غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: انفلات القوة سمة المرحلة

قال إن أميركا تبقى القطب الأكبر لكن قدرتها على ضبط حلفائها وتطويق خصومها تتراجع

غسان سلامة (الشرق الأوسط)
غسان سلامة (الشرق الأوسط)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: انفلات القوة سمة المرحلة

غسان سلامة (الشرق الأوسط)
غسان سلامة (الشرق الأوسط)

إذا كانت القاعدة العامة تقول بصعوبة عرض مضمون كتاب، خصوصاً إذا كان تحليلياً ويُراد منه أن يكون شاملاً، فإن الصعوبة مضاعفة في حالة كتاب الدكتور غسان سلامة الأخير الصادر عن دار «فايار» الفرنسية قبل بضعة أيام. فكتاب سلامة يستند إلى تجربة أكاديمية رائدة وانخراط في العمل السياسي، وأخيراً في العمل الدبلوماسي في إطار الأمم المتحدة، فضلاً عن شبكة علاقات عالية المستوى نسجها عبر العالم.

ولتبيان جدية الكتاب والكمية الاستثنائية من المعلومات والتحليلات والنوافذ التي يفتحها، تكفي الإشارة إلى الخمسين صفحة من المراجع التي يعود إليها، وللمعلومات التي يستقيها لبناء شبكة قراءاته الخاصة لتطورات العالم. ولا شك أن بعض طموحه يظهر في العنوان الفرعي: «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين»، وأن كتابه سيشكل مرجعاً رئيسياً للعقود اللاحقة.

في ستة فصول ومقدمة مستفيضة وخاتمة من أكثر من ثلاثين صفحة، يجول غسان سلامة على أحداث وأزمات العالم شرقاً وغرباً. ولعل الأبرز من فصول الكتاب ذاك الذي خصصه لدراسة «انتفاء استخدام قواعد اللجوء إلى القوة»، ليبين للقارئ كيفية تفلّت العالم وتكاثر الحروب والنزاعات والصراعات.

لذلك، كان من الضروري الانطلاق من مضمون الكتاب لإجراء مقابلة مع الكاتب تلقي مزيداً من الضوء على عدد من الملفات التي تستحوذ على الاهتمام الدولي في الزمن الراهن.

سألنا الكاتب عن سبب تسمية الكتاب «إغراء القوة» (بالفرنسية: La Tentation de Mars) بالإشارة إلى «مارس» إله القوة والحرب في الميثولوجيا الإغريقية والرومانية، وجوابه أن ما أراد الإيحاء به أن دولاً كثيرة أخذت تقع تحت إغراء القوة والحروب، ومنها دول صغيرة، وبالتالي، فإن الحروب الراهنة ليست الوحيدة؛ إذ إن إغراء القوة أصبح كونياً.

أما العنوان الفرعي «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين» فإنه يستعيد في جزء منه عنوان رواية تولستوي «الحرب والسلم» وكتاب عالم الاجتماع والكاتب السياسي الفرنسي ريمون أرون الذي يحمل أيضاً عنوان «السلم والحرب». وفيما يلي نص المقابلة:

* أين يكمن الخيط الجامع لهذا الكتاب الجديد؟

- نقطة الانطلاق تكمن في السؤال التالي: لماذا تسمى مرحلة ما بعد 1990 وحتى اليوم، أي مرحلة من ثلث قرن، «مرحلة ما بعد الحرب الباردة»، وذلك في الأدبيات الغربية الأميركية والأوروبية والروسية وغيرها؟ ولماذا ليس لها اسم أو تعبير كما حصل في المراحل السابقة؟

الخلاصة التي توصلت إليها أن التطورات التي حصلت منذ عام 1990 جاءت متنافرة، ولذا يصعب إيجازها بتعبير. وقد حاول كثيرون، منهم فرنسيس فوكوياما الذي أسماها «نهاية التاريخ»، وصامويل هنتنغتون صاحب «صراع الحضارات»، وآخرون اختاروا «انتهاء الاستقطاب الدولي»، لكن هذه التوصيفات كافة غير كافية.

وبعد تأمل وتفكير وبحث، وجدت أن المرحلة الزمنية الممتدة من عام 1990 وحتى عام 2024، هي في الواقع مرحلتان متناقضتان تماماً: الأولى أسميها «مرحلة الأماني»، وتمتد ما بين 1990 ونحو 2006، والثانية «مرحلة الخيبة» وهي من عام 2006 وحتى اليوم.

غلاف كتاب غسان سلامة الجديد «إغراء القوة»

ولإبراز هذا الواقع، ارتكزت إلى ستة معايير تبين بوضوح هذا الانقسام وهي التالية: انتشار الديمقراطية والعولمة والثورة التكنولوجية والثقافة وانتفاء قواعد استخدام القوة، وأخيراً المعيار النووي. وتبين المقاربة الشاملة أن الجزء الأول من ثلث القرن المشار إليه غلبت عليه الإيجابيات، ولكنها تراجعت في جزئه الثاني.

انفلات القوة

* هل يمكن توضيح معيار انتفاء قواعد اللجوء إلى القوة والمعيار النووي؛ كونهما الأكثر بروزاً في الوقت الراهن؟

- أعني بهذا المعيار أنه في الفترة الأولى من ثلث القرن الذي نتحدث عنه، رأينا مثلاً أن حرب الكويت عام 1991 قامت على أساس 12 قراراً لمجلس الأمن الدولي ما سمح لـ65 دولة بالمشاركة في حرب تحرير هذا البلد. وعندما سُئل جورج بوش الأب آنذاك: لماذا لا تذهب حتى بغداد؟ رد بأن قرارات مجلس الأمن «تعطيني الحق باستعادة سيادة الكويت وليس لتدمير سيادة العراق».

الحرب الثانية التي قام بها جورج بوش الابن على العراق عام 2003، جاءت مختلفة تماماً عن الأولى؛ لأنها لم تستند إلى قاعدة قانونية وتمت من غير قرار من مجلس الأمن، ولم تؤد إلى قيام تحالف دولي واسع، فضلاً عن أهدافها المتذبذبة. بداية كان الهدف تدمير أسلحة الدمار الشامل وتبعه القضاء على ديكتاتور خطير ثم نشر الديمقراطية. وما عابها لاحقاً أنها فشلت في استيلاد كيان سياسي مستقر.

واعتقادي أن «الخطيئة الأصلية» في الهجوم الأميركي - البريطاني على العراق، أنه أسس لممارسات مشابهة من الدول الأخرى، فرأينا مثلاً أن روسيا استخدمت هذه الحجة للهجوم على جورجيا سنة 2008 كما استخدمها الرئيس بوتين مجدداً لمهاجمة أوكرانيا سنة 2014 ومرة أخرى عام 2022. ورأينا أن دولاً أخرى كإيران وتركيا، وأيضاً إسرائيل، لا تتردد بتاتاً في استخدام القوة. لا بل إن دولاً صغيرة مثل رواندا تقوم بعمليات عسكرية شبه مستمرة في عدد كبير من الدول الأفريقية من غير مسوغ قانوني.

