فرنسا تحتفي بتشارلز الثالث وكاميلا تعزيزاً للعلاقات الثنائية

ملك بريطانيا يخاطب «الشيوخ» الفرنسي الخميس

الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحتفي بتشارلز الثالث وكاميلا تعزيزاً للعلاقات الثنائية

الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)

نسيت فرنسا منذ زمن طويل أن الثورة الفرنسية التي انطلقت في عام 1789 جعلت رأسَي الملك لويس الخامس عشر والملكة أنطوانيت يتدحرجان على المقصلة التي نصبت فيما يسمى حالياً «ساحة الكونكورد»، حيث تنتصب في وسطها المسلة الفرعونية. كذلك نسي الفرنسيون أن الاحتفالات العديدة المرحبة بزيارة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا ستنطلق من «ساحة ليتوال»، حيث يقع قوس النصر الذي طلب الإمبراطور نابليون الأول تشييده لتخليد انتصاراته الباهرة في الحروب التي خاضها نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، والتي كانت إنجلترا، خلالها، خصمه اللدود، ونجحت في النهاية في تأليب الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية والمملكة البروسية - الألمانية، وأنزلت به هزيمة ماحقة في معركة واترلو «الواقعة حالياً في بلجيكا»، ونفته بعدها إلى جزيرة سانت هيلين، جنوب المحيط الأطلسي حيث مات في عام 1821.

هذا هو التاريخ الذي قلب كثير من صفحاته، ومنها «حرب المائة عام» التي تواجهت خلالها المملكتان الفرنسية والإنجليزية. بدأت في عام 1337 بسبب ادعاء ملك إنجلترا بأحقيته بتاج المملكة الفرنسية الذي اعتمره الملك فيليب السادس وانتهت في عام 1453 على طاولة المفاوضات وبتوقيع «معاهدة بيكينيي». ورغم أن باريس ولندن كانتا غالباً في العصور الخوالي في حالة حرب، فإنهما تقاربتا بعد الحروب النابليونية، لا بل إن الإمبراطور نابليون الثالث، ابن أخي نابليون الأول، لجأ إلى لندن بعد الهزيمة التي ألحقتها به قوات أوتو فون بيسمارك، المستشار الألماني في عام 1870، في معركة «سيدان» الشهيرة. ومنذ ذلك التاريخ، قلبت بريطانيا وفرنسا صفحة الخلافات وقاتلتا جنباً إلى جنب في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي الحرب الأخيرة، استقبلت لندن الجنرال شارل ديغول، زعيم «فرنسا الحرة» التي قاد منها المقاومة ضد المحتل الألماني.

وريث التاج البريطاني

اليوم، وريث التاج البريطاني الذي وصل بعد الظهر في زيارة دولة من ثلاثة أيام إلى باريس وبرفقته الملكة كاميلا، جاء ليبين قوة العلاقات التي تجمع باريس ولندن اللتين نجحتا في طي تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتغلب على خلافاتهما بشأن ملفين رئيسيين: حقوق الصيد في المياه البريطانية، والهجرات المنطلقة من الشواطئ الفرنسية باتجاه الشواطئ البريطانية عبر مضيق المانش.

الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا لدى نزولهما من الطائرة الملكية في مطار أورلي الباريسي الأربعاء (رويترز)

وقال مصدر رئاسي إن الزيارة الملكية «تحل في سياق تعزيز العلاقات» بين باريس ولندن، بعد مرحلة صعبة رافقت «بريكست» زمن رؤساء الحكومات الثلاثة تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، لتعود «طبيعية» مع رئيس الحكومة الحالي ريشي سوناك. ويربط كثير من المحللين إفراط باريس بتكريم الثنائي الملكي وبين رغبتها في إعادة توطيد علاقاتها مع بريطانيا. في هذه المناسبة تمت تعبئة 8 آلاف شرطي ودركي الأربعاء، وسيتم نشر ما يصل إلى 12 ألف عنصر، الجمعة، حيث إن الزيارة تتزامن مع زيارة البابا فرنسيس إلى مرسيليا.

