أوكرانيا تستعد لمعركة كهرباء الشتاء

لمواجهة استراتيجية موسكو الشهيرة خلال الموسم والتي تستهدف مجدداً البنية التحتية للطاقة

رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)
رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)
TT

أوكرانيا تستعد لمعركة كهرباء الشتاء

رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)
رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

في معظم أنحاء أوكرانيا، ما زالت الأيام والليالي صافية وصيفية، مع لفحة خفيفة من الخريف في الهواء. ولكن إذا سعت روسيا لتحقيق هدفها، فسوف يأتي الشتاء مبكراً. وذكرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن استراتيجية موسكو الشهيرة التي طبقتها خلال موسم الشتاء السابق، بدأت في إطلاقها مجدداً هذا العام من خلال وابل من الهجمات، يقول المسؤولون الأوكرانيون إنها تستهدف البنية التحتية للكهرباء وعدة مناطق في البلاد.

رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

قد تسببت الهجمات التي وقعت في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، الأولى من نوعها منذ ستة أشهر، في انقطاع جزئي للكهرباء في ستة أقاليم، بما في ذلك منطقة العاصمة. وتعد هذه الهجمات نذير شؤم على الأمور التي سوف تحدث في المستقبل، وبمثابة تذكرة بالصعوبات التي وقعت في الماضي.

ولدى كل أسرة أوكرانية ما يمكنها أن ترويه من قصص بشأن الحرمان من الكهرباء الشتاء الماضي، فقد خيّم الظلام على مدن رئيسية وقرى صغيرة على حد سواء، وتمت الاستعانة بالمولدات والشموع، وتم وضع جداول مضنية للأنشطة اليومية - الطبخ، التسوق والاستحمام قبل انقطاع الكهرباء المحدد مسبقا للحفاظ على شبكة الكهرباء.

محطة زابوريجيا النووية (أ.ب)

وتقول إيوليا ستاتنيك، المصورة في كييف، التي كانت تعيش في شقة بالدور الـ20 الشتاء الماضي، كما نقلت عنها الوكالة الألمانية: «أتذكر الوقوف في الدور الأرضي وأنا أشعر باليأس، وكنت حاملا في طفلي وفي يدي أكياس البقالة». هذا العام، استقرت هي وزوجها ورضيعهما الذي يبلغ من العمر 10 أشهر في منزل مزود بمولد. وأملا في تجنب ما حدث الشتاء الماضي، هرعت أوكرانيا لحماية شبكة الكهرباء وتقويتها، على الرغم من أنه لأسباب أمنية، يتوخى المسؤولون الحذر بشأن بعض الإجراءات الخاصة التي يتم اتخاذها. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد حذر في حوار بالتلفزيون الأميركي منتصف الشهر الماضي روسيا من أنه في حال تم استئناف أسلوب استهداف البنية التحتية للكهرباء مثل الشتاء الماضي، سوف تدرس أوكرانيا الرد بالمثل.

وقد أظهرت أوكرانيا على مدار العام الماضي أنه يمكنها استهداف عمق روسيا بطائرات الدرون، ويشمل ذلك موسكو، على الرغم من أن حكومة زيلينسكي لا تعترف رسمياً بالمسؤولية عن مثل هذه الهجمات.

وقال زيلينسكي في حوار مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس»: «إذا قامت روسيا بقطع الكهرباء، وحرماننا منها، وحرماننا من المياه والغاز، فعليكم أن تعلموا أن لنا الحق في عمل الشيء نفسه». وأضاف «ولكن حتى إذا أرادت أوكرانيا القيام بذلك، فإنها لا تملك القدرة على الإضرار بالبنية التحتية المدنية الروسية للطاقة بالصورة الشاملة والمنهجية التي تقوم بها القوات الروسية».

وكانت أوكرانيا قد وصفت هجمات الشتاء الماضي على محطة الكهرباء بمحاولة لكسر معنويات الشعب وإجبار البلاد على الخضوع، ولكن في الكثير من الأحوال، أدت الصعاب لتعزيز الشعور بالانتماء بين أفراد المجتمع.

