أزمة المزارعين تتفاقم في أوروبا... وتخوف من استغلال اليمين المتطرف لها

«الميثاق الأخضر» الأوروبي يثير استياء المزارعين... ونقمتهم تزداد انتشاراً

مزارعون يسدون الطريق السريعة إيه 1 باتجاه باريس... الثلاثاء (د.ب.أ)
مزارعون يسدون الطريق السريعة إيه 1 باتجاه باريس... الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

أزمة المزارعين تتفاقم في أوروبا... وتخوف من استغلال اليمين المتطرف لها

مزارعون يسدون الطريق السريعة إيه 1 باتجاه باريس... الثلاثاء (د.ب.أ)
مزارعون يسدون الطريق السريعة إيه 1 باتجاه باريس... الثلاثاء (د.ب.أ)

تتركز الأضواء هذه الأيام على باريس، التي فرض المزارعون بجرارتهم حصارها منذ بعد ظهر (الاثنين) ولـ«مدة غير محددة»؛ للضغط على الحكومة وللإعراب عن خيبتهم من الإجراءات التي أعلنها رئيسها غابريال أتال، مساء الجمعة الماضي، خصوصاً للضغط من أجل الاستجابة لورقة التظلمات التي رفعوها للسلطات، المتضمنة 122 مطلباً.

لكن المزارعين الفرنسيين، الذين أقفلوا 8 طرق سريعة تفضي كلها إلى العاصمة، وسيّروا جراراتهم باتجاه أكبر سوق زراعية في أوروبا، المسماة «رنجيس» القائمة جنوب العاصمة، وعلى بعد رمية حجر من مطار أورلي، لن يكون بمقدورهم أن يستنسخوا ما قام به المزارعون الألمان في 15 يناير (كانون الثاني) عندما «سيطروا» على العاصمة برلين، التي وصلوا إليها على متن آلاف عدة من الجرارات، وعمدوا إلى شل حركة السير فيها لساعات طويلة قبل أن يعودوا من حيث أتوا. ولأن رئيس الجمهورية ومعه الحكومة لا يريدان أن تواجه باريس المصير نفسه، فقد أمر وزير الداخلية بتعبئة 15 ألف رجل أمن (من الشرطة والدرك) وكلفهم منع وصول الجرارات إلى داخل العاصمة وإبقاءها على بعد كيلومترات عدة. كذلك، طلب نشر مدرعات الدرك على مداخل سوق «رنجيس» مخافة أن تفضي محاصرتها إلى منع وصول المواد الغذائية الطازجة على مختلف أنواعها، التي يستهلكها ما لا يقل عن 10 ملايين نسمة.

مزارعون فرنسيون الثلاثاء مع جراراتهم يغلقون الطريق السريعة رقم 4 شرق باريس في إطار حصار العاصمة (إ.ب.أ)

نقمة المزارعين على المستوى الأوروبي

العبرة فيما سبق أن ما تعرفه فرنسا ليس خاصاً بها، بل هو جزء من حراك واسع يشمل بالطبع أكبر دولتين واقتصادين في الاتحاد الأوروبي (ألمانيا وفرنسا)، لكنه يعم دولاً أخرى منها هولندا وبولندا ورومانيا وبلجيكا و«الحبل على الجرار».

الشرارة في ألمانيا انطلقت عندما قررت حكومة أولاف شولتس، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، رفع الدعم عن الديزل الزراعي من أجل سد بعض عجز الموازنة الألمانية، وغاب عن ذهنها أن حركة «السترات الصفراء» التي أشعلت شوارع فرنسا بدءاً من خريف عام 2018، انطلقت لأسباب مشابهة. من هنا، يُفهم أن الرد الأولي لرئيس الحكومة الفرنسية كان إعلانه أن حكومته تراجعت عن فرض رسوم إضافية على الديزل الزراعي، في بادرة منه إلى تهدئة المزارعين، إضافة إلى تدابير أخرى إدارية مقرونة بمساعدات قطاعية للزراعة.

وبعد شل برلين، عمد المزارعون الألمان (الاثنين) إلى إغلاق عديد من الموانئ، وأهمها مرفأ هامبورغ، ويعد الأكبر في ألمانيا. وما زال حراكهم على قوته.

