غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: انفلات القوة سمة المرحلة

قال إن أميركا تبقى القطب الأكبر لكن قدرتها على ضبط حلفائها وتطويق خصومها تتراجع

غسان سلامة (الشرق الأوسط)
غسان سلامة (الشرق الأوسط)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: انفلات القوة سمة المرحلة

غسان سلامة (الشرق الأوسط)
غسان سلامة (الشرق الأوسط)

إذا كانت القاعدة العامة تقول بصعوبة عرض مضمون كتاب، خصوصاً إذا كان تحليلياً ويُراد منه أن يكون شاملاً، فإن الصعوبة مضاعفة في حالة كتاب الدكتور غسان سلامة الأخير الصادر عن دار «فايار» الفرنسية قبل بضعة أيام. فكتاب سلامة يستند إلى تجربة أكاديمية رائدة وانخراط في العمل السياسي، وأخيراً في العمل الدبلوماسي في إطار الأمم المتحدة، فضلاً عن شبكة علاقات عالية المستوى نسجها عبر العالم.

ولتبيان جدية الكتاب والكمية الاستثنائية من المعلومات والتحليلات والنوافذ التي يفتحها، تكفي الإشارة إلى الخمسين صفحة من المراجع التي يعود إليها، وللمعلومات التي يستقيها لبناء شبكة قراءاته الخاصة لتطورات العالم. ولا شك أن بعض طموحه يظهر في العنوان الفرعي: «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين»، وأن كتابه سيشكل مرجعاً رئيسياً للعقود اللاحقة.

في ستة فصول ومقدمة مستفيضة وخاتمة من أكثر من ثلاثين صفحة، يجول غسان سلامة على أحداث وأزمات العالم شرقاً وغرباً. ولعل الأبرز من فصول الكتاب ذاك الذي خصصه لدراسة «انتفاء استخدام قواعد اللجوء إلى القوة»، ليبين للقارئ كيفية تفلّت العالم وتكاثر الحروب والنزاعات والصراعات.

لذلك، كان من الضروري الانطلاق من مضمون الكتاب لإجراء مقابلة مع الكاتب تلقي مزيداً من الضوء على عدد من الملفات التي تستحوذ على الاهتمام الدولي في الزمن الراهن.

سألنا الكاتب عن سبب تسمية الكتاب «إغراء القوة» (بالفرنسية: La Tentation de Mars) بالإشارة إلى «مارس» إله القوة والحرب في الميثولوجيا الإغريقية والرومانية، وجوابه أن ما أراد الإيحاء به أن دولاً كثيرة أخذت تقع تحت إغراء القوة والحروب، ومنها دول صغيرة، وبالتالي، فإن الحروب الراهنة ليست الوحيدة؛ إذ إن إغراء القوة أصبح كونياً.

أما العنوان الفرعي «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين» فإنه يستعيد في جزء منه عنوان رواية تولستوي «الحرب والسلم» وكتاب عالم الاجتماع والكاتب السياسي الفرنسي ريمون أرون الذي يحمل أيضاً عنوان «السلم والحرب». وفيما يلي نص المقابلة:

* أين يكمن الخيط الجامع لهذا الكتاب الجديد؟

- نقطة الانطلاق تكمن في السؤال التالي: لماذا تسمى مرحلة ما بعد 1990 وحتى اليوم، أي مرحلة من ثلث قرن، «مرحلة ما بعد الحرب الباردة»، وذلك في الأدبيات الغربية الأميركية والأوروبية والروسية وغيرها؟ ولماذا ليس لها اسم أو تعبير كما حصل في المراحل السابقة؟

الخلاصة التي توصلت إليها أن التطورات التي حصلت منذ عام 1990 جاءت متنافرة، ولذا يصعب إيجازها بتعبير. وقد حاول كثيرون، منهم فرنسيس فوكوياما الذي أسماها «نهاية التاريخ»، وصامويل هنتنغتون صاحب «صراع الحضارات»، وآخرون اختاروا «انتهاء الاستقطاب الدولي»، لكن هذه التوصيفات كافة غير كافية.

وبعد تأمل وتفكير وبحث، وجدت أن المرحلة الزمنية الممتدة من عام 1990 وحتى عام 2024، هي في الواقع مرحلتان متناقضتان تماماً: الأولى أسميها «مرحلة الأماني»، وتمتد ما بين 1990 ونحو 2006، والثانية «مرحلة الخيبة» وهي من عام 2006 وحتى اليوم.

غلاف كتاب غسان سلامة الجديد «إغراء القوة»

ولإبراز هذا الواقع، ارتكزت إلى ستة معايير تبين بوضوح هذا الانقسام وهي التالية: انتشار الديمقراطية والعولمة والثورة التكنولوجية والثقافة وانتفاء قواعد استخدام القوة، وأخيراً المعيار النووي. وتبين المقاربة الشاملة أن الجزء الأول من ثلث القرن المشار إليه غلبت عليه الإيجابيات، ولكنها تراجعت في جزئه الثاني.

انفلات القوة

* هل يمكن توضيح معيار انتفاء قواعد اللجوء إلى القوة والمعيار النووي؛ كونهما الأكثر بروزاً في الوقت الراهن؟

- أعني بهذا المعيار أنه في الفترة الأولى من ثلث القرن الذي نتحدث عنه، رأينا مثلاً أن حرب الكويت عام 1991 قامت على أساس 12 قراراً لمجلس الأمن الدولي ما سمح لـ65 دولة بالمشاركة في حرب تحرير هذا البلد. وعندما سُئل جورج بوش الأب آنذاك: لماذا لا تذهب حتى بغداد؟ رد بأن قرارات مجلس الأمن «تعطيني الحق باستعادة سيادة الكويت وليس لتدمير سيادة العراق».

الحرب الثانية التي قام بها جورج بوش الابن على العراق عام 2003، جاءت مختلفة تماماً عن الأولى؛ لأنها لم تستند إلى قاعدة قانونية وتمت من غير قرار من مجلس الأمن، ولم تؤد إلى قيام تحالف دولي واسع، فضلاً عن أهدافها المتذبذبة. بداية كان الهدف تدمير أسلحة الدمار الشامل وتبعه القضاء على ديكتاتور خطير ثم نشر الديمقراطية. وما عابها لاحقاً أنها فشلت في استيلاد كيان سياسي مستقر.

واعتقادي أن «الخطيئة الأصلية» في الهجوم الأميركي - البريطاني على العراق، أنه أسس لممارسات مشابهة من الدول الأخرى، فرأينا مثلاً أن روسيا استخدمت هذه الحجة للهجوم على جورجيا سنة 2008 كما استخدمها الرئيس بوتين مجدداً لمهاجمة أوكرانيا سنة 2014 ومرة أخرى عام 2022. ورأينا أن دولاً أخرى كإيران وتركيا، وأيضاً إسرائيل، لا تتردد بتاتاً في استخدام القوة. لا بل إن دولاً صغيرة مثل رواندا تقوم بعمليات عسكرية شبه مستمرة في عدد كبير من الدول الأفريقية من غير مسوغ قانوني.

