أوكرانيا تستعد لمعركة كهرباء الشتاء

لمواجهة استراتيجية موسكو الشهيرة خلال الموسم والتي تستهدف مجدداً البنية التحتية للطاقة

رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)
رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)
TT

أوكرانيا تستعد لمعركة كهرباء الشتاء

رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)
رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

في معظم أنحاء أوكرانيا، ما زالت الأيام والليالي صافية وصيفية، مع لفحة خفيفة من الخريف في الهواء. ولكن إذا سعت روسيا لتحقيق هدفها، فسوف يأتي الشتاء مبكراً. وذكرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن استراتيجية موسكو الشهيرة التي طبقتها خلال موسم الشتاء السابق، بدأت في إطلاقها مجدداً هذا العام من خلال وابل من الهجمات، يقول المسؤولون الأوكرانيون إنها تستهدف البنية التحتية للكهرباء وعدة مناطق في البلاد.

رجل إطفاء يعمل في موقع بمنطقة سكنية تضررت خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

قد تسببت الهجمات التي وقعت في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، الأولى من نوعها منذ ستة أشهر، في انقطاع جزئي للكهرباء في ستة أقاليم، بما في ذلك منطقة العاصمة. وتعد هذه الهجمات نذير شؤم على الأمور التي سوف تحدث في المستقبل، وبمثابة تذكرة بالصعوبات التي وقعت في الماضي.

ولدى كل أسرة أوكرانية ما يمكنها أن ترويه من قصص بشأن الحرمان من الكهرباء الشتاء الماضي، فقد خيّم الظلام على مدن رئيسية وقرى صغيرة على حد سواء، وتمت الاستعانة بالمولدات والشموع، وتم وضع جداول مضنية للأنشطة اليومية - الطبخ، التسوق والاستحمام قبل انقطاع الكهرباء المحدد مسبقا للحفاظ على شبكة الكهرباء.

محطة زابوريجيا النووية (أ.ب)

وتقول إيوليا ستاتنيك، المصورة في كييف، التي كانت تعيش في شقة بالدور الـ20 الشتاء الماضي، كما نقلت عنها الوكالة الألمانية: «أتذكر الوقوف في الدور الأرضي وأنا أشعر باليأس، وكنت حاملا في طفلي وفي يدي أكياس البقالة». هذا العام، استقرت هي وزوجها ورضيعهما الذي يبلغ من العمر 10 أشهر في منزل مزود بمولد. وأملا في تجنب ما حدث الشتاء الماضي، هرعت أوكرانيا لحماية شبكة الكهرباء وتقويتها، على الرغم من أنه لأسباب أمنية، يتوخى المسؤولون الحذر بشأن بعض الإجراءات الخاصة التي يتم اتخاذها. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد حذر في حوار بالتلفزيون الأميركي منتصف الشهر الماضي روسيا من أنه في حال تم استئناف أسلوب استهداف البنية التحتية للكهرباء مثل الشتاء الماضي، سوف تدرس أوكرانيا الرد بالمثل.

وقد أظهرت أوكرانيا على مدار العام الماضي أنه يمكنها استهداف عمق روسيا بطائرات الدرون، ويشمل ذلك موسكو، على الرغم من أن حكومة زيلينسكي لا تعترف رسمياً بالمسؤولية عن مثل هذه الهجمات.

وقال زيلينسكي في حوار مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس»: «إذا قامت روسيا بقطع الكهرباء، وحرماننا منها، وحرماننا من المياه والغاز، فعليكم أن تعلموا أن لنا الحق في عمل الشيء نفسه». وأضاف «ولكن حتى إذا أرادت أوكرانيا القيام بذلك، فإنها لا تملك القدرة على الإضرار بالبنية التحتية المدنية الروسية للطاقة بالصورة الشاملة والمنهجية التي تقوم بها القوات الروسية».

وكانت أوكرانيا قد وصفت هجمات الشتاء الماضي على محطة الكهرباء بمحاولة لكسر معنويات الشعب وإجبار البلاد على الخضوع، ولكن في الكثير من الأحوال، أدت الصعاب لتعزيز الشعور بالانتماء بين أفراد المجتمع.

مهندس يعمل على جزء من طائرة مسيرة في كييف الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)

ففي المباني السكنية الشاهقة الارتفاع في كييف وأماكن أخرى، اتفق الجيران على ترك مؤن للطوارئ مثل المياه ووجبات خفيفة وحفاضات للأطفال في المصاعد في حال انقطعت الكهرباء فجأة وحوصر أشخاص بداخلها.

