«سي آي إيه» ترجّح انتقام بوتين من بريغوجين لاحقاً

تمرد «فاغنر» أظهر «تصدعات» في حكمه ويثير قلق المحيطين به

صورة وزعتها وزارة الدفاع البيلاروسية لعمليات التدريب مع عناصر «فاغنر» (أ.ب)
صورة وزعتها وزارة الدفاع البيلاروسية لعمليات التدريب مع عناصر «فاغنر» (أ.ب)
TT

«سي آي إيه» ترجّح انتقام بوتين من بريغوجين لاحقاً

صورة وزعتها وزارة الدفاع البيلاروسية لعمليات التدريب مع عناصر «فاغنر» (أ.ب)
صورة وزعتها وزارة الدفاع البيلاروسية لعمليات التدريب مع عناصر «فاغنر» (أ.ب)

أكد مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) وليام بيرنز، أن الانتفاضة التي شهدتها روسيا الشهر الماضي أضرت بصورة الرئيس فلاديمير بوتين كحاكم قوي، مرجحاً أن يسعى الأخير إلى الانتقام من قائد مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية يفغيني بريغوجين الذي قاد التمرد ضده.

بوتين خرج من تمرد «فاغنر» ضعيفاً (أ.ب)

وكان بيرنز يتحدث في منتدى «آسبن» للأمن في كولورادو؛ إذ أفاد بأن انتفاضة «فاغنر» في 23 يونيو (حزيران) الماضي و24 منه «كشفت عن نقاط ضعف كبيرة في النظام الذي بناه بوتين»، مضيفاً أن الأجهزة الأمنية والعسكرية وصناع القرار في البلاد يبدو أنهم كانوا «على غير هدى» لمدة 36 ساعة.

ورأى أن التمرد هدّد الصورة التي سعى بوتين إلى تقديمها على أنه «حكم النظام» في روسيا. وبدلاً من ذلك، وإن لفترة وجيزة، كانت قوات «فاغنر» تتقدم نحو موسكو من دون مقاومة. وأضاف أنه بالنسبة إلى الروس الذين اعتادوا رؤية بوتين في السلطة، كان السؤال: هل الإمبراطور ليس لديه ملابس؟ أو على الأقل: لماذا يريد وقتاً طويلاً حتى يرتدي ملابسه؟».

رئيس مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة يفغيني بريغوجين (أ.ب)

وزاد بيرنز، أنه بالنسبة للنخبة في موسكو، فإن هذه الواقعة أحيت أسئلة ظهرت منذ غزو أوكرانيا «حول حكم بوتين، وفي شأن انفصاله النسبي عن الأحداث، وحول تردده».

وإذ أشار إلى الترتيب الغامض الذي كان يفترض استيعاب قوات «فاغنر» في الجيش الروسي، قال بيرنز: إن «الأمر الأكثر لفتاً للنظر في حدث خلال ذلك اليوم هو أن بوتين أُجبر على توقيع صفقة مع متعهد الطعام السابق» في الكرملين، في إشارة إلى مهنة بريغوجين السابقة كمزود طعام للمدارس الرسمية وكذلك الكرملين. وأضاف أن التمرد يمثل «الهجوم الأكثر مباشرة على الدولة الروسية خلال 23 عاماً من حكم فلاديمير بوتين».

ورأى أن بوتين ينتظر «محاولاً كسب الوقت وهو يفكر في ما يجب القيام به مع (فاغنر)، وماذا يفعل مع بريغوجين نفسه». وزاد أن بوتين «يكره صورة أنه يبالغ في رد فعله (...) يحاول تسوية الأمور».

صورة وزّعتها وزارة الدفاع البيلاروسية لعناصر من جيشها مع عناصر «فاغنر» (أ.ب)

ورجّح بيرنز أيضاً أن يسعى بوتين إلى «تهميش بريغوجين تدريجاً مع الإبقاء على جماعة (فاغنر)»؛ إذ يرى أن المجموعات شبه العسكرية «أداة مفيدة، بما في ذلك في أفريقيا والشرق الأوسط». وأضاف: «ما سيحاول القيام به هو فصل بريغوجين وتقويضه مع الحفاظ على ما هو ذو قيمة بالنسبة له».