إذن هناك انفلات، في الفترة الزمنية التي ندرسها، لقواعد استعمال السلاح. وتبين المتابعة وجود قدر كبير من احترام المعاهدات والقوانين الدولية في المرحلة الأولى من ثلث القرن المنصرم، وتجاهل لها بدءاً من سنة 2003، أي مع حرب العراق.

تفتيت «المُحرَّم» النووي

أما فيما يخص المعيار النووي، فقد وجدنا في المرحلة الأولى من ثلث القرن المنصرم عدداً كبيراً من الاتفاقيات المطمئنة. فسنة 1995، تم تمديد اتفاق الامتناع عن نشر الأسلحة النووية إلى ما لا نهاية، بعد أن كان محدداً زمنياً. ثم إن دولاً كثيرة قبلت خفض ترساناتها النووية وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا. وتعاون هذان البلدان لمعالجة موضوع كارثة «تشيرنوبل» النووية؛ كي لا تتكرر الكوارث.

وأشدد على أهمية الاتفاق الذي حصل بخصوص نقل أسلحة نووية كانت موجودة في عدد من مكونات الاتحاد السوفياتي السابق كما في كازاخستان وأوكرانيا وبيلاروسيا لكي تكون تحت رقابة روسية. وأبعد من ذلك، وجدنا سبباً حقيقياً للحلم إلى درجة أن أربعة وزراء خارجية أميركيين سابقين بينهم جورج شولتس وهنري كيسينغر دعوا إلى «صفر سلاح نووي»، أي إلى نزع كامل للسلاح النووي.

لكن ماذا نرى اليوم؟ نرى أن بريطانيا تنفق مئات الملايين لتجديد سلاحها النووي. والشيء نفسه يحصل في فرنسا. ونرى أن الصين تريد الانتقال قبل عام 2030 من 1500 رأس نووي إلى 3 آلاف رأس نووي، فيما بوتين لا يتراجع عن التهديد باستعمال السلاح النووي.

ومن جانبها، تريد الولايات المتحدة زيادة رؤوسها النووية وتجديدها، وحتى دول صغيرة كإسرائيل لا يتردد أحد وزرائها بالتهديد بإلقاء قنبلة نووية على غزة. إذن ما يسمى «المُحرَّم» النووي بدأ تفتيته تدريجياً في السنوات العشر الأخيرة. وإذا أخذت هذه المعايير الستة معاً، فسنرى أنها كانت كلها إيجابية إلى حد كبير حتى عامي 2005 و2006 وأصبحت تميل، منذ ذلك الحين، إلى السلبية.

أقطاب متعددة وتوازن غائب

* ثمة جدل كبير لا يتوقف لجهة توصيف حالة العالم اليوم: أحادي القطبية، ثنائيها، متعدد الأقطاب أو عديم القطبية... ما قراءتك؟

- قراءتي كالتالي: هناك تعدد في مصادر القوة ومراكزها بمعنى وجود تعدد أقطاب لكنها غير متوازنة. ثمة دول بدأت تتحول إلى أقطاب حقيقية مثل الصين أو الهند أو غيرها من الدول، ولكن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بفارق متقدم. أميركا، على الورق، هي من دون أي شك القطب الأكبر والأول، ولكن ليس الوحيد.

بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا القطب يعاني من مكامن ضعف. وما زال الأول بفضل إمكانياته المادية والعسكرية الكبيرة جداً، حيث إن ميزانيته العسكرية تتفوق على الـ12 دولة التي تليه في حجمه. لكن الولايات المتحدة، القطب الأول، تعاني من ارتباك شديد في صنع القرار. هو ارتباك داخلي.

جنود سويديون يشاركون في تدريبات «الناتو» بالنرويج (إ.ب.أ)

يُضاف إلى ذلك انعدام الرغبة لدى أميركا بالدخول في حروب طويلة، وبالتالي هذا يضغط على القرار ويجعلها، عندما تبدأ بخسارة رجالها أو تبذل الكثير من الأموال، تواجه ضغوطاً من الرأي العام فتميل إلى الانسحاب من أجل إرضائه، كما حصل في أفغانستان أو العراق. ونقاط الضعف تحجم تفوقها المادي في النظام العالمي.

أما الصين، المنافس الأول، فقد حققت في السنوات الثلاثين الماضية انتقالاً كبيراً في قوتها العسكرية؛ إنْ لجهة عدد الرؤوس النووية أو في سلاحها البحري؛ إذ أصبحت لديها قطع تتفوق بها عددياً على الولايات المتحدة. بيد أن نوعيتها وأداءها لا يضاهيان النوعية الغربية.

ومن جانبها، ضاعفت الهند ميزانيتها العسكرية أربع مرات خلال عشرين سنة، بحيث زادت من 14 ملياراً في عام 2002 إلى 81 مليار دولار. وطبعاً هناك الآن صحوة متأخرة في أوروبا حيث نرى عدداً من الدول غير الملتزمة بمعايير «الناتو»، لا سيما ألمانيا وإيطاليا، تذهب باتجاه زيادة كبيرة في ميزانياتها العسكرية. وهناك دول مثل بولندا تنفق 4 في المائة من الناتج القومي على الميزانية العسكرية.

ولا ننسى كوريا الشمالية التي تنفق الكثير على تعزيز قواتها. إذن، ثمة لاعبون كُثر يطمحون إلى أن يكون لهم تأثير في النظام العالمي فيما الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض رأيها باستثناء حالات محددة.

يتعين علينا التنبيه إلى مشاكل الولايات المتحدة مع حلفائها. أما مع خصومها فالأمور واضحة: هي تخاف من قيام الصين وهي تقوم بكل ما تستطيع لكي تطوق إمكانية بزوغ الصين بوصفها قوة عالمية من خلال مجموعات مثل «أوكوس» و«كواد» أو تسليح الهند أو الوجود الكثيف العسكري المباشر في محيط تايوان، وحتى تشجيع الفلبين على تحدي البحرية الصينية، أو التقارب مع فيتنام، وهي تستخدم حالة العلاقات المتوترة بين بكين وعدد كبير من جيرانها، لا سيما مع الهند وفيتنام.

والظاهرة الجديدة أن خريطة مبيعات السلاح تتغير. فالكوريتان تصدّران السلاح طبعاً لدول مختلفة: كوريا الجنوبية تبيعه لبولندا، وكوريا الشمالية تبيع لروسيا. والأرقام هائلة: كوريا الجنوبية تكاد تتفوق على فرنسا بوصفها مصدراً للسلاح. ولننظر إلى تركيا التي أخذت تصدر المسيّرات إلى خمسين دولة في العالم، بما فيها أوكرانيا، بينما إيران تصدر المسيرات إلى روسيا وليس العكس.

