65 عاماً على ولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة... مرونة وقدرة على التكيّف

خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

65 عاماً على ولادة الجمهورية الفرنسية الخامسة... مرونة وقدرة على التكيّف

خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)
خلال احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني في 14 يوليو بالعاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

عاشت فرنسا خلال 65 عاماً من تأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1958، نظاماً شهد استقراراً سياسيا بشكل عام، تمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كبيرة، وتراجعت فيه حدة الصراعات البرلمانية التي طبعت تاريخ جمهوريات فرنسية سابقة. وقد أثبتت هذه الجمهورية حتى اليوم مرونة وقدرة على التكيّف.

فما أبرز أسباب استمرارية الجمهورية الخامسة، وما أبرز محطاتها؟

مرونة وقدرة على التكيّف

السبب الرئيسي وراء طول عمر الجمهورية الخامسة التي ما زالت معتمدة حتى اليوم، هو مرونتها وقدرتها على التكيف. فعلى الرغم من أنها لم يتم التشكيك فيها رسمياً منذ التصديق على دستورها، فإنها استمرت في الإصلاح والتطور، وفق تقرير نشرته الأربعاء صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

 

تمكن نظام الجمهورية الخامسة من الرد على أزمة سياسية عميقة وصراعات تدور حول الحرب الجزائرية. وفي 13 مايو (أيار) 1958، وافقت الحكومة الفرنسية على مهام خاصة للجنرال شارل ديغول، الذي أصبح رئيساً للحكومة. وقد لعب ديغول دوراً رئيسياً في وضع دستور جديد تمت الموافقة عليه من خلال استفتاء في 28 سبتمبر (أيلول) 1958، الذي بدأت معه الجمهورية الخامسة في 4 أكتوبر من العام نفسه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لإعلان الدستور الفرنسي لعام 1958 في المجلس الدستوري  في باريس 4 أكتوبر 2023 (رويترز)

بميلاد الجمهورية الخامسة دُفنت الجمهورية الرابعة. فوفق «لوفيغارو»، جاء دستور 1958، ليضع حداً لنظام تهيمن عليه الجمعية العامة (البرلمان) و«النظام الحزبي» الذي فشل في حل أزمة الحرب الجزائرية. وكان المقصود من الدستور أولاً وقبل كل شيء، الرد على النظام البرلماني الذي منع فرنسا من المقاومة في الحرب العالمية الثانية حيث تعرضت لهزيمة 1940 أمام النازيين، وهي هزيمة أنهت نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة البرلماني.

ميشيل ديبري حافظ الأختام الفرنسي (وزير العدل) يقدم دستور الجمهورية الخامسة بعد ختمه في 6 أكتوبر 1958 (أ.ف.ب - أرشيفية)

تعديلات دستورية

 

من عام 1960 إلى عام 2008، تم تنقيح نظام الجمهورية الخامسة أربعاً وعشرين مرة، تمت إعادة كتابة أو تعديل 66 مادة من القانون الأساسي.

جاء أول تعديل دستوري، بتاريخ 4 يونيو (حزيران) 1960، ليسمح باستقلال المستعمرات الأفريقية السابقة، بحسب التعديل على المادة 86 من الدستور، حسبما أوضح موقع المجلس الدستوري الفرنسي.

وجاءت تعديلات أخرى لاحقاً، منها للسماح بالتصديق على بعض الاتفاقات الدولية (حق اللجوء في عام 1993، والمحكمة الجنائية الدولية في عام 1999). وكانت تعديلات أخرى أكثر حسما؛ حيث ساهمت في تعديل نص وروح وممارسات المؤسسات، بدءاً بالمراجعات المتعلقة بالمهام الرئاسية نفسها، وفق «لوفيغارو».

المجلس الدستوري الفرنسي في باريس 3 مايو 2023 (رويترز)

أول التعديلات المرتبطة بالرئاسة هو أن انتخاب رئيس الدولة أصبح يتم بالاقتراع العام المباشر، وليس من خلال هيئة تضم 80 ألف ناخب. وتم اعتماده في استفتاء في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1962 بأغلبية 76.97 في المائة من أصوات الشعب الفرنسي. هذه هي نقطة التحول الأكثر جذرية في نظام الجمهورية الخامسة وفق «لوفيغارو». فحتى لو لم يتم تعديل أي مادة أخرى تتعلق بصلاحيات الرئيس والحكومة والبرلمان، فإن الاقتراع الشعبي يمنح الشرعية لرئيس الدولة، وبالتالي السلطة، ما يجعله الشخصية التي ينطلق منها كل شيء، والتي يعود إليها كل شيء.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مارس 2007 (أ.ف.ب - أرشيفية)

وجرى تعديل رئيسي للدستور بالانتقال من ولاية لرئيس الجمهورية مدتها سبع سنوات إلى ولاية مدتها خمس سنوات، بعد استفتاء على التعديل في 24 سبتمبر 2000 على عهد الرئيس جاك شيراك نال أغلبية كبيرة جداً (73.21 في المائة صوتوا «نعم»، ولكن مع امتناع قياسي للتصويت بلغ 69.81 في المائة). ولأن الولاية الرئاسية وولاية النواب أصبحتا الآن متزامنتين، ولأن الانتخابات التشريعية تجري منذ عام 2002 في أعقاب الانتخابات الرئاسية، فإن الأغلبية البرلمانية أصبحت أكثر من أي وقت مضى امتدادا بسبب طريقة التصويت، للأغلبية الرئاسية. على الأقل، كان هذا صحيحا حتى عام 2022 عندما حصل ماكرون، الذي أعيد انتخابه رئيسا، على أغلبية نسبية فقط، حسب «لوفيغارو».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحتفل بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022 (أ.ف.ب)

