على خطى ترمب... نيكولا ساركوزي في دوامة المحاكمات المتواصلة

الرئيس الأسبق في مواجهة تهمة التمويل الليبي لحملته الرئاسية عام 2007

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مستقبلاً العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه في 10 ديسمبر 2007 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مستقبلاً العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه في 10 ديسمبر 2007 (أ.ب)
TT

على خطى ترمب... نيكولا ساركوزي في دوامة المحاكمات المتواصلة

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مستقبلاً العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه في 10 ديسمبر 2007 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مستقبلاً العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه في 10 ديسمبر 2007 (أ.ب)

في الأيام القليلة الماضية، ملأت أخبار الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (2007 - 2012) شاشات التلفزة وصفحات الجرائد: مقابلة مطولة لصحيفة «لو فيغارو» اليمينية ثم للقناة الأولى للتلفزيون الفرنسي، مقالات مسهبة في غالبية الصحف والمجلات والمواقع بمناسبة صدور كتابه «زمن المعارك» عن دار «فايار» الذي يروي فيه سنوات ولايته الثلاث الأخيرة، تصريحات صحافية تركزت حول أوكرانيا وروسيا والتي أثارت جدلاً واسعاً لأنها تعبر عن مواقف مخالفة تماماً لحال السياسة الغربية اليوم إزاء موسكو وكييف، انتقادات مبطنة لسياسة الرئيس إيمانويل ماكرون، وأخيراً تقريظ لوزير الداخلية جيرالد دارمانان، مدير حملته الانتخابية في عام 2012 واعتباره أفضل مرشح لليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2027.

وآخر ما استجد أمس بإعلان جان فرنسوا بونيرت، المدعي العام المختص بالشؤون المالية، مثول ساركوزي للمحاكمة في إطار الاتهامات الموجهة إليه رسمياً بخصوص حصوله على تمويل ليبي لحملته الانتخابية الظافرة في عام 2007. وأكد المدعي العام أن جلسة أولى للنظر في القضية ستحصل يوم السابع من مارس (آذار) من العام المقبل، على أن تجرى المحاكمة لمدة 4 أشهر بداية عام 2025. وجاء قرار إرسال ساركوزي إلى المحاكمة أمام المحكمة الجنائية في باريس من قاضيين وافقا على الطلب المقدم سابقاً من المدعي العام وبالاتهامات نفسها المسوقة ضد الرئيس الأسبق، والتي تتناول الفساد السلبي وتشكيل عصابة إجرامية وتمويلاً غير قانوني للحملة الانتخابية وإخفاء اختلاس أموال عامة ليبية.

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خلال حفل توقيع على كتاب له في جنوب فرنسا الجمعة (أ.ف.ب)

ولن يكون ساركوزي وحده في قفص الاتهام بل سيمثل إلى جانبه 12 شخصاً، بينهم ثلاثة وزراء سابقين في عهده هم: كلود غيان، مدير مكتبه عندما كان وزيراً للداخلية قبل عام 2007 ولاحقا أميناً عاماً للرئاسة فوزيراً للداخلية، وبريس أورنفو، وزير الداخلية الآخر، وأريك وورث، أمين صندوق حملته الرئاسية الأولى. وسيمثل، إلى جانب الثلاثة، رجل الأعمال اللبناني - الفرنسي زياد تقي الدين ونظيره رجل الأعمال الجزائري - الفرنسي إسكندر الجوهري، وآخرون من المقربين من ساركوزي، ما سيمثل إحدى أكبر المحاكمات التي تتناول رئيساً سابقاً للجمهورية.

كثيرة نقاط التشابه بين ساركوزي والرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي مثل أول من أمس أمام محكمة في ولاية جيورجيا. فالرجلان ملاحقان بمجموعة تهم وكلاهما تحول إلى ضيف شبه دائم للمحاكم. ففي عام 2021، حكم على ساركوزي بالسجن ثلاث سنوات، من بينها عامان مع وقف التنفيذ في الملف المسمى «أزيبير - بيسموث». وأكدت محكمة الاستئناف حكم محكمة البداية في جلستها المنعقدة بتاريخ 17 مايو (أيار) الماضي.

