65 عاماً على ولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة... مرونة وقدرة على التكيّف

خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

65 عاماً على ولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة... مرونة وقدرة على التكيّف

خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

عاشت فرنسا خلال 65 عاماً من تأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1958، نظاماً شهد استقراراً سياسيا بشكل عام، تمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كبيرة، وتراجعت فيه حدة الصراعات البرلمانية التي طبعت تاريخ جمهوريات فرنسية سابقة. وقد أثبتت هذه الجمهورية حتى اليوم مرونة وقدرة على التكيّف.

فما أبرز أسباب استمرارية الجمهورية الخامسة، وما أبرز محطاتها؟

مرونة وقدرة على التكيّف

السبب الرئيسي وراء طول عمر الجمهورية الخامسة التي ما زالت معتمدة حتى اليوم، هو مرونتها وقدرتها على التكيف. فعلى الرغم من أنها لم يتم التشكيك فيها رسمياً منذ التصديق على دستورها، فإنها استمرت في الإصلاح والتطور، وفق تقرير نشرته الأربعاء صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

 

تمكن نظام الجمهورية الخامسة من الرد على أزمة سياسية عميقة وصراعات تدور حول الحرب الجزائرية. وفي 13 مايو (أيار) 1958، وافقت الحكومة الفرنسية على مهام خاصة للجنرال شارل ديغول، الذي أصبح رئيساً للحكومة. وقد لعب ديغول دوراً رئيسياً في وضع دستور جديد تمت الموافقة عليه من خلال استفتاء في 28 سبتمبر (أيلول) 1958، الذي بدأت معه الجمهورية الخامسة في 4 أكتوبر من العام نفسه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لإعلان الدستور الفرنسي لعام 1958 في المجلس الدستوري  في باريس 4 أكتوبر 2023 (رويترز)

بميلاد الجمهورية الخامسة دُفنت الجمهورية الرابعة. فوفق «لوفيغارو»، جاء دستور 1958، ليضع حداً لنظام تهيمن عليه الجمعية العامة (البرلمان) و«النظام الحزبي» الذي فشل في حل أزمة الحرب الجزائرية. وكان المقصود من الدستور أولاً وقبل كل شيء، الرد على النظام البرلماني الذي منع فرنسا من المقاومة في الحرب العالمية الثانية حيث تعرضت لهزيمة 1940 أمام النازيين، وهي هزيمة أنهت نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة البرلماني.

ميشيل ديبري حافظ الأختام الفرنسي (وزير العدل) يقدم دستور الجمهورية الخامسة بعد ختمه في 6 أكتوبر 1958 (أ.ف.ب - أرشيفية)

تعديلات دستورية

 

من عام 1960 إلى عام 2008، تم تنقيح نظام الجمهورية الخامسة أربعاً وعشرين مرة، تمت إعادة كتابة أو تعديل 66 مادة من القانون الأساسي.

جاء أول تعديل دستوري، بتاريخ 4 يونيو (حزيران) 1960، ليسمح باستقلال المستعمرات الأفريقية السابقة، بحسب التعديل على المادة 86 من الدستور، حسبما أوضح موقع المجلس الدستوري الفرنسي.

وجاءت تعديلات أخرى لاحقاً، منها للسماح بالتصديق على بعض الاتفاقات الدولية (حق اللجوء في عام 1993، والمحكمة الجنائية الدولية في عام 1999). وكانت تعديلات أخرى أكثر حسما؛ حيث ساهمت في تعديل نص وروح وممارسات المؤسسات، بدءاً بالمراجعات المتعلقة بالمهام الرئاسية نفسها، وفق «لوفيغارو».

