قمة غرناطة وعبء إصلاح الاتحاد الأوروبي

ميشال يتحدث عن تحديات وجودية بعد الحرب في أوكرانيا

أعلام دول الاتحاد الأوروبي خارج مبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل (د.ب.أ)
أعلام دول الاتحاد الأوروبي خارج مبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل (د.ب.أ)
TT

قمة غرناطة وعبء إصلاح الاتحاد الأوروبي

أعلام دول الاتحاد الأوروبي خارج مبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل (د.ب.أ)
أعلام دول الاتحاد الأوروبي خارج مبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل (د.ب.أ)

أكد رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، أن «الاتحاد بحاجة ماسة إلى الإصلاحات ليكون جاهزاً في المرحلة المقبلة التي تختلف كثيراً عن المراحل السابقة التي مرّ بها، سيّما وأنه اليوم أمام تحديات وجودية بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا بسبب من العدوان الروسي عليها».

جاءت هذه التصريحات في لقاء عقده ميشال، مع مجموعة من وسائل الإعلام، من بينها «الشرق الأوسط»، عشية انطلاق أعمال القمة السياسية الأوروبية، وقمة الاتحاد الأوروبي، في مدينة غرناطة الأندلسية.

قال ميشال: «نأتي إلى غرناطة بعقلية جديدة لم تكن موجودة لدى الدول الأعضاء منذ أشهر، ونحن عازمون على أن تكون هذه القمة بداية لعملية توسعة الاتحاد التي أصبحت ظروفها ناضجة».

رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال يتحدث في مؤتمر صحافي ببروكسل في 30 يونيو 2023 (رويترز)

وعلى الرغم من أن ثمّة خمسة بنود رئيسية على جدول أعمال القمة، من الدفاع إلى الهجرة والاستقلالية الاستراتيجية والسياسة التنافسية، انصبّت معظم الأسئلة على ملفّ التوسعة، الذي اعترف ميشال بأنه محور اهتمامات القيادات الأوروبية في الوقت الراهن، معرباً عن ثقته في أن ترسي قمة غرناطة الخطوط العريضة لعملية انضمام الأعضاء الجدد إلى الاتحاد، على أن تحدد التوجهات والمبادئ الأساسية والجداول الزمنية في النصف الأول من العام المقبل خلال رئاسة بلجيكا الدورية للاتحاد. وكان رئيس المجلس الأوروبي صرّح مؤخراً، أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون جاهزاً في نهاية العقد الحالي لانضمام دول البلقان الست، إلى جانب أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا، ثم صدر تقرير عن مجموعة خبراء من فرنسا وألمانيا، أوصى بتسريع الإصلاحات في المؤسسات الأوروبية ليكون الاتحاد قادراً على استيعاب الأعضاء الجدد بحلول عام 2030.

وقال ميشال إن الدول المرشحة عليها أن تضاعف جهودها، وإنجاز الإصلاحات المطلوبة في سيادة القانون ومكافحة الفساد واستقلالية القضاء واحترام حرية الصحافة، لكنه اعترف بوجود أسباب تدفع هذه الدول إلى التشكيك بصدق نيات الاتحاد الذي تنتظر على أبوابه منذ سنوات.

وكان التقرير الذي وضعته مجموعة الخبراء الفرنسيين والألمان أوصى بضرورة اعتماد قاعدة الأغلبية في اتخاذ القرارات داخل المجلس الأوروبي، والتخلي عن قاعدة الإجماع التي تعادل علنياً حق النقض، لكنه شدد على أهمية وضع نظام عقوبات فاعلة ضد الدول التي تنتهك سيادة القانون، ودعا إلى خفض عدد المفوضين الأوروبيين الذي يبلغ حالياً ثمانية عشر، فضلاً عن الرئيسة وسبعة نواب لها، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية.

وشدد شارل ميشال، في حديثه، على أهمية فتح الحوار الرسمي حول التوسعة داخل المجلس، الأمر الذي كان يعد من المحرمات لأشهر خلت، وأن يترك إلى مرحلة لاحقة النقاش الذي كان حتى الآن يتعثر دائماً في بداياته بسبب من تمنع بعض الأعضاء عن الخوض فيه، خاصة وأن الآراء تتضارب حول ضرورة تعديل المعاهدات التأسيسية، أو المضي في عملية التوسعة من غير الانتظار لتعديلها.

