«مؤتمر باريس الدولي» يركز على توفير الدعم الإنساني لغزة من غير تجاهل الجانب السياسي

ألقى مسؤولو المنظمات الدولية الإنسانية كلمات مؤثرة وسط إجماع على الحاجة لوقف إطلاق النار.

صورة عامة لـ«مؤتمر دعم غزة» في قصر الأليزيه بباريس يوم الخميس (أ.ب)
صورة عامة لـ«مؤتمر دعم غزة» في قصر الأليزيه بباريس يوم الخميس (أ.ب)
TT

«مؤتمر باريس الدولي» يركز على توفير الدعم الإنساني لغزة من غير تجاهل الجانب السياسي

صورة عامة لـ«مؤتمر دعم غزة» في قصر الأليزيه بباريس يوم الخميس (أ.ب)
صورة عامة لـ«مؤتمر دعم غزة» في قصر الأليزيه بباريس يوم الخميس (أ.ب)

لثلاث ساعات التأمَ «المؤتمر الإنساني الدولي لمساعدة المدنيين في غزة»، في قصر الأليزيه بباريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تولى إدارة الجلسة الوحيدة التي أرادها الجانب الفرنسي من قسمين؛ الأول، مفتوح أمام وسائل الإعلام ومن خلال بثّها على وسائل التواصل الاجتماعي وعدد من القنوات الإخبارية، والثاني مغلق ومحصور على الوفود الرسمية المشارِكة التي قارب عددها الثمانين، ما بين ممثلي الدول المدعوّة وممثلي المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني.

واللافت في هذا السياق كان ضعف التمثيل، في حين كان قصر الأليزيه يعوّل على قمة تجمع عدداً من رؤساء الدول والحكومات، خصوصاً الأوروبية والعربية. وكانت النتيجة أن رئيس الحكومة العربي الوحيد كان أحمد أشتية، رئيس الحكومة الفلسطينية، في حين حضر من الغربيين رئيسا آيرلندا وقبرص، ورئيسا حكومتي اليونان ولوكسمبورغ. ولم توجه باريس الدعوات لثلاث دول هي إسرائيل وإيران وروسيا، وغاب عن الحضور من الدول العربية لبنان وسوريا واليمن وليبيا والسودان، وكلها تعاني إما من حروب، وإما من ضائقة اقتصادية، ما يجعل دعوتها فارغة من المعنى.

الرئيس ماكرون خلال المؤتمر الإنساني لدعم غزة يوم الخميس (رويترز)

أربع ظواهر

بالنظر للكلمات الكثيرة لممثلي الدول والمنظمات الدولية وغيرها، فإن أربع ظواهر فرضت نفسها بقوة على المؤتمرين، أولاها أن المساعدات التي تصل إلى غزة بشكل رئيسي عن طريق معبر رفح على الحدود بين قطاع غزة ومصر غير كافية، ومن ثم يتعين البحث عن معابر أخرى، منها اثنان؛ أولهما موجود ولكنه مغلَق وهو معبر كرم أبو سالم، والثاني غير موجود ويتعين إيجاده؛ ويتمثل بالاقتراح القبرصي الذي عرضه الرئيس القبرصي مطولاً وحمل بشأنه ملفّاً من 25 صفحة وزّعه على الحاضرين. ويقوم المقترح على إيجاد خط بحري مباشر بين الجزيرة القبرصية وغزة.

ووفقاً لشروحاته، فإن المقترح مدروس بعناية ويمكن تنفيذه، بشرط توافر الغطاء السياسي الذي يعني بالدرجة الأولى قبول إسرائيل والفلسطينيين وإقامة البنى الضرورية لذلك، وأهمها بناء رصيف أو مرفأ لرسوّ البواخر وإفراغ حمولاتها. ونوه الرئيس القبرصي بأن السفن «الإنسانية» التي يمكن أن تحظى بمواكبة من قِطع عسكرية لوصولها إلى وجهتها، يمكن أن تنقل آلاف الأطنان، بعكس النقل البري.

عراقيل مرفأ رفح

واقترح رئيس الوزراء اليوناني، الذي أثنى على المشروع القبرصي، توفير سفن يونانية لهذا الغرض. بَيْد أنه بالنظر للصعوبات والعراقيل التي تضعها إسرائيل بشأن مرفأ رفح لإبطاء حركة الشاحنات باتجاه غزة، والتي ندَّد بها وزير الخارجية المصري سامح شكري، في كلمته، فإن تنفيذ المقترح القبرصي يحتاج لوقت طويل ولضغوط سياسية ودبلوماسية قوية حتى يرى النور. وإلى جانب ذلك، طرحت مقترحات تتناول إقامة مستشفيات ميدانية، وإخراج جرحى من غزة، وتوفير مساعدات مالية لـ«الأونروا» والمنظمات الإنسانية العاملة في غزة، إلى جانب «الصليب الأحمر» و«الهلال الأحمر».

