فرنسا: هل فتحت المعركة الرئاسية قبل 4 سنوات من حصولها؟

المتنافسون كُثر وأولهم دارمانان وفيليب وأتال... وماكرون يراقب

الرئيس إيمانويل ماكرون يتابع من كثب معركة الراغبين في خلافته عام 2027 (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون يتابع من كثب معركة الراغبين في خلافته عام 2027 (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: هل فتحت المعركة الرئاسية قبل 4 سنوات من حصولها؟

الرئيس إيمانويل ماكرون يتابع من كثب معركة الراغبين في خلافته عام 2027 (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون يتابع من كثب معركة الراغبين في خلافته عام 2027 (أ.ف.ب)

في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، انتُخب إيمانويل ماكرون رئيساً لولاية ثانية. وحتى اليوم، لم ينقضِ من هذه الولاية سوى عام ونصف العام. والحال أن المعركة الرئاسية لعام 2027 فُتحت؛ إذ يبدو من الواضح أن الطامحين كُثر وأنهم لن ينتظروا طويلاً للكشف عن طموحاتهم الرئاسية، خصوصاً أن الدستور الفرنسي لا يتيح للمرشح سوى ولايتين متعاقبتين.

ومؤخراً، أعرب ماكرون عن «أسفه» لوجود هذه القاعدة التي تحرمه من التنافس من أجل ولاية ثالثة، علماً أن أمراً كهذا يحتاج إلى تعديل الدستور الذي إن حصل سيجعل فرنسا تشبه دولاً أفزيفية، حيث الدستور مسخّر لخدمة الرئيس ودوام عزه. لكن القراءة السياسية تفيد بأن لا أحد في فرنسا يمكن أن يجرؤ على الإقدام على خطوة من هذا النوع.

جيرالد دارمانان المستعجل

ثمة جبهات عدة بعضها فُتح فعلاً وبعضها سيفتح في الأشهر القليلة المقبلة. وتعدّ جبهة وراثة ماكرون سياسياً هي الأهم وهي التي تعرف وستعرف أكثر فأكثر الحماوة الأكبر خصوصاً.

ماكرون الذي وصل إلى قصر الإليزيه متخطياً الأحزاب التقليدية ليس له حتى اليوم وريث معين ولا مصلحة سياسية له، في أي حال، في طرق هذا الباب الذي إن فتح سيحوله «بطة عرجاء»، وفق التعبير الأميركي الشهير، بمعنى أنه سيحوله رئيساً عديم التأثير وغير متمكن من الإمساك بناصية الأمور في بلاده.

والحال، أن طبع ماكرون، كما عُرف عنه في أكثر من ستة أعوام من الحكم، مختلف تماماً، بل هو من أنصار «الحكم العمودي» بمعنى أن الكلمة الأخيرة في شؤون البلاد يجب أن تعود له.

ولأن الوضع على هذا الشكل؛ فإن ثلاثة أسماء متنافسين تبرز من ضمن الأكثرية النسبية الراهنة. وكان وزير الداخلية جيرالد دارمانان أول من كشف علناً عن رغبته في أن يخلف ماكرون في قصر الإليزيه، وذلك من خلال الاجتماع العام الذي دعا إليه في مدينة توركوان {شمال فرنسا} نهاية شهر أغسطس (آب) وفيه جمع عشرات النواب وأعضاء كُثراً في الحكومة الحالية.

جيرالد دارمانان وزير الداخلية أول من فتح معركة الرئاسة (أ.ف.ب)

وكان دارمانان يحلم بأن يخلف إليزابيت بورن في رئاسة الحكومة، إلا أن ماكرون أبقاها في منصبها وعبّر لها عن ثقته بها مجدداً ما قضى على أحلام وزير الداخلية المستعجل.

