الاتحاد الأوروبي في 2023... حرب أوكرانيا كشفت عجزه والموجة اليمينية إلى ارتفاع

افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ  الأثنين الماضي (إ. ب. أ)
افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأثنين الماضي (إ. ب. أ)
TT

الاتحاد الأوروبي في 2023... حرب أوكرانيا كشفت عجزه والموجة اليمينية إلى ارتفاع

افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ  الأثنين الماضي (إ. ب. أ)
افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأثنين الماضي (إ. ب. أ)

على قلق شديد من الآتي، وانحسار ملحوظ في الآمال والطموحات، يطوي الاتحاد الأوروبي صفحة العام الذي كان مفترضاً أن يشهد بداية تكريس دوره بوصفه قطباً جيوسياسياً ثالثاً في المشهد الدولي؛ لكنه انتهى بضمور غير متوقع لهذا الدور، ويستعدّ لسنة جديدة يعقد عليها الآمال في استعادة الدور الضائع، وإيجاد الموقع المنشود في لعبة المحاور الدولية، ورأب الصدع الداخلي الذي يتسّع تحت وطأة الانجراف إلى الضفاف اليمينية والشعبوية المتطرفة.





منذ سنوات والرياح الخارجية لا تجري في الاتجاه الذي تشتهيه السفينة الأوروبية التي تواجه أيضاً أعاصير مناخ داخلي تعكّر صفاء التعايش بين الشركاء، وتهدد بنسف معادلات التوازن التي قام عليها المشروع الأوروبي منذ تأسيسه.

انكشاف العجز

فالحرب في أوكرانيا، على أبواب الاتحاد، لم تفرض -فحسب- واقعاً جديداً استدعى إعادة خلط الأوراق في التوازنات الأمنية والجيوستراتيجية داخل الدائرة الأوروبية وخارجها؛ بل كانت ضربة نفسية في عمق الفكرة التي تأسس عليها المشروع، لتفادي تكرار مآسي الحربين الأولى والثانية على التراب الأوروبي.



في المراحل الأولى للحرب، تداعى الشركاء الأوروبيون إلى توافق غير مسبوق في السياسات الدفاعية والخارجية لدعم أوكرانيا بالعتاد العسكري والمساعدات المالية، وتوفير التسهيلات لاستقبال ملايين اللاجئين والنازحين في دول الجوار. لكن، مع مرور الوقت، واتضاح إمساك الولايات المتحدة بجميع مفاتيح قرارات الدعم الغربي لأوكرانيا، انكشف العجز الأوروبي عن تحقيق هدف الاستقلالية الاستراتيجية التي كانت عنوان حملة رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، قبل انتخابها، بينما كان يتصدّع إجماع الشركاء الأوروبيين على تقديم الدعم المتواصل لأوكرانيا، تحت وطأة التداعيات الاقتصادية للحرب وذيولها الاجتماعية في البلدان المجاورة.





وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن السياسة الخارجية والدفاعية الموحدة ستبقى سراباً يسعى الاتحاد الأوروبي وراءه، وأن الإصرار على هذا السعي بأي ثمن من شأنه أن يكون صاعقاً يخلخل التماسك الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأت تظهر عليه أعراض الوهن في السنوات الأخيرة.





وجاءت الحرب في قطاع غزة، ومواقف العواصم الأوروبية المتباينة بشأنها، لتؤكد استحالة توحيد السياسات الأوروبية الخارجية، حتى تجاه القضايا التي تمسّ مباشرة أمن الدول الأعضاء في الاتحاد، وتهدد استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.

العلاقات مع الصين

إلى جانب ذلك، ما زال الاتحاد الأوروبي يجهد بصعوبة لتحديد إطار واضح لعلاقاته مع الصين، محاولاً الموازنة بين المبادئ الأساسية التي يقوم عليها من جهة، والمصالح التجارية الضخمة التي تربط بعض أعضائه بالمارد الآسيوي من جهة أخرى، فضلاً عن الضغوط التي يتعرض لها من الولايات المتحدة التي تريده بجانبها في صراعها المفتوح على الزعامة الدولية مع بكين.