فاعلية بوجه الأزمات

وفق معهد «مونتين» الفرنسي للدراسات، قدمت الجمهورية الخامسة الفرنسية أدلة عديدة على فاعليتها. ففي مواجهة أزمات مثل الانقلاب العسكري عام 1961، والثورة الاجتماعية عام 1968، تمكنت الجمهورية من التغلب عليها بالأدوات الدستورية: الصلاحيات الكاملة التي مُنحت لرئيس الجمهورية عبر المادة 16 في الحالة الأولى، وحل الجمعية الوطنية في الحالة الثانية.

 

وبحسب «المجلة السياسية والبرلمانية» الفرنسية في تقرير صدر الأربعاء، فإنه في عام 1968، سمحت صلاحية «الحل» الرئاسية التي منحتها للجنرال ديغول بطي صفحة أسابيع عدة من المظاهرات. وعندما حدثت وفاة الرئيس بومبيدو في عام 1974، ضمن الدستور استمرارية دولة قوية من خلال تولي رئيس مجلس الشيوخ الرئاسة مؤقتاً. وفي الأعوام 1986 و1993 و1997، تمكنت الجمهورية من التغلب على «اختبار الحقيقة» مع «التعايشات» المختلفة («التعايش» يكون بين رئيس الجمهورية ورئيس حكومته لا ينتميان إلى الحزب السياسي نفسه).

شارل ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك خلال مقابلة أجريت معه في 7 يونيو 1968 (أ.ف.ب - أرشيفية)

ويكمن السبب الأساسي لهذه الفاعلية في أن السلطة تُسند بشكل واضح إلى الشعب، وبشكل رئيسي إلى رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب المباشر، وفق معهد «مونتين» للدراسات، وتتبع الأغلبية الانتخابية أغلبية برلمانية تدعم أغلبية حكومية، ويتزامن انتخاب هذه الأغلبيات الثلاث، مع بعض الاستثناءات. وبات هذا التزامن متناسقا أكثر مع تقليص الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات (عام 2000) وإجراء الانتخابات النيابية الحاسمة «التشريعية» مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية.

متظاهرون فرنسيون في باريس 12 فبراير 2022 (رويترز)

ديمومة أنظمة فرنسية معاصرة

من حيث الديمومة، تعد الجمهورية الفرنسية الثالثة، التي ولدت بعد حرب عام 1870، وانتهت بهزيمة فرنسا أمام ألمانيا عام 1940، الوحيدة بين الجمهوريات الفرنسية التي استمرت لمدة أطول من الجمهورية الخامسة: سبعين عاماً. وإذا أُخذ بعين الاعتبار أن تأسيس الجمهورية الثالثة تم فعلياً من خلال القوانين الدستورية الصادرة في فبراير (شباط) 1875، يكون عمر الجمهوريتين الثالثة والخامسة متساوياً ﺑ65 عاماً.

 

في المقابل، عاشت إمبراطورية نابليون الثالث ثمانية عشر عاماً (1852 - 1870) وإمبراطورية نابليون الأول بقيت أقل من أحد عشر عاماً (1804 - 1815)، ومَلَكية يوليو وعلى رأسها الملك لويس فيليب استمرت ما يقرب من ثمانية عشر عاماً (بين ثورة 1830 وثورة 1848). واثنا عشر عاماً للجمهورية الفرنسية الأولى (1792 - 1804)، واثنا عشر عاماً للجمهورية الرابعة (1946 - 1958).

طائرات ألفا التابعة للقوات الجوية الفرنسية تحلق فوق شارع الشانزليزيه خلال العرض العسكري التقليدي ليوم الباستيل (اليوم الوطني الفرنسي) في باريس 14 يوليو 2017 (رويترز)

في مجتمع سريع التغير، تواجه الجمهورية الفرنسية الخامسة اليوم تحديات عديدة. وسيحاول رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، وفق تقرير «المجلة السياسية والبرلمانية»، إطلاق سلسلة من الإصلاحات الدستورية في الأشهر المقبلة ليواجه مسائل مثل مطالب استقلال كاليدونيا الجديدة عن فرنسا، والحكم الذاتي لجزيرة كورسيكا، واللامركزية، ودعوة الرئيس إلى الاستفتاء (في القضايا الكبرى).


مقالات ذات صلة

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني...

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
TT

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)

نددت وزارة الخارجية ​البريطانية بإطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية مطلع الأسبوع، وحثت الدولة المنعزلة على ‌الانخراط في ‌دبلوماسية ​بناءة.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي يشرف على اختبار صواريخ باليستية مطورة (رويترز)

وقالت ‌وزارة ⁠الخارجية ​وشؤون الكومنولث ⁠والتنمية البريطانية في بيان صدر يوم الأحد «إطلاق الصواريخ الباليستية ⁠في 19 ‌أبريل ‌يمثل انتهاكا ​آخر ‌لقرارات مجلس ‌الأمن الدولي، مما يزعزع استقرار السلام والأمن الإقليميين».

وأفادت ‌وكالة الأنباء المركزية الكورية يوم ⁠الاثنين ⁠بأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أشرف يوم الأحد على تجارب إطلاق صواريخ باليستية ​قصيرة ​المدى مطورة.


تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.