معنى ذلك أن سوق السلاح العالمي يتغير بسرعة كبيرة جداً. أستنتج من ذلك أن المرحلة التي تسمى مرحلة ما بعد الحرب الباردة لم تتكامل فصولاً بعد. ما زالت لم ترس على أمر ثابت ودائم. ولكن الاتجاه الطاغي أن الولايات المتحدة تبقى القوة الأكبر أو الأولى في العالم، مع ضعف متنامٍ بقدرتها على ضبط حلفائها وعلى تطويق خصومها.

تناقضات «البريكس»

* أين موقع الجنوب الشامل في هذا العالم المتغير؟ في كتابك ترى أنه سيبقى هامشياً وتتحدث عن «نشاز» فيما يصدر عنه.

- في العلاقات الدولية، تحديد عدو مشترك شرط أساسي لإقامة تحالف، لكنه غير كافٍ على الإطلاق. لنأخذ حالة دول «البريكس» (5 سابقاً واليوم 11): هي تجتمع على عدد من الأمور، منها رفض عمل المؤسسات المالية والاقتصادية الراهنة، ورفض النفوذ الأميركي في العالم إذا كان ينحو نحو الهيمنة. بالمقابل، التنافس الهندي - الصيني داخلها في غاية القوة، بل هناك اشتباكات دورية على الحدود بينهما وقد تتطور. ولا ننسى أن حروباً جرت بينهما في الستينات، والصين دخلت إلى عمق الهند التي أصيبت بصدمة كبيرة لم تخرج منها إلا بهزيمة باكستان بعد عشر سنوات.

قادة «بريكس» خلال اجتماعهم في جوهانسبرغ في أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ثم لننظر إلى السوق النفطية الموازية، حيث هناك تنافس شديد بين روسيا وإيران على تزويد بلدان مثل الهند أو الصين بالنفط من السوق الموازية. وثالثاً ثمة فوارق هائلة في وضع عملات هذه الدول فبعضها غير قابل للصرف. ورابعاً، ثمة عامل يكشف الشقاق بينها عندما تدخل هذه الدول في إطار المأسسة حيث تحمى التنافسية بينها.

الخلاصة أن هناك حاجة لمواصفات مشتركة بين أطراف «البريكس». فقوة حلف شمال الأطلسي وسبب بقائه حتى بعد انهيار خصمه «حلف وارسو» يكمنان في التشابه الكبير في الأنظمة السياسية والاقتصادية المعمول بها في هذه البلدان. بالمقابل، نرى أن الهند ديمقراطية فيما الصين بلد الحزب الواحد. إذاً، لا تشابه بين الدول المهمة في إطار «البريكس» حتى تتمكن من منافسة أميركا والحلف الأطلسي.

* ما هو إذن مستقبل «البريكس»؟ هل ستبقى دول التحالف ومعها الجنوب الشامل عاجزة عن التأثير على سير النظام العالمي؟

- اعتقادي أن صوت الجنوب سيعلو، وما رأيناه من قيام جنوب أفريقيا بتقديم شكوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية سنرى مثله في المراحل المقبلة. كذلك سنرى تزايداً في التجارة بين دول الجنوب.

يضاف إلى ذلك أن الوزن الديموغرافي للجنوب في تصاعد. فحيز الرجل الأبيض تقلص كثيراً خلال القرن الماضي. فبعد الحرب العالمية الأولى، كان الرجل الأبيض يمثل 30 في المائة من سكان العالم، وكان يسيطر على 80 في المائة من اليابسة وعلى المحيطات كافة. اليوم، تراجعت نسبته ديموغرافياً إلى 16 في المائة، وسيطرته على اليابسة لا تتعدى 30 في المائة.

الجنوب تحول إلى قوة ضاغطة. بيد أن تحوله إلى مؤسسة وتكوين كتلة متراصة تناهض الحلف الأطلسي كما كان حلف «وارسو» يناهضه، أمر صعب لأسباب ذكرنا بعضها. وما يفاقمها أن الحلفين المذكورين كانت على رأس كل منهما قاطرة تقود: أميركا من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، بينما في حالة «البريكس» هناك «تعدد رؤوس»، والرأسان الرئيسيان (الصين والهند) متنافسان.

قلعة الرجل الأبيض

* تقول في كتابك إن التحالفات أصبحت أقل جاذبية في الوقت الراهن، ولكن هناك استثناء يتمثل بالحلف الأطلسي وانضمام عضوين جديدين إليه.

- ما يوفر للحلف الأطلسي القدرة على الاجتذاب، إضافة إلى ما ذكر سابق، هو الطموحات عند مجموعة من الدول التي كانت في السابق إمبراطوريات مثل روسيا والصين وتركيا وإيران التي تتماوج راهناً ما بين كونها «دولة قومية» و«دولة إمبراطورية». واليوم، مع تفكك النظام العالمي، فإن الميول الإمبراطورية تعود بقوة، وروسيا تحل على رأس اللائحة مما يثير الخوف في أوروبا. حلم عودة الإمبراطورية في روسيا يدفع الأوروبيين إلى رص الصفوف، ما يفسر استشعار الحاجة لحلف عسكري يحمي.

ثمة شعور عبر عنه هنتنغتون بوضوح في أجزاء من كتاباته، حين كان يؤكد أن الغرب بعد خمسة قرون من التوسع والانتشار، دخل مرحلة الدفاع عن النفس، ولذا هو بحاجة إلى قلعة من أجل الانكفاء داخلها. وهذه القلعة هي الحلف الأطلسي التي يتعنى تعزيها. وكان يدعو إلى عدم التدخل في شؤون العالم. ولأنه أدخل «العنصر الثقافوي» في مقاربته، فقد دعا إلى إخراج تركيا من الحلف المذكور لتبرير بقائه قلعة دفاعية، وليس مركزاً للإشعاع أو نشر قيم العالم الحر.

سذاجة أميركية في المنطقة

* كيف يمكن اليوم توصيف مصالح أميركا في الشرق الأوسط ومدى استدامتها؟

- ثمة سذاجة تغلف أحياناً السياسة الأميركية في المنطقة. قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان يسود شعور بالارتياح لما عليه المنطقة، فيما نعرف أنها على فوهة بركان. الأميركيون كانوا يرون أنها لا تعرف عنفاً مثيراً للقلق. والثابت أن المصالح الأميركية تتبدل وفق مسلك الخصوم. فأيام الحرب الباردة، كانت الأهداف واضحة: منع الاتحاد السوفياتي من السيطرة عليها، والمحافظة على مصادر النفط، والدفاع عن إسرائيل.

اليوم، الهدف الأول اندثر عملياً رغم وجود روسيا في سوريا و«فاغنر» في أفريقيا ومنطقة الساحل، لكن بالإجمال الخطر الروسي تقلص. أما المحافظة على آبار النفط، فإن واشنطن تعدّها خدمة تسديها لحلفائها الأوروبيين؛ لأنها لم تعد بحاجة لنفط المنطقة. يبقى العنصر الإسرائيلي وقد وجدنا، مع السابع من أكتوبر، أنه حي كما لم يكن في يوم من الأيام.