لكن التحديات والمخاوف الداخلية لا تقلّ خطورة عن أزمات الخارج التي يخشى أن تتحول شظاياها إلى فتيل يشعل اضطرابات دينية وعرقية داخل البيت الأوروبي، الذي قام مشروع الاتحاد أساساً لتحصينه ضد الحركات العنصرية واليمينية المتطرفة التي تسببت في دماره ودفعته إلى الارتماء بين أذرع القوتين العظميين اللتين خرجتا من رحم الحرب العالمية الثانية.

موجة يمينية متطرفة

فإلى جانب الأزمات الخارجية التي يقف الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن التأثير الحاسم في مسارها ونتائجها، تهبّ على البلدان الأوروبية موجة يمينية واسعة لم تعرفها منذ تأسيس الاتحاد، وباتت تشكّل خطراً يهدد الركائز الأساسية التي قام عليها المشروع الأوروبي، وتدفع حتى بالأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية إلى تبنّي طروحات ومواقف يمينية تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي لعبت أوروبا دوراً أساسياً في وضعها بعد الحرب العالمية.





أكثر من نصف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تزيد شعبية اليمين المتطرف فيها على 20 في المائة، بينما 4 من أصل الدول الخمس الكبرى تشارك فيها أحزاب يمينية متطرفة في الحكم، ومع كل استحقاق انتخابي تتسع دائرة التأييد لهذه الأحزاب، مع ارتفاع تدفقات الهجرة غير الشرعية، ومعدلات التضخم، وكلفة السياسات المناخية.





وأكثر ما يثير القلق اليوم في المؤسسات الأوروبية، هو أن اليمين المتطرف لم يعد بحاجة للوصول إلى السلطة للتأثير في السياسات المحلية والاتحادية؛ إذ يكفيه الحصول على نسبة وازنة من التأييد الشعبي في الانتخابات، للضغط على الحكومات ومنعها من تأييد الإصلاحات التي يحتاج إليها الاتحاد من أجل تنفيذ المشاريع الكبرى التي تنتظر توافق الدول الأعضاء منذ سنوات.

هذا لا يعني أن أوروبا تقف على أبواب العودة إلى حكم الفاشيين، كما حصل في ثلاثينات القرن الماضي تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة؛ لكن خطر الموجة اليمينية بات محدقاً، والقيادات المتطرفة لم تعد تخفي هدفها الرئيسي بتغيير القواعد والمبادئ الرئيسية التي تأسس عليها الاتحاد.

تحديات الهجرة وسياساتها

وبينما تواصل القوى اليمينية المتطرفة قضم مزيد من التأييد الشعبي عند كل استحقاق انتخابي، كما حصل مؤخراً في هولندا، يرتفع منسوب القلق والترقب أمام الانتخابات الأوروبية المقررة مطالع يونيو (حزيران) المقبل؛ حيث -للمرة الأولى منذ تأسيس البرلمان الأوروبي- لم تعد الكتلتان: الاشتراكية والمحافظة، اللتان وجّهتا الدفّة السياسية في العقود المنصرمة، تشكلان الأغلبية البسيطة التي غالباً ما يقتضي تحصيلها اللجوء إلى تحالفات مع القوى اليمينية المتطرفة.



ولعل السمة الأبرز التي ميّزت المشهد الأوروبي خلال هذا العام الذي ينقضي، هو الوجه البشع الذي كشفته سياسات الهجرة، كما تبدّى لنا في التجوال على أكثر من عشرين دولة أوروبية؛ حيث شاهدنا «السجون العائمة» التي يتكدّس فيها المهاجرون قبالة المواني البريطانية، أو المخيمات المكتظة في الجزر اليونانية؛ حيث يتعرض المهاجرون لشتى أنواع سوء المعاملة، أو في الدنمارك؛ حيث ينصّ قانون الهجرة على جواز مصادرة أموال المهاجرين ومجوهراتهم، باستثناء قطعة واحدة، هي... محبس الزواج.


مقالات ذات صلة

أوروبا تعلن دعماً لغرينلاند بـ200 مليون يورو في مواجهة أطماع ترمب

أوروبا رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن (يميناً) ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (وسطاً) ورئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن (يساراً) يزورون سفينة التفتيش «ثيتيس» في نوك عاصمة غرينلاند (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا تعلن دعماً لغرينلاند بـ200 مليون يورو في مواجهة أطماع ترمب

أكّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الاثنين أثناء زيارتها غرينلاند، تعزيز الحضور الأوروبي في هذه الجزيرة القطبية الشاسعة.