إذن هناك انفلات، في الفترة الزمنية التي ندرسها، لقواعد استعمال السلاح. وتبين المتابعة وجود قدر كبير من احترام المعاهدات والقوانين الدولية في المرحلة الأولى من ثلث القرن المنصرم، وتجاهل لها بدءاً من سنة 2003، أي مع حرب العراق.

تفتيت «المُحرَّم» النووي

أما فيما يخص المعيار النووي، فقد وجدنا في المرحلة الأولى من ثلث القرن المنصرم عدداً كبيراً من الاتفاقيات المطمئنة. فسنة 1995، تم تمديد اتفاق الامتناع عن نشر الأسلحة النووية إلى ما لا نهاية، بعد أن كان محدداً زمنياً. ثم إن دولاً كثيرة قبلت خفض ترساناتها النووية وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا. وتعاون هذان البلدان لمعالجة موضوع كارثة «تشيرنوبل» النووية؛ كي لا تتكرر الكوارث.

وأشدد على أهمية الاتفاق الذي حصل بخصوص نقل أسلحة نووية كانت موجودة في عدد من مكونات الاتحاد السوفياتي السابق كما في كازاخستان وأوكرانيا وبيلاروسيا لكي تكون تحت رقابة روسية. وأبعد من ذلك، وجدنا سبباً حقيقياً للحلم إلى درجة أن أربعة وزراء خارجية أميركيين سابقين بينهم جورج شولتس وهنري كيسينغر دعوا إلى «صفر سلاح نووي»، أي إلى نزع كامل للسلاح النووي.

لكن ماذا نرى اليوم؟ نرى أن بريطانيا تنفق مئات الملايين لتجديد سلاحها النووي. والشيء نفسه يحصل في فرنسا. ونرى أن الصين تريد الانتقال قبل عام 2030 من 1500 رأس نووي إلى 3 آلاف رأس نووي، فيما بوتين لا يتراجع عن التهديد باستعمال السلاح النووي.

ومن جانبها، تريد الولايات المتحدة زيادة رؤوسها النووية وتجديدها، وحتى دول صغيرة كإسرائيل لا يتردد أحد وزرائها بالتهديد بإلقاء قنبلة نووية على غزة. إذن ما يسمى «المُحرَّم» النووي بدأ تفتيته تدريجياً في السنوات العشر الأخيرة. وإذا أخذت هذه المعايير الستة معاً، فسنرى أنها كانت كلها إيجابية إلى حد كبير حتى عامي 2005 و2006 وأصبحت تميل، منذ ذلك الحين، إلى السلبية.

أقطاب متعددة وتوازن غائب

* ثمة جدل كبير لا يتوقف لجهة توصيف حالة العالم اليوم: أحادي القطبية، ثنائيها، متعدد الأقطاب أو عديم القطبية... ما قراءتك؟

- قراءتي كالتالي: هناك تعدد في مصادر القوة ومراكزها بمعنى وجود تعدد أقطاب لكنها غير متوازنة. ثمة دول بدأت تتحول إلى أقطاب حقيقية مثل الصين أو الهند أو غيرها من الدول، ولكن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بفارق متقدم. أميركا، على الورق، هي من دون أي شك القطب الأكبر والأول، ولكن ليس الوحيد.

بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا القطب يعاني من مكامن ضعف. وما زال الأول بفضل إمكانياته المادية والعسكرية الكبيرة جداً، حيث إن ميزانيته العسكرية تتفوق على الـ12 دولة التي تليه في حجمه. لكن الولايات المتحدة، القطب الأول، تعاني من ارتباك شديد في صنع القرار. هو ارتباك داخلي.

جنود سويديون يشاركون في تدريبات «الناتو» بالنرويج (إ.ب.أ)

يُضاف إلى ذلك انعدام الرغبة لدى أميركا بالدخول في حروب طويلة، وبالتالي هذا يضغط على القرار ويجعلها، عندما تبدأ بخسارة رجالها أو تبذل الكثير من الأموال، تواجه ضغوطاً من الرأي العام فتميل إلى الانسحاب من أجل إرضائه، كما حصل في أفغانستان أو العراق. ونقاط الضعف تحجم تفوقها المادي في النظام العالمي.

أما الصين، المنافس الأول، فقد حققت في السنوات الثلاثين الماضية انتقالاً كبيراً في قوتها العسكرية؛ إنْ لجهة عدد الرؤوس النووية أو في سلاحها البحري؛ إذ أصبحت لديها قطع تتفوق بها عددياً على الولايات المتحدة. بيد أن نوعيتها وأداءها لا يضاهيان النوعية الغربية.

ومن جانبها، ضاعفت الهند ميزانيتها العسكرية أربع مرات خلال عشرين سنة، بحيث زادت من 14 ملياراً في عام 2002 إلى 81 مليار دولار. وطبعاً هناك الآن صحوة متأخرة في أوروبا حيث نرى عدداً من الدول غير الملتزمة بمعايير «الناتو»، لا سيما ألمانيا وإيطاليا، تذهب باتجاه زيادة كبيرة في ميزانياتها العسكرية. وهناك دول مثل بولندا تنفق 4 في المائة من الناتج القومي على الميزانية العسكرية.

ولا ننسى كوريا الشمالية التي تنفق الكثير على تعزيز قواتها. إذن، ثمة لاعبون كُثر يطمحون إلى أن يكون لهم تأثير في النظام العالمي فيما الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض رأيها باستثناء حالات محددة.

يتعين علينا التنبيه إلى مشاكل الولايات المتحدة مع حلفائها. أما مع خصومها فالأمور واضحة: هي تخاف من قيام الصين وهي تقوم بكل ما تستطيع لكي تطوق إمكانية بزوغ الصين بوصفها قوة عالمية من خلال مجموعات مثل «أوكوس» و«كواد» أو تسليح الهند أو الوجود الكثيف العسكري المباشر في محيط تايوان، وحتى تشجيع الفلبين على تحدي البحرية الصينية، أو التقارب مع فيتنام، وهي تستخدم حالة العلاقات المتوترة بين بكين وعدد كبير من جيرانها، لا سيما مع الهند وفيتنام.

والظاهرة الجديدة أن خريطة مبيعات السلاح تتغير. فالكوريتان تصدّران السلاح طبعاً لدول مختلفة: كوريا الجنوبية تبيعه لبولندا، وكوريا الشمالية تبيع لروسيا. والأرقام هائلة: كوريا الجنوبية تكاد تتفوق على فرنسا بوصفها مصدراً للسلاح. ولننظر إلى تركيا التي أخذت تصدر المسيّرات إلى خمسين دولة في العالم، بما فيها أوكرانيا، بينما إيران تصدر المسيرات إلى روسيا وليس العكس.