المجلس الدستوري الفرنسي في باريس 3 مايو 2023 (رويترز)

أول التعديلات المرتبطة بالرئاسة هو أن انتخاب رئيس الدولة أصبح يتم بالاقتراع العام المباشر، وليس من خلال هيئة تضم 80 ألف ناخب. وتم اعتماده في استفتاء في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1962 بأغلبية 76.97 في المائة من أصوات الشعب الفرنسي. هذه هي نقطة التحول الأكثر جذرية في نظام الجمهورية الخامسة وفق «لوفيغارو». فحتى لو لم يتم تعديل أي مادة أخرى تتعلق بصلاحيات الرئيس والحكومة والبرلمان، فإن الاقتراع الشعبي يمنح الشرعية لرئيس الدولة، وبالتالي السلطة، ما يجعله الشخصية التي ينطلق منها كل شيء، والتي يعود إليها كل شيء.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مارس 2007 (أ.ف.ب - أرشيفية)

وجرى تعديل رئيسي للدستور بالانتقال من ولاية لرئيس الجمهورية مدتها سبع سنوات إلى ولاية مدتها خمس سنوات، بعد استفتاء على التعديل في 24 سبتمبر 2000 على عهد الرئيس جاك شيراك نال أغلبية كبيرة جداً (73.21 في المائة صوتوا «نعم»، ولكن مع امتناع قياسي للتصويت بلغ 69.81 في المائة). ولأن الولاية الرئاسية وولاية النواب أصبحتا الآن متزامنتين، ولأن الانتخابات التشريعية تجري منذ عام 2002 في أعقاب الانتخابات الرئاسية، فإن الأغلبية البرلمانية أصبحت أكثر من أي وقت مضى امتدادا بسبب طريقة التصويت، للأغلبية الرئاسية. على الأقل، كان هذا صحيحا حتى عام 2022 عندما حصل ماكرون، الذي أعيد انتخابه رئيسا، على أغلبية نسبية فقط، حسب «لوفيغارو».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحتفل بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022 (أ.ف.ب)

فاعلية بوجه الأزمات

وفق معهد «مونتين» الفرنسي للدراسات، قدمت الجمهورية الخامسة الفرنسية أدلة عديدة على فاعليتها. ففي مواجهة أزمات مثل الانقلاب العسكري عام 1961، والثورة الاجتماعية عام 1968، تمكنت الجمهورية من التغلب عليها بالأدوات الدستورية: الصلاحيات الكاملة التي مُنحت لرئيس الجمهورية عبر المادة 16 في الحالة الأولى، وحل الجمعية الوطنية في الحالة الثانية.

 

وبحسب «المجلة السياسية والبرلمانية» الفرنسية في تقرير صدر الأربعاء، فإنه في عام 1968، سمحت صلاحية «الحل» الرئاسية التي منحتها للجنرال ديغول بطي صفحة أسابيع عدة من المظاهرات. وعندما حدثت وفاة الرئيس بومبيدو في عام 1974، ضمن الدستور استمرارية دولة قوية من خلال تولي رئيس مجلس الشيوخ الرئاسة مؤقتاً. وفي الأعوام 1986 و1993 و1997، تمكنت الجمهورية من التغلب على «اختبار الحقيقة» مع «التعايشات» المختلفة («التعايش» يكون بين رئيس الجمهورية ورئيس حكومته لا ينتميان إلى الحزب السياسي نفسه).

شارل ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك خلال مقابلة أجريت معه في 7 يونيو 1968 (أ.ف.ب - أرشيفية)

ويكمن السبب الأساسي لهذه الفاعلية في أن السلطة تُسند بشكل واضح إلى الشعب، وبشكل رئيسي إلى رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب المباشر، وفق معهد «مونتين» للدراسات، وتتبع الأغلبية الانتخابية أغلبية برلمانية تدعم أغلبية حكومية، ويتزامن انتخاب هذه الأغلبيات الثلاث، مع بعض الاستثناءات. وبات هذا التزامن متناسقا أكثر مع تقليص الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات (عام 2000) وإجراء الانتخابات النيابية الحاسمة «التشريعية» مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية.

متظاهرون فرنسيون في باريس 12 فبراير 2022 (رويترز)

ديمومة أنظمة فرنسية معاصرة

من حيث الديمومة، تعد الجمهورية الفرنسية الثالثة، التي ولدت بعد حرب عام 1870، وانتهت بهزيمة فرنسا أمام ألمانيا عام 1940، الوحيدة بين الجمهوريات الفرنسية التي استمرت لمدة أطول من الجمهورية الخامسة: سبعين عاماً. وإذا أُخذ بعين الاعتبار أن تأسيس الجمهورية الثالثة تم فعلياً من خلال القوانين الدستورية الصادرة في فبراير (شباط) 1875، يكون عمر الجمهوريتين الثالثة والخامسة متساوياً ﺑ65 عاماً.

