الاتحاد الأوروبي في 2023... حرب أوكرانيا كشفت عجزه والموجة اليمينية إلى ارتفاع

افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ  الأثنين الماضي (إ. ب. أ)
افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأثنين الماضي (إ. ب. أ)
TT

الاتحاد الأوروبي في 2023... حرب أوكرانيا كشفت عجزه والموجة اليمينية إلى ارتفاع

افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ  الأثنين الماضي (إ. ب. أ)
افتتاح جلسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأثنين الماضي (إ. ب. أ)

على قلق شديد من الآتي، وانحسار ملحوظ في الآمال والطموحات، يطوي الاتحاد الأوروبي صفحة العام الذي كان مفترضاً أن يشهد بداية تكريس دوره بوصفه قطباً جيوسياسياً ثالثاً في المشهد الدولي؛ لكنه انتهى بضمور غير متوقع لهذا الدور، ويستعدّ لسنة جديدة يعقد عليها الآمال في استعادة الدور الضائع، وإيجاد الموقع المنشود في لعبة المحاور الدولية، ورأب الصدع الداخلي الذي يتسّع تحت وطأة الانجراف إلى الضفاف اليمينية والشعبوية المتطرفة.





منذ سنوات والرياح الخارجية لا تجري في الاتجاه الذي تشتهيه السفينة الأوروبية التي تواجه أيضاً أعاصير مناخ داخلي تعكّر صفاء التعايش بين الشركاء، وتهدد بنسف معادلات التوازن التي قام عليها المشروع الأوروبي منذ تأسيسه.

انكشاف العجز

فالحرب في أوكرانيا، على أبواب الاتحاد، لم تفرض -فحسب- واقعاً جديداً استدعى إعادة خلط الأوراق في التوازنات الأمنية والجيوستراتيجية داخل الدائرة الأوروبية وخارجها؛ بل كانت ضربة نفسية في عمق الفكرة التي تأسس عليها المشروع، لتفادي تكرار مآسي الحربين الأولى والثانية على التراب الأوروبي.



في المراحل الأولى للحرب، تداعى الشركاء الأوروبيون إلى توافق غير مسبوق في السياسات الدفاعية والخارجية لدعم أوكرانيا بالعتاد العسكري والمساعدات المالية، وتوفير التسهيلات لاستقبال ملايين اللاجئين والنازحين في دول الجوار. لكن، مع مرور الوقت، واتضاح إمساك الولايات المتحدة بجميع مفاتيح قرارات الدعم الغربي لأوكرانيا، انكشف العجز الأوروبي عن تحقيق هدف الاستقلالية الاستراتيجية التي كانت عنوان حملة رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، قبل انتخابها، بينما كان يتصدّع إجماع الشركاء الأوروبيين على تقديم الدعم المتواصل لأوكرانيا، تحت وطأة التداعيات الاقتصادية للحرب وذيولها الاجتماعية في البلدان المجاورة.





وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن السياسة الخارجية والدفاعية الموحدة ستبقى سراباً يسعى الاتحاد الأوروبي وراءه، وأن الإصرار على هذا السعي بأي ثمن من شأنه أن يكون صاعقاً يخلخل التماسك الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأت تظهر عليه أعراض الوهن في السنوات الأخيرة.





وجاءت الحرب في قطاع غزة، ومواقف العواصم الأوروبية المتباينة بشأنها، لتؤكد استحالة توحيد السياسات الأوروبية الخارجية، حتى تجاه القضايا التي تمسّ مباشرة أمن الدول الأعضاء في الاتحاد، وتهدد استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.

العلاقات مع الصين

إلى جانب ذلك، ما زال الاتحاد الأوروبي يجهد بصعوبة لتحديد إطار واضح لعلاقاته مع الصين، محاولاً الموازنة بين المبادئ الأساسية التي يقوم عليها من جهة، والمصالح التجارية الضخمة التي تربط بعض أعضائه بالمارد الآسيوي من جهة أخرى، فضلاً عن الضغوط التي يتعرض لها من الولايات المتحدة التي تريده بجانبها في صراعها المفتوح على الزعامة الدولية مع بكين.