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي في طرابلس في 25 يوليو 2007 (أ.ب)

وأزيبير هو قاض رفيع سعى ساركوزي ومحاميه، من خلاله، إلى التعرف على مسار ملف قضائي آخر يخص الرئيس الأسبق بإغراء القاضي في محكمة التمييز «أزيبير» بمنصب في إمارة موناكو مقابل تزويدهما بمعلومات يمنع القانون إفشاءها تحت طائلة العقوبة. والطريف في القضية أن محامي ساركوزي في هذه القضية واسمه تييري هرتزوغ كان يتواصل مع موكله خلسة بواسطة هاتف وفره له باسم «بول بيسموث»، وهو مواطن فرنسي كان يعيش في إسرائيل.

وفي 30 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، صدر بحق ساركوزي حكم بالسجن لمدة عام عن محكمة البداية في باريس فيما يسمى «قضية بغماليون»، وفحواها تزوير حسابات حملة الرئيس الأسبق لعام 2012، حيث تخطت مصاريفها الفعلية ضعف ما هو مسموح به (ما يزيد على 22 مليون يورو). ومثل إلى جانبه 12 شخصاً من كبار مسؤولي الحملة المذكورة، وصدرت بحقهم أحكام متفاوتة، كل بحسب دوره في عملية التزوير الواسعة. ومن المنتظر أن تعاد المحاكمة، ولكن هذه المرة أمام محكمة الاستئناف في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

لا تتوقف الأمور عند هذا الحد. فالقضاء يربط بين ساركوزي وبين ما يسمى «فضيحة كراتشي» الخاصة بالحصول على عمولات ضخمة من عملية بيع غواصات لباكستان في الفترة التي كان فيها الأخير وزيراً للمالية في حكومة إدوار بالادور في عام 1995. وقد تم استجواب الرئيس الأسبق في عام 2017 وترك من غير توجيه اتهامات رسمية إليه. كذلك، فإنه معني، إلى حد ما، بالفضيحة المسماة «ريسو غارانتيا» الروسية، وفحواها أن القضاء يتساءل عن أسباب حصول ساركوزي على تحويل مالي من نصف مليون يورو، بداية عام 2020، وما إذا كان يعمل لصالحها رسمياً، وهو أمر متاح، أم أنه عمد إلى استغلال مناصبه السابقة للقيام بعملية «تأثير» لصالح أثرياء روس وهو ما يمنعه القانون. ثم إن ساركوزي استفاد من حصانته الدستورية في قضيتين رئيسيتين هما التحكيم الغامض لصالح رجل الأعمال والوزير الأسبق برنار تابي في خلافه مع الدولة الفرنسية. والثانية تتناول مجموعة من استطلاعات الرأي التي أجريت لصالح الإليزيه من غير احترام شروط التنافس والطرق الشرعية.

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خلال حفل توقيع على كتاب له في جنوب فرنسا الجمعة (د.ب.أ)

كل ما سبق يمكن اعتباره قضايا ثانوية إزاء قضية التمويل الليبي. ومن المفيد التذكير بأن ساركوزي أقام علاقة جيدة مع العقيد القذافي بعد وصوله إلى قصر الإليزيه؛ إذ دعاه لزيارة فرنسا رسمياً، وقام الأخير بنصب خيمته الشهيرة في حديقة قصر الضيافة الرسمي الواقع قبالة قصر الإليزيه. وقبلها، تجاوب القذافي مع رغبة ساركوزي بالحصول على الإفراج عن الممرضات البلغاريات وطبيب فلسطيني صدرت بحقهم أحكام بالإعدام لدورهم المفترض في نقل فيروس الإيدز لمئات الأطفال الليبيين في بنغازي.

