روسيا توقف ضماناتها «الأمنية»... وكييف تطالب بدوريات عسكرية أممية في البحر الأسود

موسكو تستهدف محطات حبوب وزيوت نباتية... وكييف تقصف معسكر تدريب في القرم

ناقلة حبوب في ميناء أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
ناقلة حبوب في ميناء أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

روسيا توقف ضماناتها «الأمنية»... وكييف تطالب بدوريات عسكرية أممية في البحر الأسود

ناقلة حبوب في ميناء أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
ناقلة حبوب في ميناء أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)

قالت موسكو، الأربعاء، إنها ستعتبر جميع السفن المبحرة إلى الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود حاملة لشحنات عسكرية، وذلك اعتباراً من هذا المساء، وذلك في أعقاب انتهاء اتفاق حبوب البحر الأسود، فيما اقترحت كييف تسيير دوريات عسكرية دولية تحمل تفويضاً من الأمم المتحدة؛ لضمان أمن صادرات الحبوب في البحر الأسود.

صورة لسفينة ترفع علم الأمم المتحدة في ميناء أوديسا تعود لأغسطس 2022 (أ.ف.ب)

وحذرت روسيا، الثلاثاء، أوكرانيا من مساعيها لمواصلة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، مشيرة إلى أنه لم يعد هناك «ضمانات أمنية» بعد انتهاء العمل باتفاق كان يتيح نقلها رغم الحرب.

وفي تصعيد ميداني متبادل بعد يوم من انسحاب روسيا من اتفاق الحبوب، استهدفت روسيا في قصفها الصاروخي منطقة أوديسا في الجنوب الأوكراني، لليلة الثانية على التوالي، فيما أكدت أوكرانيا، الأربعاء، شن «عملية ناجحة» أخرى بعد اندلاع حريق في ميدان تدريب عسكري في شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو، ما دفع السلطات المعينة من جانب روسيا إلى إجلاء أكثر من ألفي مدني.

أدخنة ونيران تتصاعد من جزيرة القرم (رويترز)

وربط الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بين الهجمات الروسية الكبيرة على منشآت موانئ في أوديسا وإنهاء اتفاق الحبوب. وكتب عبر تطبيق «تلغرام» الأربعاء: «الإرهابيون الروس يتعمدون بالتأكيد البنية التحتية لاتفاق الحبوب، وكل صاروخ روسي لا يوجه فقط صوب أوكرانيا، ولكن صوب كل شخص في العالم يتوق لحياة طبيعية وآمنة». وأضاف أنه تم إصدار الأوامر للجيش لحماية البنية التحتية للموانئ بصورة أفضل. وأوضح أنه يتعين على وزارة الخارجية الأوكرانية العمل نحو زيادة الضغط الدولي «لاستمرار التصدير الطبيعي للحبوب الأوكرانية».

الدخان يتصاعد جراء ضربة صاروخية لمستودع في أوديسا (أ.ف.ب)

وكانت روسيا قد علقت اتفاق شحن الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، الاثنين. وهاجم الجيش الروسي مساء الثلاثاء منشآت موانئ في منطقة أوديسا بصواريخ وطائرات درون لليوم الثاني على التوالي، كما وردت تقارير بوقوع هجمات جوية في مناطق أخرى.

وقال مستشار الرئاسة الأوكرانية، الأربعاء، لوكالة الصحافة الفرنسية إن بلاده تقترح تسيير دوريات عسكرية دولية تحمل تفويضاً من الأمم المتحدة؛ لضمان أمن صادرات الحبوب في البحر الأسود. وأورد ميخايلو بودولياك: «ينبغي إضافة تفويض من الأمم المتحدة لتسيير دوريات عسكرية»، بمشاركة دول محاذية للبحر الأسود مثل تركيا وبلغاريا.

كانت الموانئ في أوديسا تشكل نقطة عبور رئيسية لتصدير الحبوب الأوكرانية، وتضم أوديسا وضواحيها أبرز ثلاثة موانئ يمكن لأوكرانيا من خلالها تصدير منتجاتها الزراعية رغم الحرب والحصار الذي تفرضه روسيا.