لكن التحديات والمخاوف الداخلية لا تقلّ خطورة عن أزمات الخارج التي يخشى أن تتحول شظاياها إلى فتيل يشعل اضطرابات دينية وعرقية داخل البيت الأوروبي، الذي قام مشروع الاتحاد أساساً لتحصينه ضد الحركات العنصرية واليمينية المتطرفة التي تسببت في دماره ودفعته إلى الارتماء بين أذرع القوتين العظميين اللتين خرجتا من رحم الحرب العالمية الثانية.

موجة يمينية متطرفة

فإلى جانب الأزمات الخارجية التي يقف الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن التأثير الحاسم في مسارها ونتائجها، تهبّ على البلدان الأوروبية موجة يمينية واسعة لم تعرفها منذ تأسيس الاتحاد، وباتت تشكّل خطراً يهدد الركائز الأساسية التي قام عليها المشروع الأوروبي، وتدفع حتى بالأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية إلى تبنّي طروحات ومواقف يمينية تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي لعبت أوروبا دوراً أساسياً في وضعها بعد الحرب العالمية.





أكثر من نصف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تزيد شعبية اليمين المتطرف فيها على 20 في المائة، بينما 4 من أصل الدول الخمس الكبرى تشارك فيها أحزاب يمينية متطرفة في الحكم، ومع كل استحقاق انتخابي تتسع دائرة التأييد لهذه الأحزاب، مع ارتفاع تدفقات الهجرة غير الشرعية، ومعدلات التضخم، وكلفة السياسات المناخية.





وأكثر ما يثير القلق اليوم في المؤسسات الأوروبية، هو أن اليمين المتطرف لم يعد بحاجة للوصول إلى السلطة للتأثير في السياسات المحلية والاتحادية؛ إذ يكفيه الحصول على نسبة وازنة من التأييد الشعبي في الانتخابات، للضغط على الحكومات ومنعها من تأييد الإصلاحات التي يحتاج إليها الاتحاد من أجل تنفيذ المشاريع الكبرى التي تنتظر توافق الدول الأعضاء منذ سنوات.

هذا لا يعني أن أوروبا تقف على أبواب العودة إلى حكم الفاشيين، كما حصل في ثلاثينات القرن الماضي تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة؛ لكن خطر الموجة اليمينية بات محدقاً، والقيادات المتطرفة لم تعد تخفي هدفها الرئيسي بتغيير القواعد والمبادئ الرئيسية التي تأسس عليها الاتحاد.

تحديات الهجرة وسياساتها

وبينما تواصل القوى اليمينية المتطرفة قضم مزيد من التأييد الشعبي عند كل استحقاق انتخابي، كما حصل مؤخراً في هولندا، يرتفع منسوب القلق والترقب أمام الانتخابات الأوروبية المقررة مطالع يونيو (حزيران) المقبل؛ حيث -للمرة الأولى منذ تأسيس البرلمان الأوروبي- لم تعد الكتلتان: الاشتراكية والمحافظة، اللتان وجّهتا الدفّة السياسية في العقود المنصرمة، تشكلان الأغلبية البسيطة التي غالباً ما يقتضي تحصيلها اللجوء إلى تحالفات مع القوى اليمينية المتطرفة.



ولعل السمة الأبرز التي ميّزت المشهد الأوروبي خلال هذا العام الذي ينقضي، هو الوجه البشع الذي كشفته سياسات الهجرة، كما تبدّى لنا في التجوال على أكثر من عشرين دولة أوروبية؛ حيث شاهدنا «السجون العائمة» التي يتكدّس فيها المهاجرون قبالة المواني البريطانية، أو المخيمات المكتظة في الجزر اليونانية؛ حيث يتعرض المهاجرون لشتى أنواع سوء المعاملة، أو في الدنمارك؛ حيث ينصّ قانون الهجرة على جواز مصادرة أموال المهاجرين ومجوهراتهم، باستثناء قطعة واحدة، هي... محبس الزواج.