ويراهن دارمانان القادم إلى الحزب الرئاسي من اليمين الكلاسيكي وحزب «الجمهوريون» على صورته ممثلاً للجناح المتشدد في حزب ماكرون المسمى «النهضة» ويعدّ أن المعركة الرئاسية القادمة ستكون بمواجهة مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني»، التي واجهت ماكرون في الدورتين الأخيرتين والتي أعلنت أول من أمس أنها ستكون «المرشحة الطبيعية» لحزبها. وكوزير للداخلية، يحرص دارمانان على الوقوف دوماً إلى جانب رجال الأمن حتى عندما يتبين بشكل قاطع لجوؤهم إلى العنف في التعاطي مع المتظاهرين؛ الأمر الذي يعرّضه إلى انتقادات لاذعة من اليسار وأحياناً من حلفائه.

يحظى دارمانان برعاية ودعم رئيس الجمهورية الأسبق نيكولا ساركوزي الذي كال له المديح في كتابه الأخير «زمن المعارك» وعدّه مؤهلاً لأن يصل إلى أعلى المنصب في فرنسا. ويشكل ملف الهجرات والإسلام «حصان طروادة» لوزير الداخلية الراهن الذي يرى أن خطه المتشدد كفيل بسحب البساط من تحت قدمي مارين لوبان التي دأبت على استخدامه وسيلة لتعبئة جمهورها بالتوازي مع التنديد بالاتحاد الأوروبي الذي «سرق» من فرنسا سيادتها في أكثر من مجال.

إداور فيليب رئيس الحكومة الأسبق السياسي المفضل لدى الفرنسيين (أ.ف.ب)

إدوار فيليب الأكثر شعبية

بمواجهة دارمانان، يقف إدوار فيليب، رئيس الحكومة السابق، الذي تفيد استطلاعات الرأي بأنه الرجل السياسي الأكثر شعبية في فرنسا.

وخلال السنوات الثلاث التي شغل فيها رئاسة الحكومة، تميز فيليب، عمدة مدينة «لو هافر» الواقعة شمال البلاد وتعدّ المرفأ الرئيسي على المحيط الأطلسي، بالرصانة والابتعاد عن الديماغوجية. وقد نجح في إدارة أزمة «كوفيد - 19» والإمساك بمالية فرنسا بيد من حديد. وكان كثيرون يتخوفون من أن يقدم على منافسة ماكرون في رئاسيات 2022. إلا أنه قطع حبل المراهنات مؤكداً تأييده له. بيد أنه ترك الباب مفتوحاً للمعركة القادمة وعمد إلى تأسيس حزب سماه «هوريزون» (آفاق) ونجح في إيصال 31 نائباً إلى البرلمان. ويعد هؤلاء جزءاً رئيسياً من الأكثرية النسبية التي يتمتع بها ماكرون وحكومته في الندوة النيابية، وبالتالي فإن فيليب يعد ركناً أساسياً من أركان العهد الحالي.

وكما أن ساركوزي يراهن على دارمانان، فإن رئيس الحكومة الأسبق وعضو المجلس الدستوري الحالي ألان جوبيه يراهن على فيليب الذي عمل سابقاً مديراً لمكتب جوبيه. وفي كتابه الأخير، يشيد جوبيه في «مذكراته» بفيليب فيراه مؤهلاً للوصول إلى قصر الإليزيه.

ولا يخفي فيليب طموحاته الرئاسية وهو يعمل منذ اليوم على تشكيل فريق عمل تحضيراً للاستحقاق الرئيسي القادم بعد أقل من أربع سنوات بقليل.

غابرييل أتال: فلتة الشوط

يعدّ غابرييل أتال، وزير التربية الحالي، أصغر وزراء الحكومة سناً؛ إذ إنه لم بتجاوز الـ34 عاماً. دخل السياسة باكراً منتمياً إلى الحزب الاشتراكي ليخرج منه في عام 2016 ويلتحق بماكرون الذي بادر إلى إطلاق حركته «فرنسا إلى الأمام». وفي عام 2017، انتخب في سن الـ28 عاماً نائباً لينضم لاحقاً إلى الحكومة بصفته وزير دولة في وزارة التربية.