مهندس يعمل على جزء من طائرة مسيرة في كييف الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)

ففي المباني السكنية الشاهقة الارتفاع في كييف وأماكن أخرى، اتفق الجيران على ترك مؤن للطوارئ مثل المياه ووجبات خفيفة وحفاضات للأطفال في المصاعد في حال انقطعت الكهرباء فجأة وحوصر أشخاص بداخلها.

ومع ذلك، ينظر الكثيرون لاحتمالية بداية موسم جديد من انقطاعات الكهرباء لفترات طويلة بشعور بالرهبة. فمن المقرر أن يمثل فبراير (شباط) المقبل، الذي يتسم بتسجيل درجات حرارة منخفضة وجو كئيب، الذكرى الثانية لما أصبح صراعاً طاحناً لا تبدو له نهاية واضحة في الأفق.

وقد أضرت موجات الهجمات بالصواريخ وبطائرات الدرون الشتاء الماضي بنحو نصف قطاع الكهرباء الأوكراني، حيث استهدفت محطات الطاقة الفرعية والمحولات الكبيرة ومنشآت رئيسية أخرى تابعة للبنية التحتية للكهرباء.

صورة أرشيفية لعمال ينظفون موقع إسقاط طائرتين من دون طيار في محيط موسكو (إ.ب.أ)

وكان عمدة كييف فيتالي كليتشكو قد تحدث الشتاء الماضي بشأن احتمالية حدوث إخلاء جماعي في حال تسببت انقطاعات الكهرباء في استحالة توفير مياه جارية. وعزز الدعم الغربي من جهود أوكرانيا لإصلاح الضرر الذي وقع الشتاء الماضي وتعزيز إجراءات السلامة، حيث شمل الدعم مساعدات متعلقة بالكهرباء من الولايات المتحدة بقيمة 375 مليون دولار.

لحظة انفجار مسيّرة روسية في كييف (رويترز)

ووصف وزير الطاقة الأوكراني هيرمان هالوشينكو مطلع الصيف عملية الإصلاح «بالحملة الأكبر في تاريخ منشآت الطاقة». وقال ماكسيوم تيمشينكو المدير التنفيذي لمجموعة «دي تي إي كيه» للطاقة إنه خلال شهر ونصف فقط، تمكنوا من استعادة نحو 6000 ميل من خطوط الطاقة وأكثر من 70 من المحطات الفرعية ذات الجهد العالي في منطقة كييف. وقال لصحيفة «التايمز» البريطانية إن الشتاء المقبل «لن يكون أقل صعوبة من الشتاء الماضي».

ومنذ وقت قريب، كان هناك طاقم عمل تابع للمجموعة في موقف لسيارات بيع الوجبات السريعة، بجانب طريق متعدد الحارات، يقوم بالحفر للوصول لخطوط عالية الجهد في حاجة للتجديد.

وقال يوري هيراسكو، 48 عاما، المشرف على العاملين: «نعلم أنه خلال هذا الشتاء، سوف يحاولون مجددا كسرنا»، مضيفا «ومهمتنا هي أن نكون مستعدين لجميع أنواع السيناريوهات الصعبة، ونحن نعمل بأقصى جهد ممكن».

ويأمل المواطنون في كييف ومناطق أخرى في الأفضل، ولكنهم يستعدون للأسوأ. وقد تزايد الطلب مجددا على المولدات، وأصبح النقاش حول أفضل مكان لشراء وقود الديزل من أجلها هو موضوع الساعة. ويقوم السكان بجمع أكوام الحطب والبحث عما يكون لديهم من الكشافات والبطاريات. وتقول ستاتنيك، المصورة في كييف: «لن تصدقوا مجموعة الشمع التي قمت بجمعها»، مضيفة «إنها بكل الألوان وكل الروائح: بطيخ، تفاح، نحو 49 نوعاً مختلفا». وأضافت «الآن ليس أمامنا إلا أن ننتظر لكي نرى كيف سيكون هذا الشتاء».