مهاجرون غير شرعيين تحتجزهم السلطات الإسبانية في إحدى ضواحي غرناطة الأربعاء (إ.ب.أ)

ومن الملفات الشائكة الأخرى التي ستناقشها قمة غرناطة، ميثاق الهجرة الأوروبي الذي ما زال يتعثّر منذ سنوات، ويثير خلافات عميقة بين الدول الأعضاء التي بدا أنها توصلت إلى اتفاق لإنجازه مطالع الأسبوع الماضي. لكن إيطاليا رفضت في اللحظة الأخيرة التعديلات التي قدمتها فرنسا وألمانيا على نظام إدارة الأزمات الاستثنائية. وأعرب ميشال عن أمله في تذليل هذه العقبة الأخيرة خلال القمة، لكنه أعرب عن خشيته من أن يؤدي النقاش حول موضوع الهجرة إلى تعكير المناخ الإيجابي السائد لمقاربة ملف التوسعة «لأن الهجرة مسألة آيديولوجية بالنسبة لبعض الدول الأعضاء، ولها انعكاسات سياسية عميقة ليس من السهل تجاوزها».

وتقول مصادر دبلوماسية مطلعة إن الفكرة، التي تشق طريقها حالياً داخل المؤسسات الأوروبية حول التوسعة، هي الانضمام التدريجي الذي كانت اقترحته المفوضية منذ أشهر لانضمام أوكرانيا، وتعميمه على بقية الدول المرشحة. وتقوم هذه الصيغة، التي تحظى بدعم واضح من فرنسا ومن رئيس المجلس الأوروبي والمؤسسات الأخرى، على إشراك الأعضاء الجدد في مؤسسات تمثيلية مختلفة خلال مرحلة أولى انتقالية، وفي بعض جوانب السوق الموحدة، ثم الارتقاء بالانضمام حتى الوصول إلى العضوية الكاملة. لكن هذه الصيغة الهجينة تثير شكوكاً وتردداً بين بعض الدول الأعضاء، وحتى في داخل المفوضية، إذ يخشى معارضوها أن يكون الغرض منها في نهاية المطاف هو تأجيل انضمام الدول المرشحة لفترة أطول، وربما إلى أجل غير مسمّى، وفي أحسن الأحوال إنشاء أعضاء من الفئة الثانية في الاتحاد إلى جانب الفئة الأولى.

ويذكّر المشككون في مآل هذه الصيغة بأن فرنسا التي تقود حملة الترويج لها، كانت أشد المعترضين دائماً على توسعة الاتحاد في المرحلة الراهنة، وأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو صاحب فكرة إنشاء منظومة سياسية واسعة تضمّ جميع الدول الأوروبية، كان طرحها بعد أشهر قليلة من بداية الحرب في أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

رئيس كوريا الجنوبية يهدد بإجراءات ضد أوكرانيا على خلفية أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن

آسيا رئيس كوريا الجنوبية لي جيه - ميونغ يلقي خطاباً خلال يوم القوات المسلحة في قاعدة عسكرية في غيونجغ بكوريا الجنوبية يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ب)

رئيس كوريا الجنوبية يهدد بإجراءات ضد أوكرانيا على خلفية أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن

هدد الرئيس الكوري الجنوبي باتخاذ إجراءات ضد أوكرانيا ما لم تعترف باتفاق سري بشأن نقل أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن وتقدّم اعتذاراً.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى وصوله إلى موقع غير معلَن على الجبهة قرب ليمان حيث استقبله وزير الدفاع يفغيني خمارا في شرق أوكرانيا 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

زيلينسكي: أوكرانيا أدخلت صاروخاً باليستياً تكتيكياً جديداً في عملياتها العسكرية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن كييف أدخلت صاروخها الباليستي التكتيكي من طراز «إف بي-7» في العمليات القتالية، للمرة الأولى.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للاجتماع السنوي الـ23 لمنتدى «فالداي» للحوار بموسكو 1 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بوتين يرفض وقفا متبادلا للضربات بعيدة المدى مع أوكرانيا

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يمكن ضمان عدم استخدام أسلحة الدمار الشامل، ودعا إلى إبقاء هذا الاحتمال في الحسبان والعمل على منعه.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري أوشاكوف (إ.ب.أ) p-circle

موجة جديدة من العقوبات البريطانية ضد صندوق الحرب الروسي

أعلنت المملكة المتحدة موجة جديدة من العقوبات تستهدف خزانة الحرب الروسية و«مروجي الدعاية» وأشخاصاً متهمين بالتورط في تعذيب المواطنين الأوكرانيين.

