هل تستعدّ أوروبا لحرب مفتوحة مع روسيا؟

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من العديد من دول الناتو على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا، 4 مارس 2024 (د.ب.أ)
جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من العديد من دول الناتو على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا، 4 مارس 2024 (د.ب.أ)
TT

هل تستعدّ أوروبا لحرب مفتوحة مع روسيا؟

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من العديد من دول الناتو على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا، 4 مارس 2024 (د.ب.أ)
جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من العديد من دول الناتو على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا، 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

مزيد من الذخيرة وإنتاج الأسلحة، ومزيد من الاستثمار والتنسيق في القدرات الدفاعية... هل تستعد أوروبا لحرب مفتوحة مع روسيا؟

تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، وبات الاتحاد الأوروبي - وهو مشروع من أبرز أهدافه الحفاظ على السلام بين الدول الأعضاء - يركّز بشكل كبير على الدفاع، إذ يهدف إلى حماية نفسه من التهديدات الخارجية في الأوقات المضطربة، وفي ظل تخوّف من نشوب حرب أخرى في أوروبا.

عوامل تصعيد تزداد

مسار هذا التحول الأوروبي نحو التركيز على الإنفاق الدفاعي، تأثّر بشكل كبير بعوامل عديدة أبرزها الحرب التي تخوضها روسيا ضد أوكرانيا، حيث دخل الاجتياح العسكري الروسي عامه الثالث، فيما تعاني القوات الأوكرانية بسبب نقص الذخيرة وشلل المساعدات التي تُقدَّم لها، ويثبت الكرملين أنه أكثر مرونة مما كان متوقعاً، وفق تقرير لصحيفة «إل باييس» الإسبانية، الاثنين، 4 مارس (آذار). ومن هذه العوامل أيضاً أنّ الصين تبدو أكثر حزماً، حسب التقرير، وتزداد المخاوف بشأن ما سيحدث للدعم الأميركي لأوكرانيا إذا عاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، أو إذا حوّلت واشنطن جهودها من أوروبا نحو آسيا لاحتواء الصين. من ثمّ تسعى القارة الأوروبية لئلا تكون في موقف هش إذا اندلع صراع آخر.

صاروخ توروس ألماني سويدي يُطلق من الجو من طراز Taurus KEPD 350 في أثناء زيارة رئيس حكومة ولاية بافاريا لشركة MBDA الأوروبية المتعددة الجنسيات لصناعة الصواريخ في شروبنهاوزن جنوب ألمانيا في 5 مارس 2024 (أ.ف.ب)

ومن المؤشرات الأخيرة على التصعيد بين روسيا والاتحاد الأوروبي، قول روسيا، الاثنين، إن محتوى المحادثة المسربة بين ضباط ألمان ناقشوا احتمال توجيه ضربات في شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمتها روسيا، «يثبت أن الدول الغربية تشارك في الحرب في أوكرانيا»، وفق الكرملين، في حين أنّ المستشار الألماني أولاف شولتس، ورغم الضغوط الكبيرة عليه من جانب الحلفاء، يرفض مراراً وتكراراً طلباً لكييف طال أمده، هو الحصول على صواريخ توروس. ويبرّر موقفه بأن «السلاح بعيد المدى»، الذي يبلغ مداه حوالي 300 ميل، إذا سلّمته ألمانيا لأوكرانيا، فمن شأنه أن يخاطر بجرّ ألمانيا مباشرة إلى الحرب ضد روسيا، حسب تقرير صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، الثلاثاء 5 مارس.

خلال مناورات أجرتها القوات المسلحة الروسية للمنطقة العسكرية الجنوبية في ميدان كاداموفسكي في منطقة روستوف بروسيا 3 فبراير 2022... في 24 من الشهر نفسه بدأت روسيا بغزو أوكرانيا (رويترز)

تحسباً لهجوم روسي

وسط الجو العام المتوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي، إن «التهديد (الروسي) بالحرب قد لا يكون وشيكاً، لكنه ليس مستحيلاً»، مشددة على أنه «حان الوقت لأوروبا أن تستعد».

ويُعَد خطاب فون دير لاين، حسب تقرير «إل باييس»، هو الأحدث في سلسلة من التصريحات التي تحذّر من خطر قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمهاجمة دولة أوروبية وحليفة في الناتو، ليحاول اختبار تعهد الدفاع المشترك للناتو، الذي ينص على أن الهجوم على أي عضو في التحالف يُعَدُّ هجوماً على الجميع. وحذّر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قبل بضعة أسابيع من أنّ «خبراءنا يتوقعون أن يكون هذا (الهجوم) ممكناً خلال فترة تتراوح بين خمس وثماني سنوات». وفي الوقت نفسه، قال وزير الدفاع الدنماركي، ترويلز لوند بولسن، إن الهجوم الافتراضي يمكن أن يحدث حتى قبل ذلك «لم يكن هذا تقييم الناتو في عام 2023، هذه معرفة جديدة تظهر في المقدمة الآن».

وكشفت المفوضية الأوروبية، أمس (الثلاثاء)، النقاب عن برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية (EDIP) استجابة للحاجة الملحة لاستراتيجية دفاعية منسقة في مواجهة احتمال هجوم روسي.