 

في المقابل، عاشت إمبراطورية نابليون الثالث ثمانية عشر عاماً (1852 - 1870) وإمبراطورية نابليون الأول بقيت أقل من أحد عشر عاماً (1804 - 1815)، ومَلَكية يوليو وعلى رأسها الملك لويس فيليب استمرت ما يقرب من ثمانية عشر عاماً (بين ثورة 1830 وثورة 1848). واثنا عشر عاماً للجمهورية الفرنسية الأولى (1792 - 1804)، واثنا عشر عاماً للجمهورية الرابعة (1946 - 1958).

طائرات ألفا التابعة للقوات الجوية الفرنسية تحلق فوق شارع الشانزليزيه خلال العرض العسكري التقليدي ليوم الباستيل (اليوم الوطني الفرنسي) في باريس 14 يوليو 2017 (رويترز)

في مجتمع سريع التغير، تواجه الجمهورية الفرنسية الخامسة اليوم تحديات عديدة. وسيحاول رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، وفق تقرير «المجلة السياسية والبرلمانية»، إطلاق سلسلة من الإصلاحات الدستورية في الأشهر المقبلة ليواجه مسائل مثل مطالب استقلال كاليدونيا الجديدة عن فرنسا، والحكم الذاتي لجزيرة كورسيكا، واللامركزية، ودعوة الرئيس إلى الاستفتاء (في القضايا الكبرى).


مقالات ذات صلة

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

يوميات الشرق رسالة عابرة للمحيط فتحت للإنسان صوتاً يصل بعيداً (متحف ماركوني)

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

قبل قرن، غيَّرت رسالةٌ أُرسلت عبر المحيط الأطلسي إلى مقاطعة سومرست، طريقة التواصل في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)
TT

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، روسيا، الأربعاء، بإقامة «ستار حديدي رقمي» عبر تقييد اتصال مواطنيها بالإنترنت، للتستر على تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على خلفية الحرب في أوكرانيا.

وقالت فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي: «نظراً للارتفاع الكبير للتضخم ومعدلات الفائدة، يدفع الشعب الروسي من جيبه تداعيات الحرب التي اختارتها روسيا»، بينما «يردُّ الكرملين بتقييد الإنترنت وحرية التواصل».

وأضافت: «يشعر الروس بأنهم يعيشون من جديد خلف ستار حديدي، ولكنه هذه المرة ستار حديدي رقمي». وتابعت: «إذا كان للتاريخ من عبرة واحدة، فهي أن كل الجدران تسقط في نهاية المطاف»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

و«الستار الحديدي» هو المصطلح الذي أُطلق على الحد الفاصل، فكرياً وعملياً، بين مناطق النفوذ السوفياتي في شرق أوروبا، وبقية القارة والعالم الغربي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. وبقي هذا الستار قائماً إلى حين سقوط جدار برلين في 1989.

وشددت السلطات الروسية في الآونة الأخيرة القيود على حرية الاتصال بالإنترنت في البلاد، من خلال إبطاء عمل تطبيقي «تلغرام» و«واتساب»، وتشديد القيود على الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN).

وقوبلت عمليات قطع الاتصال، بما في ذلك في موسكو، بحالات تعبير نادرة عن الاستياء الشعبي.

وتبدي السلطات الروسية تشدداً في قمع أي حركة اعتراض أو احتجاج منذ بدء غزو أوكرانيا في 2022، وسنَّت قوانين تجرِّم انتقاد الكرملين والجيش الروسي.

وأقرت الدول الغربية سلسلة حزم من العقوبات الاقتصادية الصارمة على روسيا منذ بدء هجومها في أوكرانيا.