«الشرق الأوسط» (لندن - بروكسل)
أوروبا أشخاص يسيرون أمام مرائب دمَّرها هجوم صاروخي روسي في منطقة كييف (أ.ب)

إصابة جسر رئيسي في كييف إثر استهدافه بمسيّرتين روسيتين

كشف رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية إن طائرتين مسيّرتين روسيتين أصابتا الخميس جسرا رئيسيا يربط بين شرق كييف وغربها، في ظل تصعيد ملحوظ للضربات الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

احتجاجات طلابية تغلق 400 مدرسة ثانوية في فرنسا... وتوقيف ألفَيْ شخص

TT

احتجاجات طلابية تغلق 400 مدرسة ثانوية في فرنسا... وتوقيف ألفَيْ شخص

طلاب في مواجهة عناصر شرطة مكافحة الشغب قرب مدرسة روجيه فيرلوم الثانوية في باريس يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
طلاب في مواجهة عناصر شرطة مكافحة الشغب قرب مدرسة روجيه فيرلوم الثانوية في باريس يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أُغلقت نحو 400 مدرسة ثانوية في أنحاء فرنسا، اليوم الجمعة، بسبب احتجاجات طلابية مستمرة منذ أسبوع، أُصيب خلالها عشرات الموظفين، وأوقفت الشرطة على أثرها نحو ألفي شخص، وفق مسؤولين، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

طلاب يهتفون خلال احتجاج على نقص الموارد في المدارس أمام مدرسة ثانوية مغلقة في ليون بفرنسا يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وبدأت الاحتجاجات، الأسبوع الماضي في منطقة باريس قبل أن تنتشر سريعاً في أنحاء البلاد، حيث أغلق طلاب السنوات الأخيرة من المرحلة الثانوية مداخل مدارسهم واشتبكوا مع الشرطة.

ويقول الطلاب إن ساعات الدراسة طويلة بشكل مفرط، وإن الظروف في المدارس غير ملائمة، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول، فضلاً عن كثرة غياب الموظفين.

عناصر من الشرطة أمام طلاب محتجين وسط الغاز المسيل للدموع قرب ثانوية كيريشين في بريست بغرب فرنسا يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتقول الحكومة إن هذه الشكاوى مشروعة، لكنها ترفض أعمال العنف.

وقال وزير التعليم الفرنسي إدوار جيفراي، إن «حركة طلاب المدارس الثانوية باتت رهينةً لمجموعات هامشية شديدة العنف»، مضيفاً أن من المتوقع أن يغلق الجمعة نحو 400 مدرسة ثانوية من أصل 3700 في البلاد.

طلاب يتظاهرون في مرسيليا للمطالبة بزيادة التمويل وتحسين الظروف التعليمية يوم 1 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

وتعتزم مدارس ثانوية كثيرة تنظيم الدراسة عن بُعد، خصوصاً في مدينة مرسيليا بجنوب البلاد.

وقال جيفراي لقناة «بي إف إم تي في» إن 65 موظفاً على الأقل أُصيبوا منذ بدء الحركة، بينهم 40 مديراً لمدارس ثانوية.

طلاب ثانويون فرنسيون يتجمعون أمام ثانوية فولتير في باريس ضمن الاحتجاجات المطالبة بتوظيف معلمين بدلاء وزيادة الموارد وتحسين ظروف التعليم يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

وأضاف: «على الأهالي أن يتحمّلوا مسؤولياتهم بوضوح ويُخبروا أولادهم بألا يذهبوا» إلى المظاهرات.

وتابع: «الأهم الآن هو ضمان ألا يبقى أبناؤنا في الشوارع، لأنهم معرّضون للخطر».

حطام متفحم ومدخل محترق لمدرسة بوغرونيل الثانوية في باريس - 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهته، قال وزير العدل جيرالد دارمانان، إنه طلب من المدعين العامين تحميل الأهل مسؤولية الأضرار التي يتسبب بها أبناؤهم خلال الاحتجاجات، وإلزامهم «بدفع تكاليف الإصلاحات».

وأضاف دارمانان لإذاعة «آر تي إل» أن نحو ألفي شخص وُضعوا قيد الحجز لدى الشرطة منذ بدء الحركة، «90 في المائة منهم قاصرون».


مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)
عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)
عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)

أعلنت سلطات مقدونيا الشمالية، الخميس، أنها فككت شبكة دعاية موالية لروسيا يشتبه باستخدامها عشرات المواقع الإلكترونية لإثارة «الكراهية العرقية والقومية» ضد البلغار، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووفقاً لتقارير وسائل إعلام محلية، ترتبط القضية بعشرات المواقع الإلكترونية والحسابات والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر محتوى مؤيداً لبلغاريا باللغة المحلية في محاولة للتحريض على الكراهية.