يلخّص المفوض تييري بريتون البرنامج الأوروبي لصناعة الدفاع الذي اعتمدته المفوضية، الثلاثاء، بأنه «إنتاج أسرع، إنتاج أفضل، إنتاج مشترك، في أوروبا».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي خطابها حول الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ شرق فرنسا الأربعاء 28 فبراير 2024 (أ.ب)

معالجة الضعف في الصناعة العسكرية

يؤكد هذا البرنامج الصناعي، الذي يهدف إلى معالجة نقاط الضعف في الصناعة العسكرية الأوروبية التي أبرزتها الحرب في أوكرانيا، أهمية الإنتاج بشكل أكثر كفاءة وتعاوناً داخل الاتحاد الأوروبي. فقد أبرزت الحرب أوجه القصور في مجالات عدة في الصناعة العسكرية الأوروبية، أبرزها عدم قدرة المصانع على تأمين الطلب المتزايد على المنتجات العسكرية، والانخفاض الخطير في المخزونات، وهو ما سلّط الضوء على نقاط الضعف في الدفاع الأوروبي، وهو إرث يُطلق عليه اسم «السنوات الثلاثين الكسولة»، التي استمتع الأوروبيون خلالها بمكاسب السلام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه المعسكر الشرقي الشيوعي مطلع تسعينات القرن الماضي.

فالجيوش الأوروبية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، الثلاثاء 5 مارس، رغم زيادة قدرات دولها الإنتاجية في قطاع الدفاع، ليست مستعدة بشكل كافٍ لمواجهة التهديدات الحالية. الإنفاق الدفاعي غير الكافي على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية لدول الاتحاد الأوروبي، جعل الاتحاد غير مستعد. تهدف المفوضية إذن إلى تصحيح الخلل في الإنفاق الجماعي على الدفاع، وذلك من خلال تشجيع المشتريات العسكرية المشتركة وتبادل المخزونات العسكرية. ومع ذلك، لا تزال القيود المالية تشكل عائقاً.

يقترح برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية مجموعة من الأدوات القانونية والتنظيمية والمالية لتنشيط صناعة الدفاع. وخصصت المفوضية ميزانية قدرها 1.5 مليار يورو لأوكرانيا. وتهدف هذه الجهود إلى تحفيز زيادة القدرات الإنتاجية بين الجهات الفاعلة في صناعة الدفاع. الهدف هو تعزيز الرؤية للمصنعين من خلال تشجيع المشتريات الأوروبية المشتركة، بهدف تحقيق 40 في المائة من عمليات الاستحواذ على المعدات الدفاعية التعاونية بحلول عام 2030.

جنود أوكرانيون يطلقون قذائف من مدفع «قيصر» الفرنسي باتجاه مواقع روسية على خط المواجهة في منطقة دونباس شرق أوكرانيا، في يونيو 2022 (أ.ف.ب)

نحو تعزيز التعاون الدفاعي

يدرس الاتحاد الأوروبي اتباع نهج تحويلي للتعاون الدفاعي، يهدف إلى تعزيز الكفاءة وخفض التكاليف على الدول الأعضاء. ويتضمن الاقتراح تجميع الموارد والأموال لإنشاء نظام المشتريات الدفاعي المشترك.

ولتحفيز المشاركة في صناعة الدفاع، يقترح الاتحاد الأوروبي تقديم جزء من مبالغ العقود لتسريع الطاقة الإنتاجية. بالإضافة إلى ذلك، يهدف إلى دعم المواقع الصناعية الخاملة، مع وعد الاتحاد الأوروبي بتقديم تمويل لإحياء الإنتاج بسرعة عند الحاجة. ويتصور الاتحاد الأوروبي تحولاً نموذجياً نحو «اقتصاد الحرب»، ويحث صناعة الدفاع الأوروبية على تحمّل مزيد من المخاطر بدعم من الاتحاد.

ولتعزيز الطلب وتجديد المخزونات بسرعة، يقترح الاتحاد الأوروبي إنشاء كتالوغ دفاعي موحد، على غرار النظام الدفاعي الأميركي، وتوفير الشفافية وتشجيع شراء المعدات العسكرية الأوروبية. والهدف هو الحد من التجزئة (في شراء المعدات) المكلفة لعروض الدفاع وتنمية ثقافة التعاون من خلال أطر قانونية متخصصة، بدعم من أموال الاتحاد.

ومع ذلك، تواجه الخطة الأوروبية الطموح تحديات مالية، مع دفعة أولية متواضعة قدرها 1.5 مليار يورو من ميزانية الاتحاد الأوروبي؛ لذا دعت دول أوروبية إلى تأمين تمويل بقيمة 100 مليار يورو، حيث طالبت فرنسا وإستونيا وبولندا إلى توفير التمويل الكافي من الاتحاد الأوروبي للخطة الدفاعية، واقترحت قرضاً مشتركاً جديداً. وفي حين تظل الدول المقتصدة في الإنفاق العسكري حذرة، وخاصة ألمانيا، فإن المناقشات حول مصادر التمويل، بما في ذلك الاستخدام المحتمل لأموال البنك المركزي الروسي المجمدة، لا تزال مستمرة.

مركبة جوية مسيّرة معروضة عند افتتاح مدرسة الطائرات دون طيار القتالية للجيش الفرنسي في فوج المدفعية 61e Chaumont-Semoutiers (أ.ف.ب)

تعويل على الصناعة العسكرية الفرنسية

يعوّل الاتحاد الأوروبي في جهوده الدفاعية، على فرنسا التي تحتلّ مكانة فريدة من حيث الدفاع. فهي العضو الدائم الوحيد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والقوة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية في الاتحاد الأوروبي منذ خروج بريطانيا من الاتحاد، ولديها أيضاً أراض عديدة وواسعة خارج البر الأوروبي، ما يجعل فرنسا لاعباً من الطراز العالمي، وفق تقرير آخر لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، يوم الثلاثاء.