في المقابل، قدَّمت هذه الدول دعماً اقتصادياً وعسكرياً لكييف. وأقر الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي قرضاً ضخماً لأوكرانيا، وفرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا.

ورغم صمود الاقتصاد الروسي إلى حد بعيد حتى الآن في وجه العقوبات، يقول مسؤولو الاتحاد الأوروبي إن التشققات بدأت تظهر بشكل متزايد.


الملك تشارلز ممازحاً ترمب: لولا البريطانيون «لكنتم تتكلمون الفرنسية»

الملك تشارلز الثالث يتفاعل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرف الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
الملك تشارلز الثالث يتفاعل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرف الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
TT

الملك تشارلز ممازحاً ترمب: لولا البريطانيون «لكنتم تتكلمون الفرنسية»

الملك تشارلز الثالث يتفاعل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرف الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
الملك تشارلز الثالث يتفاعل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرف الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

ردّ الملك تشارلز الثالث بالمِثل على تصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فقال ممازحاً، خلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض، الثلاثاء، إنه لولا البريطانيون لكان الأميركيون يتكلمون الفرنسية.

وبينما تبادل الملك البريطاني والرئيس الأميركي النكات، خلال كلمتيهما في حفل العشاء، أشار تشارلز إلى تصريحات سابقة لترمب استهدفت الحلفاء الأوروبيين الذين يتهمهم بالاعتماد على بلاده في الدفاع منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال ممازحاً: «لقد قلتَ مؤخراً سيادة الرئيس، إنه لولا الولايات المتحدة لكانت الدول الأوروبية تتكلم الألمانية. أجرؤ على القول إنه لولانا، لكنتم تتكلّمون الفرنسية».

وكان الملك يقصد بذلك مواقع ذات أصول بريطانية وفرنسية في أميركا الشمالية شهدت صراعاً بين القوتين الاستعماريتين المتنافستين السابقتين للسيطرة على القارة قبل استقلال الولايات المتحدة قبل 250 عاماً.

وكان ترمب قد أعلن، خلال قمة دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، إنه لولا المساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، «لكنتم تتكلمون الألمانية وقليلاً من اليابانية».

لكن كلمة تشارلز الثالث عكست أجواء ودية، إذ أثنى، على غرار ترمب نفسه، على «العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن، رغم التوترات المرتبطة بالحرب في إيران.

كما لفت الملك البريطاني ممازحاً إلى أنه لاحظ «التعديلات» في الجناح الشرقي للبيت الأبيض، الذي أزاله قطب العقارات السابق لإقامة قاعة حفلات عملاقة بتكلفة 400 مليون دولار.

وأضاف: «يؤسفني أن أقول إننا نحن البريطانيين، بالطبع، قمنا بمحاولتنا الخاصة لإعادة تطوير البيت الأبيض عقارياً في عام 1814»، عندما أحرق الجنود البريطانيون المبنى.

وتابع أن المأدبة تُظهر «تحسناً كبيراً، مقارنة بحادثة حفلة شاي بوسطن»، عندما قام مستوطنون في عام 1773 بإلقاء شحنات كبيرة من الشاي البريطاني الخاضع لضرائب فادحة، في البحر.

أما ترمب، وهو من أشد المعجبين بالعائلة الملكية البريطانية، والذي تنحدر والدته من أسكوتلندا، فاستهدف بنِكاته خصومه المحليين.

وقال: «أودّ أن أهنئ تشارلز على خطابه الرائع، اليوم، في الكونغرس»، مضيفاً: «لقد استطاع أن يُجبر الديمقراطيين على الوقوف، وهو أمر لم أستطع فعله قط».

وحمل الملك في زيارته هدية لترمب، بعدما انتقد الرئيس الأميركي بشدةٍ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر؛ لرفضه تقديم المساعدة ضد إيران.

وقدّم تشارلز للرئيس جرس الغواصة البريطانية «إتش إم إس ترمب»، التي وُضعت في الخدمة عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية.

وقال الملك، وسط تصفيق الحضور: «ليكن هذا الجرس شاهداً على تاريخنا المشترك ومستقبلنا المشرق. وإذا احتجتم يوماً للتواصل معنا، فلا تترددوا في أن (ترنّوا) لنا».