وتتهم روسيا أوكرانيا باستخدام الممر البحري الذي فتح في إطار الاتفاق «لأغراض عسكرية»، بعدما قصفت كييف الاثنين الجسر الاستراتيجي الذي يربط الأراضي الروسية بشبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو. وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت، الثلاثاء، أنها دمرت عبر مجموعة صواريخ «منشآت أعدت فيها أعمال إرهابية ضد روسيا».

وأعلن وزير الزراعة الأوكراني، الأربعاء، أن 60 ألف طن من الحبوب المخصصة للتصدير والمخزنة في ميناء تشورنومورسك الأوكراني قرب أوديسا، قد أُتلفت جراء الضربات الروسية ليلاً.

وقال ميكولا سولسكي، في بيان نشر على موقع وزارته: «سيتطلب الأمر سنة على الأقل لإصلاح البنى التحتية المتضررة بشكل كامل. في ميناء تشورنومورسك أُتلفت 60 ألف طن من الحبوب كان يفترض أن تُرسل عبر ممر الحبوب قبل 60 يوماً».

وتوالت ردود الفعل المنددة بالقصف الروسي على أوديسا، واعتبرت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك في تغريدة أن القصف الروسي على مدينة أوديسا الساحلية «يصيب أفقر الأشخاص في العالم». وقالت: «حتى لو كان من الصعب استبدال طريق البحر الأسود، نحن ندعم الرئيس فولوديمير زيلينسكي وأوكرانيا ... لإيجاد طرق نقل بديلة».

من جهتها، قالت فرنسا إن روسيا «تعرض من جديد الأمن الغذائي العالمي للمخاطر على نحو غير مسؤول»، بعد هذه الضربات.

وبعد الحريق الذي اندلع في ميدان للتدريب العسكري، صباح الأربعاء، في شرق شبه جزيرة القرم، دعا مسؤولون روس لإجلاء أكثر من ألفي مدني. وأوضح حاكم القرم سيرغي أكسيونوف عبر «تلغرام»: «من المقرر إجلاء سكان أربع مناطق محاذية لميدان التدريب العسكري في منطقة كيروف بما يشمل ألفي شخص». وأضاف أن قسماً من الطريق السريع الذي يربط ميناء كيرتش في شرق القرم بسيباستوبول في جنوب غربي البلاد، أغلق بسبب الحريق.

ونشر موقع صحيفة «أزفستيا» على «تلغرام» صوراً للحريق تظهر سحب الدخان الأسود ترتفع في السماء. وأعلن الكرملين أنه تم إبلاغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالحادث.

وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: «نعلم أن حريقاً اندلع هناك. يجري اتخاذ إجراءات طوارئ، ويتم توضيح الوضع».

أدخنة ونيران تتصاعد من جزيرة القرم (رويترز)

وقال مدير الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف: «شنت عملية ناجحة في القرم المحتلة. يخفي العدو حجم الأضرار وعدد الضحايا». وقد أرفق رسالته بتسجيل فيديو قصير يظهر منشأة مشتعلة من دون أن يكون ممكناً تحديد هذه المنشأة. وكان سلاح الجو الأوكراني ذكر صباح الأربعاء أنه دمر 23 من 32 طائرة من دون طيار متفجرة أطلقتها القوات الروسية، و13 من أصل 16 صاروخ كروز من طراز «كاليبر» على منطقة أوديسا (جنوب).

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

أعلنت روسيا، الأربعاء، أن قواتها تقدمت مسافة كيلومتر على طول خط الجبهة في منطقة خاركيف بشمال شرقي أوكرانيا. وقالت وزارة الدفاع في بيان: «خلال النهار، وصل تقدم الوحدات الروسية إلى أكثر من كيلومتر في العمق وما يصل إلى كيلومترين على طول الجبهة. سيطرت الوحدات على محطة مولتشانوفو»، الواقعة على بعد أقل من 20 كلم شمال كوبيانسك.