«الشرق الأوسط» (نوك)
المشرق العربي سفير المملكة العربية السعودية غازي العنزي (يساراً) بعد تقديم أوراق اعتماده للرئيس السوري أحمد الشرع بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني (حساب الرئاسة)

الشرع يتقبّل أوراق اعتماد سبعة سفراء... بينهم سفير السعودية

تقبّل الرئيس أحمد الشرع، اليوم (الأحد)، أوراق اعتماد سبعة سفراء لدى الجمهورية العربية السورية، خلال مراسم رسمية أُقيمت في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن لدى استقبالهما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في نوك الأحد (أ.ف.ب)

فون دير لاين في غرينلاند لإظهار الدعم الأوروبي للإقليم

بدأت رئيسة المفوضية الأوروبية زيارة إلى غرينلاند، بهدف تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لهذا الإقليم الدنماركي الذي أبدى الرئيس الأميركي ترمب رغبته بالسيطرة عليه.

«الشرق الأوسط» (نوك (غرينلاند))
أوروبا البرلمان الأوروبي يواصل سلسلة قراراته ضد تركيا بسبب وجودها العسكري في شمال قبرص (أ.ف.ب)

توتر بين أنقرة وأوروبا بشأن الوجود العسكري شمال قبرص

تسبب مقترح من «البرلمان الأوروبي» بتخصيص تمويل لإنشاء نصب تذكاري؛ تخليداً لذكرى نساء «قبرصيات يونانيات» تعرضن لعنف جسدي من قبل الجنود الأتراك في توتر مع تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
تحليل إخباري أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)

تحليل إخباري عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

انطلقت «مجموعة الراين» في أغسطس (آب) 2026 كمبادرة خاصة تجمع نحو 55 شخصية بارزة من عالم الأعمال والمال والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام.

أنطوان الحاج

بريطانيا تستعد لفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

 وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تستعد لفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية

 وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)

من المقرر أن يعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، اليوم (الثلاثاء)، فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة تعكس تشدداً في موقف حكومة رئيس الوزراء أندي بيرنهام.

وقالت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) إنه من المتوقع أن يقدّم ميليباند بياناً أمام مجلس العموم، يحدد من خلاله ما وصفته الحكومة بـ«إعادة ضبط» العلاقات البريطانية مع إسرائيل.

وأشار وزراء بريطانيون إلى أن البضائع القادمة من المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، وهي أراضٍ فلسطينية، قد تخضع لقيود تجارية ضمن حزمة التغييرات المرتقبة.

وهددت إسرائيل بالفعل بالرد على أي عقوبات بريطانية تتعلق بالتوسع الاستيطاني المحتمل في الضفة الغربية، حيث حذّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قائلاً: «إذا عملت بريطانيا ضد إسرائيل فستعمل إسرائيل ضد بريطانيا».

وفي تصعيد لافت، دعا وزير الأمن العام الداخلي الإسرائيلي المتشدد، إيتمار بن غفير، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاعتراف رسمياً بجزر فوكلاند باعتبارها «أراضي أرجنتينية محتلة، يسرقها البريطانيون من الشعب الأرجنتيني».

ومن جانبه، دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إلى طرد السفير البريطاني فوراً، وكتب على منصة «إكس»، مساء الاثنين: «اطردوا السفير البريطاني الليلة».

وأضاف: «لن نكون ممسحة أرض تدوس عليها حكومة معادية للسامية، في بلد غزاها الإسلام الراديكالي، تحاول إنقاذ نفسها من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي بمهاجمة اليهود ودولة إسرائيل. الانتداب البريطاني في أرض إسرائيل قد انتهى».