وأبدت فرنسا في الواقع، لأكثر من ستين عاماً، الرغبة في البقاء لاعباً عسكرياً رائداً دون الاعتماد على دولة أخرى. وقد أدى هذا التوجّه إلى وضع الردع في قلب سياسة فرنسا الدفاعية (52 مليار يورو من أصل 413 ملياراً مخصصة للإنفاق العسكري مخططة بموجب قانون البرمجة العسكرية الفرنسي 2024 - 2030). وتحرص فرنسا على الإبقاء على نموذج عسكري متكامل والحفاظ على صناعة دفاعية قادرة على تصميم وتطوير وإنتاج أسلحة متنوعة، وذلك من أجل تجهيز القوات الفرنسية وأيضاً من أجل تصدير السلاح، ويأتي ذلك غالباً في إطار التعاون الاستراتيجي مع الدول الصديقة. وتولّد المبيعات الدولية (للسلاح) أيضاً دخلاً للاستثمار في أسلحة الجيل الجديد، بحيث تظل الجيوش الفرنسية في طليعة التكنولوجيا.

صورة مدمجة في 6 مارس 2024 تجمع أبرز مرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية... الرئيس الحالي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترمب (أ.ف.ب)

استعداداً لاحتمال فوز ترمب بالانتخابات الأميركية

يأتي قرار الاتحاد الأوروبي بإطلاق برنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية (EDIP)، أيضاً في إطار تحسّب دول الاتحاد لاحتمال فوز الرئيس السابق دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. سيناريو يراه قادة أوروبا بشكل عام، مهدّداً للدفاع المشترك العابر للمحيط الأطلنطي، مع تخوّف ألّا يكون ترمب حليفاً قوياً لأوروبا على عكس الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، في حين دخلت روسيا العام الثالث لحربها على أوكرانيا، وتخوّف الاتحاد الأوروبي من إقدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الهجوم على دولة (أوروبية) عضو في حلف الناتو.

فعندما فاز الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن على الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب في عام 2020 في الانتخابات الرئاسية الأميركية، شعرت العديد من العواصم الأوروبية بالارتياح. لكنّ هذا الارتياح تحوّل إلى إدراك أنّه قد لا يدوم طويلاً في حال عودة ترمب إلى البيت الأبيض، حسب تقرير سابق لمجلّة «فورين بوليسي» الأميركية.

فوفق صحيفة «آيريش إندبندنت» الآيرلندية، كشف مسؤول أوروبي كبير عن أن زعماء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يدرسون بالفعل تأثير ولاية رئاسية ثانية لترمب على الاتحاد الأوروبي.

وقال المسؤول إن الزعماء السياسيين الأوروبيين يستعدون «ذهنياً» لاحتمال فوز ترمب على الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن في انتخابات نوفمبر.

ويشمل هذا الاستعداد النظر في القدرات الدفاعية الأوروبية وموارد الطاقة، حيث يتوقع كثيرون أن ترمب لن يكون حليفاً قوياً للاتحاد الأوروبي.

ومن المتوقع أيضاً أن يأخذ القادة الأوروبيون رئاسة ترمب في الاعتبار في عملية صنع القرار عند اختيار خليفة لرئيس المجلس الأوروبي المنتهية ولايته شارل ميشال.

وقال المسؤول الأوروبي: «السمة الرئيسية للسيد ترمب هي عدم القدرة على التنبؤ (بما سيُقدم عليه)، لذا عليك الاستعداد لما لا يمكن التنبؤ به».


مقالات ذات صلة

انخفاض مخزونات الغاز في ألمانيا عن المستويات المستهدفة

الاقتصاد سفن بالقرب من مصفاة «رور أول» النفطية في مدينة غيلزنكيرشن بغرب ألمانيا (أ.ف.ب)

انخفاض مخزونات الغاز في ألمانيا عن المستويات المستهدفة

من المرجح أن تفشل ألمانيا بفارق كبير في تحقيق المستويات المستهدفة لملء مخازن الغاز إذ كان من المفترض أن يبلغ متوسط نسبة الملء 70 % بحلول أول نوفمبر

«الشرق الأوسط» (برلين)
تحليل إخباري لاغارد تتحدَّث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة أوروبية في بروكسل (أ.ب)

تحليل إخباري هل عجّلت لاغارد رحيلها تحسباً لصعود اليمين في فرنسا؟

لم يكن إعلان كريستين لاغارد مغادرتها رئاسة البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها بنحو 9 أشهر مجرد تقديم لموعد تسليم المنصب.

هلا صغبيني (الرياض)
تحليل إخباري لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

تحليل إخباري انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لا يعني إسقاط السلطة بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها.

أنطوان الحاج
تحليل إخباري رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي كـ«عضو منتسب»؟

تحالف كندي أوروبي وثيق لمواجهة رسوم ترمب، عبر صيغة «عضو منتسب» تضمن اندماجاً رقمياً واستراتيجياً في الطاقة والمعادن دون المساس بالسيادة السياسية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا قوات عسكرية موريتانية في مهمة لحماية الحدود (الجيش الموريتاني)

«الاتحاد الأوروبي» يقدم دعماً عسكرياً لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو

كشف مجلس الاتحاد الأوروبي عن اعتماد إجراء مساعدات عسكرية جديد لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو، مخصص لتوفير معدات للقوات المسلحة الموريتانية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)

حرب الطاقة... شتاء صعب يداهم روسيا وأوكرانيا ويفاقم متاعبهما

أوكرانيان يجليان سيدة مسنة في أوليشكي بمنطقة خيرسون يوم 31 أكتوبر (أ.ب)
أوكرانيان يجليان سيدة مسنة في أوليشكي بمنطقة خيرسون يوم 31 أكتوبر (أ.ب)
TT

حرب الطاقة... شتاء صعب يداهم روسيا وأوكرانيا ويفاقم متاعبهما

أوكرانيان يجليان سيدة مسنة في أوليشكي بمنطقة خيرسون يوم 31 أكتوبر (أ.ب)
أوكرانيان يجليان سيدة مسنة في أوليشكي بمنطقة خيرسون يوم 31 أكتوبر (أ.ب)

حملت تداعيات استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا في عامها الخامس، واتساع مدى نيرانها في الأشهر الأخيرة، لتحرق البنى التحتية الأساسية بما فيها منشآت الطاقة، تهديداً جدياً بتعميق أزمات البلدين مع اقتراب حلول الشتاء، الذي يُنتظر أن يكون قاسياً جداً، ويحمل معه تبعات حادة على الطرفين وعلى القارة الأوروبية عموماً.