مقالات ذات صلة

أوروبا أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

مبادرة ألمانية فرنسية لتسريع انضمام دول غرب البلقان ومولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي

من المقرر أن يتوجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الجمعة، إلى مونتينغرو (جمهورية الجبل الأسود) للمشاركة في قمة الاتحاد الأوروبي مع دول غرب البلقان.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد نموذج لخط أنابيب غاز طبيعي إلى جانب علمَي الاتحاد الأوروبي وروسيا (رويترز)

الكرملين: أوروبا بحاجة إلى النفط والغاز الروسيين لمواجهة أزمة الطاقة

قال المبعوث الاقتصادي للكرملين، كيريل دميترييف، إن أوروبا لا تزال بحاجة إلى النفط والغاز الروسيين لتجاوز أزمة الطاقة المتفاقمة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبرغ )
الاقتصاد أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

المفوضية الأوروبية تؤجل تطبيق معايير رأس المال لمخاطر السوق المصرفية 3 سنوات

أعلنت المفوضية الأوروبية، يوم الخميس، تأجيل تطبيق إطار رأس المال الجديد الخاص بمخاطر السوق المصرفية لمدة ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ف.ب)

كالاس: ضربات المسيّرات الأوكرانية تُثير ذعر الكرملين

أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن ضربات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بالعمق الروسي تُثير «ذعر» الكرملين

«الشرق الأوسط» (بروكسل )

سويسرا تنشر 4 آلاف جندي على الحدود مع استضافة فرنسا «قمة السبع»

جندي من الجيش السويسري يستطلع عبر منظار خلال أحد التدريبات (الجيش السويسري عبر «إنستغرام»)
جندي من الجيش السويسري يستطلع عبر منظار خلال أحد التدريبات (الجيش السويسري عبر «إنستغرام»)
TT

سويسرا تنشر 4 آلاف جندي على الحدود مع استضافة فرنسا «قمة السبع»

جندي من الجيش السويسري يستطلع عبر منظار خلال أحد التدريبات (الجيش السويسري عبر «إنستغرام»)
جندي من الجيش السويسري يستطلع عبر منظار خلال أحد التدريبات (الجيش السويسري عبر «إنستغرام»)

أعلن الجيش السويسري، اليوم (الخميس)، أنه سينشر نحو 4 آلاف جندي ​في البلاد لتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تجمع قادة العالم لحضور قمة «مجموعة السبع» في جارتها فرنسا في منتصف يونيو (حزيران).

وستجمع القمة، التي تُعقد في الفترة من 15 إلى 17 يونيو على الضفة ‌الأخرى من ‌بحيرة جنيف في ​بلدة إيفيان ‌لي بان ​الفرنسية، قادة الاقتصادات الكبرى في العالم، بما في ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب وفود أخرى رفيعة المستوى.

وأكدت الوحدة المسؤولة عن التخطيط والإدارة في القوات المسلحة السويسرية أن حجم الحدث وقربه من الحدود السويسرية ‌يستلزمان تنسيقاً وثيقاً ‌بين السلطات المدنية والعسكرية. ​ومن المتوقع خروج ‌احتجاجات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت مجموعة الدفاع بالجيش السويسري، ‌في بيان: «يمثل القرب من الحدود تحدياً كبيراً للسلطات الأمنية في كانتونات (قطاعات) فود وجنيف وفاليه. ونتيجة لذلك، قرر المجلس الاتحادي والبرلمان ‌نشر قوات الجيش كإجراء أمني مساعد».

وأضاف البيان أن الأفراد العسكريين سيكلفون بحماية البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك مطار جنيف، وتعزيز مراقبة الحدود، ومراقبة طرق النقل الرئيسية وبحيرة جنيف.

وتابع البيان أن القوات الجوية السويسرية ستكثف أيضاً مراقبة المجال الجوي، مع فرض قيود على المجال الجوي في الفترة من 10 إلى 19 يونيو، وستوفر أنظمة ​للتصدي للطائرات ​المسيّرة، والحماية ضد التهديدات النووية والبيولوجية والكيميائية.