مقالات ذات صلة

رئيس كوريا الجنوبية يهدد بإجراءات ضد أوكرانيا على خلفية أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن

آسيا رئيس كوريا الجنوبية لي جيه - ميونغ يلقي خطاباً خلال يوم القوات المسلحة في قاعدة عسكرية في غيونجغ بكوريا الجنوبية يوم 1 أكتوبر 2026 (أ.ب)

رئيس كوريا الجنوبية يهدد بإجراءات ضد أوكرانيا على خلفية أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن

هدد الرئيس الكوري الجنوبي باتخاذ إجراءات ضد أوكرانيا ما لم تعترف باتفاق سري بشأن نقل أسيرَيْن كوريَيْن شماليَيْن وتقدّم اعتذاراً.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى وصوله إلى موقع غير معلَن على الجبهة قرب ليمان حيث استقبله وزير الدفاع يفغيني خمارا في شرق أوكرانيا 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

زيلينسكي: أوكرانيا أدخلت صاروخاً باليستياً تكتيكياً جديداً في عملياتها العسكرية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن كييف أدخلت صاروخها الباليستي التكتيكي من طراز «إف بي-7» في العمليات القتالية، للمرة الأولى.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للاجتماع السنوي الـ23 لمنتدى «فالداي» للحوار بموسكو 1 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بوتين يرفض وقفا متبادلا للضربات بعيدة المدى مع أوكرانيا

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يمكن ضمان عدم استخدام أسلحة الدمار الشامل، ودعا إلى إبقاء هذا الاحتمال في الحسبان والعمل على منعه.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري أوشاكوف (إ.ب.أ) p-circle

موجة جديدة من العقوبات البريطانية ضد صندوق الحرب الروسي

أعلنت المملكة المتحدة موجة جديدة من العقوبات تستهدف خزانة الحرب الروسية و«مروجي الدعاية» وأشخاصاً متهمين بالتورط في تعذيب المواطنين الأوكرانيين.

«الشرق الأوسط» (لندن - بروكسل)
أوروبا أشخاص يسيرون أمام مرائب دمَّرها هجوم صاروخي روسي في منطقة كييف (أ.ب)

إصابة جسر رئيسي في كييف إثر استهدافه بمسيّرتين روسيتين

كشف رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية إن طائرتين مسيّرتين روسيتين أصابتا الخميس جسرا رئيسيا يربط بين شرق كييف وغربها، في ظل تصعيد ملحوظ للضربات الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

احتجاجات طلابية تغلق 400 مدرسة ثانوية في فرنسا... وتوقيف ألفَيْ شخص

TT

احتجاجات طلابية تغلق 400 مدرسة ثانوية في فرنسا... وتوقيف ألفَيْ شخص

طلاب في مواجهة عناصر شرطة مكافحة الشغب قرب مدرسة روجيه فيرلوم الثانوية في باريس يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
طلاب في مواجهة عناصر شرطة مكافحة الشغب قرب مدرسة روجيه فيرلوم الثانوية في باريس يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أُغلقت نحو 400 مدرسة ثانوية في أنحاء فرنسا، اليوم الجمعة، بسبب احتجاجات طلابية مستمرة منذ أسبوع، أُصيب خلالها عشرات الموظفين، وأوقفت الشرطة على أثرها نحو ألفي شخص، وفق مسؤولين، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

طلاب يهتفون خلال احتجاج على نقص الموارد في المدارس أمام مدرسة ثانوية مغلقة في ليون بفرنسا يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وبدأت الاحتجاجات، الأسبوع الماضي في منطقة باريس قبل أن تنتشر سريعاً في أنحاء البلاد، حيث أغلق طلاب السنوات الأخيرة من المرحلة الثانوية مداخل مدارسهم واشتبكوا مع الشرطة.

ويقول الطلاب إن ساعات الدراسة طويلة بشكل مفرط، وإن الظروف في المدارس غير ملائمة، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول، فضلاً عن كثرة غياب الموظفين.