ومع ذلك، ينظر الكثيرون لاحتمالية بداية موسم جديد من انقطاعات الكهرباء لفترات طويلة بشعور بالرهبة. فمن المقرر أن يمثل فبراير (شباط) المقبل، الذي يتسم بتسجيل درجات حرارة منخفضة وجو كئيب، الذكرى الثانية لما أصبح صراعاً طاحناً لا تبدو له نهاية واضحة في الأفق.

وقد أضرت موجات الهجمات بالصواريخ وبطائرات الدرون الشتاء الماضي بنحو نصف قطاع الكهرباء الأوكراني، حيث استهدفت محطات الطاقة الفرعية والمحولات الكبيرة ومنشآت رئيسية أخرى تابعة للبنية التحتية للكهرباء.

صورة أرشيفية لعمال ينظفون موقع إسقاط طائرتين من دون طيار في محيط موسكو (إ.ب.أ)

وكان عمدة كييف فيتالي كليتشكو قد تحدث الشتاء الماضي بشأن احتمالية حدوث إخلاء جماعي في حال تسببت انقطاعات الكهرباء في استحالة توفير مياه جارية. وعزز الدعم الغربي من جهود أوكرانيا لإصلاح الضرر الذي وقع الشتاء الماضي وتعزيز إجراءات السلامة، حيث شمل الدعم مساعدات متعلقة بالكهرباء من الولايات المتحدة بقيمة 375 مليون دولار.

لحظة انفجار مسيّرة روسية في كييف (رويترز)

ووصف وزير الطاقة الأوكراني هيرمان هالوشينكو مطلع الصيف عملية الإصلاح «بالحملة الأكبر في تاريخ منشآت الطاقة». وقال ماكسيوم تيمشينكو المدير التنفيذي لمجموعة «دي تي إي كيه» للطاقة إنه خلال شهر ونصف فقط، تمكنوا من استعادة نحو 6000 ميل من خطوط الطاقة وأكثر من 70 من المحطات الفرعية ذات الجهد العالي في منطقة كييف. وقال لصحيفة «التايمز» البريطانية إن الشتاء المقبل «لن يكون أقل صعوبة من الشتاء الماضي».

ومنذ وقت قريب، كان هناك طاقم عمل تابع للمجموعة في موقف لسيارات بيع الوجبات السريعة، بجانب طريق متعدد الحارات، يقوم بالحفر للوصول لخطوط عالية الجهد في حاجة للتجديد.

وقال يوري هيراسكو، 48 عاما، المشرف على العاملين: «نعلم أنه خلال هذا الشتاء، سوف يحاولون مجددا كسرنا»، مضيفا «ومهمتنا هي أن نكون مستعدين لجميع أنواع السيناريوهات الصعبة، ونحن نعمل بأقصى جهد ممكن».

ويأمل المواطنون في كييف ومناطق أخرى في الأفضل، ولكنهم يستعدون للأسوأ. وقد تزايد الطلب مجددا على المولدات، وأصبح النقاش حول أفضل مكان لشراء وقود الديزل من أجلها هو موضوع الساعة. ويقوم السكان بجمع أكوام الحطب والبحث عما يكون لديهم من الكشافات والبطاريات. وتقول ستاتنيك، المصورة في كييف: «لن تصدقوا مجموعة الشمع التي قمت بجمعها»، مضيفة «إنها بكل الألوان وكل الروائح: بطيخ، تفاح، نحو 49 نوعاً مختلفا». وأضافت «الآن ليس أمامنا إلا أن ننتظر لكي نرى كيف سيكون هذا الشتاء».


مقالات ذات صلة

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

أوروبا صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
مصر تعتمد على القمح الروسي والأوكراني لسد الفجوة الغذائية (رويترز)

ما حقيقة حصول مصر على قمح أوكراني «مسروق»؟

أثارت تصريحات لوزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها بشأن استقبال الموانئ المصرية شحنات قمح روسي، قال إنها «مسروقة»، تساؤلات حول إمكانية حصول القاهرة عليها.

أحمد جمال (القاهرة)
أوروبا حريق في مركبات مدمَّرة بموقع غارة جوية روسية على مدينة كراماتورسك الواقعة على خط المواجهة بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا 5 مايو 2026 (رويترز)

زيلينسكي: روسيا اختارت مواصلة الحرب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إن روسيا قرّرت رفض الجهود الرامية لوضع حد للقتال وإنقاذ الأرواح عبر شنّ هجمات جديدة على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانيون يتحلقون حول جثة مواطن قتل بفعل ضربة روسية في دونيتسك (أ.ف.ب)