وتترقّب روسيا وأوكرانيا اكتساح الشتاء الجليدي معظم المناطق في البلدين، والأزمة الحالية التي يعاني منها الطرفان تبدو أعمق من مجرد نقص الكهرباء في كييف ومدن أوكرانية أخرى، أو ارتفاع أسعار الغاز اللازم للتدفئة، أو فقدان الديزل ووقود السيارات، واضطرار مئات الآلاف من الروس إلى الانتظار ساعات، أو أياماً، في طوابير طويلة للحصول على جزء يسير من حاجاتهم اليومية من الوقود.

لقد تحوّلت الحرب في عامها الخامس، إلى مواجهة شاملة تستهدف البنية التحتية للطاقة. ويقف الطرفان على أبواب الشتاء، أمام استحقاق جدي، بعدما وسعت روسيا هجماتها بشكل غير مسبوق على منشآت إنتاج الغاز والكهرباء والتدفئة في أوكرانيا، وكثفت أوكرانيا ضربات الطائرات المسيّرة على مصافي النفط والمنشآت النفطية الروسية. وشهدت ليلة الأحد آخر مؤشر على استمرار هذا التصعيد العسكري، مع اتّهام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موسكو بشنّ ضربات تسببت في انقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف من ​مواطنيه، بينما أفادت السلطات الروسية بوقوع أضرار كبيرة في موقع صناعي بعد هجمات شنتها كييف بطائرات مسيرة على منطقة نيغني نوفغورود.

والفرق الأساسي بين الطرفين أن أوكرانيا تحتاج إلى حماية منظومة طاقة مهددة بالانقطاع الجزئي أو الكامل، خلال الشتاء، بينما تمتلك روسيا موارد طاقة ضخمة، لكنها تواجه صعوبات متزايدة في تكرير النفط، وتوفير الوقود محلياً، إلى جانب الضغط على عائداتها المالية.

أوكرانيا تخشى «التجمد برداً»

تشير معطيات شركة «نافتوغاز» الحكومية الأوكرانية إلى توقعات متشائمة للغاية للشتاء المقبل. ورغم أن الأرقام التي توردها تشير إلى أن البلاد نجحت في توفير زيادة مهمة في احتياطيات الغاز، فإن مشكلاتها تفاقمت أيضاً، بعدما أصبحت منشآتها أكثر عرضة للهجمات.

جندي أوكراني يتفقد موقع سقوط مسيّرة روسية في أوليشكي يوم 31 أكتوبر (أ.ب)

وفقاً للأرقام المنشورة، نجحت كييف رغم كل الضغوط العسكرية في توفير احتياطات من الغاز اللازم للتدفئة في الشتاء، وصلت إلى ما يقارب 16 مليار متر مكعب حتى بداية أكتوبر (تشرين الأول). ويبدو الرقم جيداً بشكل عام، إذا علمنا أن الحد الأدنى الحكومي المستهدف لتأمين التدفئة في فصل الشتاء، يبلغ 13.2 مليار متر مكعب.

لكن هناك عوامل عدة تجعل الوضع خطيراً رغم ارتفاع المخزون، على رأسها استمرار الهجمات على قطاع إنتاج الغاز. وقالت «نافتوغاز» إن منشآتها تعرضت لأكثر من 400 هجوم خلال عام 2026، أي نحو ضعف عدد الهجمات المسجلة في 2025.

العامل الآخر تمثل في تضرر محطات التدفئة بشكل كبير. ووفقاً لمعطيات حكومية أوكرانية، تعتمد مدن عديدة على محطات حرارية كبيرة لتوفير الكهرباء والتدفئة معاً. وتضرر هذه المحطات يحرم أحياءً كاملة من التدفئة، حتى لو كان الغاز متوافراً.

أما العنصر الثالث، فيكمن في الاعتماد المتزايد على الاستيراد؛ فقد استوردت أوكرانيا 7.8 مليار متر مكعب خلال الشتاء الماضي، بعدما واجهت موجة البرد القارس، لكن اتساع نطاق الهجمات أثّر في الأشهر الأخيرة على الإمدادات. ورغم أن كييف تعاقدت على استيراد أكثر من مليار متر مكعب إضافي لموسم الشتاء المقبل، لكن هذه الإمدادات ورغم أنها توفر أحياناً شبكة أمان جزئية ليست مضمونة تماماً، ويخضع جزء منها لضغوط العمليات العسكرية المباشرة.

كما أن الأرقام التي تحدّثت في النصف الأول من 2026 عن تراجع الاستهلاك، لا تعني تحسن الوضع عموماً في هذا المجال. وفي مقابل توقعات انخفاض استهلاك الغاز السنوي إلى نحو 20 مليار متر مكعب، مقارنة مع 21 ملياراً في 2025، يرتبط ذلك جزئياً بتوقف مصانع تضررت من الحرب، ولا يعد مقياساً حقيقياً لتحسن الوضع.

مخاوف انقطاع التدفئة

ووفقاً لتقديرات مراكز دراسات أوكرانية، إذا تزامنت موجات البرد القارس مع ضربات جديدة ومتواصلة على محطات التوليد وشبكات التوزيع، فسوف تواجه بعض المناطق انقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، مع صعوبة إصلاح الأعطال بسرعة. أما إذا حافظت أوكرانيا على مخزون الغاز، واستمرت واردات الكهرباء والغاز، ونجحت في حماية المنشآت وإصلاحها، فقد تتجنب نقصاً وطنياً شاملاً، وإن استمرت الانقطاعات المحلية.