ولأن أتال صلب المعدن سياسياً ومتحدث بارع قوي الحجة، فقد عيّنه ماكرون ناطقاً باسم الحكومة ثم نصّبه في عام 2022 وزيراً مفوضاً للميزانية، قبل أن يسلمه صيف هذا العام إحدى أصعب الحقائب وهي وزارة التربية. وسريعاً جداً، سعى أتال إلى ترك بصماته على هذه الوزارة، حيث يسعى كل وزير إلى إطلاق إصلاحاته.

وزير التربية الشاب غابرييل أتال طموح غير محدود (أ.ف.ب)

وفي الأسابيع الأخيرة، استقبلت أتال الأضواء بتركيز بمنع الفتيات من ارتداء «العباءة في المدارس عادّاً أنها تعد انتهاكاً للعلمانية ولحياد المدرسة، وأصدر تعاميم بهذا السياق تعرّضت لانتقادات من أكثر من جهة.

الجديد بالنسبة لوزير التربية الشاب، أن استطلاعات الرأي أخذت تضعه من بين المسترئسين المحتملين في الاستحقاق القادم على الرغم من أنه شخصياً لم يلمح أبداً إلى شيء كهذا.

ويبيّن آخر استطلاع أن شعبيته تتخطى شعبية رئيسة الحكومة إليزابيت بورن وتجاور شعبة دارمانان. وفي حين يراهن الثاني على استعادة الشرائح الشعبية التي أهّلتها «النخب الباريسية»، وذلك من خلال التركيز على المسائل المعيشية اليومية، فإن أتال، خريج إحدى أرقى المدارس الخاصة في العاصمة وهي «المدرسة الألزاسية»، يراهن من جانبه على استمالة الطبقة المتوسطة، عادّاً أن الطبقة الشعبية منقسمة بين اليسار المتشدد، الذي يمثله المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون واليمين المتطرف ممثلاً بمارين لوبان.

قطعاً، من السابق لأوانه التنبؤ بما ستكون عليه المعركة الرئاسية في فرنسا بعد نحو أربع سنوات. لكن الثابت أن الراغبين في المنصب الأعلى يتحضرون لها منذ اليوم، وكل واحد من الثلاثة يراهن على قدرته على فرض نفسه «مرشحاً طبيعياً» ومثاله الأعلى ما قام به ماكرون شخصياً الذي وصل إلى قصر الإليزيه من غير أن يُنتخب من قبل نائباً أو يعين وزيراً. والخلاصة، أن الطموحات السياسية مشروعة وأول شروطها الجرأة والأهلية.


مقالات ذات صلة

انتخابات تشريعية في الدنمارك... رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن الأوفر حظاً

أوروبا أشخاص يقفون داخل مركز اقتراع في نوك بغرينلاند (رويترز) p-circle

انتخابات تشريعية في الدنمارك... رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن الأوفر حظاً

يُدلي الدنماركيون، اليوم (الثلاثاء)، بأصواتهم في انتخابات برلمانية يُتوقع أن تضمن لرئيسة الوزراء الاشتراكية الديمقراطية ميته فريدريكسن ولاية ثالثة على التوالي.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» خلال خطاب له في مدينة ليل (شمال) في 19 مارس إبان الحملة الانتخابية (أ.ف.ب)

«الاشتراكي» و«الخضر» يحتفظان بالمدن الرئيسية الثلاث في فرنسا

«الاشتراكي» و«الخضر» يحتفظان بالسيطرة على المدن الثلاث الرئيسية ورشيدة داتي أخفقت في انتزاع باريس من اليسار وتقدم «التجمع الوطني» و«فرنسا الأبية» بقي محدوداً

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المرشح اليساري إيمانويل غريغوار (48 عاما) الفائز في بلدية باريس (أ.ب)

اليسار يحتفظ ببلديات باريس ومرسيليا وليون في الانتخابات البلدية الفرنسية

تكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية لكونها معيارا لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الاشتراكي إيمانويل غريغوار المرشح لمنصب عمدة باريس يلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)

تحليل إخباري فرنسا: اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في الانتخابات المحلية

اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في نتائج الجولة الثانية للانتخابات المحلية ومعارك كبرى مرتقبة في باريس ومرسيليا وليون و«الماكرونية السياسية» إلى زوال.

