انقسامات حادة حول مبادرة دعم الشرطي المسؤول عن قتل نائل

مطلق المبادرة مصري الأصل ومتطرف في يمينيته

جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو  (أ.ب)
جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو (أ.ب)
TT

انقسامات حادة حول مبادرة دعم الشرطي المسؤول عن قتل نائل

جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو  (أ.ب)
جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو (أ.ب)

اسمه جان مسيحة، ناشط سياسي من أصل مصري، ينتمي إلى الجناح اليميني المتطرف. وبعد أن كان منتمياً إلى حزب «التجمع الوطني» الذي تتزعمه المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن، تركه قبل الانتخابات الرئاسية العام الماضي ليلتحق بالكاتب والصحافي أريك زيمور، الذي يعد أكثر تطرفاً في يمينيته. وخلال الحملة الرئاسية، كان مسيحة الناطق باسم المرشح زيمور الذي يروج لنظرية «الاستبدال» المقصود بها إحلال مجموعات مهاجرين محلّ السكان الفرنسيين، ويحذّر في كتاباته من «أسلمة فرنسا». وخلال الأحداث الأخيرة التي شهدت أعمال شغب واشتباكات مع القوى الأمنية، رأى زيمور أن ما يحصل هو «مقدمة لحرب أهلية» بين المهاجرين من غير الأصول الأوروبية والمواطنين «الأصليين».

وجان مسيحة هو صاحب الدعوة لدعم الشرطي الفرنسي (فلوريان إم.) من خلال جمع تبرعات لعائلته. وجاء في دعوة مسيحة: «إنها دعوة لدعم الشرطي في نانتير الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه قام بعمله، وهو يدفع الثمن الغالي لذلك».

تبرع على نطاق واسع

والشرطي الدراج المذكور هو من أطلق النار من مسافة قريبة جداً على الشاب القاصر نائل مرزوق، في مدينة نانتير (غرب باريس) صبيحة الثلاثاء 27 يونيو (حزيران) الماضي في تدقيق مروري، فأرداه قتيلاً. وسعى مع رفيقه إلى فبركة تقرير يزيّف ما حدث. بيد أن تسجيل الفيديو الذي أجرته سيّدة تحرص على كتمان هويتها كذّب تقرير الشرطيين، وفجّر أزمة غير مسبوقة لجهة العنف الذي تمدّد سريعاً مثل النار في الهشيم ليطول ما لا يقل عن 500 مدينة من كافة الأحجام وعلى امتداد الخريطة الفرنسية.

قوات مكافحة الشغب بفرنسا خلال مظاهرة ضد الشرطة بمرسيليا في 1 يوليو (أ.ف.ب)

وسريعاً جداً، انهمرت التبرعات لتصل في أسبوع إلى 1.6 مليون يورو. وعمد مسيحة يوم الثلاثاء الماضي إلى إغلاق باب التبرعات التي أسهم بها 100 ألف شخص، وفق تأكيداته. وبينت تحقيقات متنوعة أن المساهمات تراوحت بين 15 و20 يورو إلى ألف وحتى 3 آلاف يورو. وبالتوازي، عمد أفراد من الشرطة العاملين في منطقة «هو دي سين» التي تضم مدنية نانتير إلى إطلاق حملة ثانية بقيت محدودة الغلة، إذ بقيت التبرعات دون المائة ألف يورو.

ولأن بادرة مسيحة أثارت جدلاً انطلق ولم يتوقف بعد، فإنه لم يتردد في التعبير عن سعادته لحصيلتها، بل ذهب كذلك إلى كتابة تغريدة جاء فيها أن «مبادرتي جعلت اليساريين والتقدميين يفقدون أعصابهم، وقد أصيبوا بالصدمة بسبب الانتفاضة الصامتة التي انطلقت لدعم الشرطة بمواجهة المنتفضين بوجه فرنسا». وأرفق مسيحة التغريدة بفيديو قصير يظهره وهو يرقص سعادة بنجاح «الضربة» التي كان بطلها.

دعوى قضائية وغضب اليسار

ولم تتأخر ردود الفعل القضائية والسياسية. فمن الناحية الأولى، عمد ياسين بورزرع، محامي عائلة نائل مرزوق وتحديداً والدته، إلى تقديم دعوى بحق مسيحة والمطالبة بوقف التبرعات وإلغاء العملية من أساسها. ورد الأخير بتأكيد أنه «لن يصمت ولن يركع. الفرنسي لا يخضع أبداً، خصوصاً عندما لا يكون وحيداً»، مؤكداً أن الشكوى المقدّمة ضده «لا أساس قانونياً لها». وأضاف: «أتّهم بأنني محتال. إذن نحن مائة ألف محتال (في إشارة إلى عدد المتبرعين)». وأعلن عن عزمه على تقديم شكوى ضد عائلة ضحية رجل الشرطة.