زيلينسكي يترأس إحاطة صحافية في كييف يوم 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

لكن التوقعات هنا لا تبدو متفائلة، ويحذر محللون من خطر جدي على شبكات إمدادات الكهرباء والتدفئة المنزلية؛ ما يعني أن ملايين الأوكرانيين يواجهون التجمد برداً إذا جاء الشتاء قارساً.

وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن شبكة الكهرباء الأوكرانية ما زالت هشة، وأن نقل الكهرباء من المناطق الغربية الأفضل إمداداً إلى المناطق الشرقية القريبة من الجبهة يواجه قيوداً كثيرة ومخاطر أمنية متفاقمة.

رغم ذلك، يحاول خبراء تخفيف حدة التوقعات المتشائمة. ووفقاً لألكسندر خارشينكو مدير مركز أبحاث صناعة الطاقة الأوكراني، فإن «الشتاء سيكون صعباً للغاية، لكنه ليس أسوأ بكثير من الشتاء السابق». وهو يعتقد أن شركات الطاقة الأوكرانية اكتسبت خبرة في التعامل مع الضربات، وإعادة تشغيل الشبكات بعد الأعطال.

لكن خارشينكو حذر من أن انخفاض الحرارة إلى نحو 10 درجات مئوية تحت الصفر قد يجعل انقطاعات الكهرباء المجدولة تصل إلى 10–12 ساعة يومياً في بعض المناطق التي تعاني عجزاً في الإمدادات، ومنها كييف وأوديسا وأجزاء من سومي وتشرنيغيف.

كما يرى أن منشآت التدفئة المركزية في المدن الكبيرة تظل نقطة ضعف كبيرة للغاية، رغم اتخاذ إجراءات لحماية أجزاء من الشبكة.

أوكرانيون يغادرون مدينة أوليشكي بعد دخول وقف إطلاق النار المحدود حيّز التنفيذ يوم 31 أكتوبر (أ.ف.ب)

أما أندريان بروكيب، خبير الطاقة الأوكراني، فقد ركز على أن وضع مخزونات الغاز تحسن مقارنة بالعام السابق، وأن أوكرانيا طورت قدرات التوليد الموزع، وعززت حماية بعض المنشآت، لكنه يميز بين الغاز والكهرباء؛ فيرى أن وضع الغاز أكثر اطمئناناً نسبياً، بينما استُنفد جزء كبير من هامش الأمان في منظومة الكهرباء. وحذّر من أن روسيا ستواصل البحث عن نقاط الضعف في الشبكة، وأن الانقطاعات ومشكلات التدفئة المحلية تظل محتملة.

في المقابل، بدا سيرغي فيدورينكو الرئيس التنفيذي بالإنابة لشركة «نافتوغاز»، أكثر حذراً في منح جرعة من التفاؤل. وقال في مقابلة إن خبرة سنوات الحرب حسّنت قدرة أوكرانيا على الاستعداد، لكنه حذّر من أن الشتاء قد يكون أصعب مما سبق بسبب استمرار الهجمات على منشآت الغاز، كما أشار إلى أن الاستعداد لا يقتصر على ملء المخازن، بل يتطلب تمويلاً إضافياً لاستيراد الغاز، وحماية المنشآت، وتجنب تخزين كميات كبيرة من المنتجات النفطية في أماكن معرضة للهجمات.

روسيا... نقص الوقود المشكلة الكبرى

تستعد روسيا لاستخدام الصقيع مجدداً كسلاح ضد أوكرانيا، لكن الشتاء المقبل قد يُمثل اختباراً حقيقياً لروسيا نفسها؛ فقد ازدادت قدرات كييف على توجيه ضربات بعيدة المدى لدرجة أن البنية التحتية الروسية للطاقة وتكرير النفط باتت في مرمى نيرانها بشكل متزايد.

الرئيس الروسي لدى وصوله لاستقبال رئيس جنوب السودان سيلفا كير على هامش القمة الروسية - الأفريقية يوم 30 أكتوبر (رويترز)

وتكمن المشكلة الأساسية التي تواجهها روسيا في أن أراضيها الشاسعة لا يُمكن تغطيتها بالكامل بأصولها الدفاعية الجوية الحالية. فكلما زاد عدد الأهداف المحتملة التي تستهدفها أوكرانيا، ازدادت صعوبة تحديد أولويات الدفاع عن المنشآت الروسية.

ولا تكمن المشكلة الروسية الأساسية في نقص النفط الخام، بل في القدرة على تحويله إلى بنزين وديزل ووقود الطائرات، ثم إيصال هذه المنتجات إلى الأسواق المحلية والخارجية.

وأشار تحليل نشرته وكالة الطاقة الدولية، الشهر الماضي، إلى أن تصاعد الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية أثّر بصورة ملحوظة في كفاءة بعض المنشآت، وأصبحت إصلاحات بعض الوحدات المعقدة تستغرق أشهراً بدلاً من أسابيع. وتكشف الأرقام جزءاً من حجم الأزمة الروسية؛ إذ بلغت معدلات معالجة النفط في المصافي خلال الصيف أدنى مستوى منذ أكثر من 20 عاماً، بانخفاض يقارب 30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق وكالة الطاقة الدولية.

أما إنتاج البنزين، فقد تراجع بنسبة 20 في المائة مقارنة بمستويات العام الماضي. ومثل ذلك، تراجع إنتاج الديزل بنحو 30 في المائة.

وأسفر ذلك عن فقدان حاد في الوقود ومواد نفطية أخرى، واتخاذ بعض المناطق الروسية إجراءات لتقنين المبيعات، فضلاً عن ارتفاع الأسعار بشكل متزايد وصل إلى نحو 20 في المائة للبنزين، و18 في المائة للديزل. وهذه الأرقام تعود إلى فصلي الصيف والخريف، وتتزامن مع توقعات متشائمة للغاية للشتاء المقبل.