ميشال أبونجم (باريس)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة وأعمال العنف في الضفة الغربية.

وقالت كوبر أمام لجنة برلمانية: «أنا قلقة خصوصاً في الوقت الراهن بشأن ما يحدث في الضفة الغربية. ولدي قلق بالغ حيال إبقاء عملية خطة النقاط العشرين الخاصة بغزة على المسار الصحيح، خصوصاً بسبب اتّساع نطاق النزاع في الشرق الأوسط».

وأضافت: «أعتقد أن هناك قلقاً بالغاً وحقيقياً في هذه اللحظة مما يحدث في الضفة الغربية ومستوى عنف المستوطنين».

وتتركز الجهود الدبلوماسية حالياً على جلب إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، لوضع حد لحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، أشعل فتيلها هجوم أميركي - إسرائيلي قُتل فيه المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.

وبينما تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ترد هذه بإطلاق المسيرات والصواريخ على الدولة العبرية ودول الخليج، في نزاع يؤثر بشكل كبير على اقتصاد العالم.

وقالت كوبر: «في ظروف أخرى، لكانت (قضية السلام في غزة والعنف في الضفة الغربية) استحوذت على حيّز كبير من تركيزنا جميعاً على مستوى العالم، لكن في الظروف الراهنة هناك أمور كثيرة تجري»، لافتة إلى أن ذلك ينطوي على خطر «عدم التركيز بمقدار كاف على تلك القضايا».

وتابعت: «سيكون علينا وضع رؤية أوسع نطاقاً للأمن والاستقرار الإقليميين، لا بد أن تشمل إسرائيل وفلسطين ولبنان، وكذلك مقاربة أشمل».


اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

اصطدمت سفينة شحن محمّلة بحاويات بجسر في ميناء بمدينة نويس غرب ألمانيا، ما أدى إلى سقوط حاويتين فارغتين في المياه، بينما مالت حاويات أخرى بشكل خطر، وفقاً لما أعلنته الشرطة.

وبحسب المعلومات الحالية، لم يسفر الحادث عن وقوع إصابات، فيما تم إغلاق الجسر المخصص لقطارات الميناء فقط، أمام حركة المرور لفحص الأضرار التي لحقت به، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضحت السلطات أن السفينة كانت علقت أسفل الجسر، مشيرة إلى أنه نظراً لكونه جسراً متحركاً (يرفع هيدروليكياً)، فقد تم رفعه بأسرع ما يمكن لتحرير السفينة، وهو ما تسبب في سقوط المزيد من الحاويات غير المستقرة في الماء.

وبعد عدة ساعات من العمل، تمكنت الفرق المختصة من تحرير السفينة بنجاح.

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

وهرعت إلى موقع الحادث عدة قوارب تابعة للشرطة وهيئة الإنقاذ المائي والإطفاء. بالإضافة إلى ذلك، قامت قوارب العمل والرافعات التابعة للميناء بتأمين الشحنة المفقودة ومنع انجرافها نحو نهر الراين.

كما استخدمت مروحية تابعة للشرطة لمراقبة ما إذا كانت الحاويات التي سقطت في الماء تسببت في أي تلوث بيئي، وأكدت التقارير أن ذلك لم يحدث. ولا تزال الشرطة تحقق في الأسباب التي أدت إلى اصطدام السفينة بالجسر.


هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».