معنى ذلك أن سوق السلاح العالمي يتغير بسرعة كبيرة جداً. أستنتج من ذلك أن المرحلة التي تسمى مرحلة ما بعد الحرب الباردة لم تتكامل فصولاً بعد. ما زالت لم ترس على أمر ثابت ودائم. ولكن الاتجاه الطاغي أن الولايات المتحدة تبقى القوة الأكبر أو الأولى في العالم، مع ضعف متنامٍ بقدرتها على ضبط حلفائها وعلى تطويق خصومها.

تناقضات «البريكس»

* أين موقع الجنوب الشامل في هذا العالم المتغير؟ في كتابك ترى أنه سيبقى هامشياً وتتحدث عن «نشاز» فيما يصدر عنه.

- في العلاقات الدولية، تحديد عدو مشترك شرط أساسي لإقامة تحالف، لكنه غير كافٍ على الإطلاق. لنأخذ حالة دول «البريكس» (5 سابقاً واليوم 11): هي تجتمع على عدد من الأمور، منها رفض عمل المؤسسات المالية والاقتصادية الراهنة، ورفض النفوذ الأميركي في العالم إذا كان ينحو نحو الهيمنة. بالمقابل، التنافس الهندي - الصيني داخلها في غاية القوة، بل هناك اشتباكات دورية على الحدود بينهما وقد تتطور. ولا ننسى أن حروباً جرت بينهما في الستينات، والصين دخلت إلى عمق الهند التي أصيبت بصدمة كبيرة لم تخرج منها إلا بهزيمة باكستان بعد عشر سنوات.

قادة «بريكس» خلال اجتماعهم في جوهانسبرغ في أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ثم لننظر إلى السوق النفطية الموازية، حيث هناك تنافس شديد بين روسيا وإيران على تزويد بلدان مثل الهند أو الصين بالنفط من السوق الموازية. وثالثاً ثمة فوارق هائلة في وضع عملات هذه الدول فبعضها غير قابل للصرف. ورابعاً، ثمة عامل يكشف الشقاق بينها عندما تدخل هذه الدول في إطار المأسسة حيث تحمى التنافسية بينها.

الخلاصة أن هناك حاجة لمواصفات مشتركة بين أطراف «البريكس». فقوة حلف شمال الأطلسي وسبب بقائه حتى بعد انهيار خصمه «حلف وارسو» يكمنان في التشابه الكبير في الأنظمة السياسية والاقتصادية المعمول بها في هذه البلدان. بالمقابل، نرى أن الهند ديمقراطية فيما الصين بلد الحزب الواحد. إذاً، لا تشابه بين الدول المهمة في إطار «البريكس» حتى تتمكن من منافسة أميركا والحلف الأطلسي.

* ما هو إذن مستقبل «البريكس»؟ هل ستبقى دول التحالف ومعها الجنوب الشامل عاجزة عن التأثير على سير النظام العالمي؟

- اعتقادي أن صوت الجنوب سيعلو، وما رأيناه من قيام جنوب أفريقيا بتقديم شكوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية سنرى مثله في المراحل المقبلة. كذلك سنرى تزايداً في التجارة بين دول الجنوب.

يضاف إلى ذلك أن الوزن الديموغرافي للجنوب في تصاعد. فحيز الرجل الأبيض تقلص كثيراً خلال القرن الماضي. فبعد الحرب العالمية الأولى، كان الرجل الأبيض يمثل 30 في المائة من سكان العالم، وكان يسيطر على 80 في المائة من اليابسة وعلى المحيطات كافة. اليوم، تراجعت نسبته ديموغرافياً إلى 16 في المائة، وسيطرته على اليابسة لا تتعدى 30 في المائة.

الجنوب تحول إلى قوة ضاغطة. بيد أن تحوله إلى مؤسسة وتكوين كتلة متراصة تناهض الحلف الأطلسي كما كان حلف «وارسو» يناهضه، أمر صعب لأسباب ذكرنا بعضها. وما يفاقمها أن الحلفين المذكورين كانت على رأس كل منهما قاطرة تقود: أميركا من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، بينما في حالة «البريكس» هناك «تعدد رؤوس»، والرأسان الرئيسيان (الصين والهند) متنافسان.

قلعة الرجل الأبيض

* تقول في كتابك إن التحالفات أصبحت أقل جاذبية في الوقت الراهن، ولكن هناك استثناء يتمثل بالحلف الأطلسي وانضمام عضوين جديدين إليه.

- ما يوفر للحلف الأطلسي القدرة على الاجتذاب، إضافة إلى ما ذكر سابق، هو الطموحات عند مجموعة من الدول التي كانت في السابق إمبراطوريات مثل روسيا والصين وتركيا وإيران التي تتماوج راهناً ما بين كونها «دولة قومية» و«دولة إمبراطورية». واليوم، مع تفكك النظام العالمي، فإن الميول الإمبراطورية تعود بقوة، وروسيا تحل على رأس اللائحة مما يثير الخوف في أوروبا. حلم عودة الإمبراطورية في روسيا يدفع الأوروبيين إلى رص الصفوف، ما يفسر استشعار الحاجة لحلف عسكري يحمي.

ثمة شعور عبر عنه هنتنغتون بوضوح في أجزاء من كتاباته، حين كان يؤكد أن الغرب بعد خمسة قرون من التوسع والانتشار، دخل مرحلة الدفاع عن النفس، ولذا هو بحاجة إلى قلعة من أجل الانكفاء داخلها. وهذه القلعة هي الحلف الأطلسي التي يتعنى تعزيها. وكان يدعو إلى عدم التدخل في شؤون العالم. ولأنه أدخل «العنصر الثقافوي» في مقاربته، فقد دعا إلى إخراج تركيا من الحلف المذكور لتبرير بقائه قلعة دفاعية، وليس مركزاً للإشعاع أو نشر قيم العالم الحر.

سذاجة أميركية في المنطقة

* كيف يمكن اليوم توصيف مصالح أميركا في الشرق الأوسط ومدى استدامتها؟

- ثمة سذاجة تغلف أحياناً السياسة الأميركية في المنطقة. قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان يسود شعور بالارتياح لما عليه المنطقة، فيما نعرف أنها على فوهة بركان. الأميركيون كانوا يرون أنها لا تعرف عنفاً مثيراً للقلق. والثابت أن المصالح الأميركية تتبدل وفق مسلك الخصوم. فأيام الحرب الباردة، كانت الأهداف واضحة: منع الاتحاد السوفياتي من السيطرة عليها، والمحافظة على مصادر النفط، والدفاع عن إسرائيل.

