روسيا ترسل «كتائب أممية» إلى أوكرانيا لتعويض غياب «فاغنر»

مجموعات من «المرتزقة» تضم مقاتلين من سوريا وبلدان أخرى

إعلانات من أجل الانضمام لمجموعة «فاغنر» في موسكو (رويترز)
إعلانات من أجل الانضمام لمجموعة «فاغنر» في موسكو (رويترز)
TT

روسيا ترسل «كتائب أممية» إلى أوكرانيا لتعويض غياب «فاغنر»

إعلانات من أجل الانضمام لمجموعة «فاغنر» في موسكو (رويترز)
إعلانات من أجل الانضمام لمجموعة «فاغنر» في موسكو (رويترز)

يعد موضوع مشاركة مرتزقة أجانب إلى جانب الجيش الروسي في المعارك الدائرة في أوكرانيا، من المحرمات التي لا تتطرق إليها عادة وسائل الإعلام في روسيا. ويكاد التطرق إلى هذا الموضوع يواجه بملاحقات قانونية على خلفية تشديد العقوبات على نشر أو تداول معطيات لا تؤكدها رسميا المؤسسة العسكرية.

لكن النسخة الإنجليزية من «روسيا اليوم» نشرت تقريرا نادرا قبل أيام، كشف للمرة الأولى تفاصيل في هذا الشأن. رغم أن التقرير موجه للقارئ الغربي وهدف إلى إظهار اتساع نطاق «التعاطف الأممي» مع روسيا، وفقا للعنوان الذي وضعته الشبكة التلفزيونية، وذكر بمصطلحات سوفياتية.

سيلفي مع قائد «فاغنر» الراحل يفجيني بريغوجين (أ.ب)

«جيش أممي حقيقي ...مقاتلون من النيجر ومصر وسوريا يحاربون إلى جانب روسيا» تحت هذا العنوان نشرت الشبكة تفاصيل عن نشاط مجموعات من المرتزقة الأجانب على بعض خطوط التماس. واللافت أن الشهادات التي قدمتها حملت تأكيدا إضافيا لتقارير نشرتها منصات سورية معارضة حول تنشيط نقل المتطوعين من مناطق سورية تقع تحت سيطرة دمشق إلى الأراضي الروسية تمهيدا لانخراطهم في الحرب الأوكرانية.

عناصر من «فاغنر» خلال التمرد في الصيف الماضي (أ.ب)

وكانت موسكو أعلنت بعد مرور أسابيع على انطلاق الحرب في أوكرانيا عن تشكيل فيلق للمتطوعين الأجانب، لكن هذا الموضوع لم يعد يثار على المستوى الرسمي والإعلامي لاحقا. في المقابل ركزت موسكو طوال عامي الحرب على نشاط المتطوعين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب كييف.

وفي الداخل الروسي، أقدمت موسكو على إدخال تعديلات قانونية واسعة لتسهيل حصول الأجانب الذين يقاتلون إلى جانبها في أوكرانيا على الجنسية الروسية.

سكان في رستوف على دبابة في بداية تمرد «فاغنر» الصيف الماضي (أ.ب)

ورغم أن الخطوة ساهمت في زيادة أعداد المتطوعين من بلدان سوفياتية سابقة لكنها شجعت أيضا فئات من الراغبين في الحصول على الجنسية وعلى تعويضات مالية من بلدان مثل سوريا ومصر وعدد من البلدان الأفريقية على الانضمام إلى المجموعات المقاتلة في أوكرانيا.

أشار تقرير النسخة الإنجليزية من «روسيا اليوم» إلى أن واحدة من «الكتائب الأممية» تنشط حاليا في إطار سرية سكيف التي تتمركز بالقرب من سوليدار. وقالت: «يخدم هنا جنود من النيجر ومصر وسوريا ومولدوفا. لقد درسوا في روسيا وتمكن منهم حب البلاد كثيراً لدرجة أنهم ذهبوا للدفاع عنها».

وأوردت الشبكة مقتطفات من لقاءات أجرتها مع بعض المقاتلين، الذين حصلوا كما يبدو على أسماء مستعارة للتغطية على هوياتهم.

وقال «دوس» القادم من مصر، وتحديدا من مدينة الإسكندرية، إنه في البداية لم يكن يتحدث الروسية على الإطلاق، «لكنني تعلمت القليل الآن. لقد أصبح لدي أصدقاء هنا»، وقالت الشبكة إن دوس «شجاع جدا ولا يخاف على الإطلاق من التفجيرات».