ولدى بلغاريا ومقدونيا الشمالية تاريخ من العلاقات المتوترة، إذ إن صوفيا لا تعترف بلغة جارتها الشمالية وتعتبرها إحدى اللهجات البلغارية، كما أنها تشكك بهوية سكوبيي العرقية وتاريخها واستخدمت الفيتو عام 2022 ضد محادثات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

وأفادت وكالة الأمن القومي بأنها فتحت تحقيقاً مع مواطن مقدوني له صلات مزعومة بمصالح «أجنبية» فيما يتعلق بإنشاء شبكة دعاية.

وأضافت أن «الجهات الفاعلة الحقيقية في شبكة الدعاية هذه التي تخدم المصالح الروسية، تختبئ خلف بوابات زائفة مستنسخة مسجلة في مجال الإنترنت المقدوني».

وتابعت أن البوابات المزيفة المرتبطة ﺑ«هياكل سياسية موالية لروسيا» استُخدمت لنشر معلومات مضللة وأخبار مزيفة وروايات تهدف إلى «تقويض الثقة في المؤسسات وتشجيع الكراهية العرقية والقومية» وكذلك تقويض مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر.

وأشارت الوكالة إلى أنه يتم التحقيق مع المشتبه به في مجموعة من الجرائم، بما في ذلك نشر الكراهية العنصرية وإفشاء أسرار رسمية.


احتجاجات الطلاب تتمدد في فرنسا... والحكومة تشكّل خلية أزمة

تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)
تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات الطلاب تتمدد في فرنسا... والحكومة تشكّل خلية أزمة

تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)
تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)

كالنار في الهشيم، توسّع حراك التلامذة والطلاب الاحتجاجي الذي انطلق يوم 21 سبتمبر (أيلول) من ثانوية «سان أكزوبري» في مدينة كريتاي جنوب شرقي باريس، بسبب نقص في الهيئة التعليمية. وسرعان ما امتدّ هذا التحرك إلى غالبية الثانويات الرسمية في منطقة إيل دو فرانس، التي تشمل العاصمة وضواحيها البعيدة. وبعد أسبوع واحد من انطلاق الحركة، انتشرت الإضرابات وإغلاق الثانويات على جميع الأراضي الفرنسية لتطول 180 مؤسسة تربوية في المنطقة الباريسية وفي مدن رئيسية مثل مرسيليا (جنوب) وليل (شمال) وفي مؤسسات وسط البلاد كمنطقة «لو رون» أو مقاطعات «لو فار» والألب.

مطالب عملية

توسعت الحركة المطلبية أكثر فأكثر تلبيةً لدعوة «التعبئة العامة» التي أطلقها «الاتحاد النقابي للثانويات»، بحيث شملت ما يزيد على 300 مؤسسة.

وبين نهاية سبتمبر (أيلول) وبداية أكتوبر (تشرين الأول)، تحركت نقابات طلاب الجامعات الذين انضموا إلى الحراك. والخميس، انضمّ الطلاب إلى حركة تلامذة المرحلة الثانوية.

رجال الشرطة خلال مواجهة مع المتظاهرين في مدينة أوبرفيليه الواقعة شمال باريس يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبحسب الاتحاد الطلابي، فإن ما لا يقل عن 30 حرماً جامعياً تم إغلاقها في العديد من المدن؛ بينها باريس وستراسبورغ ومرسيليا وليون وريمس وبواتييه ونانت. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن مدارس إعدادية انضمت إلى الحراك، ومنها في منطقة الرون وسط فرنسا. وتبين أن ما يطالب به المحتجون يتناول زيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتوفير بدلاء للمدرسين الغائبين، وتجديد المدارس وتحسين ظروف الدراسة، إضافة إلى الاعتراض على الضغوط المرتبطة بنظام القبول الجامعي. ويشكو طلاب في مناطق مختلفة من اكتظاظ الفصول، ونقص المدرسين، وتدهور حالة المباني والتجهيزات التعليمية وافتقار بعض المدارس لمقومات النظافة وغيرها من المطالب العملية.

خريطة الإضرابات والاضطرابات

تُبيّن خريطة الإضرابات، وما رافقها من أعمال عنف في محيط المدارس، خصوصاً في الأيام الثلاثة الأخيرة أن جميع المناطق الفرنسية أصبحت في حالة غليان.