روسيا تستأنف قصف كييف بعد وقف قصير لإطلاق النار

تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)
TT

روسيا تستأنف قصف كييف بعد وقف قصير لإطلاق النار

تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء استهداف روسي للعاصمة كييف اليوم (د.ب.أ)

استأنفت روسيا ضرباتها المكثفة على العاصمة الأوكرانية كييف عقب وقف إطلاق نار قصير، حسبما قال مسؤولون أوكرانيون في وقت مبكر من صباح اليوم (الثلاثاء).

واتفقت كييف وموسكو على وقف الضربات على عاصمتيهما لمدة ثلاثة أيام، لإتاحة المجال أمام المفاوضين الأميركيين لزيارة الطرفَين خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وأفادت تقارير بوقوع انفجارات ليلاً في كييف، حيث أصابت شظايا طائرات مسيّرة متساقطة عدة مبانٍ سكنية ومدرسة وسيارات، حسبما ذكرت وسائل إعلام أوكرانية.

وقالت صحيفة «كييف إندبندنت»، نقلاً عن رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو، إن عدة أشخاص علقوا تحت أنقاض مبنى سكني تضرر جراء الهجمات.

وقال كليتشكو إن فرقاً طبية أُرسلت إلى أحد المواقع التي تعرضت للهجوم. ولم تتوفر حتى ذلك الحين معلومات عن أعداد الضحايا.

وأفادت الصحيفة بإطلاق صفارات الإنذار من الغارات الجوية في مناطق أخرى من البلاد.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، زار المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو أولاً، ثم توجها للمرة الأولى إلى كييف، لإجراء محادثات مع طرفَي الحرب بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وتُعدّ الولايات المتحدة نفسها وسيطاً في هذه العملية. ولم يتضح في البداية تحقيق أي تقدم فوري عقب الزيارتَيْن.

وتدافع أوكرانيا عن نفسها في مواجهة الغزو الروسي الشامل منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام. وتركزت الضربات الأوكرانية المضادة على منشآت النفط، ومؤخراً على شركات البيع بالتجزئة الروسية عبر الإنترنت.

من جانبه، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي لموقع «أكسيوس» الأميركي أن روسيا أبلغت مبعوثَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستعدادها لبدء مفاوضات بشأن الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى احتمال حدوث «خفض للتصعيد» خلال فصل الشتاء.

وقال زيلينسكي، في هذه المقابلة، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «في حاجة إلى ترمب»، ولا يريد «إغضابه»، لا سيما قبل انتخابات منتصف الولاية المقررة مطلع نوفمبر (تشرين الثاني).

وأشار «أكسيوس» إلى أن من بين المسارات التي طرحتها واشنطن لبدء عملية سلام، احتمال حدوث «خفض للتصعيد» قبل فصل الشتاء أو خلاله.

وقال زيلينسكي للموقع: «هناك أفكار تتعلّق بالطاقة والحبوب والكهرباء، وكذلك بالنفط والغاز».

وتمثّل البنى التحتية المرتبطة بهذه القطاعات هدفاً رئيسياً للهجمات المتبادلة التي يشنها الطرفان بشكل يومي.

من جهته، قدّر ويتكوف، الاثنين، أن جولته أتاحت تحقيق «تقدم جوهري» نحو تنظيم محادثات ثلاثية لإنهاء النزاع الذي اندلع جراء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وانتُخب ترمب عام 2024 مع تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة، وهو مسعى لم ينجح فيه حتى الآن.


اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

اكتساح انتخابي لحزب «البديل»... ما سرّ صعود أقصى اليمين في شرق ألمانيا؟

أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أعضاء في حزب «البديل» يحتفلون بنتائج انتخابات ساكسونيا-أنهالت في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أظهرت انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، التي أُجريت الأحد 6 سبتمبر (أيلول)، أن الانقسام السياسي بين شرق ألمانيا وغربها لا يزال حاضراً بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة الألمانية. فالنتيجة التاريخية التي حققها حزب «البديل من أجل ألمانيا» المنتمي إلى أقصى اليمين تعكس مساراً أوسع جعل ولايات الشرق معقله الانتخابي الأبرز، وأعادت طرح السؤال عن أسباب اختلاف سلوك ناخبي هذه الولايات عن بقية البلاد.