أما في بلجيكا، فقد عمّ الحراك بداية المناطق الفرنكوفونية (الوالونية) قبل أن ينتقل إلى مناطق الفلاندر. وسار الحراك في بلجيكا وفق الصورة نفسها عند جارتيها، إذ عمد المزارعون إلى إغلاق جوانب من الطريق السريعة جنوب البلاد، ومحاولة قطع شريان الطريق السريعة الحيوية التي تنطلق من فرنسا وتتجه إلى ألمانيا عبر بلجيكا. وينوي المزارعون البلجيكيون التوجه إلى العاصمة (الأربعاء)؛ للضغط على القادة الأوروبيين، الذين سيعقون قمة استثنائية في بروكسل مخصصة لتوفير الدعم المالي لأوكرانيا. إلا أن الملف الزراعي سيكون، قطعاً، على جدول مداولاتهم؛ لأن أحد أساب الشكوى يتمثل في الرفض الجماعي لما يُسمى «الميثاق الأخضر» الأوروبي.

غابريال أتال رئيس الحكومة الفرنسية يلقي خطابه عصر الثلاثاء أمام البرلمان وسط أجواء مكهربة (أ.ف.ب)

«الميثاق الأخضر» الأوروبي

قليلون يعرفون مضامين هذا الميثاق، الذي أطلقته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عام 2019، وينص على هدف أن تكون الاقتصادات الأوروبية عديمة الكربون بحلول عام 2050، وهو يشمل الطاقة والصناعة والغابات والزراعة. وفي هدف مرحلي، نصّت مبادرة فون دير لاين على تخلص الاقتصادات الأوروبية من 55 في المائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في عام 2030. وفيما خصّ الزراعة، ينص «الميثاق» الذي لم يقرّ بعد، على خفض اللجوء إلى المبيدات وإلى الأسمدة الكيميائية بنسبة 20 في المائة حتى عام 2030، وخفض اللجوء إلى المنشطات الحيوية للحيوانات بنسبة النصف، وزيادة المساحات المخصصة للزراعة العضوية إلى 25 في المائة من إجمالي المساحات المزروعة.

تثير هذه الإجراءات، في حال تحولها إلى قوانين، رفضاً على المستوى الزراعي الأوروبي، كما أنها تضاعف حنق المزارعين، الذين يعانون من غلاء المشتقات النفطية والكهرباء، والتضخم، وفتح الأسواق أمام المنتجات من خارج الاتحاد، ومن منافسة المنتوجات الغذائية الأوكرانية المعفاة من الضرائب، ومن تراجع العائدات، ومن ثقل الديون.

مزارعون فرنسيون الثلاثاء مع جراراتهم يغلقون الطريق السريعة رقم 4 شرق باريس في إطار حصار العاصمة (إ.ب.أ)

من هنا، جاء تركيز الضغوط محلياً في كل بلد، وأيضاً على قمة القادة الأوروبيين. والتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإثارة هذا الملف (الخميس)، بالتوازي مع السعي إلى تأجيل التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل بلدان أميركا اللاتينية المسمى «ميركوسور» الذي يضم البرازيل والأرجنتين والأورغواي والباراغوي. وحجة المزارعين الناقمين أن الاتحاد الأوروبي يفرض عليهم معايير لا تطبق على الجهات المنافسة، التي ما زالت الأسواق الأوروبية مفتوحة أمام سلعها التي يُمنع إنتاجها، وفق الشروط نفسها، في أوروبا.

ثمة تخوف واسع على الصعيد الأوروبي من الارتدادات السياسية لحراك المزارعين على الانتخابات الأوروبية، المقرر إجراؤها في يونيو (حزيران) المقبل. وتفيد غالبية استطلاعات الرأي بأن المستفيد الأول منها سيكون اليمين المتطرف، الذي يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في شعبيته. والمعروف أن اليمين المتطرف ينهج سياسة تعارض الاندماج الأوروبي. وهذا التخوف دفع المفوضية إلى تجميد عدد من مشروعات القوانين التي يتعين على البرلمان إقرارها، كما دفع السلطة التنفيذية في البلدان، التي تتمتع بقطاع زراعي قوي، إلى فرملة الاندفاعة الأوروبية.

