تجري تركيا اتصالات في مسعى لإنقاذ اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود بعد إعلان روسيا توقفها. وأجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، اتصالاً هاتفياً مع محادثة هاتفية مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بحث معه خلاله آخر التطورات المتعلقة باتفاقية الحبوب، ومسألة شراء تركيا طائرات إطفاء ذات سعة كبيرة لاستخدامها في مواجهة حرائق الغابات في تركيا، وفق ما أفادت به الخارجية التركية. وسبق ذلك إجراء فيدان، ليل الاثنين - الثلاثاء، اتصالاً هاتفياً مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن اتفاقية الحبوب.

وعبّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن ثقته بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد تمديد الاتفاقية على الرغم من إعلان موسكو تعليق العمل بها حتى يجري تنفيذ الشق الخاص بها في الاتفاقية.
وقال إردوغان إنه لن ينتظر زيارة بوتين لتركيا في أغسطس (آب) المقبل، وقد يجري اتصالاً هاتفياً معه عقب عودته من جولته الخليجية إلى السعودية وقطر والإمارات، التي تختتم الأربعاء، لبحث الأمر.
وذكر إردوغان، في مؤتمر صحافي بمطار أتاتورك في إسطنبول قبل توجهه إلى السعودية الاثنين في مستهل جولته الخليجية: «لقد ضاعفنا جهودنا الدبلوماسية في الآونة الأخيرة لتمديد اتفاقية الحبوب، التي دخلت التاريخ كإنجاز دبلوماسي ناجح». وتابع أنه «رغم التصريحات الرسمية التي صدرت عن روسيا الاثنين، سنواصل جهودنا الدبلوماسية والمساعي لتمديد الاتفاقية، وسيتواصل وزراؤنا ومسؤولونا مع المسؤولين في كل من روسيا وأوكرانيا».
وقال إردوغان إنه «جرى حتى الآن تصدير 33 مليون طن من الحبوب عبر اتفاقية إسطنبول للمر الآمن للحبوب في البحر الأسود». وأضاف: «نبذل جهوداً كبيرة لإنهاء الحرب في أوكرانيا».
وتسبب إعلان انسحاب روسيا من اتفاقية ممر الحبوب، في تكهنات حول إمكانية العمل على صيغة ثلاثية تضم أوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة، لكن خبراء أتراكاً أكدوا أن فرصة نجاح هذه الصيغة ربما تكون معدومة.

وقال الأكاديمي في جامعة يدي تبه في إسطنبول، فرقان كايا، إن هذا التصور يبدو بعيداً؛ لأن روسيا لن تترك السفن المحملة بالحبوب، التي تتوجه في غالبيتها إلى أوروبا، تعبر البحر الأسود بسلام وقد تهاجمها أو تتحرش بها.
وأضاف أن أنقرة تعتقد أن قرار موسكو تعليق العمل بالاتفاقية، الموقعة في إسطنبول في 22 يوليو (تموز) 2022، مرجعه عدم الالتزام بالشق الخاص بالحبوب والمنتجات الزراعية والأسمدة، فضلاً على توجه غالبية الحبوب الأوكرانية إلى الدول المحتاجة.
ولفت إلى أنه على الورق تبدو صادرات الحبوب والأسمدة الروسية ممكنة، لكن هناك الكثير من المشكلات في الممارسة العملية، فعلى سبيل المثال، ترتفع أقساط مخاطر التأمين على السفن التي ستحمل المنتجات الروسية إلى أرقام لا يمكن تغطيتها بسبب عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وأوضح كايا أن البنك الزراعي الروسي مدرج على قائمة العقوبات الأميركية، وتريد موسكو أن يجري فتح نظام تحويل الأموال الدولي (سويفت) أمام البنك، حتى تتمكن الدول المستقبلة من سداد المدفوعات، وتذكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بوعده عند التوقيع على اتفاقية ممر الحبوب في إسطنبول، لكن النظام خاضع للولايات المتحدة، وليس الأمم المتحدة.
وذهب محللون أتراك، إلى أن ما تريده موسكو باختصار هو تخفيف العقوبات، على الأقل في إطار تنفيذ الاتفاقية، من أجل الموافقة على تمديدها، لكن الولايات المتحدة ترفض ذلك.
ورأوا أنه إذا كان بإمكان إردوغان حل قضية «سويفت»، التي لم يستطع الأمين العام للأمم المتحدة حلها، في الوقت الذي يتصارع فيه مع مشكلات تركيا الخطيرة مع الولايات المتحدة، من شراء طائرات «إف 16» إلى وقف الدعم الأميركي للقوات الكردية في سوريا، فسيكتب له ذلك بوصفه «نصراً دبلوماسياً عظيماً»، وسيكون إنجازاً أكثر أهمية من اتفاقية الحبوب في حد ذاتها.
وذهب الكاتب التركي المتخصص في الشؤون الخارجية، مراد يتكين، إلى أنه يجب عدم نسيان أن الحرب الروسية في أوكرانيا أعطت الفرصة لمراجعة جادة وإيجابية للسياسة الخارجية التركية، التي لم تكن تسير على ما يرام في ذلك الوقت، ولم يكن يُنظر إليها جيدًا في الخارج.
ولفت إلى أنه من خلال تنفيذ اتفاقية مونترو لعام 1936، حافظت تركيا على مسافة بينها وبين جارتيها في البحر الأسود، روسيا وأوكرانيا، وأصبحت الدولة الوحيدة العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي يمكنها إبقاء الجسور مفتوحة مع الطرفين المتحاربين. ورأى يتكين أن اتفاقية الحبوب شكلت ذروة النجاح التركي، وأنه إذا تمكن إردوغان من إقناع الأطراف بإعادة صياغة اتفاقية الحبوب، فسيستمر دور تركيا الفريد، وإلا فإن فقدان الدور الذي بدأ بانسحاب روسيا منها سيستمر.