بايدن ونتنياهو خلال لقائهما في تل أبيب أكتوبر الماضي (رويترز)

لذلك، إذا كانت لأميركا مصلحة، فهي أولاً الدفاع عن إسرائيل ودعمها. ولا أعتقد أن هناك رئيساً أميركياً واحداً أعطى إسرائيل ما أعطاها إياه بايدن، وتماهى معها بقدر تماهي الرئيس الحالي. ورغم كل التوحش الإسرائيلي في غزة، فإن سيل السلاح الأميركي لإسرائيل لم يتوقف يوماً. والمصلحة الأميركية الأخرى في المنطقة عنوانها منع إيران من الحصول على السلاح النووي، ثم توفير خدمة لحلفائها في شرق آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية...) من خلال تأمين إمدادات النفط من الخليج.

بالإجمال، ثمة ميل بدأ مع جورج بوش الابن، وتعاظم مع باراك أوباما وعاد بقوة مع جو بايدن، لرؤية الشرق الأوسط ساحة ثانوية للولايات المتحدة، والنظر إلى أوروبا أيضاً على أنها ساحة ثانوية. لكن الحرب في أوكرانيا، ثم في غزة، فرضت على أميركا أمراً مقيتاً؛ إذ إن رغبتها الأولى التركيز على الصين وتطويقها ومنعها من التحول إلى دولة عظمى، وإبقاؤها قوة إقليمية.

بين «نووي» إيران وإسرائيل

* تقول في كتابك إن اتفاقاً حصل بين غولدا مائير والرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 يلزم الولايات المتحدة بحماية المنظومة النووية الإسرائيلية والدفاع عنها. هل ما زال قائماً حتى اليوم؟

- نعم هو اتفاق وقّعته الولايات المتحدة بمبادرة من هنري كيسنجر الذي كان وقتها مستشار الرئيس نيكسون للأمن القومي. ورغم أن إسرائيل أصبحت اليوم قوة نووية، وتمتلك عدداً كبيراً من الرؤوس النووية (ما بين 60 و100 رأس نووي)، فإن الاتفاق المذكور ما زال قائماً.

نيكسون وغولدا مائير خلال اجتماع في البيت الأبيض في مارس 1973 (أ.ف.ب)

* هل نستطيع التوسع في قراءة الملف النووي الإيراني ومقاربته أميركياً؟

- أعتقد أن هناك استعداداً أميركياً للتفاهم مع إيران حول ملفات عدة، منها الاعتراف لها بدور إقليمي في المنطقة؛ إذ لدى واشنطن استسهال للنفوذ الإقليمي الإيراني. وكذلك، فإن واشنطن ليست رافضة بالمطلق حيازةَ إيران السلاح النووي بل هي «متحفظة»؛ لسبيين: الأول، الرفض الإسرائيلي المطلق (ولا أقول الرفض الأميركي المطلق)، وعلى واشنطن أن تأخذه بعين الاعتبار بسبب نفوذ إسرائيل في الولايات المتحدة. ولو سُئل الأميركيون: ما هو مصدر خوفكم النووي؟ لكان الجواب: باكستان. وعليّ التذكير بأن البرنامج النووي الباكستاني نشأ برضا أميركي عندما كانت واشنطن بحاجة لإسلام آباد زمن مواجهة السوفيات في أفغانستان.

السبب الثاني للرفض هو رؤية واشنطن أن امتلاك إيران السلاح النووي سيساعد على ردع أي اعتداء خارجي، وسيجعل من أي هجوم عليها بالغ الصعوبة. أما التنبيه من أن إيران نووية ستثير سباقاً نووياً في المنطقة فليس السبب الأساسي، بل الرغبة في منع إيران من الحصول على قوة دفاع وردع مطلقة.

* في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأشهر الأخيرة، وجدنا نوعاً من التساهل الأميركي والغربي مع طهران. هل يمكن التعمق في هذا الأمر؟

- حقيقة الأمر أن بايدن، في برنامجه الانتخابي السابق، دعا إلى عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 الذي خرج منه دونالد ترمب. لكن عقب انتخابه، لم يُبد بايدن حماسة لتطبيق ما وعد به. وفي واشنطن، وخلال زياراتي لها، كنت أتفاجأ بغياب هذه الحماسة، بل قيل لي إن بايدن عندما كان نائباً لأوباما، لم يكن محبذاً توقيعَ الاتفاق مع طهران.

المرشد الإيراني أمام مُسيّرة «شاهد 147» يستمع إلى شرح رئيس الأركان محمد باقري وأمير علي حاجي زاده قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس» (موقع خامنئي)

قرأت مقالاً للباحث إدوارد لوتفاك، وهو من عتاة المتطرفين في الحزب الجمهوري، يقول فيه: علينا أن نقبل أن تصبح إيران دولة نووية، وعلينا أن ننظر في كيفية تطويق آثار ذلك؛ إذ عندما تسعى دولة وتواظب على صرف المليارات من أجل برنامجها النووي، فمن الصعب إيقافها وستصبح، في يوم من الأيام، دولة نووية.

لذلك فإن القول بأن أميركا مجندة تجنيداً كاملاً لمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية رأي لا أتبناه.

* ما المتغيرات التي يمكن رصدها منذ اليوم في حال عودة ترمب إلى البيت الأبيض؟

- إذا عاد إلى البيت الأبيض، ستكون سياسته الخارجية شبيهة إلى حد كبير بسياسات اليمين المتطرف في أوروبا، وستقوم على دعامتين: الأولى إعادة شأن الرجل الأبيض الذي أنهكته العولمة، وبالتالي إبطاؤها، والثانية البحث عن المصلحة القومية الأميركية بأي ثمن، بحيث تكون ديدن سياسته الخارجية. وأعني أنه سيتبع مبدأ السياسة التعاقدية حيث لا يكون الدور الأول للمبادئ.

وأذكر أن ترمب سعى لصفقة مع زعيم كوريا الشمالية، ولديه الاستعداد لصفقات مع أي كان ضمن التعريف الحرفي للمصلحة الأميركية وما يخدمها. لذلك فمن الصعب معرفة من سيكون صديقه أو خصمه في الشرق الأوسط بسبب استعداده للانفتاح على أي كان، ولذا أقول إن من صافح كيم جونغ أون قد يصافح أي رئيس في العالم، بمن فيهم المرشد الإيراني.

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في 2018 (أ.ف.ب)

* تقول في كتابك إن قوات أميركية خاصة موجودة في نحو مائة دولة في العالم. هل هذا مؤكد؟

- هل تعلم أن قوات خاصة أميركية موجودة في ليبيا؟ أنا شخصياً لم أكن أعلم ذلك، واكتشفته عندما كنت في مهمة أممية في هذا البلد. وقيل لي وقتها إن هذه القوة تعمل في إطار محاربة الإرهاب، واكتشفت أن لها قاعدة ومرفأ خاصين بها، وأنها جزء مما يسمى «أفريكا كوربس».