عناصر من الشرطة أمام طلاب محتجين وسط الغاز المسيل للدموع قرب ثانوية كيريشين في بريست بغرب فرنسا يوم 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتقول الحكومة إن هذه الشكاوى مشروعة، لكنها ترفض أعمال العنف.

وقال وزير التعليم الفرنسي إدوار جيفراي، إن «حركة طلاب المدارس الثانوية باتت رهينةً لمجموعات هامشية شديدة العنف»، مضيفاً أن من المتوقع أن يغلق الجمعة نحو 400 مدرسة ثانوية من أصل 3700 في البلاد.

طلاب يتظاهرون في مرسيليا للمطالبة بزيادة التمويل وتحسين الظروف التعليمية يوم 1 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

وتعتزم مدارس ثانوية كثيرة تنظيم الدراسة عن بُعد، خصوصاً في مدينة مرسيليا بجنوب البلاد.

وقال جيفراي لقناة «بي إف إم تي في» إن 65 موظفاً على الأقل أُصيبوا منذ بدء الحركة، بينهم 40 مديراً لمدارس ثانوية.

طلاب ثانويون فرنسيون يتجمعون أمام ثانوية فولتير في باريس ضمن الاحتجاجات المطالبة بتوظيف معلمين بدلاء وزيادة الموارد وتحسين ظروف التعليم يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

وأضاف: «على الأهالي أن يتحمّلوا مسؤولياتهم بوضوح ويُخبروا أولادهم بألا يذهبوا» إلى المظاهرات.

وتابع: «الأهم الآن هو ضمان ألا يبقى أبناؤنا في الشوارع، لأنهم معرّضون للخطر».

حطام متفحم ومدخل محترق لمدرسة بوغرونيل الثانوية في باريس - 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهته، قال وزير العدل جيرالد دارمانان، إنه طلب من المدعين العامين تحميل الأهل مسؤولية الأضرار التي يتسبب بها أبناؤهم خلال الاحتجاجات، وإلزامهم «بدفع تكاليف الإصلاحات».

وأضاف دارمانان لإذاعة «آر تي إل» أن نحو ألفي شخص وُضعوا قيد الحجز لدى الشرطة منذ بدء الحركة، «90 في المائة منهم قاصرون».


مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)
عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

مقدونيا الشمالية تعلن تفكيك شبكة دعاية موالية لروسيا

عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)
عناصر من الشرطة في سكوبيي بمقدونيا الشمالية يوم 29 نوفمبر 2023 (رويترز)

أعلنت سلطات مقدونيا الشمالية، الخميس، أنها فككت شبكة دعاية موالية لروسيا يشتبه باستخدامها عشرات المواقع الإلكترونية لإثارة «الكراهية العرقية والقومية» ضد البلغار، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووفقاً لتقارير وسائل إعلام محلية، ترتبط القضية بعشرات المواقع الإلكترونية والحسابات والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر محتوى مؤيداً لبلغاريا باللغة المحلية في محاولة للتحريض على الكراهية.

ولدى بلغاريا ومقدونيا الشمالية تاريخ من العلاقات المتوترة، إذ إن صوفيا لا تعترف بلغة جارتها الشمالية وتعتبرها إحدى اللهجات البلغارية، كما أنها تشكك بهوية سكوبيي العرقية وتاريخها واستخدمت الفيتو عام 2022 ضد محادثات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

وأفادت وكالة الأمن القومي بأنها فتحت تحقيقاً مع مواطن مقدوني له صلات مزعومة بمصالح «أجنبية» فيما يتعلق بإنشاء شبكة دعاية.

وأضافت أن «الجهات الفاعلة الحقيقية في شبكة الدعاية هذه التي تخدم المصالح الروسية، تختبئ خلف بوابات زائفة مستنسخة مسجلة في مجال الإنترنت المقدوني».

وتابعت أن البوابات المزيفة المرتبطة ﺑ«هياكل سياسية موالية لروسيا» استُخدمت لنشر معلومات مضللة وأخبار مزيفة وروايات تهدف إلى «تقويض الثقة في المؤسسات وتشجيع الكراهية العرقية والقومية» وكذلك تقويض مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر.