أوكرانيا تقول إن روسيا شنّت هجوما خلال وقف إطلاق النار

أعلن القائد العسكري لمنطقة زابوريجيا إيفان فيدوروف صباح الأربعاء أن روسيا نفّذت هجوما على مرافق بنى تحتية صناعية في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أضرار جراء قصف روسي على منطقة دونيتسك الأوكرانية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في هجوم بمسيّرات أوكرانية في شبه جزيرة القرم

قُتل خمسة أشخاص في هجوم بطائرات مسيرة أوكرانية في شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا، وفق ما أعلن رئيس السلطة المحلية سيرغي أكسيونوف الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
TT

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

أعلن خفر السواحل السويدي أنه صعد على متن ناقلة النفط «جين هوي» واحتجزها يوم الأحد للاشتباه في رفعها علماً مزيفاً أثناء عبورها المياه السويدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضح خفر السواحل في بيان له، أن السفينة كانت تبحر في بحر البلطيق رافعة العلم السوري. كما تُثار مخاوف بشأن صلاحية السفينة للإبحار.

وكتب وزير الدفاع المدني السويدي، كارل أوسكار بولين، على منصة «إكس» أن «جين هوي» مدرجة حالياً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا.

وأفاد المدعون العامون السويديون يوم الاثنين أنه تم القبض على قبطان السفينة، وهو مواطن صيني، للاشتباه في استخدامه وثيقة مزورة وارتكابه جرائم أخرى.

وهذه هي خامس عملية احتجاز سفينة يقوم بها خفر السواحل السويدي في الأسابيع الأخيرة.

قال دانيال ستينلينغ، نائب رئيس العمليات في خفر السواحل: «لا تزال السفن التي يُشتبه في وجود خلل في صلاحيتها للإبحار تبحر في المياه السويدية. هذا أمر غير مقبول. لقد تدخلنا سابقاً، وها نحن نتدخل مجدداً».

ولم ترد السفارة الروسية في السويد على طلب للتعليق يوم الأربعاء.

وكانت السويد قد أعلنت العام الماضي أنها ستكثف عمليات فحص التأمين على السفن الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على السفن الروسية المشتبه في نقلها النفط والغاز أو الحبوب الأوكرانية المسروقة.


«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
TT

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر الكثير من وصول المستشار الألماني فريدريتش ميرتس إلى منصب المستشارية في برلين يوم 6 مايو (أيار) من العام الماضي لإعادة إطلاق العربة الفرنسية - الألمانية التي تُعدّ، منذ عقود عدة، بمثابة القاطرة الأوروبية التي من دونها سيراوح الاتحاد الأوروبي مكانه. وجاء حجم الآمال المعلقة على ميرتس مساوياً لحجم الخيبة الفرنسية من سلفه المستشار الاشتراكي أولاف شولتس الذي كان يشبه بـ«مكعب الجليد».

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

وطيلة ثلاث سنوات من حكمه، لم ينجح ماكرون في نسج علاقة خاصة مع شخصية منطوية وكتومة. وأمل الرئيس الفرنسي أن يكون ميرتس، القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي، أكثر تجاوباً من سلفه لجهة التجاوب مع رغبة باريس في تعزيز العلاقات الفرنسية - الألمانية من أجل حراك دبلوماسي متسق والسير بالمشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، ومنها تصنيع الطائرة القتالية المشتركة من الجيل السادس ودبابة المستقبل.

كذلك، كان ماكرون يمنّي النفس بالعثور على شريك ألماني يرافقه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا التي يدعو إليها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017 بما تعنيه من تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي. وأخيراً، كان ماكرون يراهن على خبرته في مجال السياسة الدولية بعد السنوات الثماني التي أمضاها في القصر الرئاسي لإقناع المستشار الجديد بخططه حيث إن الأخير لم يسبق له مطلقاً أن شغل منصباً وزارياً أو حكومياً آخر.

خيبة فرنسية من أداء ميرتس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال الاستقبال الرسمي 5 مايو بمناسبة زيارة ماكرون لأرمينيا (رويترز)

بعد مرور عام كامل، لا تبدو محصلة التعاون بين المسؤولين بمستوى الآمال التي كانت معقودة عليه رغم وعود البداية. فالمستشار ميرتس قال، بمناسبة زيارته الأولى لفرنسا، في اليوم التالي لتسلمه السلطة ما حرفيته: «لن نستطيع مواجهة التحديات (المفروضة علينا) إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً».

ويفهم مما سبق أن الطرفين يعيان أهمية قيام علاقات ثقة وتعاون بينهما لمصلحتهما ومصلحة أوروبا. ومن جانبه، استغل ماكرون كل مناسبة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين. ففي زيارة له لبرلين، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس، يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «واجبنا أن ننجح معاً» في مهمتنا وأن «مصلحتنا المشتركة تكمن في تحقيق ما نصبو إليه من مشاريع؛ لأن ذلك يعد معيار مصداقيتنا».

قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عقب اختتام قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق له أن أكد، بمناسبة الاجتماع الوزاري المشترك الفرنسي - الألماني في قصر الإليزيه، أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. وفي أوقات سابقة، نجحت قيادة الثنائي الفرنسي - الألماني في إقامة علاقات شخصية وسياسة استثنائية كالتي قامت بين الجنرال شارل ديغول والمستشار كونراد أديناور، وبين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، وأيضاً بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول.

جانب من جلسات قمة «المجموعة الأوروبية السياسية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

لم يبق لماكرون سوى عام واحد يمضيه في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن ميرتس أمضى عامه الأول في قصر المستشارية. وما يجمع بين المغادر والوافد أن كليهما يعاني تراجع شعبيته، كل في بلده. ففي فرنسا، اظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» لشهر أبريل (نيسان) أن 25 في المائة من العينة المستطلعة أجابوا بـ«نعم» على السؤال التالي: «هل ترى أن إيمانويل ماكرون رئيس جيد؟». أما بالنسبة لميرتس، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 10 في المائة فقط من العيّنة المستطلعة ترى أن حكومته «تؤدي عملها بشكل جيد» في حين 69 في المائة ترى أن أداءها «سيئ أو سيئ جداً».

وما يجمع الاثنين فشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف: «التجمع الوطني» في فرنسا وحزب «البديل» في ألمانيا. ومرة أخرى تبين استطلاعات الرأي أن مرشح أو مرشحة «التجمع الوطني» (جوردان بارديلا ومارين لوبن) يتمتعان بحظوظ جدية بالفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. أما في ألمانيا، فإن حزب «البديل» في طريقه لأن يتحول للحزب الأكثر شعبية في البلاد، متقدماً على حزب المحافظين أي الديموقراطي المسيحي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء أرمينيا عقب محادثاتهما في يريفان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الملفات الخلافية بين باريس وبرلين

خلال العام الماضي، تواجه ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين: الأول، قرض الـ90 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً. الأول مارس ضغوطاً قوية على بلجيكا لاستخدام الأموال الروسية المودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل والبالغة 125 مليار دولار. والآخر لم يبدِ حماسة للسير في خطة كان من شأنها أن تنسف الثقة بالسوق المالية الأوروبية أو أن تهدد الأموال الروسية المودعة في البنوك الفرنسية. وكانت النتيجة أن جهود ميرتس فشلت واضطر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على استدانة الـ90 مليار يورو من الأسواق المالية بكفالة المفوضية الأوروبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وتواجه الاثنان لاحقاً بشأن التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور» (البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، باراغواي وأورغواي) التي وُقّعت في الأول من العام الحالي ودخلت حيز التنفيذ في بداية مايو. وسبب الخلاف بين المسؤولين أن كلاً منهما تمسك بالدفاع عن مصالح بلاده: ماكرون عارضه سعياً منه لحماية المزارعين الفرنسيين من منافسة «غير متكافئة» بينما ميرتس دفع باتجاه إبرامه سعياً منه لتغليب مصالح صناعة السيارات الألمانية. أما المفوضية الأوروبية، فقد عدَّته، بلسان رئيستها الألمانية أورسولا فون دير لاين «رافعة اقتصادية وجيوسياسية» في حين العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز مرحلة من المطبات الهوائية الخطيرة.

دول قمة قبرص (أ.ف.ب)

لا يتوقف افتراق الآراء عند هذين الملفين. ذلك أن برلين تأخذ على فرنسا سياستها الاقتصادية المتساهلة في مسألة مديونية الدولة التي تتخطى بأشواط المسموح به على المستوى الأوروبي. وتبين الأرقام الرسمية أن ديون فرنسا بلغت نهاية العام الماضي 3500 مليار يورو؛ ما يشكل 116 في المائة من الناتج المحلي العام. وهذه النسبة من بين الأسوأ في أوروبا بينما نسبة المديونية الألمانية تتراوح ما بين 60 و65 في المائة من الناتج المحلي الألماني. وترى برلين أن ضعف الاقتصاد الفرنسي يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي وموقعه على الصعيد العالمي، فضلاً عن انعكاسه على قيمة العملة الأوروبية.