وحصد الحزب نحو 44 في المائة من الأصوات، بعدما حصل على 20.8 في المائة فقط عام 2021، بينما تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حزب المستشار فريدريش ميرتس، إلى نحو 18 في المائة بعدما نال 37.1 في المائة قبل خمس سنوات. وتكرّس هذه النتيجة اتجاهاً برز خلال السنوات الماضية في ولايات شرق ألمانيا، حيث عزّز «البديل» حضوره الانتخابي وبات يتقدّم بفارق واضح على الأحزاب التقليدية.

جذور السخط في الشرق

لفهم هذه الخريطة الانتخابية، لا بد من العودة إلى تجربة توحيد ألمانيا عام 1990. فبعد انهيار النظام الشيوعي في ألمانيا الشرقية، انتقلت المنطقة بسرعة إلى اقتصاد السوق، وأُغلقت أو أعيدت هيكلة مؤسسات صناعية كثيرة، فيما فقد مئات الآلاف وظائفهم وغادر عدد كبير من الشباب باتجاه الولايات الغربية.

مواطنون من ألمانيا الشرقية يتسلّقون جدار برلين عند بوابة براندنبورغ بعد الإعلان عن فتح الحدود مع ألمانيا الشرقية - برلين 10 نوفمبر 1989 (رويترز)

وبحسب «مؤسسة بروكينغز»، وهي مركز أبحاث أميركي، يرتبط صعود «البديل» في الشرق بعوامل من بينها عدم المساواة الاقتصادية، وضعف البنية المدنية، وتراجع الارتباط بالأحزاب، فضلاً عن استياء لدى بعض السكان من الطريقة التي جرت بها إعادة توحيد البلاد، عبر اندماج ألمانيا الشرقية سريعاً في النظام السياسي والاقتصادي القائم في الغرب. كما يستثمر الحزب حنين قسم من الناخبين إلى جوانب من ماضي ألمانيا الشرقية.

وتشير شبكة «دويتشه فيله» الإعلامية الألمانية إلى استمرار بعض الفوارق بين الشرق والغرب بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة، إذ لا تزال مستويات الدخل والثروة أدنى في الولايات الشرقية، التي شهدت أيضاً تراجعاً في عدد السكان وانتقال أعداد كبيرة من الشباب إلى غرب البلاد.

وتتداخل العوامل الاقتصادية مع شعور لدى قسم من سكان الشرق بأن تجربتهم وهويتهم لم تحظيا بالتقدير الكافي بعد الوحدة، وأن ألمانيا الشرقية اندمجت في النظام الغربي القائم من دون أن يشعروا بأن عملية توحيد البلاد قامت على شراكة متكافئة بين تجربتي الشرق والغرب.

الهجرة والهوية وتصويت الاحتجاج

وجد حزب «البديل» في ظل هذا الشعور بالتهميش والاستياء مساحة مناسبة لتقديم نفسه باعتباره قوة تتحدى النخب والأحزاب التي حكمت البلاد لعقود. واستفاد تباعاً من أزمة اللاجئين التي شهدتها ألمانيا عام 2015، والاعتراض على القيود خلال جائحة كورونا، ثم التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.

أنصار حزب «البديل من أجل ألمانيا» يحتجون على الحكومة في برلين بألمانيا 8 أكتوبر 2022 (رويترز)

وأصبحت الهجرة إحدى أبرز أدوات التعبئة السياسية للحزب، الذي يدعو إلى تشديد سياسات اللجوء والهجرة والترحيل. والمفارقة أن بعض المناطق التي يسجّل فيها «البديل» أعلى نسب التأييد تضم أعداداً محدودة نسبياً من المهاجرين، ما يشير إلى أن القضية تتصل أيضاً بالمخاوف من التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية وبمسألة الهوية.

ويرى «مركز كارنيغي للسلام الدولي»، وهو مركز أبحاث أميركي، أن تفسير قوة اليمين الشعبوي في شرق ألمانيا بالتراجع الاقتصادي وحده لم يعد كافياً، إذ تلعب الثقافة السياسية والشعور بهوية شرقية مميزة وعدم الثقة بالمؤسسات دوراً مهماً أيضاً.