والعنصر الثاني المؤثر هنا يكمن في تراجع واردات روسيا، بسبب انخفاض الصادرات بعدما فرضت موسكو قيوداً على تصدير البنزين ووقود الطائرات والديزل للمحافظة على الإمدادات المحلية. وقلّص ذلك قدرة روسيا على الاستفادة التجارية الكاملة من قطاع التكرير، قبل أن تأتي «صفقة الديزل» مع الولايات المتحدة لتحل هذه المشكلة جزئياً. وإن كانت الشكوك تحوم حول أن هذه الصفقة التي تمنح موسكو مكاسب سياسية، لا تقدم حلولاً لحاجة السوق الداخلية، ولا تساعد على زيادة قدرات روسيا في مواجهة استحقاق الشتاء.

ويكمن التطور المهم بسبب حرب الطاقة المستعرة، في إطالة أمد الإصلاحات للمنشآت المتضررة. ووفقاً لتقارير، فإن الأضرار التي تصيب وحدات التكرير الثانوية أكثر تعقيداً من أضرار وحدات التقطير الأولية، كما أن العقوبات الغربية تحُدّ من الوصول إلى بعض المعدات وقطع الغيار.

وكمثال، في منتصف الشهر الحالي، اندلع حريق في مصفاة «ريازان» الروسية عقب هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية، وفق ما أعلنه حاكم المنطقة. وتعد المصفاة من المنشآت المهمة لإمداد موسكو بالوقود، وبدا أن ثمة صعوبات كبيرة تعترض إعادة التشغيل بنفس الوتائر السابقة.

أزمة الوقود لا تهدّد التدفئة الروسية

لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن روسيا يمكن أن تعاني من نقص التدفئة في الشتاء.

وهنا ينبغي التفريق بين 3 أمور: الأول، أن روسيا تمتلك موارد ضخمة وشبكات واسعة؛ ولذلك لا تعني أزمة المصافي تلقائياً وجود أزمة وطنية في الغاز المستخدم للتدفئة.

جانب من مشاركة فلاديمير بوتين في أعمال القمة الروسية - الأفريقية يوم 30 أكتوبر (إ.ب.أ)

والثاني، أن روسيا تستخدم بشكل متزايد أنواعاً من الوقود الأقل جودة لتعويض النقص الحاصل؛ ما يعني تخفيف الأضرار في مناطق كثيرة، رغم أن بعض المدن الرئيسية ستواجه مع اقتراب الشتاء نقصاً متواصلاً في الديزل والبنزين، وهو ما يؤثر في النقل والزراعة والخدمات اللوجستية.

أما العنصر الثالث فيكمن في أن الهجمات الأوكرانية رغم أنها تستهدف مصافي النفط، لكنها لم تؤثر بشكل كبير في إمدادات الكهرباء والتدفئة المحلية. ويمكن أن تتأثر منشآت محدّدة بالهجمات أو الأعطال، لكن لا يمكن الحديث وفقاً للمعطيات المتوافرة عن نقص وطني شامل في التدفئة الروسية، هذا الشتاء.

وهذا الأمر أكدته تحليلات خبراء روس، بينهم سيرغي فاكولينكو الخبير البارز في قطاع الطاقة، الذي ركّز على قدرة روسيا على إصلاح المصافي في مواجهة استمرار الهجمات الأوكرانية. ووفق تقديره، إذا توقفت الهجمات، فقد تختفي الآثار الملحوظة لنقص البنزين خلال شهرين تقريباً؛ أما استمرارها فيُبقي الضغط على الإمدادات المحلية.

وهو بهذا يرى أن الأزمة تغدو سباقاً بين الطائرات المسيّرة الأوكرانية وفرق الإصلاح الروسية، ولا تتعلق أبداً بنقص في قدرات روسيا، أو تراجع في حجم إنتاج النفط الخام نفسه.

أما جورج فولوشين، المحلل الاقتصادي، فقد رأى أن أزمة الوقود الروسية سوف تتفاقم بسبب استهداف وحدات التكرير التي يصعب استبدالها، وتأخر الإصلاحات، والاعتماد على معدات ومكونات أجنبية يصعب الحصول عليها في ظل العقوبات. ويطرح احتمال استمرار معالجة النفط في المصافي عند مستويات أقل من المعتاد حتى لو خفت الهجمات، بسبب تراكم الأضرار والحاجة إلى إصلاحات طويلة.

أوروبا طرف متضرر

هناك عامل خارجي يزيد تعقيد المشهد الروسي الأوكراني يتمثل في اضطرابات إمدادات الغاز المسال من الشرق الأوسط، بسبب ظروف المواجهة مع إيران.

طاقم طبي ينقل مسنّة على متن سيارة إسعاف في أوليشكي يوم 31 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفقاً لتقرير نشرته وكالة «رويترز» في النصف الأول من الشهر، تتجه أوروبا إلى الشتاء بمخزونات غاز منخفضة بصورة استثنائية. وأدّت اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز إلى منافسة أشد على شحنات الغاز الطبيعي المسال.

ومع غياب الإمدادات الروسية، أو تقليصها إلى أدنى درجة، يُنتظر أن يؤثر هذا الأمر في ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء في أوروبا، خصوصاً إذا كان الشتاء شديد البرودة. ولا سيما مع زيادة المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على شحنات الغاز المسال، فضلاً عن تراجع قدرة أوكرانيا على استيراد الغاز والكهرباء من الدول المجاورة، في وقت تحتاج فيه أوروبا نفسها إلى إعادة ملء مخزوناتها.

وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ إذ تتضرر روسيا جدياً من الهجمات على مصافيها، لكن جزءاً مهماً من صادراتها النفطية يستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية.

