فرنسا: رئيس الحكومة الجديد يواجه أول أزمة بعد أقل من شهر من تعيينه

حراك المزارعين يؤدي إلى موقف صعب... وقرار المجلس الدستوري يعيد الجدل حول قانون الهجرات

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى الهند مع رئيسة البلاد دروبادي مومو الجمعة (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى الهند مع رئيسة البلاد دروبادي مومو الجمعة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: رئيس الحكومة الجديد يواجه أول أزمة بعد أقل من شهر من تعيينه

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى الهند مع رئيسة البلاد دروبادي مومو الجمعة (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى الهند مع رئيسة البلاد دروبادي مومو الجمعة (أ.ف.ب)

فيما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستمتع بزيارته إلى الهند حيث يحظى بصفة ضيف الشرف بمناسبة احتفال نيودلهي بـ«يوم الجمهورية»، وما رافقه من عرض عسكري شاركت فيه طائرتان مقاتلتان فرنسيتان من طراز «رافال» و150 فرداً من «القوة الأجنبية»، فإن رئيس حكومته الشاب غبريال أتال يواجه في فرنسا غضب المزارعين الذين أطلقوا حراكاً لن يتوقف إلا عند حصولهم على إجابات شافية من الحكومة.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء نارندرا مودي الجمعة قبل انطلاق الاحتفالات بـ«يوم الجمهورية» الهندية (إ.ب.أ)

وكانت أبرز مظاهر هذا الحراك، الجمعة، «الحصار» الذي فرضه المزارعون على العاصمة باريس من خلال سدّ المنافذ الرئيسية المؤدية إليها باللجوء إلى جراراتهم وآلياتهم الزراعية التي أوقفوها وسط 6 طرقات سريعة تفضي إلى العاصمة. وكانت النتيجة التسبب بازدحامات وصفوف لا تنتهي من السيارات التي تنتظر بصبر أن يفكّ المزارعون الحصار. إلا أن هؤلاء استبقوا الأمر بالتأكيد على أن حراكهم لن يتوقف، بل سيتصاعد إذا ما اعتبروا أن التدابير الجديدة لتحسين أوضاعهم التي كان من المفترض أن يعلنها غبريال أتال عصر الجمعة «غير كافية».

التهديد بحصار باريس

إذا كانت هناك فئة اجتماعية - اقتصادية، تخاف منها الحكومات المتعاقبة، فإنها المزارعون الذين تناقصت أعدادهم بشكل كبير في فرنسا في السنوات الماضية مقابل ارتفاع نقمتهم ومطالبهم. ويأتي حراك المزارعين قبل 6 أشهر من الانتخابات الأوروبية التي تتخوف منها الحكومة، فيما يراهن عليها اليمين المتطرف لتعزيز تقدمه لدى الناخبين، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي المتعاقبة. وأحد أسباب تعيين أتال رئيساً للحكومة يكمن في رغبة ماكرون في مجابهة تصاعد شعبية «التجمع الوطني» الذي تتزعمه المرشحة الرئاسية مارين لوبان، من خلال ورقة أتال الشاب الذي يجد في مواجهته جوردان بارديلا، الذي سيقود لائحة الحزب اليميني المتطرف في الانتخابات المقبلة.

ورفعت أهم نقابتين للمزارعين (الفيدرالية الوطنية والمزارعون الشباب)، الخميس، لائحة إلى الحكومة تتضمن 120 طلباً، منها 20 بالغة العجلة. وتدور المطالب حول 3 محاور رئيسية؛ أولها معالجة تراجع عائدات المزارعين رغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وثانيها التذمر من وطأة القوانين والنظم المرتبطة بالتغيرات المناخية والحاجة لتسهيلها، وثالثها انعدام الاعتبار للمهنة الأساسية التي لم تعد تحظى، وفق العريضة، بالاهتمام والرعاية التي تستحقها. وجاء في الكتاب المرفوع للحكومة أن المزارعين «يحتاجون لتغيير بنيوي قوي ولتدابير ملموسة طال انتظارها، التي يجب أن تكون مؤشراً قوياً للمزارعين لجهة اهتمام الدولة بهم».