تسجيل درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أوروبا خلال 2025

شهدت أوروبا موجة حر تاريخية بدول الشمال وتقلصاً في الأنهار الجليدية (أ.ف.ب)
شهدت أوروبا موجة حر تاريخية بدول الشمال وتقلصاً في الأنهار الجليدية (أ.ف.ب)
TT

تسجيل درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أوروبا خلال 2025

شهدت أوروبا موجة حر تاريخية بدول الشمال وتقلصاً في الأنهار الجليدية (أ.ف.ب)
شهدت أوروبا موجة حر تاريخية بدول الشمال وتقلصاً في الأنهار الجليدية (أ.ف.ب)

قال علماء من الاتحاد الأوروبي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، اليوم الأربعاء، إن معظم أنحاء أوروبا شهدت درجات حرارة أعلى من المعدل المتوسط في عام 2025، وهو العام الذي حطم الأرقام القياسية في حرائق الغابات ودرجات حرارة البحر وموجات الحرارة مع تفاقم تغير المناخ.

وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج خدمة «كوبرنيكوس»، المعنيّ بتغير المناخ والتابع للاتحاد الأوروبي، في تقريرهما السنوي عن المناخ في أوروبا أن 95 في المائة على الأقل من القارة شهد درجات حرارة أعلى من المتوسط، بينما التهمت حرائق الغابات أكثر من مليون هكتار من الأراضي، وهي مساحة أكبر من قبرص وأكبر إجمالي سنوي مسجل.

وتوضح النتائج كيف أن تغير المناخ له عواقب متزايدة الخطورة في أوروبا، في وقت تسعى فيه بعض الحكومات إلى تخفيف سياسات خفض الانبعاثات بسبب مخاوف اقتصادية، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتعهّد الاتحاد الأوروبي بالالتزام بأهدافه البيئية، لكنه خفّف بعض القواعد المناخية للسيارات والشركات، العام الماضي، بعد ضغوط من القطاع لمساعدة الشركات المتعثرة.

وأوروبا هي القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة بالعالم. وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج «كوبرنيكوس» أن أكثر من نصف أوروبا تعرَّض لظروف الجفاف في مايو (أيار) 2025، وكان العام إجمالاً من بين أكثر ثلاثة أعوام جفافاً من حيث رطوبة التربة منذ عام 1992، إذ يفرض المناخ الدافئ ظروفاً أكثر قسوة على المزارعين.

وسجلت درجة حرارة سطح البحر في أوروبا، بشكل عام، أعلى مستوى سنوي لها، وعانى 86 في المائة من المنطقة موجات حر بحرية قوية.

وقالت سامانثا برجيس، المسؤولة في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، إن التقرير أظهر أن «تغير المناخ ليس تهديداً مستقبلياً، بل هو واقعنا الحالي». وأضافت: «تتطلب وتيرة تغير المناخ اتخاذ إجراءات أكثر إلحاحاً».

وعبّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج «كوبرنيكوس» عن قلق خاص بشأن التغيرات في أبرد مناطق أوروبا، حيث يُعد الغطاء الثلجي والجليدي أمراً أساسياً للمساعدة في إبطاء تغير المناخ، من خلال عكس أشعة الشمس إلى الفضاء.

وتقلّ هذه الظاهرة، المعروفة باسم «تأثير البياض»، إذا تسببت درجات الحرارة الأكثر دفئاً في مزيد من الذوبان. ويتسبب فقدان الجليد أيضاً في ارتفاع مستوى سطح البحر.

وجاء في التقرير أن النرويج والسويد وفنلندا، الواقعة في المنطقة شبه القطبية الشمالية، شهدت أشد موجة حرارة مسجلة في تاريخها خلال يوليو (تموز) الماضي، واستمرت ثلاثة أسابيع متتالية، وتجاوزت درجات الحرارة داخل الدائرة القطبية الشمالية 30 درجة مئوية. وسجلت أيسلندا ثاني أكبر فقْد للجليد في عام 2025 منذ بدء تسجيل البيانات.