اليوم، الهدف الأول اندثر عملياً رغم وجود روسيا في سوريا و«فاغنر» في أفريقيا ومنطقة الساحل، لكن بالإجمال الخطر الروسي تقلص. أما المحافظة على آبار النفط، فإن واشنطن تعدّها خدمة تسديها لحلفائها الأوروبيين؛ لأنها لم تعد بحاجة لنفط المنطقة. يبقى العنصر الإسرائيلي وقد وجدنا، مع السابع من أكتوبر، أنه حي كما لم يكن في يوم من الأيام.

بايدن ونتنياهو خلال لقائهما في تل أبيب أكتوبر الماضي (رويترز)

لذلك، إذا كانت لأميركا مصلحة، فهي أولاً الدفاع عن إسرائيل ودعمها. ولا أعتقد أن هناك رئيساً أميركياً واحداً أعطى إسرائيل ما أعطاها إياه بايدن، وتماهى معها بقدر تماهي الرئيس الحالي. ورغم كل التوحش الإسرائيلي في غزة، فإن سيل السلاح الأميركي لإسرائيل لم يتوقف يوماً. والمصلحة الأميركية الأخرى في المنطقة عنوانها منع إيران من الحصول على السلاح النووي، ثم توفير خدمة لحلفائها في شرق آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية...) من خلال تأمين إمدادات النفط من الخليج.

بالإجمال، ثمة ميل بدأ مع جورج بوش الابن، وتعاظم مع باراك أوباما وعاد بقوة مع جو بايدن، لرؤية الشرق الأوسط ساحة ثانوية للولايات المتحدة، والنظر إلى أوروبا أيضاً على أنها ساحة ثانوية. لكن الحرب في أوكرانيا، ثم في غزة، فرضت على أميركا أمراً مقيتاً؛ إذ إن رغبتها الأولى التركيز على الصين وتطويقها ومنعها من التحول إلى دولة عظمى، وإبقاؤها قوة إقليمية.

بين «نووي» إيران وإسرائيل

* تقول في كتابك إن اتفاقاً حصل بين غولدا مائير والرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 يلزم الولايات المتحدة بحماية المنظومة النووية الإسرائيلية والدفاع عنها. هل ما زال قائماً حتى اليوم؟

- نعم هو اتفاق وقّعته الولايات المتحدة بمبادرة من هنري كيسنجر الذي كان وقتها مستشار الرئيس نيكسون للأمن القومي. ورغم أن إسرائيل أصبحت اليوم قوة نووية، وتمتلك عدداً كبيراً من الرؤوس النووية (ما بين 60 و100 رأس نووي)، فإن الاتفاق المذكور ما زال قائماً.

نيكسون وغولدا مائير خلال اجتماع في البيت الأبيض في مارس 1973 (أ.ف.ب)

* هل نستطيع التوسع في قراءة الملف النووي الإيراني ومقاربته أميركياً؟

- أعتقد أن هناك استعداداً أميركياً للتفاهم مع إيران حول ملفات عدة، منها الاعتراف لها بدور إقليمي في المنطقة؛ إذ لدى واشنطن استسهال للنفوذ الإقليمي الإيراني. وكذلك، فإن واشنطن ليست رافضة بالمطلق حيازةَ إيران السلاح النووي بل هي «متحفظة»؛ لسبيين: الأول، الرفض الإسرائيلي المطلق (ولا أقول الرفض الأميركي المطلق)، وعلى واشنطن أن تأخذه بعين الاعتبار بسبب نفوذ إسرائيل في الولايات المتحدة. ولو سُئل الأميركيون: ما هو مصدر خوفكم النووي؟ لكان الجواب: باكستان. وعليّ التذكير بأن البرنامج النووي الباكستاني نشأ برضا أميركي عندما كانت واشنطن بحاجة لإسلام آباد زمن مواجهة السوفيات في أفغانستان.

السبب الثاني للرفض هو رؤية واشنطن أن امتلاك إيران السلاح النووي سيساعد على ردع أي اعتداء خارجي، وسيجعل من أي هجوم عليها بالغ الصعوبة. أما التنبيه من أن إيران نووية ستثير سباقاً نووياً في المنطقة فليس السبب الأساسي، بل الرغبة في منع إيران من الحصول على قوة دفاع وردع مطلقة.

* في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأشهر الأخيرة، وجدنا نوعاً من التساهل الأميركي والغربي مع طهران. هل يمكن التعمق في هذا الأمر؟

- حقيقة الأمر أن بايدن، في برنامجه الانتخابي السابق، دعا إلى عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 الذي خرج منه دونالد ترمب. لكن عقب انتخابه، لم يُبد بايدن حماسة لتطبيق ما وعد به. وفي واشنطن، وخلال زياراتي لها، كنت أتفاجأ بغياب هذه الحماسة، بل قيل لي إن بايدن عندما كان نائباً لأوباما، لم يكن محبذاً توقيعَ الاتفاق مع طهران.

المرشد الإيراني أمام مُسيّرة «شاهد 147» يستمع إلى شرح رئيس الأركان محمد باقري وأمير علي حاجي زاده قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس» (موقع خامنئي)

قرأت مقالاً للباحث إدوارد لوتفاك، وهو من عتاة المتطرفين في الحزب الجمهوري، يقول فيه: علينا أن نقبل أن تصبح إيران دولة نووية، وعلينا أن ننظر في كيفية تطويق آثار ذلك؛ إذ عندما تسعى دولة وتواظب على صرف المليارات من أجل برنامجها النووي، فمن الصعب إيقافها وستصبح، في يوم من الأيام، دولة نووية.

لذلك فإن القول بأن أميركا مجندة تجنيداً كاملاً لمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية رأي لا أتبناه.

* ما المتغيرات التي يمكن رصدها منذ اليوم في حال عودة ترمب إلى البيت الأبيض؟

- إذا عاد إلى البيت الأبيض، ستكون سياسته الخارجية شبيهة إلى حد كبير بسياسات اليمين المتطرف في أوروبا، وستقوم على دعامتين: الأولى إعادة شأن الرجل الأبيض الذي أنهكته العولمة، وبالتالي إبطاؤها، والثانية البحث عن المصلحة القومية الأميركية بأي ثمن، بحيث تكون ديدن سياسته الخارجية. وأعني أنه سيتبع مبدأ السياسة التعاقدية حيث لا يكون الدور الأول للمبادئ.

وأذكر أن ترمب سعى لصفقة مع زعيم كوريا الشمالية، ولديه الاستعداد لصفقات مع أي كان ضمن التعريف الحرفي للمصلحة الأميركية وما يخدمها. لذلك فمن الصعب معرفة من سيكون صديقه أو خصمه في الشرق الأوسط بسبب استعداده للانفتاح على أي كان، ولذا أقول إن من صافح كيم جونغ أون قد يصافح أي رئيس في العالم، بمن فيهم المرشد الإيراني.