يقول الطالب السابق في كلية فورونيج للفنون التطبيقية: «أنا أحب روسيا، ولهذا السبب قررت التسجيل متطوعا وأتيت للدفاع عنها».

أيضا تحدث «فانكا» من النيجر عن حبه لروسيا، وزاد: «روسيا تساعد النيجر، وتساعد مصر، ولهذا السبب نحن جميعاً هنا، هناك كثير من الدول التي تساعدها روسيا والجيش الروسي. إن بلدكم يفعل كل شيء بشكل صحيح، وينظر إليه الكثيرون بأمل في أفريقيا وفي جميع أنحاء الكوكب».

لم يخف الطالب النيجري، الذي اشتكى من البرد غير المعتاد على الجبهة، أنه، مثل المتطوعين الآخرين، يتطلع إلى الحصول لاحقا على الجنسية الروسية والإقامة بشكل دائم في مدينة نيجني نوفغورود.

أما «غروزني» من سوريا فهو أيضا طالب سابق في أحد المعاهد الروسية، وقد تعرض خلال فترة خدمته القصيرة على الجبهة لإصابة بالغة في الرأس والذراعين تم بسببها نقله إلى المستشفى. وقد عاد أخيرا إلى الجبهة بعد تلقي العلاج.

مثل هؤلاء، ثمة كثيرون من بلدان مختلفة تطوعوا لأسباب مختلفة للقتال إلى جانب روسيا، إما طمعا بالجنسية أو بمستحقات مالية، أو لأسباب سياسية مثل «فايكنغ» من مولدوفا.

عَلم «فاغنر» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاهر فايكنغ بعدائه للسلطات في بلاده لأنها تعمل على التقارب مع الغرب. وقال إنه لن يتمكن من العودة إلى الوطن، هناك سوف يواجه السجن. يقول فايكنغ: «هناك مثل هذه المهنة، الدفاع عن الوطن الأم، ووطني هو مولدوفا وروسيا. أقاربي يعيشون في روسيا. أنا شخصياً مولدوفي ناطق بالروسية».

بعد خدمته، يخطط فايكنغ للبقاء في روسيا «لا يوجد خيار آخر الآن. لكن أولاً سوف نقاتل».

يقول: «إخواني في السلاح، المهاجرون من مولدوفا، يريدون إنشاء كتيبة دنيستر التي تحمل اسم (ديمتري كانتمير الأمير المولدافي الذي أقسم الولاء للإمبراطور الروسي بطرس الأكبر)»، يخطط فايكنغ للقيام بدور نشط في تنظيم جهود الانفصال عن مولدوفا.

ومع أن لكل قصة من تلك أبعادا تتعلق بالوضع الداخلي في البلدان التي جاء منها المتطوعون للقتال إلى جانب روسيا، لكن تبرز بالدرجة الأولى الظروف التي قادت متطوعين من سوريا للانضمام إلى الكتيبة الأممية التي تدعم روسيا.

الراحل يفغيني بريغوجين (رويترز)

وكان لافتا أن الحديث عن تجنيد مرتزقة من سوريا للقتال إلى جانب روسيا في البلد الجار، بدأ مبكرا. وأطلقته أولا مجموعة «فاغنر» كما شجعه الجيش الروسي بشكل مباشر. لكن هذا النشاط عاد إلى البروز بقوة أخيرا، ونقلت منصات سورية معارضة أن القوات الروسية نقلت أخيرا، ‏عشرات المقاتلين من مناطق سيطرة النظام إلى معسكرات في الشمال الروسي، تمهيدا لزجهم في القتال. ووفقا للمعطيات فقد شهد مطار اللاذقية الدولي مؤخرا تسيير رحلة جوية على متنها عشرات المرتزقة المجندين.

وقالت المعطيات إن المجندين كانوا قد وقعوا على عقود مع شركة أمنية روسية جديدة، وبعضهم من محافظة السويداء جنوب سوريا.

ولفتت إلى أن الشباب كانوا قد سجلوا على تلك الرحلة عبر شخص يعرف بوصف «المستقطب»، والذي عمل سابقا في تجنيد شباب سوريين في شركات أمنية روسية، للقتال في ليبيا.