لكن العلاقات بين الطرفين ساءت ولعب ساركوزي دوراً رائداً في دفع الغرب للتدخل العسكري في ليبيا في عام 2011 الذي انتهى بمقتل القذافي. بيد أن فضيحة التمويل تعود للفترة التي كان ساركوزي يشغل فيها وزارة الداخلية إبان ولاية الرئيس جاك شيراك الثانية.

اندلعت الفضيحة في عام 2012 عندما نشرت المجلة الاستقصائية «ميديا بارت» «وثيقة» تفيد بوجود اتفاق بين محيط القذافي والمقربين من ساركوزي لتقديم مبلغ 50 مليون دولار للمرشح الرئاسي. ولاحقاً، طالب سيف الإسلام القذافي ساركوزي برد الأموال التي حصل عليها من الشعب الليبي، وذلك في عز المعارك التي كانت جارية على التراب الليبي وتدخل الطائرات الأطلسية. ومنذ البداية، اعتبر ساركوزي أن الوثيقة «مزيفة»، وقال مؤخراً إن أنصار القذافي سعوا للانتقام منه «بسبب الدور» الذي لعبه في الإطاحة بالزعيم الليبي.

حقيقة الأمر أن القضية بالغة التعقيد والحساسية، وتتداخل فيها أنشطة مخابراتية واختفاء أشخاص وضغوط، وتدخل عملاء بين الطرفين وأبرزهم زياد تقي الدين، الفار حالياً إلى لبنان لتجنب مثوله أمام القضاء الفرنسي. وكان تقي الدين أكد قبل أن يغير روايته مرات عدة، أنه سلم بين نهاية 2006 ومطلع 2007، 5 ملايين يورو إلى ساركوزي عندما كان وزيراً للداخلية، وإلى مدير مكتبه كلود غيان نقلها بحقائب من ليبيا وفي طائرات خاصة.

وسعى ساركوزي ومحاموه إلى نسف الدعوى من أساسها عن طريق رفع السدود القانونية بوجهها، وذلك خلال السنوات العشر الماضية. إلا أن كل جهودهم باءت بالفشل وجاءت الضربة القاضية من قضاة التحقيق المكلفين بالقضية الذين أيدوا رأي النيابة المالية العامة القائل إن ساركوزي «كان على اطلاع تام» على ما قام به مقربون منه في هذه المسألة.

وكان التحقيق قد فُتح في أبريل (نيسان) 2013 استناداً إلى اتهامات شخصيات ليبية ظهرت اعتباراً من 2011 وادعاءات لتقي الدين ووثيقة «ميديا بارت» التي نشرت بين دورتي الانتخابات الرئاسية في 2012 التي خسرها ساركوزي وفاز بها الرئيس الأسبق الاشتراكي فرنسوا هولاند. وكانت محكمة التمييز قد قضت، نهاية عام 2021، على آمال ساركوزي بدفن القضية عندما رفعت آخر الاعتراضات الإجرائية التي تلطى وراءها فريق المحامين لمنع المحاكمة.


مقالات ذات صلة

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

أوروبا بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز) p-circle 02:16

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن».

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا» المعارض يلوّح بالعَلم الوطني بعد إعلانه الفوز بالانتخابات البرلمانية في بودابست (أ.ب) p-circle

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

حقق حزب بيتر ماغيار فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي جرت الأحد في المجر. فماذا نعرف عنه؟

«الشرق الأوسط» (بودابست)
تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

تحليل إخباري هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

أقر رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان بالهزيمة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، وذلك خلال خطاب مقتضب ألقاه في مقر حملته الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا امرأة تدلي بصوتها في مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة في سيكشفهيرفار بالمجر (إ.ب.أ)

انتخابات في المجر قد تطيح بأوربان أو تمنحه ولاية خامسة

بدأ الناخبون المجريون صباح الأحد الإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بودابست)

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».