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في 2018 (أ.ف.ب)

* تقول في كتابك إن قوات أميركية خاصة موجودة في نحو مائة دولة في العالم. هل هذا مؤكد؟

- هل تعلم أن قوات خاصة أميركية موجودة في ليبيا؟ أنا شخصياً لم أكن أعلم ذلك، واكتشفته عندما كنت في مهمة أممية في هذا البلد. وقيل لي وقتها إن هذه القوة تعمل في إطار محاربة الإرهاب، واكتشفت أن لها قاعدة ومرفأ خاصين بها، وأنها جزء مما يسمى «أفريكا كوربس».

كذلك علمت أن عدداً كبيراً من الدول الأفريقية تحتضن قوات خاصة أميركية. وعملياً، إذا سمعت أن هناك مجموعة تابعة لـ«داعش» أو «القاعدة» أو «بوكو حرام» أو أي مجموعة إرهابية في أي بلد، فعليك الافتراض فوراً أن هناك قوات خاصة أميركية تعمل ضدها.

إيران وحرب غزة

* قرأت في كتابك أن إيران هي المستفيدة من حرب غزة.

- نعم، إيران تمكنت من إظهار أن السياسة التي تتبعها منذ ثلاثين عاماً قد أثبتت نجاعتها من حيث التركيز على التعاون مع القوى «غير الدولتية» (الحركات والميليشيات)، فعندما يتوافر التأثير والقدرة على التنسيق مع «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الحشد الشعبي» العراقي و«حزب الله» و«الحوثيين»، فهذا يبين أن إيران فهمت أن الدخول إلى النزاع العربي - الإسرائيلي من باب القوى غير النظامية أفضل من الولوج إليه عبر القوى النظامية.

كما فهمت أيضاً أن الحروب بين الجيوش العربية وإسرائيل انتهت إلى غير رجعة منذ عام 1973. فمنذ 51 عاماً لم تحصل أي حرب نظامية ضد إسرائيل، بينما اندلعت خمس حروب بين إسرائيل و«حماس»، وعدد من الحروب بينها وبين «حزب الله». واليوم، «الحشد الشعبي» يتحرش بإسرائيل، وكذلك يفعل «الحوثيون» وغيرهم. وفائدة الاعتماد على قوى غير نظامية أنه لا ينطبق عليها القانون الدولي، وبالتالي تستطيع تحمل مسؤولية أعمالها أو أن تتبناها طهران وفق مصلحتها.

بيد أنه تتعين إضافة أن الغاية من هذه المجموعات حماية إيران نفسها. المعروف أن إيران تعتمد إجمالاً سياسة الصبر والاستفادة من الفرص. بإسقاطها النظام العراقي قدمت الولايات المتحدة العراق لإيران على طبق من فضة. وطهران استفادت من ذلك وهذا معروف. ولكن ما هو غير شائع أنه ساهم في تقوية ساعد المتشددين، وفي عودة التجذر إلى السياسة الإيرانية (بعد مرحلة الرئيسين «الإصلاحيي» هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي) والدفع باتجاه الاستفادة من أخطاء الآخرين.

تهديدات روسيا النووية

* هل التهديدات الروسية باللجوء إلى السلاح النووي في الحرب ضد أوكرانيا، تهويل أم ابتزاز، أم أن أمراً كهذا قد يحصل فعلاً؟

- بداية، علينا الإشارة إلى أن هناك أسلحة نووية مصغرة تسمى «أسلحة الميدان»، وإمكانية استخدامها أمر قائم. وأعود مرة أخرى إلى ريمون آرون الذي كان يركز على أهمية الحصول على السلاح النووي، وأهمية التلويح باستخدامه وتأثيره على مجريات الحرب.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوقّع على صورة لقاذفة نووية من طراز «TU - 160M» خلال زيارة لمصنع «غوربونوف» للطيران في كازان - روسيا في 25 يناير 2018 (رويترز)

وأذكّر هنا بما حصل إبان حرب أكتوبر 1973 على الجبهة المصرية عندما هدد (الزعيم السوفياتي) ليونيد بريجنيف بإرسال قوات إلى مصر للفصل بين الجيشين المصري والإسرائيلي بعد عبور الأخير قناة السويس ووصوله إلى مسافة 100 كلم من القاهرة. وقتها رفعت واشنطن درجة التأهب إلى الثالثة من أصل خمسة، ما حمل الزعيم السوفياتي على التراجع عن خطته.

وخلال الحرب الباردة، حصلت 14 حالة استنفار نووية، منها مرتان بخصوص برلين، ومرتان في كوبا، ومرة في لبنان، ومرتان في حربي 1967 و1973. وأريد الإشارة إلى أن البرلمان الأوكراني رفض المصادقة على تخلي كييف عن رؤوسها النووية لصالح روسيا رغم أن مفاتيح هذه الرؤوس كانت في موسكو، ولم يتم التوافق إلا بفضل ضغوط وإغراءات أميركية.

قناعتي اليوم أن الطرف الروسي أصبح مرتاحاً لسير المعارك والأرجح التوجه لاحقاً إلى تجميد النزاع. وما دامت الحرب لا تحمل تهديداً جدياً للأراضي الروسية وللنظام الروسي، فإن اللجوء إلى السلاح النووي أمر مستبعد، والتلويح به يبقى حتى اليوم في باب التحذير.


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

قائد البحرية الفرنسية: الصين ستضطر للانخراط في مناقشات فتح مضيق هرمز

سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

قائد البحرية الفرنسية: الصين ستضطر للانخراط في مناقشات فتح مضيق هرمز

سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
سفينة شحن ترفع العلم الهندي عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى ميناء مومباي في الهند يوم 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال قائد البحرية الفرنسية الأميرال نيكولا فوجور، الأربعاء، إن الصين ستضطر في مرحلة ما إلى الانخراط بشكل مباشر في ‌كيفية إعادة ‌فتح مضيق ‌هرمز، لأن ⁠عدد السفن المارة ⁠عبره حالياً غير كاف على الأرجح، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف خلال مؤتمر «الحرب والسلام» الأمني في باريس: «لم ⁠نر البحرية الصينية ‌تتدخل ‌لإعادة فتح المضيق. ‌في المقابل، هناك ‌حوار سياسي مباشر بين السلطات الصينية والإيرانية لضمان مرور عدد ‌معين من السفن. هل سيكون ذلك كافياً ⁠لإعادة ⁠حركة الملاحة إلى طبيعتها؟ لا أعتقد ذلك».

وتابع: «نتيجة لذلك، من المرجح أن تضطر الصين إلى الانخراط بشكل مباشر في النقاش وإظهار استيائها من استمرار إغلاق المضيق».


موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)
صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)
TT

موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)
صورة قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الأربعاء، استكمال إحكام سيطرة قواتها على كل الحدود الإدارية لمقاطعة لوغانسك (جنوب شرق). وأكدت إحراز تقدم واسع في مناطق الاشتباكات على طول خطوط التماس في منطقتي خاركيف ودونيتسك، مقتربة بذلك من إنجاز الهدف الأوسع ميدانياً الذي أعلنت عنه مراراً بإجبار القوات الأوكرانية على الانسحاب نهائياً من منطقة دونباس وفرض خط حدودي جديد مع أوكرانيا. ومع انشغال العالم بتطورات الحرب في إيران، بدا أن موسكو نجحت عبر الهجوم القوي على طول خطوط التماس في تعزيز مواقعها بشكل ملموس.

جنود روس في عربة مصفحة داخل الأراضي الأوكرانية (إ.ب.أ)

وأعلنت وزارة الدفاع أن القوات الروسية سيطرت على المنطقة باستخدام قوات من مجموعة «زاباد». وأفاد بيان وزارة الدفاع بأن «مجموعة قوات زاباد (غرب) أنجزت مهمة تحرير جمهورية لوغانسك الشعبية». وزاد أن كل الأراضي ضمن الحدود الإدارية للمقاطعة باتت تحت سيطرة كاملة للجيش الروسي.

ووفقاً للبيان العسكري فقد «حقق المقاتلون انتصارات على العدو في مناطق غروشيفكا، وغوسينكا، وماياك، وموناشينوفكا، ونيشفولدوفكا، وبالاماريفكا، وبروسيانكا في مقاطعة خاركيف، وكذلك بالقرب من كراسني ليمان وياتسكوفكا في جمهورية دونيتسك الشعبية».

وأوضح أنه «خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، تكبّد العدو خسائر بلغت 170 جندياً، ومركبة قتال مشاة، وناقلة جند مدرعة، ومركبتي قتال مدرعتين من طراز كازاك، و16 مركبة، وستة مدافع ميدانية، ومستودع ذخيرة في منطقة سيطرة المجموعة».

ونشرت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية على موقعها الإلكتروني خريطة تظهر الحدود الجديدة لأوكرانيا في ظل التقدم الروسي على طول خطوط الجبهة.

وأظهرت الخريطة بخط أحمر عريض تمدد القوات الروسية في محيط مناطق لوغانسك ودونيتسك (دونباس) وفي محيط زابوريجيا وخيرسون (جنوباً) وعلى طول الحدود مع روسيا شرقاً في محيط خاركيف وسومي.

وتظهر المساحة باللون الأحمر الفاتح كل المساحة التي باتت روسيا تحكم سيطرتها عليها داخل حدود أوكرانيا. كما تظهر المساحات التي ما زالت تحت سيطرة القوات الأوكرانية في مناطق دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون التي ضمتها موسكو سابقاً بشكل أحادي وتطالب كييف بالانسحاب منها ضمن شروط السلام الروسية.

ولم يؤكد الجانب الأوكراني صحة المعطيات الروسية، لكن البيانات العسكرية الأوكرانية تجنبت التعليق بشكل واضح على مستوى تقدم القوات المهاجمة، ما عكس أن موسكو حققت بالفعل تقدماً ملموساً في تلك المناطق. ونشرت صحيفة «أوكراينسكايا برافدا» الأوكرانية خريطة أخرى مقابلة، حددت خطوط تماس مختلفة بعض الشيء. وأكدت أن جزءاً من لوغانسك ما زال تحت سيطرة كييف.

وكانت موسكو أعلنت العام الماضي أنها تقترب من فرض سيطرة مطلقة على لوغانسك، وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن أقل من واحد في المائة من أراضي المقاطعة ما زال تحت سيطرة أوكرانيا، في مقابل نحو 19 في المائة من أراضي دونيتسك. وتصر موسكو على انسحاب أوكراني كامل من هاتين المنطقتين كشرط أساسي لدفع عملية السلام.

صورة قمر اصطناعي لدخان من مستودعات تخزين للنفط في مرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الأربعاء، في إفادة صحافية إنه كان على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن يتخذ قراراً واضحاً بشأن انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، وإن ذلك القرار كان ينبغي أن يتخذ اليوم.

جاء هذا الكلام تعليقاً على تصريح لزيلينسكي حول أن موسكو كانت أمهلته شهرين لإعلان قرار الانسحاب من دونباس وإلا فإن بنود اتفاقية السلام المقترحة سوف تتغير.

وقال المتحدث باسم الكرملين: «الأمر لا يتعلق بشهرين. يجب على زيلينسكي اتخاذ قرار اليوم بشأن انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، والتحرك خارج الحدود الإدارية للجمهورية. وقد تم التأكيد على ذلك مراراً وتكراراً».

وأشار بيسكوف إلى أنه «كان ينبغي على رئيس نظام كييف أن يتحمل المسؤولية ويأمر بانسحاب المسلحين أمس. كان من الممكن أن ينقذ ذلك أرواح الكثيرين ويساعد في إنهاء المرحلة الساخنة من الصراع».

لكنه، في الوقت ذاته، لم يربط الجمود الحاصل في عملية السلام مع أوكرانيا بالموقف الميداني، وزاد أن «توقف عملية السلام لا يعود إلى توقع تحقيق هذا الشرط، بل إلى تطورات الوضع في الشرق الأوسط». وأشار بيسكوف إلى أن تقدم القوات الروسية المتواصل يؤكد أنه «سيتعين على نظام كييف دفع ثمن أعلى للسلام نتيجة مماطلته في قبول الحل السلمي».

زيلينسكي مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في كييف الثلاثاء (إ.ب.أ)

وتعليقاً على عرض زيلينسكي بإعلان هدنة خلال فترة عيد الفصح قال بيسكوف: «من الواضح أن نظام كييف في أمس الحاجة إلى الهدنة، إلى أي هدنة، لأن وتيرة تقدم قواتنا حسب خبرائنا والخبراء الأجانب، تشير إلى أن القوات الروسية تتقدم في بعض الأماكن بسرعة وفي بعضها بشكل أبطأ، لكنها على طول الجبهة تسير إلى الأمام. لذلك، يمكن لزيلينسكي وعليه أن يتخذ القرار في الوقت المناسب، ففي وقت لاحق سيتعين عليه اتخاذ هذا القرار لكن بثمن باهظ».

وأضاف: «من التصريحات التي اطلعت عليها لزيلينسكي (عرض الهدنة) لم نرَ مبادرة واضحة للهدنة في عيد الفصح. هو، كالعادة تحدث عن الاستعداد والرغبة في هدنة أياً كانت ولو خلال عيد الفصح. هذا ما دار حوله حديث الرئيس زيلينسكي».