ضباط شرطة روس أمام مقر «فاغنر» في سان بطرسبورغ (أ.ف.ب)

وأكدت أن الرحلة انطلقت من مطار اللاذقية، بطائرة مدنية، إلى مطار موسكو، الأسبوع الماضي، وفور وصول المسافرين إلى مطار موسكو، نقلتهم طائرة شحن من طراز «اليوشن» إلى مدينة في إقليم سيبيريا.

وذكرت أن السفر إلى روسيا كان عبر مستقطب معروف، طلب من كل مسافر سلفا دفع مبلغ يتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين ليرة سورية (نحو 250 دولارا).

وتطلب الجهة التي تجند المرتزقة من المسجلين لديها مجموعة من الأوراق الثبوتية، منها جواز سفر صالح لسنة على الأقل، وورقة غير موظف، وإذن سفر، أو بيان وضع من شعبة التجنيد.

اللافت أن المجندين وقعوا عقودا باللغة الروسية. ما يعني احتمال عدم اطلاعهم بشكل كامل على ما ينتظرهم بعد الوصول إلى معسكرات الاستقبال في سيبيريا. ووفقا لمعطيات الجهات المنظمة فثمة «رحلات عدّة ستنطلق في الفترة المقبلة، تضم مئات المسافرين من مختلف المحافظات السورية، إلى الأراضي الروسية».

المثير أن غياب «فاغنر» عن جبهات القتال، تم البدء بتعويضه أخيرا عبر تأسيس هياكل جديدة تضم مرتزقة من روسيا وبلدان الفضاء السوفياتي السابق، وتقع تحت إشراف وزارة الدفاع مباشرة. ويبدو أن المرتزقة المنضوين في «الكتائب الأممية» باتوا جزءا من هذه التشكيلات التي يتم إعدادها لخوض المعارك على خطوط التماس.

على صعيد آخر، تجنبت الأوساط العسكرية والدبلوماسية الروسية التعليق على تسريبات حول إقامة موسكو نقاط مراقبة وتفتيش في مناطق محاذية للجولان السوري. ولم تصدر إشارات في روسيا تؤكد أو تنفي صحة معطيات تداولتها مصادر سورية معارضة حول نشر الجيش الروسي سبع نقاط مراقبة في ريف القنيطرة الغربي، قالت إنها مراكز رصد وتفتيش بهدف منع وقوع تصعيد بين إسرائيل والمجموعات المتحالفة مع «حزب الله» اللبناني.

ووفقا لمصادر المرصد السوري، فإن النقاط التي تم تثبيتها في قرى وبلدات الريف الغربي لمحافظة القنيطرة هي، القحطانية - بئر عجم- بريقة - كودنا - الملعقة - الرفيد - غدير البستان.

اللفتنانت جنرال فلاديمير ألكسييف (يمين) مع الراحل بريغوجين في مقطع فيديو من روستوف يناشد رئيس «فاغنر» إعادة النظر في أفعاله (أ.ف.ب)

وكانت مصادر روسية نفت أخيرا، معطيات عن وساطة لتجديد اتفاقية إبعاد مقاتلي «حزب الله» والقوات المتحالفة مع إيران لمسافة 80 كيلومترا عن خطوط التماس في الجولان. ورغم ذلك أكدت موسكو في المقابل أنها تعارض توسيع رقعة المواجهات الدائرة في غزة، وتحولها إلى صراع إقليمي تشارك فيه سوريا وأطراف أخرى.


مقالات ذات صلة

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

وقّعت أوكرانيا وألمانيا صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار للمساعدة في التصدي للهجمات الروسية، فيما تزامنت زيارة للمستشار الألماني ميرتس مع ضربات جديدة في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (الكرملين - د.ب.أ) p-circle

ميدفيديف يحذر من «حرب فضائية» حال تعطيل الأقمار الاصطناعية الروسية

حذر نائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف من «حرب فضائية شاملة» وسط دعوات أوكرانية لحجب خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الروسية الجديدة «راسفيت».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا يتفقد عناصر الشرطة الأضرار الناجمة عن هجوم بطائرة مسيّرة روسية استهدف «الجسر الشمالي» في كييف (أ.ف.ب)