ويشكّل التصويت الاحتجاجي جزءاً من قاعدة تأييد «البديل»، ويساعد في تفسير استمرار حضوره القوي رغم الجدل الذي أثارته مواقف متشددة لعدد من قياداته حيال المهاجرين والإسلام والهوية الألمانية، وتصريحات أثارت جدلاً بسبب صلتها بالحقبة النازية.

أحد مؤيدي حزب «البديل من أجل ألمانيا» يؤدي تحية هتلر خلال احتجاج في برلين 8 أكتوبر 2022 (رويترز)

روسيا في المزاج السياسي للشرق

يظهر التباين أيضاً بين شرق ألمانيا وغربها في المواقف تجاه السياسة الخارجية، إذ تسجّل الولايات الشرقية مستويات أعلى من التشكيك في بعض جوانب العلاقة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومواقف أكثر انفتاحاً على روسيا مقارنة بغرب البلاد، من دون أن يعني ذلك وجود توجّه عام مناهض للغرب. كما يبرز في الشرق اعتراض أكبر على سياسة برلين تجاه موسكو، ولا سيما العقوبات ودعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي.

ويعود ذلك جزئياً إلى الإرث التاريخي لألمانيا الشرقية، التي كانت جزءاً من المعسكر السوفياتي، وما تركته تلك المرحلة من روابط وتجارب مختلفة عن تلك التي عرفها سكان ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة.

واستثمر حزب «البديل» هذا التباين في مواقف ناخبي الشرق حيال روسيا والسياسة الغربية، مطالباً بإنهاء العقوبات على موسكو وإعادة العلاقات الاقتصادية معها، ومعارضاً إرسال الأسلحة إلى كييف. وهكذا تداخلت السياسة الخارجية مع الخطاب الداخلي للحزب، الذي يصوّر الحكومات المتعاقبة باعتبارها تضع الالتزامات الخارجية قبل المصالح الاقتصادية للألمان.

«جدار الحماية» أمام اختبار أصعب

لكن انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت تطرح سؤالاً سياسياً آخر يتعلّق بموقع الحزب في الحكم. فمنذ سنوات، تتمسك الأحزاب الألمانية الرئيسية بما يُعرف بـ«جدار الحماية» (Brandmauer)، أي رفض تشكيل ائتلافات أو إقامة تعاون سياسي مع حزب «البديل». وكان تطبيق هذه القاعدة أسهل عندما كان الحزب يشكل قوة انتخابية محدودة. أمّا عندما يحصل على أكثر من 40 في المائة من الأصوات ويحل أولاً بفارق كبير عن منافسيه، فتصبح عملية تشكيل حكومة من دونه أكثر تعقيداً سياسياً.

مرشح «البديل» في ساكسونيا-أنهالت أولريش زيغموند وزعيمة الحزب أليس فايدل خلال الاحتفال بنتائج الانتخابات في ماغديبورغ بألمانيا 6 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ورغم أن النتيجة الانتخابية الأخيرة لا تمنح حزب «البديل» الأغلبية اللازمة للحكم منفرداً، فإن رفض القوى الأخرى التحالف معه يعني أن عدداً من الأحزاب التي حلّت خلفه قد تضطر إلى التعاون لتشكيل حكومة الولاية وإبقاء حزب «البديل» في المعارضة.

ويمنح ذلك الحزب بدوره مادة إضافية لخطابه المناهض للمؤسسات، إذ يستطيع تقديم نفسه أمام مؤيديه باعتباره الحزب الذي اختاره أكبر عدد من الناخبين، فيما تتكتل الأحزاب التقليدية لمنعه من الوصول إلى السلطة.

آثار الانقسام لا تزال واضحة

وتعطي انتخابات ساكسونيا-أنهالت صورة أوضح عن الانقسام في المشهد الألماني ككل. فهي تكشف أن آثار الانقسام الذي عاشته ألمانيا لأكثر من أربعة عقود قبل إعادة توحيدها لم تختفِ تماماً من الخريطة السياسية والاجتماعية.

وإذا واصل «البديل» تسجيل نتائج تتجاوز الأربعين في المائة في الشرق، فسيزداد الضغط على الأحزاب التقليدية التي تصر على إبقائه خارج السلطة، وقد يصبح الحفاظ على «جدار الحماية» أكثر صعوبة مع استمرار اتساع القاعدة الانتخابية للحزب.