كذلك علمت أن عدداً كبيراً من الدول الأفريقية تحتضن قوات خاصة أميركية. وعملياً، إذا سمعت أن هناك مجموعة تابعة لـ«داعش» أو «القاعدة» أو «بوكو حرام» أو أي مجموعة إرهابية في أي بلد، فعليك الافتراض فوراً أن هناك قوات خاصة أميركية تعمل ضدها.

إيران وحرب غزة

* قرأت في كتابك أن إيران هي المستفيدة من حرب غزة.

- نعم، إيران تمكنت من إظهار أن السياسة التي تتبعها منذ ثلاثين عاماً قد أثبتت نجاعتها من حيث التركيز على التعاون مع القوى «غير الدولتية» (الحركات والميليشيات)، فعندما يتوافر التأثير والقدرة على التنسيق مع «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الحشد الشعبي» العراقي و«حزب الله» و«الحوثيين»، فهذا يبين أن إيران فهمت أن الدخول إلى النزاع العربي - الإسرائيلي من باب القوى غير النظامية أفضل من الولوج إليه عبر القوى النظامية.

كما فهمت أيضاً أن الحروب بين الجيوش العربية وإسرائيل انتهت إلى غير رجعة منذ عام 1973. فمنذ 51 عاماً لم تحصل أي حرب نظامية ضد إسرائيل، بينما اندلعت خمس حروب بين إسرائيل و«حماس»، وعدد من الحروب بينها وبين «حزب الله». واليوم، «الحشد الشعبي» يتحرش بإسرائيل، وكذلك يفعل «الحوثيون» وغيرهم. وفائدة الاعتماد على قوى غير نظامية أنه لا ينطبق عليها القانون الدولي، وبالتالي تستطيع تحمل مسؤولية أعمالها أو أن تتبناها طهران وفق مصلحتها.

بيد أنه تتعين إضافة أن الغاية من هذه المجموعات حماية إيران نفسها. المعروف أن إيران تعتمد إجمالاً سياسة الصبر والاستفادة من الفرص. بإسقاطها النظام العراقي قدمت الولايات المتحدة العراق لإيران على طبق من فضة. وطهران استفادت من ذلك وهذا معروف. ولكن ما هو غير شائع أنه ساهم في تقوية ساعد المتشددين، وفي عودة التجذر إلى السياسة الإيرانية (بعد مرحلة الرئيسين «الإصلاحيي» هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي) والدفع باتجاه الاستفادة من أخطاء الآخرين.

تهديدات روسيا النووية

* هل التهديدات الروسية باللجوء إلى السلاح النووي في الحرب ضد أوكرانيا، تهويل أم ابتزاز، أم أن أمراً كهذا قد يحصل فعلاً؟

- بداية، علينا الإشارة إلى أن هناك أسلحة نووية مصغرة تسمى «أسلحة الميدان»، وإمكانية استخدامها أمر قائم. وأعود مرة أخرى إلى ريمون آرون الذي كان يركز على أهمية الحصول على السلاح النووي، وأهمية التلويح باستخدامه وتأثيره على مجريات الحرب.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوقّع على صورة لقاذفة نووية من طراز «TU - 160M» خلال زيارة لمصنع «غوربونوف» للطيران في كازان - روسيا في 25 يناير 2018 (رويترز)

وأذكّر هنا بما حصل إبان حرب أكتوبر 1973 على الجبهة المصرية عندما هدد (الزعيم السوفياتي) ليونيد بريجنيف بإرسال قوات إلى مصر للفصل بين الجيشين المصري والإسرائيلي بعد عبور الأخير قناة السويس ووصوله إلى مسافة 100 كلم من القاهرة. وقتها رفعت واشنطن درجة التأهب إلى الثالثة من أصل خمسة، ما حمل الزعيم السوفياتي على التراجع عن خطته.

وخلال الحرب الباردة، حصلت 14 حالة استنفار نووية، منها مرتان بخصوص برلين، ومرتان في كوبا، ومرة في لبنان، ومرتان في حربي 1967 و1973. وأريد الإشارة إلى أن البرلمان الأوكراني رفض المصادقة على تخلي كييف عن رؤوسها النووية لصالح روسيا رغم أن مفاتيح هذه الرؤوس كانت في موسكو، ولم يتم التوافق إلا بفضل ضغوط وإغراءات أميركية.

قناعتي اليوم أن الطرف الروسي أصبح مرتاحاً لسير المعارك والأرجح التوجه لاحقاً إلى تجميد النزاع. وما دامت الحرب لا تحمل تهديداً جدياً للأراضي الروسية وللنظام الروسي، فإن اللجوء إلى السلاح النووي أمر مستبعد، والتلويح به يبقى حتى اليوم في باب التحذير.


مقالات ذات صلة

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)

«الناتو الأوروبي».... خطة دفاعية بديلة تحسباً لانسحاب ترمب من الحلف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

«الناتو الأوروبي».... خطة دفاعية بديلة تحسباً لانسحاب ترمب من الحلف

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن أن الدول الأوروبية تُسرّع جهودها لوضع خطة لحلف الناتو، تحسباً لانسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأضافت أن الخطة التي تهدف إلى ضمان قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها باستخدام الهياكل العسكرية القائمة لحلف الناتو في حال انسحاب الولايات المتحدة تكتسب زخماً متزايداً، وذلك بعد حصولها على موافقة ألمانيا، المعارضة منذ زمن طويل لنهج الانفراد بالقرارات.

ويسعى المسؤولون العاملون على هذه الخطة التي يُطلق عليها البعض اسم «حلف الناتو الأوروبي»، إلى إشراك المزيد من الأوروبيين في أدوار القيادة والسيطرة داخل الحلف، ودعم القدرات العسكرية الأميركية بقدراتهم الخاصة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوّح بانسحاب أميركا من «الناتو» بسبب تحفظ الحلفاء على دعم حرب إيران (أ.ب)

وأكد المشاركون أن هذه الخطة لا تهدف إلى منافسة الحلف الحالي بل يهدف المسؤولون الأوروبيون من خلالها إلى الحفاظ على الردع ضد روسيا، واستمرارية العمليات، والمصداقية النووية حتى في حال سحب واشنطن قواتها من أوروبا أو رفضها الدفاع عنها، كما هدد ترمب.

وتُبرز هذه الخطة، التي وُضعت فكرتها الأولى العام الماضي، عمق القلق الأوروبي بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

وتسارعت هذه التحركات بعد تهديد ترمب بضم غرينلاند من الدنمارك، العضوة في حلف الناتو، وتكتسب الآن زخماً متزايداً في ظل المواجهة القائمة بسبب رفض أوروبا دعم الحرب الأميركية على إيران.