عدة إصابات جراء انهيار العجلات الأمامية لطائرة داخل مطار فرانكفورت

طائرة تتبع شركة «لوفتهانزا» الألمانية انكفأت على مقدّمتها وهي متوقفة في مطار فرانكفورت (أ.ب)
طائرة تتبع شركة «لوفتهانزا» الألمانية انكفأت على مقدّمتها وهي متوقفة في مطار فرانكفورت (أ.ب)
TT

عدة إصابات جراء انهيار العجلات الأمامية لطائرة داخل مطار فرانكفورت

طائرة تتبع شركة «لوفتهانزا» الألمانية انكفأت على مقدّمتها وهي متوقفة في مطار فرانكفورت (أ.ب)
طائرة تتبع شركة «لوفتهانزا» الألمانية انكفأت على مقدّمتها وهي متوقفة في مطار فرانكفورت (أ.ب)

أعلنت شركة «لوفتهانزا» الألمانية، الخميس، أن طائرة «بوينغ 787-9 دريملاينر» انكفأت على مقدّمتها وهي متوقفة في مطار فرانكفورت، ما أدى إلى إصابة عدد من أفراد الطاقم.

ووقعت الحادثة عند الساعة 12:45 (10:45 بتوقيت غرينيتش)، قبل صعود الركاب إلى الطائرة التي كان من المقرر أن تقوم برحلة إلى لوس أنجليس.

وقالت متحدثة باسم الشركة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بينما كانت الطائرة متوقفة (عند بوابة المغادرة)، انطوى جهاز الهبوط الأمامي بشكل غير متوقع».

وأوضحت الشركة أن أفراداً من طاقم الصيانة وموظفي الخدمات الأرضية كانوا في الطائرة عند وقوع الحادثة، ما أدى إلى إصابة عدد منهم، من دون أن تحدد عددهم أو مدى إصاباتهم. وأكدت أنها تدرس ظروف الحادثة بالتعاون مع السلطات المعنية.

وبحسب موقع «أيروتيليغراف»، فالطائرة المتضررة حديثة ويعود تاريخ صناعتها إلى نحو عام، وتسلمتها المجموعة الألمانية في يناير (كانون الثاني).


مقاتلات فرنسية تعترض طائرات روسية 11 مرة في أسبوع بمنطقة البلطيق

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مقاتلات فرنسية تعترض طائرات روسية 11 مرة في أسبوع بمنطقة البلطيق

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

قال ‌جيوم فيرنيه، المتحدث باسم القوات المسلّحة الفرنسية، اليوم الخميس، إن طائرات حربية فرنسية ​انطلقت في 11 مهمة، خلال الأسبوع الماضي، في إطار مهمة حراسة المجال الجوي لدول منطقة البلطيق، وهي مهمة تابعة لحلف شمال الأطلسي، واصفاً التوغلات من جانب طائرات روسية بأنها عدد أكبر من المعتاد من «الاستفزازات».

وتعمل ‌المهمة على ‌حماية المجال الجوي ​لدول ‌البلطيق الثلاث (إستونيا ​ولاتفيا وليتوانيا)، من خلال نشر طائرات مقاتِلة تابعة لحلف شمال الأطلسي بالتناوب؛ لسد الثغرات في قدرات هذه الدول. وتهرع الطائرات لاعتراض أي طائرات مجهولة أو غير ملتزمة.

وأضاف فيرنيه، في مؤتمر صحافي أسبوعي، أن العدد ‌غير المعتاد ‌من عمليات الاعتراض قد يشير ​إلى أن موسكو ‌تسعى لاستعراض قوتها في ‌الأسبوع نفسه الذي استضافت فيه منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي السنوي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتابع: «نفّذت الوحدة الفرنسية المنتشرة في مهمة مراقبة المجال الجوي في البلطيق، ‌عمليات اعتراض متعددة لطائرات عسكرية روسية كانت تُحلق دون خطط طيران أو اتصال لا سلكي»، مضيفاً أن الطائرات التي اعتُرضت شملت طائرات مقاتِلة مسلَّحة وطائرات استطلاع ونقل.

تأتي هذه الوقائع بعد سلسلة من الحالات التي شردت فيها طائرات مُسيرة عسكرية إلى المجال الجوي لفنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا، مما أثار مخاوف من أن الحرب في أوكرانيا ​قد تمتد ​إلى الحدود الشمالية لحلف شمال الأطلسي مع روسيا.