لكن بيرنز، وهو دبلوماسي محترف وسفير سابق لدى روسيا، قال: إن بوتين بصفته «رسول الثأر المطلق (...) يعتقد عموماً أن الانتقام طبق يُقدم بارداً»، سيلاحق بريغوجين بشكل شبه مؤكد عندما يحين الوقت المناسب. وأضاف: «سأندهش إذا نجا بريغوجين من المزيد من الانتقام بسبب هذا»؛ ولذلك «لو كنت بريغوجين لما طردت متذوق طعامي». ورجّح أن يكون بريغوجين موجوداً في بيلاروسيا بعدما أمضى بعض الوقت في روسيا. وقال: «تحرك قليلاً. أعتقد أنه كان في مينسك أخيراً. لست متأكداً من أن لديه أي خطط للتقاعد في ضواحي مينسك (...) أمضى بعض الوقت في روسيا أيضاً».

المعسكر القريب من قرية تسيل في بلاروسيا حيث تقيم قوات «فاغنر» (إ.ب.أ)

وقال خبراء عسكريون في بريطانيا، اليوم (الجمعة)، في التحديث اليومي بشأن حرب أوكرانيا: إن ما يصل إلى 20 ألف مقاتل جنّدتهم مجموعة «فاغنر» من السجون الروسية للمشاركة في الحرب في أوكرانيا لقوا حتفهم خلال أشهر قليلة. وتم تجنيد 40 ألف رجل، على الأقل، في إطار برنامج التجنيد المعروف باسم «المشروع كيه»، وفقاً للتقرير الاستخباراتي اليومي الذي نشرته وزارة الدفاع في لندن. وذكر التقرير أن السجناء السابقين جعلوا السيطرة على مدينة باخموت المحاصرة بشرقي أوكرانيا ممكناً. وأضاف التحديث أنه رغم ذلك؛ نظراً لمعدل القتلى والجرحى، كانت السيطرة على باخموت أيضاً «إحدى الوقائع الأكثر دموية في التاريخ العسكري الحديث». وأوضح الخبراء أن السجناء السابقين الباقين ربما يكملون مدة خدمتهم الإجبارية مع «فاغنر» لينالوا حريتهم.

قوات «فاغنر» تنسحب من منطقة تابعة للجيش الروسي في روستوف (رويترز)

وتشير تقديرات بريطانية إلى أن عدداً كبيراً من المدانين الذين صدر عفو بحقهم سيبقون في الخدمة لدى «فاغنر». ويواصل الجيش الروسي برنامج التجنيد حالياً.

وخلال التمرد، نشر بريغوجين مقطع فيديو ينتقد فيه كبار الضباط العسكريين، وبينهم وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو والجنرال الروسي الكبير فاليري غراسيموف، ومبررات الكرملين لغزو أوكرانيا، في ما وصفه بيرنز بأنه «أكثر لائحة اتهام قاسية لمنطق بوتين للحرب، وسلوك الحرب، والفساد في جوهر نظام بوتين، والتي سمعتها من روسي أو غير روسي». وعدّ أن هناك صلة بين ساحة المعركة في أوكرانيا والأحداث في روسيا. وإذا تقدم الأوكرانيون في ساحة المعركة «أعتقد أن ما سيفعله ذلك هو دفع المزيد من الروس في النخبة وخارج النخبة إلى الاهتمام بنقد بريغوجين للحرب أيضاً».

ورداً على سؤال حول خطر لجوء بوتين إلى الأسلحة النووية في الحرب، قال: إن «خطاب النظام الروسي مثير للقلق ولكن لا توجد أي إشارة إلى أن موسكو تتحرك لاستخدام ترسانتها». وأوضح أن «قعقعة السيوف النووية التي قام بها بوتين ومن حوله غير مسؤولة إلى حد كبير»، مضيفاً أنه «ليس أمراً يمكن أن نتعامل معه باستخفاف (...) نحن نراقب الأمور بعناية شديدة، لكننا لا نرى استعدادات فورية ملموسة لاستخدام الأسلحة النووية».

وكرر بيرنز التعليقات التي صدرت في منتدى «آسبن» أيضاً لوزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي بأن التمرد في روسيا كشف عن «تصدعات» في نظام بوتين. وهناك مزاعم بأن الجنرال الروسي الكبير سيرغي سوروفيكين ربما كان على علم بخطط بريغوجين للتمرد. ولم يشاهد سوروفيكين في الأماكن العامة منذ أسابيع. وقال بيرنز: «لا أعتقد أنه يتمتع بالكثير من الحرية الآن».


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.