والأهم من ذلك، أن تحولاً سياسياً في برلين قد يعزّز هذا الزخم. فعلى مدى عقود، قاومت ألمانيا الدعوات الفرنسية إلى تعزيز السيادة الأوروبية في مجال الدفاع، مفضلةً الإبقاء على أميركا بصفتها ضامناً نهائياً للأمن الأوروبي، لكن هذا الوضع يتغير الآن في عهد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بسبب المخاوف بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة بوصفها حليفاً خلال رئاسة ترمب وما بعدها، وفقاً لمصادر.

وتُعدّ الخطة البديلة تحدياً هائلاً، فبنية حلف الناتو بأكملها مبنية على القيادة الأميركية على جميع المستويات تقريباً، من الخدمات اللوجيستية والاستخباراتية إلى القيادة العسكرية العليا للحلف.

صورة تذكارية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) بلاهاي في 2025 (الرئاسة التركية)

ويحاول الأوروبيون الآن تحمّل المزيد من هذه المسؤوليات، وهو ما طالب به ترمب منذ فترة طويلة.

وقد صرح الأمين العام للحلف، مارك روته، مؤخراً بأن الحلف سيكون «أكثر قيادة أوروبية».

والفرق الآن هو أن الأوروبيين يتخذون خطوات بمبادرة منهم، نتيجةً لتزايد عدائية ترمب، وليس نتيجةً لاستفزازات أميركية.

وفي الأيام الأخيرة، وصف ترمب الحلفاء الأوروبيين بـ«الجبناء»، وحلف الناتو بأنه «نمر من ورق»، مضيفاً، في إشارة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «هو يعلم ذلك أيضاً».

وقال الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، أحد القادة المشاركين في الخطة: «إن نقل العبء من الولايات المتحدة إلى أوروبا مستمر وسيستمر... بوصفه جزءاً من استراتيجية الدفاع والأمن القومي الأميركية»، وقال في مقابلة: «الأهم هو إدراك أن هذا يحدث، وأن يتم بطريقة مُدارة ومُحكمة، بدلاً من انسحاب الولايات المتحدة المفاجئ».

ويُعدّ ستوب أحد القادة الأوروبيين القلائل الذين حافظوا على علاقة وثيقة مع ترمب، وتمتلك بلاده واحدة من أقوى القوات المسلحة في القارة، ولها أطول حدود مع روسيا.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، هدد ترمب بالانسحاب من حلف الناتو بسبب رفض الحلفاء دعم حملته ضد إيران، قائلاً إن هذه الخطوة «غير قابلة للنقاش».

وأي انسحاب من الحلف يتطلب موافقة «الكونغرس»، لكن ترمب لا يزال بإمكانه سحب القوات أو الأصول من أوروبا، أو حجب الدعم، مستخدماً سلطته بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة.

وبعد تهديد ترمب، اتصل ستوب به لإطلاعه على خطط أوروبا لتعزيز دفاعاتها، وقال ستوب: «الرسالة الأساسية لأصدقائنا الأميركيين هي أنه بعد كل هذه العقود، حان الوقت لأوروبا أن تتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها ودفاعها».

وكان العامل السياسي الحاسم لأوروبا هو التغيير التاريخي في برلين التي تستضيف أسلحة نووية أميركية، والتي لطالما تجنّبت التشكيك في دور أميركا ضامناً للأمن الأوروبي.

وخشي الألمان وغيرهم من الأوروبيين من أن تعزيز القيادة الأوروبية داخل حلف الناتو قد يمنح الولايات المتحدة ذريعةً لتقليص دورها، وهو ما كان يخشاه الكثير من الأوروبيين.

خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب)

ومع ذلك، بدأ ميرتس، أواخر العام الماضي، إعادة تقييم هذا الرأي الراسخ، بعد أن خلص إلى أن ترمب مستعد للتخلي عن أوكرانيا، وفقاً لمصادر.

وأفادت المصادر بأن ميرتس كان قلقاً من أن ترمب يخلط بين دور الضحية والمعتدي في الحرب، وأنه لم تعد هناك قيم واضحة توجه السياسة الأميركية داخل حلف الناتو.

وعلى الرغم من ذلك، لم يرغب الزعيم الألماني في التشكيك علناً في الحلف، لما في ذلك من خطورة، حسب المصادر.

وبدلاً من ذلك، كان على الأوروبيين الاضطلاع بدور أكبر، وخلصت المصادر إلى أنه من الأفضل أن تبقى الولايات المتحدة في الحلف، لكن الجزء الأكبر من الدفاع سيُترك للأوروبيين.

وقال وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، إن المناقشات الحالية داخل حلف الناتو ليست دائماً سهلة، ولكن إذا أفضت إلى اتخاذ قرارات، فإن ذلك سيخلق فرصة لأوروبا. ووصف حلف الناتو بأنه «لا غنى عنه، سواء لأوروبا أو للولايات المتحدة».

وأضاف: «ولكن من الواضح أيضاً أنه يتعين علينا نحن الأوروبيين تحمّل المزيد من المسؤولية عن دفاعنا، وهذا ما نقوم به بالفعل». وتابع: «يجب أن يصبح حلف الناتو أكثر طابعاً أوروبياً، لكي يظل حلفاً عابراً للأطلسي».

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ومهد التحول في الموقف الألماني الطريق لاتفاق أوسع نطاقاً بين أطراف أخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة، وفرنسا، وبولندا، ودول الشمال الأوروبي، وكندا؛ حيث باتت هذه الدول تنظر الآن إلى خطة الطوارئ باعتبارها «تحالفاً للراغبين» داخل إطار حلف الناتو، وذلك وفقاً لما ذكره مسؤولون مشاركون في هذه الجهود.

ولم تتحول خطة الطوارئ إلى معالجة مسائل عسكرية عملية إلا بعد أن اتخذت برلين خطوتها، وتشمل هذه المسائل تحديد الجهة التي ستتولى إدارة الدفاعات الجوية والصاروخية لحلف الناتو، وتأمين ممرات التعزيزات العسكرية نحو بولندا ودول البلطيق، وإدارة الشبكات اللوجيستية، وتنظيم المناورات الإقليمية الكبرى في حال تنحّى الضباط الأميركيون عن مهامهم القيادية.

ويشير المسؤولون إلى أن هذه المسائل لا تزال تمثّل التحديات الأكبر التي تواجههم، ويقولون إن إعادة العمل بنظام التجنيد العسكري الإلزامي تمثّل جانباً آخر بالغ الأهمية لضمان نجاح هذه الخطة؛ إذ كانت العديد من الدول قد تخلت عن هذا النظام عقب انتهاء الحرب الباردة.

ويسعى المسؤولون المشاركون في هذه الجهود إلى تسريع وتيرة الإنتاج الأوروبي للمعدات الحيوية في المجالات التي لا تزال فيها أوروبا متأخرة عن الولايات المتحدة، ومن بينها الحرب المضادة للغواصات، والقدرات الفضائية والاستطلاعية، وعمليات التزوّد بالوقود جواً، والقدرات الجوية المتحركة.