وعود رئيس الحكومة الجديد

أما على الصعيد الفرنسي، فإن المزارعين ينددون بشكل عام، بالمخطط الزراعي الأوروبي العام، رغم أن فرنسا تعد المستفيد الأول من المساعدات الزراعية الأوروبية، التي تبلغ 9 مليارات سنوياً. إلا أن صغار المزارعين يشكون من أنها تذهب إلى كبار مُلاك المساحات الزراعية. وخلال الأعوام الخمسين الماضية، تراجع عدد المزارع في فرنسا من 1.5 مليون في عام 1970 إلى أقل من 400 ألف الآن، كما أن عدد المزارعين لا يزيد راهناً على 400 ألف مزارع. وفي السنوات الثلاث الأخيرة، تضاعفت واردات فرنسا الزراعية بحيث وصلت إلى نصف ما تستهلكه البلاد.

لا يريد العهد والحكومة هزات اجتماعية ــ اقتصادية جديدة، بعد الأزمتين الكبريين اللتين شهدتهما فرنسا منذ إعادة انتخاب ماكرون في عام 2022، وهما أزمة إقرار قانون تعديل سن التقاعد، وقانون الهجرات، وكلاهما أنزل عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع. من هنا، الحرص، من جهة، على احتواء الأزمة الجديدة بأسرع وقت منعاً لتفاقمها. ومن جهة ثانية، حماية لرئيس الحكومة الجديد.

وعصر الثلاثاء، عرض غابريال أتال، أمام النواب، الخطوط العامة للسياسة، التي ستنهجها حكومته بما في ذلك في الملف الزراعي. بيد أن خطابه، بعكس ما كان منتظراً منه، لم يتضمن إعلان خطوات جديدة لتهدئة غضب المزارعين، إذ اكتفى بتأكيد أن حكومته «ملتزمة بالعمل الجاد من أجل السيادة الغذائية في بلدنا». وقال: «إن زراعتنا تعد بمثابة قوة لنا ليس فقط لأنها تطعمنا، بل لأنها أحد أسس هويتنا وتقاليدنا، ولأن المزارعين يجسدون قيمنا الأساسية». ومن ضمن هذه القراءة، أكد أنه «يتعين أن تكون الزراعة الفرنسية، وهي كذلك، استثنائية» ولكن «الشكوك تساورها، وهي تحتاج إلى أجوبة وحلول، وسنكون من غير أي غموض، جاهزين لهذا الموعد».

ومن السويد، حيث يقوم بزيارة رسمية من يومين، أعلن ماكرون أنه «من السهولة بمكان تحميل أوروبا مسؤولية صعوبات القطاع الزراعي». وأكد ر فضه الموافقة على اتفاقي التجارة الحرة مع تكتل أميركا اللاتينية؛ بسبب «اختلاف القواعد» المعمول بها من الجانبين الأوروبي والأميركي اللاتيني. وأخيراً دعا الاتحاد إلى فرض «قواعد واضحة» لاستيراد الدجاج من أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: المعارضة تناقش «دليل الحوار» المقترح من السلطة

شمال افريقيا جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا: المعارضة تناقش «دليل الحوار» المقترح من السلطة

قررت أحزاب المعارضة الموريتانية عقد اجتماع (الخميس)، لمناقشة وثيقة قدمتها السلطة بوصفها «الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني» الذي دعا له الرئيس الموريتاني.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

عبّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «تفاؤل حذر» بأن هذا البلد العربي الأفريقي يمكن أن يعبر بنجاح من مفترق طرق حاسم مع تجدد العملية السياسية

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)

المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

في خطوة وصفت بأنها تستهدف قطع الطريق على «المبادرة الأميركية» والإبقاء على الكرة في ملعب القوى المحلية اتفق رؤساء «المجالس الثلاثة في ليبيا» على «خريطة طريق».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون مجريات الحملة الانتخابية (السلطة)

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

وجَّهت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ما يشبه تحذيراً إلى المترشحين، يخص مخلفات قانونية محتملة قد تؤدي إلى عقوبات قضائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ المرشح لمنصب حاكم جورجيا ريك جاكسون مع مؤيديه خلال متابعة نتائج جولة الإعادة الانتخابية في أتلانتا (أ.ب)

مرشحو ترمب يحققون فوزاً لافتاً في «تمهيديات الجمهوريين»

حقق مرشحو الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فوزاً ساحقاً في 3 عمليات انتخابية تمهيدية لمجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، لكنه واجه صعوبات بسباقات أخرى في جورجيا...