روسيا ستكثّف ضرباتها على أوكرانيا رداً على تهديدات زيلينسكي

أعلنت روسيا أنها ستكثّف ضرباتها على البنى التحتية الأوكرانية، رداً على تصريحات للرئيس فولوديمير زيلينسكي توعّد فيها بزيادة هجمات كييف على مصافي النفط الروس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس لدى وصوله إلى كييف (د.ب.أ)

استهداف جسر في كييف خلال زيارة المستشار الألماني

وصل المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إلى كييف، اليوم (الأحد)، برفقة رؤساء تنفيذيين لشركات دفاع ألمانية، في بادرة دعم للرئيس الأوكراني مع تصاعد الهجمات الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا زحمة سير في كييف بعد قصف جسور (رويترز) p-circle

روسيا تجدد دعوة الدبلوماسيين والأجانب إلى مغادرة كييف

جددت روسيا، السبت، دعوتها الدبلوماسيين والأجانب الموجودين في كييف إلى المغادرة، محذرةً من أنها ستواصل شنّ «ضربات انتقامية واسعة النطاق» على العاصمة الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

حزب بريطاني يصنّف الصهيونية «شكلاً من أشكال العنصرية»

زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)
زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)
TT

حزب بريطاني يصنّف الصهيونية «شكلاً من أشكال العنصرية»

زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)
زاك بولانسكي زعيم حزب «الخضر» البريطاني ذي التوجّه اليساري يتحدث خلال مؤتمر الحزب السنوي في برايتون (إ.ب.أ)

صنّف حزب «الخضر» البريطاني، ذو التوجّه اليساري، الأحد، الصهيونية بوصفها «شكلاً من أشكال العنصرية»، وذلك في تصويت أجراه خلال مؤتمره السنوي، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة لدى جماعات يهودية بريطانية والحكومة الإسرائيلية.

أقرّ أعضاء حزب «الخضر» الذي يشغل خمسة مقاعد في مجلس العموم البريطاني المؤلف من 650 مقعداً، والذي حقّق تقدّماً في الانتخابات المحلية والفرعية الأخيرة، التصنيف بتأييد 1022 عضواً ومعارضة 813 عضواً.

وينص القرار على أن تُعامَل الصهيونية «كأي شكل آخر من أشكال العنصرية»، وعلى دعم الحزب لإقامة «دولة فلسطينية ديموقراطية واحدة على كامل (أراضي) فلسطين التاريخية».

وتسجّل شعبية الحزب صعوداً بقيادة زاك بولانسكي، مع استقطاب ناخبين رافضين لموقف حكومة حزب «العمال» حيال الحرب في قطاع غزة.

وقالت ثلاث منظمات تمّثل الجالية اليهودية في رسالة إلى الحزب قبل التصويت «إن إقرار هذا المقترح من شأنه أن يجعل حزب الخضر أول حزب سياسي بريطاني ذي وزن انتخابي يُقر، في الذاكرة المعاصرة، برنامجاً سياسياً يبدو أنه يتضمن مواقف معادية للسامية بشكل صريح».

وحذّرت المنظمات ممّا «قد يترتب على ذلك من تداعيات على أمن كل اليهود البريطانيين وسلامتهم».

من جهتها، حذّرت وزارة الخارجية الإسرائيلية من أن هذه السياسة تتخطى «حدود النقاش السياسي المشروع».

وأضافت: «يتعيّن على كل الأحزاب السياسية في بريطانيا، في مقدّمها حزب العمال الحاكم، أن ترفض بشكل لا لبس فيه هذا القرار المشين».

كذلك وصف الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ قرار الحزب بأنه «وصمة عار». وجاء في منشور لهرتسوغ، على منصة «إكس»، «الصهيونية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي، وهي تشكل الأساس لحق الشعب اليهودي في إقامة دولة ووطن قومي في أرض إسرائيل».

وعلى الرغم من معارضة ثلاثة على الأقل من نواب الحزب الخمسة لمشروع القرار، قال بولانسكي، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن «تهجير الشعب الفلسطيني وإبادته الجماعية» يُعدّان «عنصرية بكل وضوح».


