن الأمن الدولي لا يبرر مثل هذا التحرك.