أكد رئيس أركان القوات الأميركية، الثلاثاء، أن لدى أوكرانيا احتياطاً «كبيراً» من القوات المسلحة التي لم تشارك حتى الآن في الهجوم المضاد على القوات الروسية. وصرح مارك ميلي للصحافيين رداً على سؤال عما إذا كان الهجوم المضاد يشهد تعثراً، بأن الأوكرانيين يواجهون جنوداً روساً أقاموا دفاعات صلبة تتجلى خصوصاً في حقول ألغام وأسلاك شائكة وخنادق. لكنه أوضح أن لدى كييف «قوة قتالية كبيرة لم تشارك (في القتال) إلى اليوم»، مضيفاً أن الأوكرانيين «يتقدمون وسط حقول الألغام هذه، ببطء، في شكل متعمد وبثبات. وهذه معركة صعبة».

واعتبر ميلي أنه «لا يزال مبكراً جداً» القول إن الهجوم المضاد أخفق، وقال أيضاً: «الأمر سيكون طويلاً جداً وصعباً جداً ودامياً». وإلى جانب ميلي، أكد وزير الدفاع الأميركي لويد اوستن إثر مشاركتهما في حدث افتراضي يهدف إلى تأمين دعم دولي لأوكرانيا، أن الولايات المتحدة «مستمرة» في مساعدة قوات كييف. وأوضح أنه يتم راهناً تدريب وتسليح ثلاثة ألوية في ألمانيا، إضافة إلى عمليات تدريب أخرى قائمة في المنطقة. في سياق متصل ظهر يفغيني بريغوجين، رئيس مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة في مقطع فيديو وهو يرحب بمقاتلي المجموعة في روسيا البيضاء، ويقول لهم إنهم لن يشاركوا الآن في حرب أوكرانيا. وفي الفيديو، الذي قالت «رويترز» إنها لم تتحقق من صحته، سُمع رجل يشبه بريغوجين في الصوت واللهجة الروسية وهو يرحب برجال «فاغنر». وأعادت خدمة صحافية لبريغوجين على «تلغرام» نشر الفيديو. وقال بريغوجين: «مرحباً يا رفاق... أهلاً بكم في أرض روسيا البيضاء». ونظراً لأن الفيديو تم تصويره على ما يبدو بعد حلول ظلام الليل، فلم يمكن سوى تمييز هيئة شخص يشبه بريغوجين.

وقال بريغوجين: «قاتلنا بشرف... قدمتم الكثير لروسيا. ما يحدث في الجبهة حالياً هو وصمة عار لسنا بحاجة إلى المشاركة فيه». وطلب بريغوجين بعد ذلك من رجاله التعامل بشكل طيب مع السكان المحليين، وأمرهم بتدريب جيش روسيا البيضاء واستجماع قوتهم من أجل «رحلة جديدة إلى أفريقيا». وقال: «وربما سنعود إلى العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا في وقت ما عندما نكون على يقين من أننا لن نلحق بأنفسنا العار». وتحدث رجل يشبه في صوته دميتري أوتكين، الذي ساعد في تأسيس «فاغنر»، بعد ذلك إلى الرجال، وقال: «هذه ليست النهاية. هذه مجرد بداية لأكبر عمل في العالم سيتم تنفيذه قريباً جداً».


مقالات ذات صلة

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

أوروبا الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تعرضت المصفاة المملوكة لشركة «روسنفت»، وميناء توابسي لهجمات متكررة بطائرات مسيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ومصفاة توابسي لديها القدرة على معالجة ‍نحو 240 ألف برميل يومياً، وتوفر منتجات مثل النفتا، وزيت الوقود، والديزل.

إلى ذلك، قال فياتشيسلاف ‌جلادكوف حاكم ‌منطقة ​بيلغورود الروسية ⁠إن ​هجمات بطائرات ⁠مسيرة ⁠أوكرانية ‌على سيارات ‌مدنية ​أسفرت ‌عن مقتل ‌ثلاثة ‌أشخاص وإصابة ثلاثة ⁠آخرين في ⁠عدة أنحاء بالمنطقة.

وكثفت أوكرانيا ضرباتها على روسيا منذ ‌مارس (آذار)، مع توقف محادثات السلام التي تتوسط ⁠فيها ⁠الولايات المتحدة، في وقت تصب فيه واشنطن تركيزها على حرب إيران.


تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.