احتراق إطارات عقب اشتباكات في مدينة بوردو جنوب غربي فرنسا في 29 يونيو (أ.ف.ب)

سياسياً، جاءت أعنف الردود من اليسار؛ إذ وصفها أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي بـ«تبرعات العار»، متّهماً من أطلقها وروج لها بالتسبب بانقسامات حادة داخل المجتمع الفرنسي. ودعا أوليفيه فور المنصة التي أطلقت عليها إلى وضع حد سريع لها. وقالت ميلاني فوجيل، عضو مجلس الشيوخ المنتمية إلى حزب «الخضر»: «إنها حقاً تبرعات العار، وهي توجه رسالة مفجعة لضحايا عنف الشرطة».

أما النائب توماس بورت، المنتمي إلى حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، فقد غرد قائلاً: «أنت شرطي، وتريد أن تصبح مليونيراً؟ هيا اقتل صبياً أسود اللون أو عربياً ونحن نتكفل بالباقي». لكن المنصة المعنية واسمها «غوفوند مي»، قد أعلنت أنها لن تغلق باب التبرعات، مضيفة أن الأموال التي جمعت ستذهب مباشرة إلى عائلة الشرطي المعني، إلا أن مبلغ الـ1.6 مليون يورو، إذا لم تلغه المحكمة، فإن ثلثيه سيذهبان للدولة كضرائب وما يزيد على اثنين في المائة إلى المنصة.

رد حكومي خجول

اللافت أن رد الفعل الحكومي كان خجولاً إلى حد بعيد. فعندما سئلت إليزابيث بورن، رئيسة الحكومة، عما إذا كانت ستعمد إلى إلغاء حملة التبرعات، جاء ردها ضعيفاً. فقالت إنه «يعود للقضاء وليس للحكومة أمر إلغائها»، مضيفة أنه لكونها صادرة عن «شخص قريب من اليمين المتطرف، فإن ذلك قطعاً لا يسهم في التهدئة». والكلام نفسه صدر عن إريك دوبون موريتي، وزير العدل، الذي تساءل عن «نية استغلال» الأحداث لأغراض سياسية حرّكت مسيحة، مشيراً إلى أن «كل ما يصب الزيت على النار ليس مقبولاً».

تعرضت محال تجارية للاعتداء بروبية شمال فرنسا في 30 يونيو (أ.ف.ب)

أما اليمين التقليدي، فقد بقي شبه صامت، علماً أن موقفه العام هو تأكيد الدعم للشرطة والوقوف إلى جانبها. وقد سئل إريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل، عما إذا كان سيسهم بصندوق التبرعات الذي أطلقه مسيحة، فأجاب أنه قد يسهم في «الصندوق الثاني» لدعم عائلة الشرطي الذي أطلقته «جمعية دراجي الشرطة لمنطقة هو دي سين»، معتبراً أنه «يعكس روح التضامن» بين الملاء وأنه «لا يخالف مبادئه»، وبالتالي قد يعمد هو شخصياً إلى المساهمة فيه.

دوافع متنوعة

مقابل مساندة الشرطة، أطلقت دعوة لمساندة والدة نائل مرزوق التي تعيش وحدها. وقد جمعت الدعوة نحو 400 ألف يورو، وهو مبلغ متواضع إزاء ما جمعته الدعوة المقابلة. ولم يكشف الداعون إليها عن أعداد الأشخاص الذين أسهموا بها. وبما أنه لم يغلق بعد باب المساهمة، فثمة إمكانية أن يرتفع المبلغ.

ثمة سؤال يفرض نفسه: ما الرسائل التي تحملها، بشكل خاص، مسارعة مائة ألف شخص «إذا صدقت الأرقام» لتوفير دعم كبير للغاية لعائلة شرطي قتل صبياً عمره 17 عاماً، واتّهمه القضاء بـ«القتل العمد» وأبقاه محبوساً في جلسة لمحكمة الاستئناف منتصف الأسبوع الماضي؟

الإجابة عن هذا التساؤل تفترض إطلاق تحقيق واسع للتعرف على المنطلقات التي دفعت هؤلاء الأشخاص إلى المسارعة بالتبرع بمالهم لعائلة القاتل، وليس لعائلة الضحية.