وأشارت الوكالة إلى أنه يتم التحقيق مع المشتبه به في مجموعة من الجرائم، بما في ذلك نشر الكراهية العنصرية وإفشاء أسرار رسمية.


احتجاجات الطلاب تتمدد في فرنسا... والحكومة تشكّل خلية أزمة

تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)
تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات الطلاب تتمدد في فرنسا... والحكومة تشكّل خلية أزمة

تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)
تلامذة من مدرسة «ليسي ديودات» الثانوية في مدينة تولوز خلال تظاهرة في إطار الحراك الطلابي الذي يعم غالبية المدن الفرنسية (أ.ف.ب)

كالنار في الهشيم، توسّع حراك التلامذة والطلاب الاحتجاجي الذي انطلق يوم 21 سبتمبر (أيلول) من ثانوية «سان أكزوبري» في مدينة كريتاي جنوب شرقي باريس، بسبب نقص في الهيئة التعليمية. وسرعان ما امتدّ هذا التحرك إلى غالبية الثانويات الرسمية في منطقة إيل دو فرانس، التي تشمل العاصمة وضواحيها البعيدة. وبعد أسبوع واحد من انطلاق الحركة، انتشرت الإضرابات وإغلاق الثانويات على جميع الأراضي الفرنسية لتطول 180 مؤسسة تربوية في المنطقة الباريسية وفي مدن رئيسية مثل مرسيليا (جنوب) وليل (شمال) وفي مؤسسات وسط البلاد كمنطقة «لو رون» أو مقاطعات «لو فار» والألب.

مطالب عملية

توسعت الحركة المطلبية أكثر فأكثر تلبيةً لدعوة «التعبئة العامة» التي أطلقها «الاتحاد النقابي للثانويات»، بحيث شملت ما يزيد على 300 مؤسسة.

وبين نهاية سبتمبر (أيلول) وبداية أكتوبر (تشرين الأول)، تحركت نقابات طلاب الجامعات الذين انضموا إلى الحراك. والخميس، انضمّ الطلاب إلى حركة تلامذة المرحلة الثانوية.

رجال الشرطة خلال مواجهة مع المتظاهرين في مدينة أوبرفيليه الواقعة شمال باريس يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبحسب الاتحاد الطلابي، فإن ما لا يقل عن 30 حرماً جامعياً تم إغلاقها في العديد من المدن؛ بينها باريس وستراسبورغ ومرسيليا وليون وريمس وبواتييه ونانت. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن مدارس إعدادية انضمت إلى الحراك، ومنها في منطقة الرون وسط فرنسا. وتبين أن ما يطالب به المحتجون يتناول زيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتوفير بدلاء للمدرسين الغائبين، وتجديد المدارس وتحسين ظروف الدراسة، إضافة إلى الاعتراض على الضغوط المرتبطة بنظام القبول الجامعي. ويشكو طلاب في مناطق مختلفة من اكتظاظ الفصول، ونقص المدرسين، وتدهور حالة المباني والتجهيزات التعليمية وافتقار بعض المدارس لمقومات النظافة وغيرها من المطالب العملية.

خريطة الإضرابات والاضطرابات

تُبيّن خريطة الإضرابات، وما رافقها من أعمال عنف في محيط المدارس، خصوصاً في الأيام الثلاثة الأخيرة أن جميع المناطق الفرنسية أصبحت في حالة غليان.

وما بدأ مطالبة بأساتذة لملء الفراغ الحاصل في مدرسة، تحول إلى حراك مطلبي شامل واتّخذ بعداً سياسياً واسعاً، فيما فرنسا تعاني من موجة غلاء وتضخم وتراجع القوة الشرائية.