استعدادات لتجنب تفاقم الأزمة

في هذا السياق، يعمل الطرفان الروسي والأوكراني للاستعداد لتحديات الشتاء. وبالنسبة لأوكرانيا، تتمثل الأولوية القصوى في رفع مخزون الغاز، واستيراد إمدادات إضافية، وتسريع وتائر إصلاح المنشآت، وتعزيز الحماية الجوية للبنى التحتية.

أما روسيا، فهي تسابق الزمن لإصلاح المصافي، ودعم الإمدادات المحلية، وتقييد صادرات الوقود، مع الالتزام بتنفيذ «صفقة الديزل» مع واشنطن؛ لأن لها تأثيرات سياسية مهمة لا يمكن للكرملين أن يتخلى عنها، وزيادة تأمين المنشآت بقدر المستطاع، ومحاولة منع المسيرات الأوكرانية من اختراق الحواجز الدفاعية عنها.

أوكراني يتفقّد الدمار الذي حلّ ببيته بعد قصف روسي يوم 31 أكتوبر (أ.ب)

اللافت هنا، أن كلا الطرفين يضع خططاً بديلة لمواجهة الشتاء. وكمثال، فقد أعلنت «نافتوغاز» الأوكرانية في 22 أكتوبر أنها أعدّت 24 سيناريو لموسم الشتاء، تأخذ في الحسبان تفاقم شدة الهجمات الروسية والطقس، واحتمال أن يكون قاسياً للغاية، وحجم الإنتاج المحلي، مع وضع خطة استجابة لكل سيناريو. وحدّدت الشركة 3 احتياجات رئيسية: تسريع وتائر إعادة بناء المنشآت المتضررة، وتعزيز حمايتها، وتأمين التمويل لشراء الغاز مسبقاً.

هذا الاستعداد مهم، لكنه لا يزيل المخاطر، فنجاحه يتوقف على حجم الأضرار التي قد تقع خلال الأشهر المقبلة، وعلى توافر التمويل والمعدات والقدرة على الإصلاح السريع.

وعموماً يمكن القول إن أوكرانيا تواجه خطراً إنسانياً مباشراً يتمثل في انقطاع متواصل للكهرباء والتدفئة خلال البرد، حتى مع امتلاكها مخزوناً من الغاز يكفي نظرياً لتغطية الحد الأدنى الحكومي.

أما روسيا، فهي تواجه أزمة في تكرير النفط وتوفير الوقود. والهجمات المتكررة ترفع تكاليف الإصلاح، وتضغط على المطروح في الأسواق من البنزين والديزل والموارد النفطية الأخرى، بينما تتأثر إيرادات الدولة أيضاً بعوامل كثيرة بسبب الهزات المتواصلة.

والمسألة الأكثر أهمية وفقاً لمتابعين، تتوقف على ما إذا كانت جهود دفع الطرفين للتوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة على الأقل، سوف تفشل مجدداً، رغم قرار استئناف جولات التفاوض قريباً؛ لأن هذا سوف يعني تحول الضربات الروسية على منشآت الغاز والكهرباء الأوكرانية، والهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، إلى حملة متبادلة طويلة الأمد تستنزف الطرفين اقتصادياً بشكل متزايد خلال الشتاء. أما على الصعيدين العسكري والسياسي، فإن الرأي الغالب لدى محللي الطرفين هو أن استحقاق الشتاء وتحدياته لن يؤثرا على المواقف السياسية، أو يدفعا أياً من الطرفين إلى تقديم تنازلات محددة.


توقيف أكثر من 770 شخصاً خلال احتجاجات نهاية الأسبوع في فرنسا

متظاهر يلقي الحجارة خلال احتجاجات حول تكاليف المعيشة والتعليم في باريس (أ.ب)
متظاهر يلقي الحجارة خلال احتجاجات حول تكاليف المعيشة والتعليم في باريس (أ.ب)
TT

توقيف أكثر من 770 شخصاً خلال احتجاجات نهاية الأسبوع في فرنسا

متظاهر يلقي الحجارة خلال احتجاجات حول تكاليف المعيشة والتعليم في باريس (أ.ب)
متظاهر يلقي الحجارة خلال احتجاجات حول تكاليف المعيشة والتعليم في باريس (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية، الأحد، توقيف أكثر من 770 شخصاً خلال احتجاجات عطلة نهاية الأسبوع، غداة تظاهر مئات الآلاف احتجاجاً على الارتفاع الحادّ في الأسعار، وعدم تكافؤ الفرص.

وقالت الوزارة إنه لم تُسجّل «حوادث كبرى» في وقت متأخّر من مساء السبت، مشيرة إلى توقيف 779 شخصاً في أنحاء البلاد، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأمس (السبت)، تظاهر مئات الآلاف في أنحاء فرنسا، بينهم تلاميذ مدارس ثانوية وطلاب جامعات، في ثالث موجة من الاحتجاجات التي يشهدها البلد في عطل نهاية الأسبوع.

عناصر من الشرطة يطلقون الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام المساواة وللمطالبة بزيادة التمويل المخصص للتعليم (د.ب.أ)

وفي سياق متصل، أعلن قائد حركة طلابية عن استئناف إغلاق المدارس الثانوية بداية من الاثنين في فرنسا، مشيراً إلى أن المقترحات الحكومية لم تأت على قدر تطلعات المحتجين الذين يطالبون بظروف تعليم أفضل في البلد. والسبت، تظاهر مئات الآلاف في أنحاء فرنسا، بينهم تلاميذ مدارس ثانوية وطلاب جامعات، في ثالث موجة من الاحتجاجات التي يشهدها البلد في عطلات نهاية الأسبوع. وبداية من الاثنين يوم عودة التلاميذ من عطلة مدرسية لأسبوعين، سيتمّ منع الوصول إلى بعض المدارس الثانوية، على ما قال بيار سورزا قائد مجموعة «ليسييان!»، وأشار عبر أثير «راديو مونتي كارلو» إلى أن الحراك «سيزداد زخماً بداية من الثلاثاء، لكننا نعرف أن بعض المدارس ستغلق بداية من الغد»، وأضاف: «نحن نؤيّد كلّ رفاقنا الذين يمنعون الوصول إلى مدارسهم بداية من الغد».