ويستشهد المسؤولون بالإعلان الذي أصدرته ألمانيا والمملكة المتحدة الشهر الماضي بشأن إطلاق مشروع مشترك لتطوير صواريخ «كروز» شبحية وأسلحة فرط صوتية، بوصفه مثالاً ملموساً على هذه المبادرة الجديدة.

وعلى الرغم من أن هذا الجهد الأوروبي يمثّل تحولاً جذرياً في أنماط التفكير الاستراتيجي، فإن تحقيق هذا الطموح على أرض الواقع سيواجه صعوبات جمة؛ إذ إن منصب «القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا» يشغله دائماً ضابط أميركي، وقد صرح المسؤولون الأميركيون بأنه لا توجد لديهم أي نية للتخلي عن هذا المنصب، ولا يتمتع أي عضو أوروبي بمكانة كافية داخل حلف الناتو ليحل محل الولايات المتحدة في دور القائد العسكري، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على توفير «المظلة النووية» الشاملة للقارة بأسرها، تلك المظلة التي تُشكل الركيزة الأساسية لمبدأ الحلف التأسيسي القائم على «الردع المتبادل من خلال القوة».

ورغم أن الأوروبيين يضطلعون حالياً بالمزيد من الأدوار القيادية، فإنهم لا يزالون يفتقرون إلى قدرات حيوية، وذلك نتيجة لسنوات من التقاعس عن الإنفاق الكافي والاعتماد المفرط على الولايات المتحدة.

ويتمثل أحد أوجه القصور الصعبة بشكل خاص في مجالي الاستخبارات والردع النووي. ويؤكد مسؤولون أوروبيون أنه مهما بلغت عمليات إعادة تموضع القوات العسكرية، فلن يكون بالإمكان استبدال الأنظمة الأميركية للأقمار الاصطناعية، والمراقبة، والإنذار المبكر بالصواريخ بسرعة كافية؛ إذ تُشكل هذه الأنظمة العمود الفقري لمصداقية حلف الناتو.

وهو ما يضع كلاً من فرنسا وبريطانيا تحت ضغط متزايد لتوسيع نطاق أدوارهما في مجالَي الردع النووي والاستخبارات الاستراتيجية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

كشف قصر الإليزيه، الثلاثاء، ​أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌ورئيسة المفوضية ‌الأوروبية أورسولا ​فون ‌دير ⁠لاين ​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر لوسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف الإليزيه أن ⁠رئيس الوزراء الإسباني ‌بيدرو ‌سانشيز وممثلين ​عن ‌إيطاليا وهولندا وآيرلندا ‌سيشاركون في الاتصال الجماعي، من بين آخرين، يوم الخميس، ‌مضيفاً أن القائمة النهائية للمشاركين ستعلن لاحقاً.

وقال ⁠أحد ⁠مساعدي الرئيس للصحافيين: «الهدف الرئيسي هو تنسيق العمل ودفع المفوضية الأوروبية، بالمعنى الإيجابي للكلمة، للمضي قدماً بنفس وتيرة الدول الأعضاء».


الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو
TT

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

سارت موسكو وبكين خطوة جديدة لتعزيز تنسيق مواقفهما حيال الوضع في الشرق الأوسط، ومع توقعات بإعداد مشروع قرار جديد لعرضه على مجلس الأمن، أعلن الطرفان عزمهما على القيام بتحرك مشترك لتخفيف التوتر القائم حول إيران.

وأجرى وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي يزور بكين حالياً، جولة محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي ركزت على الوضع في المنطقة، وآليات التحرك المشترك لدفع جهود تسوية مرضية بين طهران وواشنطن. وأكد لافروف على تقارب موقفي البلدين حيال الوضع في المنطقة والعالم. ووقع الوزيران في ختام المحادثات «خريطة طريق» لتعزيز تنسيق التحركات الدبلوماسية المشتركة خلال عام 2026.

وزيرا خارجية الصين وانغ يي وروسيا سيرغي لافروف بعد توقيعهما على اتفاقية بين البلدين في بكين الثلاثاء (رويترز)

وعارضت موسكو وبكين الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وأعلن الطرفان مواقف متقاربة حيال قرار واشنطن فرض حصار على مضيق هرمز رداً على التحركات الإيرانية فيه.

وكان مسؤول في الخارجية الروسية استبق الزيارة بإعلان اقتراب البلدين من طرح مشروع قرار جديد في مجلس الأمن قال إن موعد طرحه سوف يتحدد «بناء على تطورات الوضع على الأرض». وبدا أن زيارة لافروف هدفت إلى تنسيق المواقف وإطلاق تحرك مشترك في حال فشلت جهود التسوية الحالية ووصلت المفاوضات الإيرانية الأميركية إلى طريق مسدود.

واستبق لافروف زيارته بإجراء سلسلة مكالمات هاتفية مع نظرائه في إيران وتركيا ودولة الإمارات. وبدا أن تنشيط الدبلوماسية الروسية مرتبط بتوقعات المفاوضات وترتيب آليات للتحركات المقبلة.

في هذا الإطار قالت الخارجية الروسية إن الجانب الروسي «رحب بالالتزام بمواصلة الجهود الدبلوماسية، وإيجاد حلول لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع بين الولايات المتحدة وإيران»، وزادت في بيان أنه جرى خلال اتصال هاتفي بين لافروف ونظيره الإيراني عباس عراقجي بحث تطورات الموقف في ضوء نتائج الجولة السابقة مع الولايات المتحدة التي فشلت في تقريب وجهات النظر.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

وأكد الجانب الروسي ترحيبه بـ«الالتزام المستمر بمواصلة الجهود الدبلوماسية وإيجاد حلول تعالج الأسباب الجذرية للصراع، وتحقق استقراراً طويل الأمد في المنطقة، مع مراعاة المصالح المشروعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وجيرانها».



كما أفادت «الخارجية» الروسية في بيان منفصل بأن وزير الخارجية تبادل وجهات النظر مع نظيره الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، وأجرى الوزيران تقييماً للوضع في الخليج العربي عبر الجوال، واتفقا على البقاء على اتصال لتسهيل عودة العمليات إلى طبيعتها في مضيق هرمز.

وفي اليوم نفسه تحدث لافروف مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وناقش الجانبان وفقاً لبيان «سبل حل الأزمة الناجمة عن الهجوم الأميركي الإسرائيلي غير المبرر على إيران».

وأضاف البيان المنشور على موقع الوزارة أن موسكو وأنقرة أعربتا خلال المكالمة عن استعدادهما لدعم الجهود الرامية إلى حل النزاع سلمياً.

وفي بكين وبالتزامن مع وجود لافروف، عدّت «الخارجية» الصينية الحصار الأميركي على مضيق هرمز «عملاً خطيراً وغير مسؤول»، محذرة من أنه سيزيد التوتر في المنطقة ويقوض الهدنة الهشة. وقال المتحدث باسم «الخارجية» الصينية، غو جياكون: «لقد توصل الجانبان إلى وقف إطلاق النار، فيما الحشد العسكري الأميركي والحصار لن يؤديا إلا إلى تفاقم التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش، وتهديد سلامة الملاحة في مضيق هرمز بمثابة تهديد خطير. هذا عمل خطير وغير مسؤول».