انتخابات بالبوسنة في ظل انقسامات عميقة

باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)
باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات بالبوسنة في ظل انقسامات عميقة

باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)
باكير عزت بيغوفيتش العضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك والمرشح الرئاسي يسير مع زوجته بعد الإدلاء بصوته في سراييفو الأحد (أ.ف.ب)

توجّه البوسنيون إلى صناديق الاقتراع الأحد للمشاركة في انتخابات وطنية بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والانقسامات العميقة بين الجماعات المكوّنة لجمهورية البوسنة والهرسك. وقد تؤثر هذه الانتخابات على مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى النفوذ الذي تسعى كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى ممارسته على الدولة الصغيرة في البلقان.

وصوّت الناخبون لاختيار أعضاء الرئاسة الثلاثية للبوسنة ونواب البرلمان، إلى جانب انتخابات تشريعية محلية في الكيانين الاتحاديين اللذين تتألف منهما الدولة. وقال رئيس اللجنة المركزية للانتخابات في البوسنة يوفان كالابا للصحافيين في سراييفو إن بعض مراكز الاقتراع اضطرت إلى الإغلاق مؤقتاً بسبب مشكلات في نظام التصويت الإلكتروني. وغيّرت اللجنة تصميم بطاقات الاقتراع واستحدثت نظاماً جديداً للتعرف البيومتري على الناخبين، وأجهزة مسح إلكترونية قالت إنها تهدف إلى الحد من التزوير. وأوضح كالابا أن نسبة المشاركة بلغت 11.94 بالمائة بحلول الساعة 11 صباحاً، مقارنة بنحو 15 في المائة في التوقيت نفسه خلال انتخابات 2022.

ميلوراد دوديك الرئيس السابق لجمهورية صربسكا والعضو السابق في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك في مركز اقتراع قرب بانيا لوكا الأحد (أ.ف.ب)

محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

وتزايد إحباط الناخبين بسبب تباطؤ الاقتصاد وبطء وتيرة محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي واستمرار الأزمة السياسية؛ إذ عرقلت الأحزاب المهيمنة التي يغلب عليها الطابع العرقي في الكيانين مراراً قرارات الحكومة المركزية الضعيفة التي تربط بينهما.

وتجد البوسنة صعوبة ‌في التعافي منذ ‌الحرب الدامية التي دارت بين عامَي 1992 و1995. وحصلت على صفة دولة مرشحة ‌لعضوية الاتحاد الأوروبي في ديسمبر (كانون الأول) 2022، وعلى الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام إلى التكتل في 2024. لكن المفاوضات الفعلية لم تبدأ بعد؛ لأن القادة السياسيين المحليين لم يطبقوا بعد المتطلبات الأساسية مثل تعزيز الرقابة القضائية، وإقرار قوانين لمكافحة الفساد.

وانتهت الحرب بإبرام «اتفاقية دايتون للسلام» عام 1995 بوساطة الولايات المتحدة، والتي قسمت البوسنة على أسس عرقية إلى جمهورية صرب البوسنة واتحاد البوسنيين (البوشناق) والكروات، وتربطهما حكومة مركزية ورئاسة ثلاثية.

تجاوز خطاب الانقسام

ويقول كثير من الناخبين في البلد الذي يبلغ عدد سكانه ‌نحو 3.4 مليون نسمة إنهم يريدون تجاوز الخطاب المثير للانقسام، ‌لكن المشهد السياسي يبدو عالقاً في مكانه. وتتنافس في هذه الانتخابات أحزاب تأسست بناء على توجهات عرقية، وهي حزب العمل الديمقراطي ‌البوسني، وتحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي المنتمي للتيار القومي في مواجهة تحالفات معارضة متعددة الأعراق ‌بقيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي. وتشير بيانات «منصة بوليويف» المعنية بتتبع توجهات الانتخابات إلى أن حزب العمل الديمقراطي يتقدم بفارق ضئيل على مستوى البوسنة بنسبة 21.4 في المائة، يليه الحزب الديمقراطي الاجتماعي بنسبة 16.7 في المائة. وفي جمهورية صرب البوسنة، يتصدر تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين بزعامة ميلوراد دوديك، الذي يدعو إلى توثيق العلاقات مع صربيا وروسيا، بنسبة 34.2 في المائة. وقالت زيلكا تسفيانوفيتش، مرشحة ‌تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين الساعية للفوز بولاية ثانية في الرئاسة الثلاثية: «نختار من يمكنهم إدارة بعض العمليات وبناء المجتمع وجعل جمهورية صرب البوسنة آمنة ومستقرة».