تتمثل الظاهرة الثانية، التي برزت بالإجماع وبقوة من خلال الكلمات والمناقشات، بتأكيد الحاجة لهدنات إنسانية ووقف لإطلاق النار؛ من أجل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها من جهة، ومن جهة أخرى لوضع حد لعمليات القتل الجماعي التي يعيشها قطاع غزة منذ 32 يوماً. ورغم أن الجدل ما زال قائماً بين من يدعو لهدنات إنسانية مؤقتة، ومن يُصرّ على وقف تام لإطلاق النار، فإن الجو العام الذي سيطر على المؤتمر أظهر الحاجة لضرورة التحرك.

وجاءت الكلمة الأقوى لرئيس الحكومة الفلسطينية، محمد أشتية، الذي تساءل: «كم فلسطينياً يجب أن يُقتل حتى تتوقف الحرب؟». وعرض أشتية سريعاً لـ75 عاماً من معاناة الفلسطينيين؛ ليس في غزة وحدها، بل أيضاً في القدس والضفة الغربية. وقال أشتية إنها «ليست الحرب الأولى التي تقوم بها إسرائيل على غزة، بل السادسة»، ليخلص إلى تأكيد أن «ما تقوم به إسرائيل ليس حرباً على حماس، بل حرب على الشعب الفلسطيني».

رئيس الحكومة الفلسطينية محمد أشتية متحدثاً في «مؤتمر باريس» (أ.ب)

حل الدولتين

أما الظاهرة الثالثة التي نضح بها «مؤتمر باريس» فعنوانها «ضرورة العودة إلى تفعيل المسار السياسي وحل الدولتين»، وهي الخلاصة التي شدَّد عليها جميع الحاضرين. وفي كلمته الافتتاحية، رسم ماكرون المحاور الثلاثة التي يتعيّن العمل عليها؛ وهي المحور الإنساني، والمحور الأمني؛ محاربة حماس والتضييق عليها وعلى مصادر التمويل الذي يصل إليها، على غرار ما حصل مع «داعش»، وأخيراً المسار السياسي، داعياً إلى «التعلم من أخطاء الماضي، والذهاب إلى حل الدولتين» الإسرائيلية والفلسطينية اللتين يتعيّن أن تعيشا جنباً إلى جنب، وهو الحل الذي يضمن أمن إسرائيل ويحقق التطلعات المشروعة للفلسطينيين.

وتتمثل الظاهرة الأخيرة في التنبيه على أن مواصلة القتال والتصعيد والقصف وسقوط الضحايا ستفضي إلى تفلُّت القتال وخروجه عن السيطرة، وتمدُّده إلى جبهات أخرى، وربما إلى انفجار الحرب في كل المنطقة.

ومن بين كل الكلمات التي أُلقيت، كانت تلك التي جاءت على لسان العاملين في الحقل الإنساني، مثل «الأمم المتحدة»، و«الأونروا»، و«الصليب الأحمر»، بالغة التأثير. وكان أول المتحدثين المفوض العام لـ«الأونروا» فيليب لازاريني، الذي وصف وضعاً كارثياً في غزة، رافضاً اعتبار سقوط الضحايا من المدنيين، وخصوصاً من الأطفال، بمثابة «أضرار جانبية»، ومتوقفاً عند تدمير أحياء بكاملها؛ بما فيها من مدارس ومساجد ومستشفيات وكنائس.

وفي حين ندَّد بحرمان المدنيين من المياه والغذاء والدواء، طالب بوقف فوري لإطلاق النار وبحماية البنى المدنية الضرورية للحياة، وبتسريع تدفق المساعدات الإنسانية. ولم ينس لازاريني الضفة الغربية التي «تعيش في حالة غليان»، والتنديد بممارسات القوات الإسرائيلية والمستوطنين.

وقف فوري لإطلاق النار

أما مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، فقد ندَّد بما تسميه إسرائيل «مناطق آمنة»، واصفاً إياها بأنها «هراء». في هذا السياق، أكدت الناطقة باسم «منظمة أطباء بلا حدود» الفرنسية أن ثلث الضحايا الذين ماتوا في غزة سقطوا في ما تسميه إسرائيل «المناطق الآمنة»، وأعلمت الحاضرين بأن 700 منظمة وجمعية إنسانية تطالب بوقف فوري لإطلاق النار.