وكانت موسكو أعربت عن موقف مماثل قبل ذلك، ورأى الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف أن قرار واشنطن بإغلاق المضيق يزيد الأمور صعوبة، ويهدد بتداعيات واسعة على الإمدادات والوضع الاقتصادي العالمي.

واستبقت موسكو زيارة لافروف إلى بكين بتجديد عرض الوساطة الروسية لتخفيف التوتر. وقال بيسكوف في وقت سابق إن فكرة «نقل المخزون الإيراني من الوقود المخصب إلى الأراضي الروسية ما زالت قائمة».

خريطة تُظهر مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وتقترح موسكو ضمانات لتسهيل التوصل إلى اتفاق إيراني أميركي تشتمل على وقف النشاط النووي الإيراني مع الاحتفاظ بحق إيران في تطوير برامج سلمية في المستقبل. ويقوم اقتراح الوساطة الروسي على أن نقل المخزون المخصب من الأراضي الإيرانية من شأنه أن يزيل واحدة من العقبات الرئيسية التي عرقلت حتى الآن التوصل إلى تفاهم على وقف نهائي لإطلاق النار والتوصل إلى صياغة جديدة لاتفاق شامل ينهي الأزمة.

وكانت موسكو لعبت دوراً مماثلاً خلال المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني التي أسفرت عن اتفاق شامل في عام 2015، واشتمل الدور الروسي في ذلك الحين على تقديم ضمانات بنقل المخزون المخصب من الوقود إلى الأراضي الروسية لضمان عدم استخدامه في تطوير قدرات عسكرية.

وتشهد الصين الثلاثاء سلسلة زيارات لقادة أجانب معنيين بدرجات مختلفة بتداعيات أحداث الشرق الأوسط، هم ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والرئيس الفيتنامي تو لام.

رأى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الثلاثاء، في ختام محادثات أجراها مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين أن «الصين تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً» في حلّ النزاع في الشرق الأوسط. وقال سانشيز في مؤتمر صحافي: «كل جهود يمكن بذلها، وخصوصاً من جانب الدول التي تتمتع بقدرة على الحوار ولم تشارك بشكل نشط في هذه الحرب غير القانونية... ليست موضع ترحيب فحسب، بل هي حقاً ضرورية».

وزير الخارجية الفرنسي: يجب رفع الحصار عن مضيق هرمز بشكل عاجل

وعدّ رئيس الوزراء الإسباني الذي يُعدّ من أبرز الأصوات الغربية المعارضة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أنه يقف «في الجانب الصحيح من التاريخ». وأضاف: «ما نريده هو أن تُحترَم الشرعية الدولية، واليوم هذه الشرعية الدولية تنتهكها في المقام الأول دولة واحدة هي حكومة إسرائيل».

وتابع: «غالبية المواطنات والمواطنين في بلدنا لا يريدون الحرب (...) ويريدون أيضاً ألا يسود الإفلات من العقاب، وألا تبقى الجرائم من دون عقاب، مثل جرائم الإبادة الجماعية، كما نرى في غزة، التي نأمل ألا تتكرر في لبنان».

من جهة أخرى، أشار سانشيز، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أنه بحث مع الرئيس الصيني في «إصلاح» النظام الدولي لجعله «أكثر شمولاً بكثير، وأكثر تمثيلاً، وأكثر ديمقراطية»، ولكي «يعكس على نحو أفضل الواقع المتعدد الأقطاب لعالم اليوم».

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

وأعرب سانشيز الذي يزور بكين للمرة الرابعة في أربع سنوات، عن رغبته في أن تكون العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين «أكثر توازناً بكثير». وتهدف زيارة سانشيز التي تستمر ثلاثة أيام إلى تنشيط التبادلات التجارية مع الدولة الآسيوية العملاقة التي يحتل اقتصادها المرتبة الثانية عالمياً، في وقت تشهد العلاقات بين مدريد وواشنطن توتراً.

وعدّت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس، الاثنين، أنّ «لا معنى» للحصار البحري الذي أعلنته الولايات المتحدة لمضيق هرمز.

وهدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهر الماضي بقطع التبادل التجاري مع إسبانيا عندما رفضت مدريد استخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات أميركية ضد إيران.

وأوضحت الحكومة الإسبانية أن الهدف الأساسي للزيارة هو تعزيز حضور المنتجات الزراعية والصناعية في السوق الصينية، إضافة إلى البحث في مشاريع مشتركة في قطاع التكنولوجيا.

بدورها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الثلاثاء، على أهمية مواصلة مفاوضات السلام لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والسعي أيضاً إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وقالت ميلوني للصحافيين في مدينة فيرونا بشمال إيطاليا: «من الضروري مواصلة العمل لدفع مفاوضات السلام قدماً، وبذل كل جهد ممكن لتحقيق الاستقرار وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعد أساسياً بالنسبة لنا ليس فقط من أجل إمدادات الوقود بل والأسمدة».

كذلك حمل نائب المستشار الألماني، لارس كلينجبايل، الولايات المتحدة وإيران مسؤولية التوصل إلى حل يضمن سلاماً قابلاً للاستمرار في ظل التوترات الحالية في منطقة الشرق الأوسط. وقال كلينجبايل في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «تقع على عاتق الولايات المتحدة وإيران مسؤولية التوصل إلى حل قابل للاستمرار لتحقيق السلام»، منتقداً إغلاق مضيق هرمز المعلن من جانب الولايات المتحدة، وأضاف: «كل ذلك يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وإلى استمرار استشعارنا تداعيات اقتصادية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد... الأفضل هو استئناف المفاوضات والتوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار. كما ينبغي ضمان فتح مضيق هرمز وتأمينه».

جانب من لقاء الرئيس الصيني شي ​جينبينغ مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في بكين (أ.ب)

ونقلت صحيفة «ميرور» ​عن وزيرة المالية البريطانية ريتشل ريفز القول، الثلاثاء، إنها تشعر «بخيبة ‌أمل وغضب ‌شديدين» ​إزاء ‌ما ⁠وصفته ​بفشل الولايات ⁠المتحدة في وضع خطة انسحاب واضحة أو تحديد أهداف معينة ⁠للحرب في ‌إيران. وقالت ‌ريفز ​للصحيفة: «هذه ‌حرب لم ‌نبدأها، حرب لم نكن نريدها. أشعر بخيبة أمل وغضب ‌شديدين لأن الولايات المتحدة دخلت ⁠هذه ⁠الحرب دون خطة انسحاب واضحة، ودون فكر واضح لما كانت تسعى إلى تحقيقه». وأضافت: «نتيجة لذلك، صار مضيق ​هرمز ​مغلقاً الآن».