وإذا فازت الأحزاب القائمة على أساس عرقي واستمرت في خلافاتها داخل الحكومة المركزية، والتي ستكون الجهة التي ستنضم رسمياً إلى الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف، فمن المرجح أن يشهد التقدم في عملية الانضمام تعثراً أكبر. وقال إسماعيل غاراسلييفيتش (51 عاماً)، وهو معلم في مدرسة ثانوية في العاصمة سراييفو: «بعد أكثر من 30 عاماً على الحرب، لا يزال الوضع على حاله. ما زلنا نتحدث عن القومية... الوجوه نفسها والقصة نفسها باستمرار».

وسعت قوى كبرى منذ فترة طويلة إلى بسط نفوذها على البوسنة. ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع عضويته في منطقة البلقان، بما في ذلك البوسنة، لكن روسيا تعرقل هذه الجهود من خلال مواصلة دعمها جمهورية صرب البوسنة. وحاولت الولايات المتحدة أيضاً تعزيز نفوذها، وتدفع باتجاه مشروع خط أنابيب تكلفته 1.5 مليار دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال الأميركي، تتولى تشغيله شركة لها صلات بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن الاتحاد الأوروبي حذر من أن اختيار الشركة يفتقر إلى الشفافية التنافسية. ودخلت واشنطن أيضاً في خلافات مع بروكسل بشأن دور الممثل السامي الدولي، الذي يتولى بموجب اتفاق «دايتون» فرض تطبيق القوانين.


صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)
TT

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)

وقّعت أوكرانيا وألمانيا صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار للمساعدة في التصدي لتصاعد الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة، فيما تزامنت زيارة تضامنية للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الأحد، مع ضربات جديدة وصفارات إنذار في كييف.

وتشمل الاتفاقية أسلحة للطائرات المسيّرة القتالية، ودعماً لقطاع الطاقة الأوكراني المتضرر بشدة، والذي تستهدفه روسيا لقطع التدفئة والكهرباء خلال أشهر الشتاء شديدة البرودة، وفق ما كتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد وصل الأحد إلى كييف لتأكيد الدعم الأوروبي لأوكرانيا، فيما تُصعّد روسيا ضرباتها على العاصمة؛ حيث استهدفت مجدداً جسراً، ودوّت صفارات الإنذار مراراً، بما في ذلك أثناء اصطحاب زيلينسكي المستشار فريدريش ميرتس لمعاينة الأضرار التي لحقت بالأكاديمية الوطنية للعلوم، بعدما استهدفتها طائرة مسيّرة هجومية روسية الاثنين الماضي، ما أسفر عن مقتل شخصين.

وقال ميرتس: «هنا يمكننا أن ندرك عبثية هذه الحرب التامة»، مضيفاً: «يجب أن تتوقف هذه الهجمات الهمجية على السكان المدنيين الأوكرانيين».

عنصران من الشرطة يعملان في موقع على الجسر الشمالي في كييف بعد استهدافه بغارة جوية روسية الأحد (رويترز)

استهداف جسر في كييف

وألحق انفجار سُمع في أنحاء المدينة أضراراً بسطح الطريق على الجسر الشمالي، وهو أحد عدة جسور تربط بين شرق كييف وغربها فوق نهر الدنيبر، وتعرضت لضربات متكررة خلال الأيام الأربعة الماضية.

وقال رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو، إن كييف، التي بقيت إلى حد كبير بمنأى عن الدمار الذي لحق بالمناطق القريبة من خطوط الجبهة خلال نحو 5 سنوات من النزاع، ينبغي أن تكون الآن في حالة تأهب بسبب تصاعد الهجمات.

وطالت هجمات متواصلة على مدار الساعة مناطق سكنية ومحطات وقود ومدارس وبنى تحتية للسكك الحديدية والاتصالات، فيما تُعطل صفارات الإنذار شبه المتواصلة الحياة اليومية، وتبقي السكان في حالة توتر.

ويأتي هذا فيما أفاد زيلينسكي، الأحد، بأن الولايات المتحدة تسعى إلى التوسط لعقد جولة جديدة من المحادثات بين أوكرانيا وروسيا بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ 4 أعوام ونصف العام، على أن تُعقد بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول).