علي بردى (واشنطن)

قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على تمديد عقوبات ضد روسيا لمدة 12 شهراً

قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)
قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)
TT

قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على تمديد عقوبات ضد روسيا لمدة 12 شهراً

قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)
قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)

اتفق ​قادة الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، على تمديد عقوبات مفروضة ‌على ‌روسيا ​بسبب ‌حربها ⁠ضد أوكرانيا ​لمدة 12 ⁠شهراً.

ويمثل القرار الذي اتُخذ ⁠خلال ‌قمة عقد ‌في ​بروكسل، المرة ‌الأولى ‌التي يتم فيها تمديد العقوبات ‌التي تستهدف قطاعات معينة من الاقتصاد ⁠الروسي ⁠لمدة عام كامل.

وكانت هذه العقوبات تجدد في السابق كل ​ستة ​أشهر.


أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)

نفّذت أوكرانيا، الخميس، هجوماً بطائرات مسيّرة على موسكو، في أكبر استهداف للعاصمة الروسية منذ سنوات، مما أدى إلى اندلاع حرائق داخل المدينة وفي محيطها، وشمل الهجوم مصفاة نفط كبرى وتسبب بإجلاء ركاب من أكبر مطارات العاصمة، فيما حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رسالة صوتية قائلاً: «إذا احترقت أوكرانيا، فستحترق موسكو».

مصفاة نفط تابعة لشركة «غازبروم» الروسية في موسكو واقعة على مشارفها الجنوبية الشرقية (أ.ف.ب)

وأكد مسؤولون روس الهجوم غير المسبوق على العاصمة الروسية، واعتبرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء الأكبر على موسكو منذ عامين على الأقل. وقال عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة، وللمرة الثانية خلال أسبوع، وأعلنت وزارة النقل الروسية عن تعليق الرحلات الجوية في المطارات الأربعة الرئيسية في العاصمة.

وهدّدت روسيا بشن مزيد من الضربات على أوكرانيا، الخميس، بعدما استهداف موسكو. ورداً على سؤال حول الهجوم، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ⁠الخميس، ​إن روسيا ⁠ستنفذ «ضربات ⁠منسقة واسعة ‌النطاق ‌بشكل ​منتظم» ‌عقب الهجوم ‌الأوكراني. وقال إن الرئيس فلاديمير بوتين سبق أن أعلن أن موسكو «ستشن ضربات واسعة النطاق بشكل منتظم» على أوكرانيا، لافتاً إلى أن الجيش الروسي «ينفذ ذلك وسيواصل القيام به»

وقال الرئيس الأوكراني إن الهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة على روسيا جاءت رداً على غارة ألحقت أضراراً بدير تاريخي في كييف، هذا الأسبوع، مضيفاً أن «موسكو ستحترق» إذا استمرت الهجمات الروسية. وأضاف: «نحن لا نريد هذه الحرب، ولم نرغب فيها أبداً، والجميع يعلم ذلك، وشركاؤنا يعلمون ذلك». وقال زيلينسكي إن «الأهم هو أن يبدأ الشعب الروسي أن يشعر بأن شخصاً واحداً، بوتين، يخوض هذه الحرب، في حين يدفع الناس العاديون الثمن كاملاً»، مضيفاً في تسجيل صوتي: «لا نريد هذه الحرب ولم نردها أبداً... لكن إذا كانت أوكرانيا تحترق، فموسكو ستحترق أيضاً».