أحد المتظاهرين يسير وسط غاز مسيل للدموع خلال اشتباكات في احتجاج ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام المساواة وللمطالبة بزيادة التمويل المخصص للتعليم (د.ب.أ)

والاثنين، أعلنت الحكومة عن سلسلة من التدابير استجابة لمطالب المتظاهرين، بما فيها الاستعاضة عن منصّة التوجيه الجامعي، وتوفير قروض لترميم المدارس، ورأى التلاميذ من جهتهم أن هذه التدابير غير كافية. والسبت، قالت صابرين خرباش المتحدثة باسم اتحاد طلاب فرنسا واتحاد طلاب المدارس الثانوية للصحافيين خلال مسيرة احتجاجية في باريس: «سنغلق، الثلاثاء، جامعاتنا ومدارسنا الثانوية، وسنكرر ذلك الخميس، قبل أن ننضم إلى التظاهرة المقررة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي والتي دعا إليها العمال والنقابات العمالية». ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من جهته إلى استئناف التعليم في المدارس في أجواء هادئة، مؤكّداً أنه تمّ «الاستماع إلى صوت الشباب».

متظاهر يلوّح بالعلم الفرنسي باتجاه عناصر الشرطة خلال احتجاج ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام المساواة (د.ب.أ)

غير أن سورزا رأى من جانبه أن «الرئيس لم يستمع إلينا»، مشيراً «هي مراوغة... وفيها بعض التلميع، لكن إذا غصنا عميقاً، فما من شيء فعلي». ولفت سورزا إلى أن الإصلاح المقترح لمنصة التوجيه الجامعي التي تُنتقد على نقص الشفافية فيها لا يستجيب لنقص الفرص المتاحة في التعليم العالي. ورأى أيضاً أن خطّة الحكومة لخفض أعداد التلاميذ في الصفوف غير كافية، مشيراً إلى أنها لن تسري إلا حتّى الصفّ العاشر. وشدّد: «مطالبنا هي لكلّ الفئات العمرية». ويبدو هامش تحرّك الحكومة في فرنسا، وهي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو على وشك الغرق في ركود وتحت ضغوطات كبيرة لاحتواء مديونيتها، محدوداً للاستجابة لمطالب التلاميذ من خلال تمويل إضافي.


توقيف 13 شخصاً في اشتباكات بين الشرطة ومحتجين في البرتغال

قوات مكافحة الشغب تواجه المحتجين في لشبونة بالبرتغال (إ.ب.أ)
قوات مكافحة الشغب تواجه المحتجين في لشبونة بالبرتغال (إ.ب.أ)
TT

توقيف 13 شخصاً في اشتباكات بين الشرطة ومحتجين في البرتغال

قوات مكافحة الشغب تواجه المحتجين في لشبونة بالبرتغال (إ.ب.أ)
قوات مكافحة الشغب تواجه المحتجين في لشبونة بالبرتغال (إ.ب.أ)

داهمت شرطة مكافحة الشغب البرتغالية مخيّمات أقامها محتجون في لشبونة وبورتو في الساعات الأولى من صباح الأحد، وأوقفت 13 شخصاً، في أحدث مواجهة بين الشرطة والمتظاهرين احتجاجاً على أزمة الإسكان.

وعند نحو الساعة 4:30 فجراً، اقتحمت الشرطة المخيّم في ساحة روسيو في لشبونة ومخيماً آخر أصغر حجماً في ساحة دوم جواو الأول في بورتو، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

متظاهرون ينددون بأزمة الإسكان في وسط لشبونة (أ.ف.ب)

وهتف المحتجوّن: «رائحة الديكتاتورية تفوح»، فيما قالت الشرطة إن عناصرها رُشِقوا بقوارير وطلاء خلال محاولتهم تفكيك الخيام.

وأعلنت الشرطة في بيان توقيف ستة أشخاص في لشبونة وسبعة في بورتو لرفضهم الامتثال لأوامر فضّ الاحتجاج، مشيرة إلى إصابة 13 فرداً من عناصرها ونقل ثمانية منهم إلى المستشفى.

وفي بورتو، قالت الشرطة إن ثلاثة من عناصرها بلباس مدني كانوا يراقبون المحتجيّن تعرّضوا للاعتداء.

ضباط شرطة مكافحة الشغب يعتقلون متظاهراً في وسط لشبونة (أ.ف.ب)

وأُصيب عدد غير محدّد من المدنيين خلال العملية التي نُفّذت «مع احترام حقوق المدنيين»، بحسب بيان الشرطة.

وأفادت مجموعة النشطاء «أكامبادا لشبوة» من جهتها بأن أكثر من 30 متظاهراً أُصيبوا بجروح، بينهم عشرة نُقِلوا إلى المستشفى، ودعت إلى تجمّع جديد بعد ظهر الأحد في العاصمة.

ونُصِبت الخيام في ساعات متأخرة من ليل السبت، بعد مسيرات سلمية جابت شوارع المدينتين احتجاجاً على ارتفاع أسعار الإيجارات.

وفي الأسابيع الأخيرة، فكّكت الشرطة مراراً مخيّمات انتشرت في لشبونة وبورتو.

ويدعو المحتجّون الحكومة إلى التخلّي عن مشاريع لتسهيل طرد المستأجرين، ولإزالة السقف المفروض على الإيجارات الجديدة، محذّرين من أن هذه التدابير من شأنها أن ترفع أسعار السكن وتزيد من هشاشة أوضاع المستأجرين.

واستلهم المتظاهرون في البرتغال حراكهم من أحداث إسبانيا، حيث أقام محتجّون خياماً في وسط مدريد ومدن أخرى لأسابيع.