وحذّر ميرتس لدى وصوله أوكرانيا من أن دعم أوكرانيا أمر حيوي لأمن أوروبا. وأعلن ميرتس أن «أوكرانيا بحاجة إلى دعمنا الكامل في الأسابيع المقبلة»، مضيفاً أنه «إن لم يتم وقف روسيا ستتجه آلتها العسكرية إلينا عاجلاً أم آجلاً».

وطالبت أوكرانيا مراراً بأنظمة اعتراض متطورة لإسقاط الطائرات المسيّرة الروسية الجديدة والسريعة والمزودة بمحركات نفاثة، إضافة إلى الصواريخ البالستية القوية.

طائرات مسيّرة اعتراضية من طراز التجسس طوّرتها شركة «كوانتوم WIY» للصناعات في أوكرانيا تم عرضها خلال زيارة المستشار الألماني إلى كييف الأحد (د.ب.أ)

إنتاج مشترك للطائرات المسيّرة

وقال ميرتس خلال مؤتمر صحافي مشترك مع زيلينسكي إن الاتفاق الأخير ينص على الإنتاج المشترك لطائرات مسيّرة مخصصة لاعتراض المسيّرات النفاثة. وأضاف: «تحققت بالفعل اختراقات تقنية كبيرة في هذا المجال خلال الأسابيع الأخيرة». وتابع: «تجري الآن زيادة الإنتاج، وهذا يُعزز الدفاع الجوي الأوكراني بسرعة وبشكل كبير».

وقال ميرتس أيضاً: «نحن نزود أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة قتالية، وتقنيات للأقمار الاصطناعية، حتى تتمكن أيضاً من استهداف مواقع الإطلاق الروسية».

وتوعدت روسيا، الأحد، بتكثيف ضرباتها على البنى التحتية الأوكرانية، ردّاً على تصريحات لزيلينسكي توعّد فيها بزيادة الهجمات على مصافي النفط الروسية.

ودعا ميرتس هذا الأسبوع إلى الوحدة في مواجهة روسيا داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا، وكذلك في بلاده؛ حيث يشهد حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف والمقرّب من موسكو صعوداً.

وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان: «عقب التصريحات التي أدلى بها زيلينسكي، ستُكثَّف ضربات القوات المسلحة الروسية على المنشآت العسكرية والصناعية، وكذلك على البنى التحتية المرتبطة بها، في كييف ومناطق أخرى من أوكرانيا». وكان الأمن من أبرز اهتمامات الناخبين في انتخابات نهاية الأسبوع في لاتفيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والتي تشترك في حدود مع روسيا.

وحذّرت روسيا، السبت، الأجانب والدبلوماسيين من البقاء في كييف، قائلة إنها ستتعرض لضربات جوية جديدة «واسعة النطاق». وواصل قادة دول حليفة لأوكرانيا زياراتهم رغم تهديد مماثل صدر في مايو (أيار).

وكتبت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى أوكرانيا كاتارينا ماثيرنوفا على «إكس»، الأحد: «بعثة الاتحاد الأوروبي باقية. تهديدنا لن يوقف دعم أوروبا لأوكرانيا، بل يذكّرنا فقط بأهمية هذا الدعم!».

وقالت كاتارينا ماثيرنوفا: «لا أحد يغادر»، مضيفة أن السفارات الأوروبية لديها دائماً خطط طوارئ، بما في ذلك لفصل الشتاء، حسبما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ميرتس للصحافيين إنه لم يتأثر بالتهديد، لكنه لا يعرف ما إذا كان قد صدر ليتزامن مع زيارته.

وأقرت روسيا بأنها تتعمد استهداف قطاع الطاقة الأوكراني مع اقتراب فصل الشتاء. وفي العام الماضي، أدت هجمات مماثلة إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة لأيام متتالية مع انخفاض درجات الحرارة إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر.

وفي كييف، التي يقطنها نحو 3 ملايين شخص، بدأ السكان التفكير فيما سيفعلونه إذا تكرر ذلك. كما اقترحت الحكومة على الأشخاص الأكثر ضعفاً وذوي الإعاقة التفكير في مغادرة المدينة. وقال ميرتس إن قيمة برنامج الدعم الشتوي الذي تقدمه برلين تبلغ نحو 350 مليون يورو للمساعدة في توفير مولدات ومحطات تحويل وإصلاح شبكة الكهرباء.