الجرارات الزراعية تغلق الطرق السريعة الجمعة في إطار حراكها للضغط ودفعها للاستجابة لمطالب المزارعين الكثيرة (أ.ب)

من جانبه، حذّر أرنو روسو، رئيس نقابة «الفيدرالية الوطنية»، من أن المطالب المرفوعة «ليس قاعدة للتفاوض، بل يتعين على الحكومة أن تأخذها جميعها بعين الاعتبار». وإزاء المشهد المتأزم، فقد سارع غبريال أتال إلى جولة واسعة من التشاور بالتعاون مع وزيري الزراعة والبيئة، واعداً بالاستجابة السريعة لمطالبهم.

وتجدر الإشارة إلى أن الحديث عن المزارعين لا يعني الفلاحة والمهن المرتبطة بالأرض فقط، بل يضم أيضاً مربي الأبقار والماشية وغيرها من الحيوانات. ويشكو المزارعون على اختلاف أنواعهم من الأثمان الزهيدة التي يتلقونها لقاء منتجاتهم، فيما الأرباح الرئيسية تعود لـ«الوسطاء»، أي للشركات التي تشتري المنتجات وتبيعها للأسواق، ولكبريات المخازن أيضاً.

وبين الشكاوى الدائمة لفئة المزارعين، القوانين التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، ومنها المساحات المزروعة واللجوء إلى الأدوية الزراعية والمبيدات والتركيز على الإنتاج الخالي منها. ورغم تعاقب العهود والخطط، فإن مطالب المزارعين تبدو دائمة. لكن تتعين الإشارة إلى أن أحوال المزارعين تختلف بين فئة وأخرى، والمساعدات التي تأتي من الاتحاد الأوروبي تذهب بالدرجة الأولى إلى كبار الملاكين والمزارعين، بينما صغارهم لا يحصلون إلا على الفتات.

ويطالب المزارعون بصرف المساعدات الخاصة بـ«السياسة الزراعية المشتركة» الأوروبية فوراً، والمساعدات الحكومية الموعودة التي تعوّضهم الخسائر التي منوا بها بسبب «كوفيد 19»، والفيضانات وأمراض الطيور، خصوصاً تخفيف ضغوط الضرائب التي يعانون منها.

وسارع وزير الاقتصاد برونو لومير، عقب اجتماع في وزارته بالموزعين والفاعلين في قطاع الصناعات الغذائية، إلى تهديدهم بفرض ضريبة بنسبة 2 بالمائة على مبيعاتهم إذا تبين عدم التزامهم بما يسمى قوانين مرتبطة باحترام الأسعار. وندّد لومير بالانتهاكات التي يرتكبها الصناعيون والموزعون في تحديد الأسعار وفي مفاوضاتهم مع المزارعين.

عاصفة قرار المجلس الدستوري

ليس حراك المزارعين وحده الذي استقطب اهتمام الحكومة والسياسيين والإعلام في الساعات الأخيرة. ذلك أن الأنظار كانت مركزة على ما سيصدر من المجلس الدستوري المكلف النظر في مدى التوافق بين القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية والمواد الدستورية بشأن قانون الهجرات الذي أقرّ في البرلمان نهاية الشهر الماضي، وأثار جدلاً واسعاً ومظاهرات متلاحقة رفضاً له.