وما بدأ مطالبة بأساتذة لملء الفراغ الحاصل في مدرسة، تحول إلى حراك مطلبي شامل واتّخذ بعداً سياسياً واسعاً، فيما فرنسا تعاني من موجة غلاء وتضخم وتراجع القوة الشرائية.

من مظاهر أعمال العنف التي رافقت المظاهرات في مدينة ليل شمال فرنسا يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وأبرز أسباب الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية تمثّل في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز، وهو ما حاولت السلطات التعامل معه من خلال توفير مساعدات محدودة للأكثر تأثراً بهذا الارتفاع. ووجدت السلطات نفسها مقيدة بمالية الدولة المتهالكة التي تعاني من مديونية وصلت إلى 3600 مليار يورو، وبفوائد مرتفعة بلغت حداً غير مسبوق منذ عقود، بحيث يتعين عليها أن تدفع في عام 2026 ما يقارب 80 مليار يورو فوائد.

وما زاد الطين بلّة أن حكومة سيباستيان لوكورنو حضّرت ميزانية تقشفية لعام 2027، عُرضت على مجلس الوزراء يوم الخميس وتضمّنت فرض ضرائب جديدة، والمساس بمخصصات المتقاعدين والعمل على خفض للإنفاق بنسبة لم تعرفها الميزانيات السابقة. وبما أن البلاد تخوض غمار التحضير للانتخابات الرئاسية التي ستجرى ربيع العام المقبل، كان من الطبيعي أن تمتد إليها السياسة وتتعمق الانقسامات وتوجه الاتهامات في كل اتجاه.

ليس سراً أن كل مظاهرة تحصل في فرنسا تستقطب مثيري الشغب من اليسار واليمين المتطرفين، الذين يركبون الموجة ويستهدفون رجال الشرطة، ويشعلون الحرائق، ويحطمون ما تيسر في الشوارع، وأحياناً من المحال الخاصة، ولا يترددون في مواجهة القوى الأمنية، الأمر الذي حصل في اليومين الأخيرين.

شرطية مصابة عقب مواجهات مع متظاهرين في ثانوية «ديودات» بتولوز يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وتدُلّ الأرقام الرسمية المتوافرة إحصاء ما لا يقل عن 340 تحركاً أمام المدراس الثانوية في منطقة «إيل دو فرانس» وحدها، وإغلاق 169 مدرسة منها، وتعطيل الدراسة في 200 ثانوية. وتفيد أرقام الشرطة بأن خمسين منها كانت «مسرحاً لأعمال عنف ومواجهات وتخريب».

ويصعب تعداد أحداث العنف التي جرت في الأيام الأخيرة، حيث أحصيت حرائق واعتداءات على مديري مدارس وأساتذة واشتباكات بين المتظاهرين ورجال الشرطة واعتقالات.

ويوم الأربعاء وحده، اعتقلت الشرطة 625 شخصاً، وأصيب 1109 طلاب وموظفين و83 من أفراد الشرطة والدرك. وعمدت المفتشية العامة للشرطة الوطنية إلى فتح ثلاثة تحقيقات تناولت إصابة عدد من طلاب المدارس الثانوية، فيما دافع وزير الداخلية لوران نونيز عن تعامل أفراد الأمن مع المحتجين، مؤكداً أنهم «يعمدون إلى استخدام مناسب للغاية» لما سماه «الأسلحة الوسيطة» في إشارة إلى الغاز المسيل للدموع.

المخاوف الحكومية

هذا الواقع المتردي يثير مخاوف جدية لدى الحكومة. وقد دعا سيباستيان لو كورنو، رئيسها، إلى اجتماع طارئ عصر الخميس للوزراء المعنيين وعمد إلى تشكيل خلية أزمة لمتابعة الوضع.

سيارة محترقة عقب أعمال عنف رافقت الاحتجاجات في ستراسبورغ يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبالتوازي، تحرك جيرالد دارمانان، وزير العدل، من خلال دعوته لاجتماع عن بعد مع 36 مدعياً عاماً يمثلون الدولة في المحاكم من أجل حثهم على التعاطي القضائي «بحزم»، ما يعني دعوتهم إلى إصدار أحكام «ثقيلة» بحق مثيري الشغب. بالمقابل، سعى وزير التربية إدوار غيفراي إلى «تنفيس» الاحتقان من خلال إطلاق «منصة للتشاور» من شأنها إفساح المجال «لجميع طلاب المدارس الثانوية المساهمة فيها»، أي للتعبير عن مطالبهم.