من مظاهر أعمال العنف التي رافقت المظاهرات في مدينة ليل شمال فرنسا يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وأبرز أسباب الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية تمثّل في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز، وهو ما حاولت السلطات التعامل معه من خلال توفير مساعدات محدودة للأكثر تأثراً بهذا الارتفاع. ووجدت السلطات نفسها مقيدة بمالية الدولة المتهالكة التي تعاني من مديونية وصلت إلى 3600 مليار يورو، وبفوائد مرتفعة بلغت حداً غير مسبوق منذ عقود، بحيث يتعين عليها أن تدفع في عام 2026 ما يقارب 80 مليار يورو فوائد.

وما زاد الطين بلّة أن حكومة سيباستيان لوكورنو حضّرت ميزانية تقشفية لعام 2027، عُرضت على مجلس الوزراء يوم الخميس وتضمّنت فرض ضرائب جديدة، والمساس بمخصصات المتقاعدين والعمل على خفض للإنفاق بنسبة لم تعرفها الميزانيات السابقة. وبما أن البلاد تخوض غمار التحضير للانتخابات الرئاسية التي ستجرى ربيع العام المقبل، كان من الطبيعي أن تمتد إليها السياسة وتتعمق الانقسامات وتوجه الاتهامات في كل اتجاه.

ليس سراً أن كل مظاهرة تحصل في فرنسا تستقطب مثيري الشغب من اليسار واليمين المتطرفين، الذين يركبون الموجة ويستهدفون رجال الشرطة، ويشعلون الحرائق، ويحطمون ما تيسر في الشوارع، وأحياناً من المحال الخاصة، ولا يترددون في مواجهة القوى الأمنية، الأمر الذي حصل في اليومين الأخيرين.

شرطية مصابة عقب مواجهات مع متظاهرين في ثانوية «ديودات» بتولوز يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وتدُلّ الأرقام الرسمية المتوافرة إحصاء ما لا يقل عن 340 تحركاً أمام المدراس الثانوية في منطقة «إيل دو فرانس» وحدها، وإغلاق 169 مدرسة منها، وتعطيل الدراسة في 200 ثانوية. وتفيد أرقام الشرطة بأن خمسين منها كانت «مسرحاً لأعمال عنف ومواجهات وتخريب».

ويصعب تعداد أحداث العنف التي جرت في الأيام الأخيرة، حيث أحصيت حرائق واعتداءات على مديري مدارس وأساتذة واشتباكات بين المتظاهرين ورجال الشرطة واعتقالات.

ويوم الأربعاء وحده، اعتقلت الشرطة 625 شخصاً، وأصيب 1109 طلاب وموظفين و83 من أفراد الشرطة والدرك. وعمدت المفتشية العامة للشرطة الوطنية إلى فتح ثلاثة تحقيقات تناولت إصابة عدد من طلاب المدارس الثانوية، فيما دافع وزير الداخلية لوران نونيز عن تعامل أفراد الأمن مع المحتجين، مؤكداً أنهم «يعمدون إلى استخدام مناسب للغاية» لما سماه «الأسلحة الوسيطة» في إشارة إلى الغاز المسيل للدموع.

المخاوف الحكومية

هذا الواقع المتردي يثير مخاوف جدية لدى الحكومة. وقد دعا سيباستيان لو كورنو، رئيسها، إلى اجتماع طارئ عصر الخميس للوزراء المعنيين وعمد إلى تشكيل خلية أزمة لمتابعة الوضع.

سيارة محترقة عقب أعمال عنف رافقت الاحتجاجات في ستراسبورغ يوم 1 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبالتوازي، تحرك جيرالد دارمانان، وزير العدل، من خلال دعوته لاجتماع عن بعد مع 36 مدعياً عاماً يمثلون الدولة في المحاكم من أجل حثهم على التعاطي القضائي «بحزم»، ما يعني دعوتهم إلى إصدار أحكام «ثقيلة» بحق مثيري الشغب. بالمقابل، سعى وزير التربية إدوار غيفراي إلى «تنفيس» الاحتقان من خلال إطلاق «منصة للتشاور» من شأنها إفساح المجال «لجميع طلاب المدارس الثانوية المساهمة فيها»، أي للتعبير عن مطالبهم.