واستخدمت أوكرانيا عشرات الطائرات المسيرة في الهجوم الليلي. وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إن مراسليها شاهدوا أعمدة كبيرة من الدخان الأسود في سماء موسكو، بينما شوهدت ألسنة اللهب تشتعل في قسم من منشأة نفطية في منطقة كابوتنيا الجنوبية، واستمر الحريق في المصفاة طوال الفترة الصباحية.

بوتين ⁠خلال اجتماع مع ⁠مسؤولين ‌عسكريين ‌الجمعة ⁠(رويترز)

وأظهرت صور ومقاطع مصورة نشرتها وسائل إعلام روسية اندلاع حرائق هائلة في المصفاة، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً (9 أميال) من الكرملين. وجاء الهجوم بعد ساعات من إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه أجرى «اتصالاً تنسيقياً مهماً» مع رئيسي الولايات المتحدة وفرنسا، وأنه حصل على تعهدات رئيسية بتقديم المزيد من الدعم من قمة مجموعة السبع خلال الأسبوع الحالي.

وقال زيلينسكي إنه أجرى اتصالاً آخر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»، في وقت متأخر من مساء الأربعاء: «كان اتصالاً تنسيقياً مهماً يمكن أن يحدث تغييراً كبيراً»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وأضاف: «أشكر الرئيس ترمب على اهتمامه بأوكرانيا واستعداده للمساعدة في تقريب السلام». وكان زيلينسكي التقى ترمب وماكرون على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث كانت الحرب في أوكرانيا من بين الموضوعات التي نوقشت خلال القمة.

بوتين في قمة «آسيان» (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون أوكرانيون، في ساعة مبكرة من صباح الخميس، إن روسيا أطلقت عدة صواريخ على أهداف داخل أوكرانيا، بما في ذلك العاصمة كييف. وقال الحاكم العسكري لكييف، تيمور تكاتشينكو، عبر تطبيق «تلغرام»: «العدو يهاجم العاصمة بصواريخ باليستية». وسمع دوي عدة انفجارات في وسط كييف، وفق ما أفاد مراسل لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وقالت القوات الجوية الأوكرانية إن صاروخين على الأقل كانا في طريقهما نحو كييف، بينما تم توجيه صاروخ آخر إلى منطقة بولتافا وسط البلاد.

وتتزامن هذه الضربات مع استضافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادة من جنوب شرقي آسيا ضمن قمة روسيا (آسيان) المنعقدة في مدينة كازان التي تبعد نحو 700 كيلومتر شرق موسكو. وبعد ساعات من الهجوم، ظهر بوتين في صورة جماعية مع عدد من القادة خلال القمة، من دون أن يتطرق في كلمته الافتتاحية إلى الضربة الأوكرانية.

ويحرص بوتين منذ سنوات على إبراز الاستقرار في روسيا، رغم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحرب المستمرة على أوكرانيا منذ أربع سنوات. وبعد أن شنت كييف هجمات مماثلة على سانت بطرسبرغ في وقت سابق من هذا الشهر، ووعد بوتين بتعزيز الدفاعات الجوية. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، فرضت الهيئة الفيدرالية للطيران في روسيا حظراً على المسيرات المدنية والطائرات الخفيفة حول المجال الجوي لموسكو، على خلفية هذه الهجمات.

قالت السلطات الروسية إن أكثر من 200 مسيرة أوكرانية هاجمت موسكو (إ.ب.أ)

وقال يوري أوشاكوف، مستشار الكرملين للشؤون الخارجية، الخميس، إن القادة الأوروبيين ربما يكونون قد «شحنوا» الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأفكار مضرة خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت هذا الأسبوع، لكنه أشار إلى أن ترمب زعيم قوي يتمسك بأفكاره.

وذكر ترمب أن على روسيا أن تعقد سلاماً مع أوكرانيا، بعد أن عقد لقاء «جيداً جداً» مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء. وبثت التصريحات تفاؤلاً حذراً بين قادة مجموعة السبع بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام.

وأضاف أوشاكوف أنه يعتقد أن ترمب تلقى معلومات مضللة حول الوضع في أوكرانيا خلال القمة، وأن موسكو لا تزال تنتظر زيارة من مبعوثَي ترمب - ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر - على الرغم من عدم تحديد موعد لذلك حتى الآن.

عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (أ.ف.ب)

وتابع أوشاكوف للتلفزيون الحكومي الروسي: «يمكن الافتراض أن ترمب قد تم شحنه... بأفكار مضرة. وندرك أن الأوروبيين يمارسون تأثيراً غير مفيد في هذا الصدد».

ومضى قائلاً: «ترمب سياسي قوي ويتمسك بآرائه. لقد علق على بعض الأمور وأبقى أموراً أخرى لنفسه. فلننتظر ونرَ كيف ستتطور الأمور».

وأكد زيلينسكي وحلفاؤه الأوروبيون لترمب أنهم يعتقدون أن حظوظ أوكرانيا في ساحة المعركة تحسنت بفضل توغلاتها بطائرات مسيرة في روسيا. وقال أوشاكوف إن هذا «غير صحيح على الإطلاق».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أصيبت بهجوم روسي على كييف أمس (أ.ف.ب)

وقال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، عبر منصة «إكس»، إن «أحد أكثر الأسئلة تداولاً بين سكان موسكو هذا الصباح: ماذا يحدث؟ أستطيع أن أجيب: لقد شنت بلادكم حرباً عدوانية ضد بلادنا. ولسنوات، وهي تقتل شعبنا. والآن بعدما عرفتم ما يحدث، اسألوا بوتين متى يعتزم إنهاء هذه الحرب».

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن دفاعاتها الجوية أسقطت 555 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق متعددة، خلال الليل، حيث تم اعتراض نحو 200 طائرة لدى اقترابها من العاصمة الروسية

ودعا زيلينسكي أوروبا والولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على روسيا من خلال فرض عقوبات على قطاعي الدفاع والطاقة الروسيين، وعلى الاقتصاد الروسي بشكل عام، لإجبار الرئيس فلاديمير بوتين على إنهاء الحرب. وتابع: «على الجميع ممارسة الضغط على بوتين: الأوكرانيون وجميع الأوروبيين دون استثناء والأميركيون والروس، حان وقت الاستفاقة وممارسة الضغط على زعيمهم».

ومن المقرر أن يتوجه زيلينسكي إلى بروكسل في وقت لاحق الخميس، لإجراء محادثات مع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مناقشات حول إمكانية إنشاء منظومة دفاعية قارية للحماية من الصواريخ الباليستية.

بناية تعرضت للهجوم الأوكراني بالمسيرات (رويترز)

ويلتقي قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، الخميس، في قمة تستمر يومين تركز على الدعم لأوكرانيا، والموازنة المقبلة طويلة الأمد للاتحاد الأوروبي والتحديات الاقتصادية العالمية. وشهدت أوكرانيا موجة من الدعم الجديد من الاتحاد الأوروبي بعدما رفعت المجر اعتراضها على العديد من المبادرات التي تتراوح بين افتتاح محادثات انضمام رسمية وتبني قرض قيمته 90 مليار يورو (104.5 مليار دولار) لكييف.


بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
TT

بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
مُسيّرة أوكرانية (رويترز)

قال دان جارفيس، وزير الدفاع البريطاني، اليوم الخميس، خلال اجتماع مجموعة الاتصال المعنية بالدفاع عن أوكرانيا في بروكسل، إن بلاده ستُزود أوكرانيا بطائرات مُسيرة يبلغ عددها 150 ألفاً، بحلول نهاية عام 2026، ضِمن حزمة تمويل بقيمة 752 مليون جنيه إسترليني (996 مليون دولار).

وتضم الحزمة، التي يموّلها قرض بريطاني لأوكرانيا بقيمة 2.26 مليار جنيه إسترليني، 350 صاروخاً للدفاع الجوي، إضافة إلى أنظمة رادار أرضية.

وهذا القرض مدعوم بعائدات أصول سيادية روسية مجمَّدة.

والتقى جارفيس، الذي شارك في رئاسة الاجتماع مع نظيره الألماني، بوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، ووزراء دفاع آخرين؛ بينهم وزيرا الدفاع الفرنسي والأوكراني.