ونبّه غريفيث إلى أن اشتعال النزاع الحالي «قد يحرق المنطقة كلها ما لم تُبذل الجهود المطلوبة». أما ميريانا سبولجاريك، رئيسة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فقد ندّدت باستهداف إسرائيل كل مباني شمال غزة على أنها أهداف عسكرية، واعتبرت أن ما يحصل، اليوم، يُعدّ «إخفاقاً أخلاقياً كارثياً لا يمكن أن يقبله العالم».

من جانبه، قال يان إيغلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، إنه «لا يمكن أن ننتظر دقيقة إضافية من أجل وقف إطلاق نار إنساني، أو رفع الحصار الذي يشكل عقاباً جماعياً»، مضيفاً أنه «دون وقف لإطلاق النار ورفع الحصار ووقف القصف العشوائي والحرب، سيستمر نزيف الأرواح».

ومن الجانب الرسمي، استنكرت مصر، على لسان وزير خارجيتها سامح شكري، «الصمت الدولي عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ترتكبها إسرائيل» في الأراضي الفلسطينية. وقال: «ما تفعله الحكومة الإسرائيلية يتجاوز الحق في الدفاع عن النفس»، معبّراً عن أسفه لازدواجية المعايير ولِما سماه «اهتزازاً» في «الضمير العالمي». ورأى أن المساعدات التي دخلت القطاع لا تفي على الإطلاق باحتياجات سكانها، ووجّه سهام الانتقاد إلى إسرائيل وإلى «الإجراءات المعقدة» التي تفرضها على دخول المساعدات لغزة، وعدَّها «تثير الشكوك» حول أهدافها.

قافلة مساعدات إنسانية خارج بوابة رفح الحدودية متجهة إلى قطاع غزة (إ.ب.أ)

احترام القانون الدولي الإنساني

إذا كان التنديد بحرب إسرائيل على مدنيي غزة حاضراً في غالبية الكلمات ومقروناً بمطالبتها باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن التنديد بـ«العمل الإرهابي» الذي قامت به «حماس» كان أيضاً حاضراً، بالتوازي مع المطالبة بـ«الإفراج الفوري وغير المشروط» عن جميع الرهائن الموجودين في أيدي «حماس» ومنظمات أخرى في غزة.

وفي كلمته الافتتاحية، اعتبر ماكرون أن «الوضع خطير ويتفاقم يوماً بعد يوم. نحتاج إلى هدنة إنسانية سريعاً جداً، والضغط من أجل وقف إطلاق النار». وسعى المؤتمر إلى تعبئة الموارد المالية مع تحديد عدة قطاعات لتلقّي دعم طارئ بناء على تقييمات «الأمم المتحدة» للاحتياجات العاجلة البالغة 1.1 مليار دولار.

كما ناقش إعادة إمدادات المياه والوقود والكهرباء، وإرساء مبدأ المحاسبة، للتأكد من عدم تحويل المساعدات إلى «حماس». وكشف ماكرون أن بلاده ستزيد المساعدات للفلسطينيين من 20 مليون يورو إلى 100 مليون يورو في 2023. كذلك أفادت رئيسة المفوضية الأوروبية أن «الاتحاد الأوروبي» قرر مضاعفة المساعدات المقرَّرة لغزة، أربع مرات، لتصل إلى 100 مليون يورو، إضافة إلى الجسر الجوي الذي تقوم به لنقل المساعدات عبر مطار العريش.

من جانبه، أفاد وزير الخارجية الإيطالي بأن بلاده ستعمد إلى إطلاق مستشفيين، وأنها تعمل مع آخرين من أجل إخراج أطفال جرحى من غزة إلى هذين المستشفيين. وتفرّد أنطونيو تاياني، عن المشاركين الآخرين في المؤتمر الإنساني، بدعوته لأن تلعب «الأمم المتحدة» دوراً أكبر على غرار الدور الذي تلعبه في لبنان، من خلال قوة اليونيفيل المنتشرة منذ سنوات على الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، وهي تتألف من نحو عشرة آلاف جندي من جنسيات عدة؛ بينها الجنسية الإيطالية.

بَيْد أن الوزير الإيطالي توقّف بنفسه عند الصعوبات التي تحول دون ذلك. إلا أنه قال: «إذا أردنا أن ندفع فكرة حل الدولتين إلى الأمام، فلا يكفي قول ذلك، بل علينا التحرك والعمل على حل وطرح الأفكار على الطاولة». لكن ليس مؤكداً أن الفكرة الإيطالية ستلقى موافقة إسرائيلية أو أميركية.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام أعمال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الأحد (الخارجية التركية)

تركيا لتمديد وقف إطلاق النار في إيران واستئناف المفاوضات

عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن تفاؤله بتمديد وقف النار بين إيران وأميركا، واستئناف المفاوضات، متهماً إسرائيل باستغلال الوضع لفرض أمر واقع في لبنان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.