واستبق الرئيس ماكرون وصول الثنائي الملكي بنشر مقطع فيديو على موقع «إكس» (تويتر سابقاً) و«إنستغرام» جاء فيه متوجهاً لضيفه: «جئت إلى فرنسا (سابقاً) بصفتك أميراً واليوم تعود إليها ملكاً. أهلاً بجلالتك». وتضمن شريط الفيديو مقاطع مصورة لزيارات الملك شارل الثالث إلى فرنسا خلال عهود متتالية.

وبعد استقبال رسمي للثنائي الملكي في مطار أورلي بحضور رئيسة الحكومة الفرنسية إليزابيث بورن، حصل الاحتفال الأهم تحت قوس النصر وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث أغلقت مداخل الشوارع المؤدية إلى جادة الشانزليزيه وخصوصاً إلى ساحة «ليتوال»، وانتشرت قوات أمنية كثيفة في كامل أرجاء منطقة الاحتفال، وعمدت إلى تفتيش المارة. وعلى جانبي جادة الشانزليزيه، تجمهر الآلاف من الفرنسيين والسياح لمشاهدة الثنائي الملكي الذي وصل إلى قوس النصر بالسيارة الملكية التي تحمل الشعر الملكي وسط مواكبة من عشرات الدراجين. ومن بين الجمهور تتعدد الجنسيات واللغات والألوان، ثمة من لفّ نفسه بالعلم البريطاني. وقالت نانسي، وهي طالبة بريطانية تدرس اللغة الفرنسية في جامعة باريسية، إنها «تشعر بالفخر» لرؤية ملكها محاطاً بهذه الهالة من التكريم والتفخيم، وخصوصاً بالاحتفاء الشعبي.

الطائرات الاستعراضية الفرنسية والبريطانية تحلق في سماء باريس وفي الصورة سقف قوس النصر (أ.ف.ب)

وكان الرئيس ماكرون وعقيلته بريجيت بانتظار الملك تشارلز والملكة كاميلا من أجل تجديد وإحياء شعلة الجندي المجهول تحت قبة قوس النصر، ووضع باقتين من الورد وعزف النشيدين الوطنيين الفرنسي والبريطاني، تبعته تحية علمي الدولتين والوقوف دقيقةَ صمت إجلالاً للضحايا. ومباشرة بعد ذلك انطلقت في سماء باريس الطائرات الاستعراضية الفرنسية والبريطانية «ريد أروز». وحضر الاحتفال العشرات من كبار المسؤولين والمدعوين، وقام ماكرون وتشارلز الثالث بتحية وفدي البلدين الرسميين قبل امتطاء عربة مكشوفة لنزول جادة الشانزليزيه، وسط حضور شعبي واسع.

وكما في كل مناسبة، كان ظهور خيالة الحرس الجمهوري مثيراً للإعجاب والتصفيق. وقد رافق 136 خيالاً ماكرون وتشارلز، فيما ركبت السيدة الفرنسية الأولى والملكة كاميلا سيارة ثانية، واتجه الموكب نزولاً باتجاه القصر الرئاسي الواقع في شارع فوبورغ سان هونوريه القريب من ساحة الكونكورد، حيث عقد اجتماع مغلق بينهما.

قاعة المرايا

ما بين قصر الإليزيه ومقر إقامة السفير البريطاني في باريس مسافة رمية حجر، قطعها ماكرون وتشارلز معاً من أجل الاحتفال بزيارة ملك بريطانيا الرسمية والأولى التي يقوم بها إلى فرنسا منذ اعتلائه العرش في العاشر من سبتمبر (أيلول) من العام الماضي. وقضى الاحتفال بزرع شجرة سنديان في حديقة المقر تخليداً لزيارة الدولة. بيد أن الأنظار اتجهت مساءً نحو قصر فرساي الشهير الواقع غرب باريس الذي اختاره ماكرون من أجل الوليمة الرسمية لتكريم تشارلز الثالث وكاميلا.

وأقيم «عشاء الدولة» في «قاعة المرايا» التي تعد أجمل ما يضمه قصر لويس الرابع عشر.

الرئيس ماكرون والملك تشارلز الثالث يستعرضان أفراد القوة الفرنسية التكريمية (رويترز)

وقالت المصادر الفرنسية إن اختيار فرساي يعد بمثابة «لفتة خاصة» باتجاه ملك بريطانيا، الذي يسعى للسير على خطى والدته الملكة إليزابيث الثانية التي كانت تحب فرنسا، وقد دُعيت مرتين إلى قصر فرساي في العامين 1957 و1972. وفي هذا السياق، تندرج زيارته، الخميس، لسوق الزهور القائم في قلب باريس، والذي سمي على اسم الملكة إليزابيث الثانية في عام 2014.

لم توفر السلطات الفرنسية جهداً إلا وبذلته من أجل إبراز غنى تراثها المعماري وتفوق مطبخها المشهور عالمياً. لذا، فقد تم «استدعاء» أربعة من أشهر «طباخي البلاد» لتحضير العشاء الملكي الذي دعي إليه ما يزيد على 150 شخصاً، بينهم شخصيات معروفة من على جانبي بحر المانش. ومن بين الضيوف المدعوين، الممثلون هيو غرانت وشارلوت غينسبورغ «والدتها المغنية البريطانية جين بيركين التي توفيت في شهر يوليو (تموز) الماضي».

بيد أن الملك تشارلز الثالث يريد لنفسه دوراً يتجاوز الدور البروتوكولي. ومن المعروف على المستوى الأوروبي اهتمامه بملف البيئة والعمران، وله مشاريع ومؤسسات فاعلة في هذه المجالات. واللافت أنه سيلقي خطاباً قبيل ظهر الخميس، في بادرة هي الأولى من نوعها، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي مجتمعاً بهذه المناسبة. كما أن المصادر الرئاسية كشفت عن بعض الملفات التي يريد تناولها مع الرئيس، وأولها بطبيعة الحال الملف المناخي ونتائجه البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية. من هنا، تبرز أهمية مشاركته، الخميس، مع الرئيس ماكرون في منتدى البيئة الذي يستضيفه «المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي».

ومن هنا أيضاً لفتة ماكرون تجاهه؛ لأنه سيقدم له كتاب «جذور السماء» للكاتب الفرنسي من أصول روسية رومان غاري الذي يدور حول حماية كوكب الأرض. كذلك سيهديه ميدالية تكريماً لجهوده ولنضاله حول هذا الموضوع.


مقالات ذات صلة

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
يوميات الشرق أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

بالتزامن مع الإعلان الرسمي عن انطلاق العمل على سيرة الملكة إليزابيث، برزت تصريحات صحافية لمساعدتها أنجيلا كيللي تكشف تفاصيل عن خفايا حياة ملكة بريطانيا الراحلة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)

مؤسسة خيرية لإحياء ذكرى الملكة إليزابيث في مئوية ميلادها

يجري العمل على إنشاء مؤسسة خيرية جديدة لتخليد سيرة الملكة إليزابيث الثانية، بالتزامن مع أسبوع يُصادف الذكرى المئوية لميلادها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل مع جدته الراحلة الملكة إليزابيث (رويترز) p-circle

خبير ملكي: الملكة إليزابيث رأت أن هاري وميغان أضاعا كل شيء

كشف كاتب وخبير ملكي شهير أن الملكة الراحلة إليزابيث كانت مستاءة للغاية من «الطريقة التي أضاع بها الأمير هاري وميغان كل شيء»، بعد انسحابهما من الحياة الملكية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».