وذكر زيلينسكي الثلاثاء أنه سيطلب من الوسطاء الأميركيين نقل عرض كييف لوقف إطلاق النار على البنية التحتية للطاقة خلال عيد القيامة إلى روسيا، بعد أن قال الكرملين إنه يفتقر إلى أي نقاط مفصلة. وقال: «إذا هاجمونا، فسوف نرد. وإذا وافقوا على وقف الهجمات على بنيتنا التحتية للطاقة، فسوف نبادر بذلك».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً بالكرملين (أ.ب)

وقال زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي: «كان من المقرر إجراء محادثة فيديو مع الجانب الأميركي، (الأربعاء) وتحدثت عن هذا الأمر الليلة الماضية مع الأمين العام لحلف الناتو». وأضاف: «اتفقنا على أن نناقش أنا، أمين عام حلف شمال الأطلسي، والمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر والسيناتور الأميركي، ليندسي غراهام، وعدد قليل من الآخرين موقفنا ومدى قربنا من التوصل إلى اتفاقيات ثلاثية، أو على الأقل إمكانية عقد اجتماع ثلاثي».

واعتبرت موسكو أن طلب كييف لوقف إطلاق النار هو مجرد «حيلة دعائية جديدة» من الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وقالت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، في إحاطة صحافية، إن هدف زيلينسكي يتمثل في «لملمة الخسائر وإعادة تنظيم صفوف القوات المسلحة الأوكرانية وتجهيزها لمواصلة القتال».

وأكد بيسكوف أنه يجري عمل مكثف في روسيا لحماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات الإرهابية التي تشنها كييف، مشيراً إلى أن جميع المواقع الحيوية للنقل في روسيا محمية، ويتم اتخاذ التدابير اللازمة لذلك باستمرار.

ومنذ بداية العام، عقدت وفود من روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا ثلاث جولات من المحادثات. عُقدت آخرها في جنيف يومي 17 و18 فبراير (شباط). ولم تُحدد بعد تفاصيل مكان وزمان اللقاءات الجديدة. وأكد الكرملين أن تعليق المحادثات الثلاثية بشأن أوكرانيا مرتبط بانشغال الولايات المتحدة بـ«أولويات أخرى» في إشارة إلى الحرب في إيران. وكان زيلينسكي أعلن أنه سيجري محادثات مع الولايات المتحدة وبمشاركة الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، عبر تقنية «فيديو كونفرنس».

وفي تعليقه على تقارير حول أن دول الاتحاد الأوروبي قد تكون منحت أوكرانيا مجالها الجوي لمهاجمة روسيا بالمسيّرات، أضاف: «بالتأكيد، نحن نعتبر أنه إذا حدث ذلك فهذا سيلزمنا باستخلاص النتيجة المناسبة واتخاذ التدابير اللازمة».

وأعلنت إستونيا أنها رصدت طائرات مسيرة داخل وخارج مجالها الجوي خلال الليل بين يومي الاثنين والثلاثاء، وأفادت إذاعة «إي آر آر» بالعثور على حطام طائرات مسيرة.

وقال متحدث باسم الجيش في وقت متأخر الثلاثاء إن عدة طائرات مسيرة دخلت المجال الجوي لإستونيا يعتقد أنها أطلقت من أوكرانيا لضرب أهداف عسكرية في روسيا قرب حدود إستونيا. وأضاف المتحدث أن بعثة حلف شمال الأطلسي لمراقبة المجال الجوي في منطقة البلطيق ردت على ذلك، دون أن يذكر ما إذا كانت أي طائرات مسيرة قد تحطمت داخل إستونيا.

سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

وقالت الشرطة في فنلندا، الأربعاء، إن طائرة مسيرة أطلقتها أوكرانيا وتم رصدها في فنلندا الثلاثاء كانت تحمل متفجرات. وذكرت الشرطة في لاتفيا أيضاً، الأربعاء، أنها بدأت تحقيقاً بعد العثور على حطام طائرة مسيرة في البلاد في وقت سابق من الأربعاء. وتحطمت طائرة مسيرة ضلت مسارها في فنلندا يوم الأحد، في أول واقعة تمتد فيها تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى الأراضي الفنلندية. وقالت الشرطة يوم الاثنين إن الطائرة المسيرة بدت وكأنها كانت تحمل رأساً حربياً غير منفجر. وقالت قوات الدفاع الفنلندية وحرس الحدود الثلاثاء، كما نقلت عنهما «رويترز»، إنهما رفعا مستوى الجاهزية بسبب الهجمات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية خلال الأسبوعين الماضيين.

وفي بيان منفصل صدر الثلاثاء، قالت القوات المسلحة في لاتفيا إنها هي الأخرى رصدت طائرة مسيرة قرب الحدود بين لاتفيا وروسيا في وقت متأخر من يوم الاثنين. وأضافت أن الطائرة لم تدخل المجال الجوي للبلاد.

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، الثلاثاء، إن بلاده تتعاون مع دول منطقة البلطيق لتجنب حدوث مثل تلك الوقائع، مؤكداً أن الطائرات المسيرة التي تطلقها بلاده «لم تستهدف أبداً هذه الدول» وأن ما يحدث هو نتيجة «تصرفات واعية ومتعمدة من روسيا».


وزير الدفاع البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: لندن تسجّل أكبر وجود جوي في المنطقة منذ 15 عاماً

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
TT

وزير الدفاع البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: لندن تسجّل أكبر وجود جوي في المنطقة منذ 15 عاماً

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)

​أكّد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن الطيارين البريطانيين سجّلوا أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية عبر منطقة الشرق الأوسط منذ بدء الصراع مع إيران، مُشيراً إلى تنفيذ أكثر من 80 عملية اعتراض بالتعاون مع قوات من فوج سلاح الجو الملكي.

وقال هيلي في حوار مع «الشرق الأوسط»، غداة زيارته إلى السعودية، إن لدى بلاده 1000 جندي منتشرين في الشرق الأوسط، فضلاً عن 500 عنصر إضافي في قبرص، لافتاً إلى أن بلاده «تواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لتحديد سبل الدعم الإضافي». كما أثنى الوزير على الشراكة الدفاعية البريطانية-السعودية «القائمة على المصالح الأمنية المشتركة، والتعاون الصناعي»، مُشيراً إلى أنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة».

إلى ذلك، لم يستبعد هيلي وجود «يد روسية خفية» وراء بعض التكتيكات الإيرانية في إطار هجماتها في المنطقة، مستنداً إلى تقييم بلاده بأن التعاون بين موسكو وطهران في الاستخبارات والتدريب في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، «مستمر حتى الآن».

وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار.