طائرة القتال المستقبلية

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة مطلية بألوان العَلم الفرنسي بمناسبة معرض الطيران في قاعدة نانسي - أوشي 4 مايو (أ.ف.ب)

بيد أن الخلاف الجدي والملموس بين البلدين يدور حول مشروع تصنيع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس الذي أطلق في عام 2017، وحتى اليوم ما زال يراوح مكانه. وباختصار شديد، ثمة خلافات تتناول تحديد الحاجات العسكرية (المهمات المطلوبة من الطائرة) والصناعية (توزيع العمل بين شركة «داسو للطيران» التي تصنع طائرة «رافال» والتي تريد أن تكون رائدة المشروع وشركة «إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية» التي تتمسك بها ألمانيا والتي تتشارك فيها مع فرنسا وإسبانيا).

كذلك، ثمة خلافات على كيفية إدارة المشروع. كذلك، تختلف مقاربة البلدين حول بناء دبابة المستقبل، والخلاف قائم حول دور الذي تريده شركة «رينميتال» الألمانية التي تصنع دبابة «ليوبارد» المعروفة وشركة «نيكستر» الفرنسية التي تنتج دبابة «لوكلير». وكانت المقاربة الفرنسية تقوم على إبراز دور «داسو» في القطاع الجوي مقابل تفضيل «رينميتال» أرضياً. وما زالت المساومات قائمة؛ ما سيعني تأخر الإنتاج العسكري الموعود والمشترك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه الرئاسي في باريس 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كثيرة الملفات الخلافية بين الطرفين، ومنها ما يرتبط بالعلاقة مع الحلف الأطلسي. فألمانيا تُعدّ، بسبب الإرث التاريخي، أكثر التصاقاً به بينما باريس تسعى للحفاظ على نوع من الاستقلالية داخله وهي تدفع الأوروبيين باتجاه تعزيز دفاعهم المشترك. إلا أن التباعد المستجد بين ميرتس والرئيس ترمب يدفع باتجاه التقارب بين باريس وبرلين بشأن «الأطلسي». وتجدر الإشارة إلى انطلاق حوار بينهما، بعيداً عن الأضواء، بشأن إفادة ألمانيا من المظلة النووية الفرنسية في إطار «البعد الأوروبي للمصالح القومية الفرنسية». لكن باريس لم تستسغ سابقاً قرار برلين إطلاق «مبادرة الدرع الأوروبي»، الذي انضمت إليه ما بين 2022 و2024 ما لا يقل عن 20 دولة أوروبية في حين فرنسا وإيطاليا وبولندا بقيت خارجه.

زعيم اليسار الراديكالي في فرنسا جان - لوك ميلانشون (أ.ب)

وما أغاظ باريس أن برلين قررت التوجه إلى الصناعات الجوية الأميركية والإسرائيلية بدل اللجوء إلى الصناعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص. وفي مجال التباعد، تمكن الإشارة إلى تضارب الرؤى بين العاصمتين بالنسبة لمستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية في حين تريد برلين تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. كذلك، تنظر باريس بنوع من الشك إلى نزوع ميرتس نحو تعزيز التعاون مع روما على حساب باريس؛ ما من شأنه إضعاف القاطرة الثنائية. إلا أن ما سبق، لا يعني الطلاق بين البلدين المتفقين بشأن الحرب في أوكرانيا والتمسك بدعم كييف والعلاقة مع روسيا وتعزيز البناء الأوروبي وتعظيم حضوره في العالم.


فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعت فرنسا الولايات المتحدة وإيران إلى «معالجة مسألة هرمز بشكل منفصل» عن باقي ملفات النزاع، مشددةً على أنها ذات «اهتمام مشترك»، وعرضت «مطالبها» من أجل تنفيذ مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في الممر المائي الحيوي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «يمكننا أن نعرض على إيران العبور مجدداً من مضيق هرمز، يمكننا السماح بمرور ناقلاتها من مضيق هرمز بشرط، وهو أن تقبل إيران بالانخراط في المفاوضات التي يدعوها الأميركيون إليها حول المسائل الجوهرية».

وأضافت: «ما نقوله للأميركيين هو أن عليهم فك الحصار عن (هرمز) واغتنام استعداد إيران للتفاوض حول القضايا الجوهرية».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قد تنتهي ويعاد فتح مضيق ‌هرمز ‌إذا ​التزمت ‌طهران ⁠بما ​تم الاتفاق ⁠عليه، مهدداً: «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من ​قبل».

وأكدت باكستان، الأربعاء، وجود «زخم» قد يُفضي إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في وقت نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، غداة إعلان الرئيس دونالد ترمب تعليق عملية عسكرية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وحديثه عن «إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي» مع طهران.

وأفاد موقع «أكسيوس» ومصدر باكستاني بأن الولايات المتحدة وإيران «تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب». ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم وموافقة أميركا على رفع عقوباتها والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين القيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز.