فرنسا تحتفي بتشارلز الثالث وكاميلا تعزيزاً للعلاقات الثنائية

ملك بريطانيا يخاطب «الشيوخ» الفرنسي الخميس

الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحتفي بتشارلز الثالث وكاميلا تعزيزاً للعلاقات الثنائية

الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون والملك تشارلز الثالث أمام قبر الجندي المجهول الأربعاء لوضع باقة من الزهور (أ.ف.ب)

نسيت فرنسا منذ زمن طويل أن الثورة الفرنسية التي انطلقت في عام 1789 جعلت رأسَي الملك لويس الخامس عشر والملكة أنطوانيت يتدحرجان على المقصلة التي نصبت فيما يسمى حالياً «ساحة الكونكورد»، حيث تنتصب في وسطها المسلة الفرعونية. كذلك نسي الفرنسيون أن الاحتفالات العديدة المرحبة بزيارة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا ستنطلق من «ساحة ليتوال»، حيث يقع قوس النصر الذي طلب الإمبراطور نابليون الأول تشييده لتخليد انتصاراته الباهرة في الحروب التي خاضها نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، والتي كانت إنجلترا، خلالها، خصمه اللدود، ونجحت في النهاية في تأليب الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية والمملكة البروسية - الألمانية، وأنزلت به هزيمة ماحقة في معركة واترلو «الواقعة حالياً في بلجيكا»، ونفته بعدها إلى جزيرة سانت هيلين، جنوب المحيط الأطلسي حيث مات في عام 1821.

هذا هو التاريخ الذي قلب كثير من صفحاته، ومنها «حرب المائة عام» التي تواجهت خلالها المملكتان الفرنسية والإنجليزية. بدأت في عام 1337 بسبب ادعاء ملك إنجلترا بأحقيته بتاج المملكة الفرنسية الذي اعتمره الملك فيليب السادس وانتهت في عام 1453 على طاولة المفاوضات وبتوقيع «معاهدة بيكينيي». ورغم أن باريس ولندن كانتا غالباً في العصور الخوالي في حالة حرب، فإنهما تقاربتا بعد الحروب النابليونية، لا بل إن الإمبراطور نابليون الثالث، ابن أخي نابليون الأول، لجأ إلى لندن بعد الهزيمة التي ألحقتها به قوات أوتو فون بيسمارك، المستشار الألماني في عام 1870، في معركة «سيدان» الشهيرة. ومنذ ذلك التاريخ، قلبت بريطانيا وفرنسا صفحة الخلافات وقاتلتا جنباً إلى جنب في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي الحرب الأخيرة، استقبلت لندن الجنرال شارل ديغول، زعيم «فرنسا الحرة» التي قاد منها المقاومة ضد المحتل الألماني.

وريث التاج البريطاني

اليوم، وريث التاج البريطاني الذي وصل بعد الظهر في زيارة دولة من ثلاثة أيام إلى باريس وبرفقته الملكة كاميلا، جاء ليبين قوة العلاقات التي تجمع باريس ولندن اللتين نجحتا في طي تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتغلب على خلافاتهما بشأن ملفين رئيسيين: حقوق الصيد في المياه البريطانية، والهجرات المنطلقة من الشواطئ الفرنسية باتجاه الشواطئ البريطانية عبر مضيق المانش.

الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا لدى نزولهما من الطائرة الملكية في مطار أورلي الباريسي الأربعاء (رويترز)

وقال مصدر رئاسي إن الزيارة الملكية «تحل في سياق تعزيز العلاقات» بين باريس ولندن، بعد مرحلة صعبة رافقت «بريكست» زمن رؤساء الحكومات الثلاثة تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، لتعود «طبيعية» مع رئيس الحكومة الحالي ريشي سوناك. ويربط كثير من المحللين إفراط باريس بتكريم الثنائي الملكي وبين رغبتها في إعادة توطيد علاقاتها مع بريطانيا. في هذه المناسبة تمت تعبئة 8 آلاف شرطي ودركي الأربعاء، وسيتم نشر ما يصل إلى 12 ألف عنصر، الجمعة، حيث إن الزيارة تتزامن مع زيارة البابا فرنسيس إلى مرسيليا.

واستبق الرئيس ماكرون وصول الثنائي الملكي بنشر مقطع فيديو على موقع «إكس» (تويتر سابقاً) و«إنستغرام» جاء فيه متوجهاً لضيفه: «جئت إلى فرنسا (سابقاً) بصفتك أميراً واليوم تعود إليها ملكاً. أهلاً بجلالتك». وتضمن شريط الفيديو مقاطع مصورة لزيارات الملك شارل الثالث إلى فرنسا خلال عهود متتالية.

وبعد استقبال رسمي للثنائي الملكي في مطار أورلي بحضور رئيسة الحكومة الفرنسية إليزابيث بورن، حصل الاحتفال الأهم تحت قوس النصر وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث أغلقت مداخل الشوارع المؤدية إلى جادة الشانزليزيه وخصوصاً إلى ساحة «ليتوال»، وانتشرت قوات أمنية كثيفة في كامل أرجاء منطقة الاحتفال، وعمدت إلى تفتيش المارة. وعلى جانبي جادة الشانزليزيه، تجمهر الآلاف من الفرنسيين والسياح لمشاهدة الثنائي الملكي الذي وصل إلى قوس النصر بالسيارة الملكية التي تحمل الشعر الملكي وسط مواكبة من عشرات الدراجين. ومن بين الجمهور تتعدد الجنسيات واللغات والألوان، ثمة من لفّ نفسه بالعلم البريطاني. وقالت نانسي، وهي طالبة بريطانية تدرس اللغة الفرنسية في جامعة باريسية، إنها «تشعر بالفخر» لرؤية ملكها محاطاً بهذه الهالة من التكريم والتفخيم، وخصوصاً بالاحتفاء الشعبي.

الطائرات الاستعراضية الفرنسية والبريطانية تحلق في سماء باريس وفي الصورة سقف قوس النصر (أ.ف.ب)

وكان الرئيس ماكرون وعقيلته بريجيت بانتظار الملك تشارلز والملكة كاميلا من أجل تجديد وإحياء شعلة الجندي المجهول تحت قبة قوس النصر، ووضع باقتين من الورد وعزف النشيدين الوطنيين الفرنسي والبريطاني، تبعته تحية علمي الدولتين والوقوف دقيقةَ صمت إجلالاً للضحايا. ومباشرة بعد ذلك انطلقت في سماء باريس الطائرات الاستعراضية الفرنسية والبريطانية «ريد أروز». وحضر الاحتفال العشرات من كبار المسؤولين والمدعوين، وقام ماكرون وتشارلز الثالث بتحية وفدي البلدين الرسميين قبل امتطاء عربة مكشوفة لنزول جادة الشانزليزيه، وسط حضور شعبي واسع.

وكما في كل مناسبة، كان ظهور خيالة الحرس الجمهوري مثيراً للإعجاب والتصفيق. وقد رافق 136 خيالاً ماكرون وتشارلز، فيما ركبت السيدة الفرنسية الأولى والملكة كاميلا سيارة ثانية، واتجه الموكب نزولاً باتجاه القصر الرئاسي الواقع في شارع فوبورغ سان هونوريه القريب من ساحة الكونكورد، حيث عقد اجتماع مغلق بينهما.

قاعة المرايا

ما بين قصر الإليزيه ومقر إقامة السفير البريطاني في باريس مسافة رمية حجر، قطعها ماكرون وتشارلز معاً من أجل الاحتفال بزيارة ملك بريطانيا الرسمية والأولى التي يقوم بها إلى فرنسا منذ اعتلائه العرش في العاشر من سبتمبر (أيلول) من العام الماضي. وقضى الاحتفال بزرع شجرة سنديان في حديقة المقر تخليداً لزيارة الدولة. بيد أن الأنظار اتجهت مساءً نحو قصر فرساي الشهير الواقع غرب باريس الذي اختاره ماكرون من أجل الوليمة الرسمية لتكريم تشارلز الثالث وكاميلا.

وأقيم «عشاء الدولة» في «قاعة المرايا» التي تعد أجمل ما يضمه قصر لويس الرابع عشر.

الرئيس ماكرون والملك تشارلز الثالث يستعرضان أفراد القوة الفرنسية التكريمية (رويترز)

وقالت المصادر الفرنسية إن اختيار فرساي يعد بمثابة «لفتة خاصة» باتجاه ملك بريطانيا، الذي يسعى للسير على خطى والدته الملكة إليزابيث الثانية التي كانت تحب فرنسا، وقد دُعيت مرتين إلى قصر فرساي في العامين 1957 و1972. وفي هذا السياق، تندرج زيارته، الخميس، لسوق الزهور القائم في قلب باريس، والذي سمي على اسم الملكة إليزابيث الثانية في عام 2014.

لم توفر السلطات الفرنسية جهداً إلا وبذلته من أجل إبراز غنى تراثها المعماري وتفوق مطبخها المشهور عالمياً. لذا، فقد تم «استدعاء» أربعة من أشهر «طباخي البلاد» لتحضير العشاء الملكي الذي دعي إليه ما يزيد على 150 شخصاً، بينهم شخصيات معروفة من على جانبي بحر المانش. ومن بين الضيوف المدعوين، الممثلون هيو غرانت وشارلوت غينسبورغ «والدتها المغنية البريطانية جين بيركين التي توفيت في شهر يوليو (تموز) الماضي».

بيد أن الملك تشارلز الثالث يريد لنفسه دوراً يتجاوز الدور البروتوكولي. ومن المعروف على المستوى الأوروبي اهتمامه بملف البيئة والعمران، وله مشاريع ومؤسسات فاعلة في هذه المجالات. واللافت أنه سيلقي خطاباً قبيل ظهر الخميس، في بادرة هي الأولى من نوعها، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي مجتمعاً بهذه المناسبة. كما أن المصادر الرئاسية كشفت عن بعض الملفات التي يريد تناولها مع الرئيس، وأولها بطبيعة الحال الملف المناخي ونتائجه البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية. من هنا، تبرز أهمية مشاركته، الخميس، مع الرئيس ماكرون في منتدى البيئة الذي يستضيفه «المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي».

ومن هنا أيضاً لفتة ماكرون تجاهه؛ لأنه سيقدم له كتاب «جذور السماء» للكاتب الفرنسي من أصول روسية رومان غاري الذي يدور حول حماية كوكب الأرض. كذلك سيهديه ميدالية تكريماً لجهوده ولنضاله حول هذا الموضوع.


مقالات ذات صلة

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

يوميات الشرق تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سيكون الملك تشارلز راعياً للجمعية الخيرية الجديدة (غيتي)

مؤسسة خيرية لإحياء ذكرى الملكة إليزابيث في مئوية ميلادها

يجري العمل على إنشاء مؤسسة خيرية جديدة لتخليد سيرة الملكة إليزابيث الثانية، بالتزامن مع أسبوع يُصادف الذكرى المئوية لميلادها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل مع جدته الراحلة الملكة إليزابيث (رويترز) p-circle

خبير ملكي: الملكة إليزابيث رأت أن هاري وميغان أضاعا كل شيء

كشف كاتب وخبير ملكي شهير أن الملكة الراحلة إليزابيث كانت مستاءة للغاية من «الطريقة التي أضاع بها الأمير هاري وميغان كل شيء»، بعد انسحابهما من الحياة الملكية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أرشيفية للملكة إليزابيث الثانية خلال زيارتها الأكاديمية الملكية للفنون في وسط لندن بتاريخ 20 مارس 2018 (إ.ب.أ)

العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة الراحلة إليزابيث

أعلنت العائلة الملكية البريطانية، اليوم (الأحد)، أن المؤرخة آنا كاي، ستتولى كتابة السيرة الذاتية الرسمية للملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت عام 2022.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (رويترز)

ميغان ماركل: كنت أكثر شخص تعرض للتنمر الإلكتروني في العالم

صرَّحت ميغان ماركل زوجة الأمير البريطاني هاري، بأنَّها كانت «الأكثر تعرضاً للتنمر الإلكتروني في العالم».

«الشرق الأوسط» (سيدني)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية إلى اتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بمدى فعالية التدابير المتخذة لردع المهاجرين.

وبعد مفاوضات شاقة استمرت أشهرا، توصل البلدان إلى اتفاق لتجديد معاهدة ساندهيرست لثلاث سنوات. وكان من المقرر أن تنتهي صلاحية الاتفاق الموقع عام 2018 والذي مدد عام 2023، في 2026.

وستقدم بريطانيا تمويلا يصل إلى 766 مليون يورو (897 مليون دولار) لكن نحو ربع هذا المبلغ سيكون مشروطا ولن يدفع إلا إذا نجحت الإجراءات الفرنسية.

وتتنازع لندن وباريس منذ أشهر حول تجديد معاهدة ساندهيرست التي تحدد المساهمة المالية للمملكة المتحدة في الجهود الفرنسية لوقف المهاجرين الذين يحاولون عبور القناة المحفوف بالخطر إلى بريطانيا.

ولطالما اتهمت المملكة المتحدة فرنسا بأنها لا تفعل الكثير لمنع طالبي اللجوء المحتملين من الانطلاق من الشواطئ الفرنسية حيث يخاطر المهربون والمهاجرون بشكل متزايد لتجنب اكتشافهم.

ونتيجة لذلك، أصرت لندن على أنها لن تجدد معاهدة ساندهيرست إلا إذا تمكنت من فرض شروط على طريقة استخدام الحكومة الفرنسية لأموال دافعي الضرائب البريطانيين.

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات البريطانية، وصل 41472 شخصا إلى المملكة المتحدة بطريقة غير نظامية في قوارب صغيرة عام 2025. ويُعد هذا الرقم ثاني أعلى رقم منذ بدء هذه الرحلات عام 2018. ووفقا لإحصاءات وكالة فرانس برس استنادا إلى مصادر فرنسية وبريطانية رسمية، لقي 29 مهاجرا على الأقل حتفهم في البحر عام 2025.


«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
TT

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي وفتح نافذة نحو تسوية محتملة. ومن بين هذه الأفكار اللافتة، برز مقترح يحمل طابعاً رمزياً وسياسياً في آنٍ معاً، يعكس سعي كييف إلى استمالة الدعم الأميركي، وتحديداً من الرئيس دونالد ترمب.

فقد اقترح مسؤولون أوكرانيون إعادة تسمية جزء من منطقة دونباس المتنازع عليها باسم «دونيلاند (أرض دوني)»، في خطوة تهدف إلى كسب تأييد ترمب وتعزيز موقف أوكرانيا في مواجهة المطالب الإقليمية الروسية، وذلك وفقاً لتقرير نقلته صحيفة «إندبندنت».

ووفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن 4 مصادر مطّلعة على مجريات المفاوضات، فإن هذا الاسم طُرح أول مرة على لسان مترجم أوكراني، وكان ذلك «على سبيل المزاح جزئياً»، قبل أن يتحول إلى فكرة تُدوولت بشكل أوسع في سياق النقاشات.

ويبدو أن اختيار اسم «دونيلاند» لم يكن عشوائياً، بل جاء إشارة إلى ولع ترمب بوضع اسمه على مختلف المشروعات والممتلكات، بدءاً من الأبراج وناطحات السحاب، مروراً بالعلامات التجارية، ووصولاً إلى المنتجات التذكارية والخدمات المالية؛ مما يعكس محاولة ذكية لاستثارة اهتمامه الشخصي.

وفي سياق متصل، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصدر مطّلع على المفاوضات، بأن أحد المفاوضين الأوكرانيين صمم علماً أخضر وذهبياً، إلى جانب نشيد وطني افتراضي لمنطقة «دونيلاند»، مستخدماً برنامج «شات جي بي تي». ومع ذلك، فلم يتضح بعد ما إذا كان هذا التصور قد عُرض بالفعل على مسؤولين أميركيين أو لاقى أي تفاعل رسمي.

وتُعدّ منطقة دونباس، الغنية بالموارد المعدنية، من أهم المناطق الاستراتيجية في أوكرانيا؛ إذ تسيطر القوات الروسية على الجزء الأكبر منها؛ مما يجعلها محوراً رئيسياً في المفاوضات بين الطرفين. ويشير الواقع الحالي إلى وصول المباحثات بشأن هذه المنطقة إلى طريق مسدودة، في ظل تمسّك كل طرف بمطالبه.

وفي محاولة لتجاوز هذا الجمود، طرح المفاوضون فكرة أن تتحول «دونيلاند» إلى منطقة لا تخضع لسيطرة كاملة من أي من الطرفين، بما يسمح بتقديمها بوصفها «إنجازاً» سياسياً يمكن أن يُنسب إلى ترمب، في حال دعمه هذه الصيغة.

ورغم تداول هذا المصطلح في أروقة المحادثات، فإن التقارير أكدت أنه لم يُدرج في أي وثائق رسمية حتى الآن، بل اقتصر استخدامه على النقاشات غير الرسمية ضمن مسار المفاوضات.

كما أشار بعض المسؤولين إلى إمكانية إشراك مجلس سلام مرتبط بترمب في إدارة هذه المنطقة المقترحة، وفقاً لما أوردته التقارير.

ويأتي ذلك في وقتٍ عبّر فيه الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن استيائه من تكرار زيارات مبعوثي ترمب موسكو للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دون زيارات مماثلة إلى كييف؛ مما أثار تساؤلات بشأن توازن الجهود الدبلوماسية.

ورغم إقراره بأن تركيز الولايات المتحدة ينصبّ حالياً على تطورات الحرب في الشرق الأوسط، فإن زيلينسكي شدّد على أهمية استمرار التعاون مع الجانب الأميركي، قائلاً: «على أي حال، من المهم بالنسبة إلينا مواصلة التعاون مع الأميركيين».

يُذكر أن ترمب كان قد تعهّد، في سياق حملته السياسية، بإنهاء الحرب في أوكرانيا «في اليوم الأول» من ولايته الثانية.


بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

يقترب الاتحاد الأوروبي من اعتماد «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا، ومن المتوقع أن تدعمها سلوفاكيا والمجر بعد إصلاح الجزء الأوكراني من خط أنابيب دروغبا والبدء في ضخ النفط الروسي من خلاله للبلدين، فيما قال دبلوماسيون إن دول التكتل وافقت على الإفراج عن قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لأوكرانيا، بعدما أشارت المجر، بعد التغيير في قيادتها السياسية نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة وإزاحة فيكتور أوربان عن رأس السلطة، إلى أنها مستعدة للتخلي عن معارضتها المستمرة منذ أشهر للقرض ولفرض عقوبات على روسيا.

وكان الاتحاد الأوروبي يأمل في اعتماد حزمة العقوبات بالتزامن مع الذكرى السنوية الرابعة لغزو روسيا أوكرانيا في فبراير (شباط)، لكنه لم يستطع القيام بذلك دون إجماع للدول الأعضاء.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وأثار وقف تدفق النفط من خط أنابيب دروغبا في يناير (كانون الثاني) غضباً واسعاً في المجر وسلوفاكيا، العضوين في الاتحاد الأوروبي، واللتين لا تزالان تعتمدان على واردات النفط الروسي.

ذكر مصدر في قطاع النفط لـ«رويترز» أن أوكرانيا ستستأنف ضخ النفط عبر الخط الأربعاء. وقال المصدر: «من المقرر بدء ضخ النفط (الأربعاء) في وقت الغداء»، مضيفاً أن شركة النفط المجرية «إم أو إل» قدمت أول طلب لنقل النفط عبر خط الأنابيب. وتابع: «قدمت (إم أو إل) بالفعل طلبات لنقل الكميات الأولى التي ستوزع بنسب متساوية بين المجر وسلوفاكيا». قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، إن خط دروغبا، الذي ينقل الخام الروسي إلى المجر وسلوفاكيا، جاهز لاستئناف عملياته.

وأدى انقطاع تدفق النفط أيضاً إلى توتر العلاقات بين زيلينسكي ومسؤولي الاتحاد الأوروبي، الذين اتهمهم «بالابتزاز» بسبب ممارسة الضغط عليه لإجراء عمليات صيانة فورية لما قالت أوكرانيا إنه جزء متضرر بشدة من خط الأنابيب. ونفت كييف بشدة اتهامات بودابست وبراتيسلافا لها بتعمد التلكؤ في أعمال صيانة خط الأنابيب.

وكان زيلينسكي قد تحدث عن إتمام أعمال الصيانة، قائلاً إنه تحدث إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ودعا أيضاً مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى البت في الموافقة على القرض، مؤكداً أن كييف أوفت بما «طلبه التكتل». وأضاف: «نربط هذا الأمر بالإفراج عن حزمة الدعم الأوروبي لأوكرانيا».

وكتب زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «أنهت أوكرانيا أعمال إصلاح الجزء المتضرر من خط الأنابيب دروغبا بعد تعرضه لهجوم روسي. بإمكان الخط استئناف عملياته».

وأضاف: «طلب الاتحاد الأوروبي من أوكرانيا إجراء صيانة لخط الأنابيب دروغبا، الذي ألحق به الروس أضراراً. وانتهينا من ذلك بالفعل. ونأمل أيضاً أن يلتزم التكتل بالاتفاقيات».

وكان الرئيس أكثر صراحة في خطابه الليلي المصور. وقال، في إشارة إلى القرض: «لا يوجد الآن أي مبرر لعرقلته». وعرقل رئيس الوزراء فيكتور أوربان حزمة المساعدات التي وافقت عليها المفوضية الأوروبية لكييف.

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

وكتب رئيس المجلس الأوروبي في منشور على «إكس»: «شكراً للرئيس زيلينسكي على الوفاء بما اتفقنا عليه: إصلاح خط الأنابيب دروغبا واستئناف عملياته». وكانت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قد توقعت، الثلاثاء، أن يصدر قرار إيجابي بشأن القرض البالغة قيمته 90 مليار يورو خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة، وذلك عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

وذكر فالديس دومبروفسكيس، المفوض الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، أن التكتل سيرجح صرف الدفعة الأولى من القرض في نهاية مايو (أيار) أو مطلع يونيو (حزيران)، مشيراً إلى ضمان تلبية احتياجات أوكرانيا التمويلية لعام 2026.

رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)

وقال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا جاهزة من الناحية التقنية لاستئناف ضخ النفط عبر خط الأنابيب. وأفادت مصادر في قطاع النفط لـ«رويترز» بأن روسيا تعتزم وقف تصدير النفط الكازاخستاني إلى ألمانيا عبر خط فرعي منفصل من خط دروغبا وذلك اعتباراً من أول مايو (أيار). ودأب زيلينسكي على دعوة أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وعدم استئناف تدفقات النفط عبر دروغبا. وقال: «لا يمكن لأحد أن يضمن حالياً عدم تكرار روسيا الهجمات على البنية التحتية لخط الأنابيب».

ولا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء هذه الحرب تشهد مراوحة، خصوصاً أن دور الوساطة الذي تولته الولايات المتحدة بين الطرفين، وأتاح عقد جولات عدة من المفاوضات بين كييف وموسكو، توقّف بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط) الماضي.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

قال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، إن بلاده طلبت من تركيا استضافة لقاء بين الرئيس زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في الوقت الذي تسعى فيه كييف إلى إعادة إحياء محادثات السلام المتعثرة. وذكر سيبيها أن أوكرانيا مستعدة لدراسة أي مكان آخر غير بيلاروسيا أو روسيا لعقد اجتماع مع بوتين، وهو ما يسعى إليه زيلينسكي منذ فترة طويلة من أجل الإسراع في إنهاء الحرب المستمرة، التي دخلت عامها الخامس. ولم يذكر كيف ردت أنقرة على المقترح، وذلك في تصريحات أدلى بها خلال لقاء مع الصحافيين الثلاثاء، وجرى السماح بنشرها الأربعاء.

وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي تركي، الأربعاء، إن وزير الخارجية هاكان فيدان سيقوم بزيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن هذا الأسبوع لإجراء محادثات بشأن إيران وأوكرانيا، مضيفاً أنه سيناقش أيضاً التعاون بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

وميدانياً قُتِل شخصان في أوكرانيا جرّاء ضربات روسية، حسب السلطات المحلية، في حين أعلنت روسيا أن امرأة وطفلاً لقيا حتفهما في هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على أراضيها. وقالت سلطات محلية، الأربعاء، إن جزءاً من بناية سكنية انهار في منطقة سيزران الروسية الواقعة على نهر الفولجا عقب هجوم أوكراني بطائرات مسيرة، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً. وكثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة في روسيا خلال الأشهر القليلة الماضية، في وقت توقفت فيه محادثات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة مع انشغال واشنطن بالصراع مع إيران. وتضم مدينة سيزران مصفاة نفط كبرى، وتبعد نحو ألف كيلومتر من الحدود مع أوكرانيا.