لوران فابيوس رئيس المجلس الدستوري في صورة تعود لـ19 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ولم تنجح الحكومة في الحصول على أكثرية أصوات النواب إلا بعد أن قدمت تنازلات كثيرة لحزب «الجمهوريين» اليميني التقليدي باتجاه التشدد في التعاطي مع الهجرات والمهاجرين، بل إن مارين لوبان اعتبرت أن التصويت على القانون جاء بمثابة «انتصار آيديولوجي» لطروحات حزبها. ومباشرة عقب التصويت على القانون، طلب الرئيس ماكرون من المجلس النظر في القانون الجديد، آملاً منه أن يشذبه وأن يرفض الإضافات التي فرضها اليمين مقابل التصويت لصالح القانون. كذلك قدمت أحزاب طلبات مشابهة.

وجاء قرار المجلس، عصر الخميس، بأن ألغى 32 مادة من أصل 86 مادة يتشكل منها القانون، وهي بالتحديد المواد الإضافية التي أصرّ عليها اليمين. وسارعت أوساط الرئاسة ووزارة الداخلية إلى تأكيد أن الرئيس ماكرون سيعمد سريعاً إلى إصدار القانون المشذب، حيث يدخل حيز التنفيذ. ويعني ذلك أن الحكومة اعتبرت أنها حققت نجاحاً، فيما الغرابة أن الحكومة قبلت تقديم مشروع للتصويت عليه في البرلمان، بينما هي على يقين أنه لن يمر كما هو في المجلس الدستوري.

ومن المواد الأساسية التي اهتمّ بها المجلس، تلك التي تتناول لمّ شمل الأسر وإعادة العمل بجريمة الإقامة غير النظامية على الأراضي الفرنسية وحصول المهاجرين على مساعدات اجتماعية ومساكن، فضلاً عن آلية حصول المولودين في فرنسا بشكل آلي على الجنسية، وفق المبدأ المعمول به منذ عقود. وسارع وزير الداخلية جيرالد درامانان إلى اعتبار أن المجلس أقرّ القانون وفق صيغته الأصلية، أي تلك التي تقدمت بها الحكومة من دون التعديلات الإضافية.

وكان قد نزل عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع، يوم الأحد الماضي، في عشرات المدن الفرنسية كوسيلة ضغط على المجلس الدستوري لمنعه من إقرار القانون، كما نقل إليه. كذلك، أفادت أوساط الإليزيه أن ماكرون طلب من وزير الداخلية القيام بكل ما يلزم ليبدأ العمل بالقانون في أسرع وقت، ما يعني أن الحكومة تريد طي صفحته في أسرع وقت ممكن.

ومثلما كان منتظراً، شنّ اليمين بجناحيه هجمات عنيفة على «حكم القضاة»، وهم غير منتخبين. وطالب رئيس حزب «التجمع الوطني» بإجراء استفتاء حول الهجرات. فيما دعا أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريين»، إلى «إجراء تعديلات دستورية يكون هدفها الحفاظ على مصير فرنسا». وبالمقابل، فإن أوليفيه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، عبّر عن «ارتياحه» لقرار المجلس الدستوري. إلا أنه ذكر بأن لجوء الحكومة إلى اليمين، وبضغوط من اليمين المتطرف، لتمرير القانون في البرلمان «يعد لطخة لن تزول عن صدر الحكومة».


مقالات ذات صلة

اليونان وفرنسا تمدّدان اتفاقاً أمنياً دفاعياً

أوروبا رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس يحمل نسخة من الاتفاقات ويصافح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يزور أثينا (أ.ف.ب)

اليونان وفرنسا تمدّدان اتفاقاً أمنياً دفاعياً

استقبل رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أثينا لتوقيع عدد من الاتفاقات وتجديد اتفاق أمني.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
خاص صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

خاص فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

دعم فرنسي غير محدود للبنان وسعي جدي للتعامل مع رحيل «اليونيفيل» ونواف سلام من قصر الإليزيه: «لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن وفاة جندي فرنسي ثانٍ، الأربعاء، «متأثراً بجراحه» التي أصيب بها في كمين نُصب لقوات «يونيفيل» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إسرائيل إلى «التخلي عن أطماعها» التوسعية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.