80 اعتراضاً

عزّزت بريطانيا وجودها العسكري في المنطقة منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وساهمت في عمليات اعتراض مسيرات في أجواء العراق، وقطر، والبحرين. وقال هيلي إن «الطيارين، وأطقم الطائرات نفّذوا أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية في أنحاء المنطقة»، مُضيفاً أنه «بالتعاون مع رماة فوج سلاح الجو الملكي، جرى تنفيذ أكثر من 80 اشتباكاً منذ اندلاع الصراع».

وأعرب عن «فخره بالعمل الذي تقوم به القوات المسلحة البريطانية إلى جانب شركائها في الخليج للمساعدة في الحفاظ على سلامة الناس في المنطقة»، مُشدّداً على أن «تفانيهم واحترافيتهم يسهمان في إنقاذ الأرواح، في وقت تستهدف فيه إيران بشكل عشوائي دولاً عبر الخليج».

انتشار واسع للأصول العسكرية

وفيما يتعلق بعدد القوات المنتشرة في المنطقة، أكّد هيلي أن «المملكة المتحدة لديها نحو 1000 عنصر منتشرين في المنطقة، من دون احتساب الأفراد الموجودين في قبرص»، لافتاً إلى أن «إجراءات حماية القوات في أعلى مستوياتها في القواعد البريطانية في المنطقة».

جانب من وصول المدمرة «إتش إم إس دراغون» إلى شرق المتوسط (وزارة الدفاع البريطانية)

وأضاف أن «عدد الطائرات البريطانية العاملة في المنطقة هو الأكبر منذ 15 عاماً»، مشيراً إلى تنفيذ «عمليات دفاع جوي مضاد فوق البحرين، والأردن، وقطر، والإمارات، إضافة إلى قبرص». وأوضح أنه «منذ يناير (كانون الثاني)، جرى نشر معدات، وأفراد إضافيين في المنطقة»، بما يشمل «مقاتلات تايفون، و(إف-35)، ومروحيات (وايلدكات) المسلحة بصواريخ (مارتلت) المضادة للطائرات المسيّرة، ومروحية (ميرلين كروزنِست) التي توفر المراقبة الجوية، والسيطرة، إلى جانب أنظمة رادار، ودفاع جوي، ووحدات لمكافحة الطائرات المسيّرة».

كما أشار إلى «نشر 500 عنصر إضافي من قوات الدفاع الجوي في قبرص»، و«انتشار المدمرة (إتش إم إس دراغون) في شرق المتوسط»، موضحاً أن «السفينة أصبحت مدمجة بالكامل ضمن منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات مع الحلفاء، والشركاء».

أنظمة دفاعية لدعم الخليج

وبشأن التعزيزات المحتملة، أكّد هيلي أنه «يواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لتحديد سبل الدعم الإضافي»، موضحاً أن ذلك كان «هدف زيارته» إلى الرياض الإثنين. وقال: «أكدتُ خلال لقائي وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، أننا سننشر نظام (سكاي سابر) في المملكة العربية السعودية، وهو نظام دفاع جوي سيتم دمجه ضمن الدفاعات السعودية لدعم جهودها في التصدي لهجمات إيران».

وأضاف أنه «تم أيضاً نشر نظام (رابيد سنتري) في الكويت، وهو نظام يتكون من رادار، وقاذف صواريخ، إضافة إلى منصات إطلاق خفيفة متعددة في البحرين»، مشيراً إلى «تمديد عمليات الطائرات البريطانية في قطر التي تنفذ مهام دفاعية كل ليلة». كما لفت الوزير إلى أن «(فريق عمل سابر) يضمن أيضاً مساهمة القطاع الصناعي البريطاني، إذ يجمع شركات تقدم قدرات في الدفاع الجوي، ومكافحة الطائرات المسيّرة مع حكومات، بينها شركاء في الخليج، لتزويدهم سريعاً بالمعدات اللازمة».

شراكة دفاعية متطورة مع السعودية

وفيما يتعلق بزيارة السعودية، أوضح هيلي أنها هدفت إلى «تأكيد وقوف بريطانيا إلى جانب السعودية في هذه المرحلة التي تشهد هجمات إيرانية مستمرة، وعشوائية، إضافة إلى بحث سبل تعزيز التعاون لحماية الشعوب، والمصالح المشتركة»، لافتاً إلى أنه «سُرّ بلقاء الأمير خالد بن سلمان لبحث التطورات الأخيرة في المنطقة».

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله نظيره البريطاني جون هيلي في الرياض (وزارة الدفاع السعودية)

كما أكّد أن العلاقة بين المملكتين «وثيقة، وطويلة الأمد، وتقوم على شراكة دفاعية تمتدّ لعقود، وقائمة على المصالح الأمنية المشتركة، والتعاون الصناعي»، مُشيراً إلى أنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة». وأضاف أن «هذه العلاقة تكتسب أهمية خاصة في مثل هذه الظروف، إذ تتيح مستوى من الثقة، والفهم المشترك يسمح بالتحرك بسرعة، وحسم»، لافتاً إلى أن «هذا الأساس هو ما مكّن من اتخاذ خطوات مثل نشر (سكاي سابر) في السعودية».

تعاون روسي - إيراني

وعن الدور الروسي في حرب إيران، قال هيلي إن «التقييم البريطاني يُرجّح بدرجة كبيرة أنه، حتى قبل الضربات الأميركية والإسرائيلية، شاركت موسكو معلومات استخباراتية وقدّمت تدريباً لطهران، بما في ذلك في مجال تكنولوجيا المسيّرات وعملياتها والحرب الإلكترونية». وأضاف أن المعطيات تشير إلى أن «هذا التعاون مستمر حتى الآن».

إلى ذلك، قال هيلي: «لا يُستبعد أن تكون (اليد الخفية) لفلاديمير بوتين وراء بعض التكتيكات الإيرانية، وربما بعض قدراتها أيضاً. ونحن نرى محوراً للعدوان يضم روسيا وإيران، وهما دولتان تُهددان جيرانهما، وتشكلان خطراً أوسع علينا جميعاً».

لا مؤشرات على استهداف أوروبا

واستهدفت طهران قاعدة دييغو غارسيا البريطانية-الأميركية المشتركة في المحيط الهندي بصاروخين باليستيين قبل أيام، في محاولة باءت بالفشل، لكنّها أثارت تساؤلات حول قدرة إيران على ضرب أهداف أوروبية.

وقال هيلي ردّاً على هذه المخاوف إنه «لا يوجد تقييم يشير إلى أن إيران تحاول استهداف أوروبا بالصواريخ»، مضيفاً أنه «حتى في حال حدوث ذلك، فإن المملكة المتحدة تمتلك الموارد، والتحالفات اللازمة لحماية أراضيها، وحلفائها». وشدد على أن «بريطانيا تقف على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للدفاع عن نفسها»، مؤكداً أن «إجراءات حماية القوات في القواعد المنتشرة في المنطقة عند أعلى مستوياتها».