رجال إطفاء يخمدون نيران سيارة محترقة بنانتير في 1 يوليو (أ.ف.ب)

يقول الباحث الاجتماعي جان ـ إيف كامو، الذي يمارس نشاطه في إطار «معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية»، إن «النواة الصلبة للمساهمين في توفير الهبات تتشكل أساساً من المنتمين إلى جناح اليمين المتطرف، ولكنها تشمل دائرة أوسع من ذلك». ويضيف الباحث: «ثمّة مواطنون يتبنّون مبدأ أن الشرطة وكذلك القوات المسلحة دائماً محقة، وأنه يتعين دعمها لأنها تمثل الذراع المسلحة للدولة». وبالتالي، فإن الميل الطبيعي للمواطن هو الوقوف إلى جانب هذه القوات دون السعي للدخول في التفاصيل والحيثيات.

لذا، فإن هذا التوجه «ليس محصوراً باليمين المتطرف». ويذهب الباحث الفرنسي أبعد من ذلك بتأكيده أن وصول الهبات للشرطي إلى هذا المستوى «يعكس الهوة العميقة القائمة بين معسكرين: الأول يرى أن الشرطة دائماً على حق، والمعسكر الآخر الذي يرى أن الدولة الفرنسية في تكوينها العميق هي أساساً عنصرية».

ومن جانبها، سعت مجلة «الإكسبريس» إلى القيام بتحقيق سريع يتبين منه أن الدوافع مختلفة؛ إذ من بين المتبرعين من ينتمي إلى التيار الفكري اليساري، أو أنه صوّت للرئيس ماكرون في المنافستين الرئاسيتين الأخيرتين وضد مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. ونقلت المجلة المذكورة عن مواطن اسمه «توماس» أنه تبرع بمبلغ رمزي من أجل «دعم قوى الأمن في عملها اليومي». أما ناديا، فقد عبّرت عن «غضبها» من العنف ومن استهداف رموز الجمهورية الفرنسية «من جانب المشاغبين والسارقين». ورغم توجيه تهمة «القتل العمد» للشرطي المعني، فإن ناديا لم تتردد في التعبير عن رفضها لما حصل، إلا أنها ترى أن الشرطي «كان يقوم بعمله». ويذهب لوران الذي يفاخر بانتمائه إلى اليمين المتطرف إلى حد اعتبار أن المشاركة في تقديم الهبات ترمز إلى «رفض استهداف الشرطة من قبل العابثين ومثيري الشغب والاشتباكات والهجمات غير المسؤولة لليسار المتطرف، الذي يريد غرس فكرة أن العنصرية متجذرة في قطاع الشرطة».

هكذا، تعكس هذه الآراء جانباً مما يعتمل المجتمع الفرنسي الذي يجد نفسه بمواجهة ظاهرة لا يدري كيف يتغلب عليها، عنوانها القطيعة بين جانب من المواطنين والمهاجرين وبين الدولة. السرعة التي انتشرت فيها أعمال العنف تبيّن أنه كلما توافرت شرارة اشتعلت النيران وصعُب إطفاؤها. ومنذ سبعينات القرن الماضي، تتوالى الانتفاضات وبعدها مشاريع وتدابير الدولة. وما دامت لا تعالج جذور الأزمة، فإن الأسباب نفسها ستفضي إلى النتائج نفسها.


مقالات ذات صلة

تجمع لليمين المتطرف الأوروبي في ميلانو بعد هزيمة أوربان (صور)

أوروبا من تظاهرة اليمين المتطرف في ميلانو (أ.ف.ب)

تجمع لليمين المتطرف الأوروبي في ميلانو بعد هزيمة أوربان (صور)

نظم اليمين المتطرف في أوروبا، السبت، تجمعاً في ميلانو ضمّ قادة من أحزابه من مختلف أنحاء القارة وحشد آلاف الأشخاص، وتناول قضايا الهجرة والأمن والبيروقراطية.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن الموريتاني (أ.ف.ب)

موريتانيا: توقيف 40 ناشطاً خلال مسيرة منددة باعتقال حقوقيين

فرقت قوات مكافحة الشغب الموريتاني، اليوم الخميس، مسيرة احتجاجية لحركة انبعاث التيار الانعتاقي «إيرا» الحقوقية المناهضة للعبودية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (تونس)

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.


حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

أثار تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ«آثار مدمّرة» قد تترتب على انسحاب محتمل للولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك خطط موضوعة للتعامل مع هذا الاحتمال.

وقال فيدان إن مناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار الانسحاب الأميركي المحتمل، أو التخفيف منها، مضيفاً أنه قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا جرى تنفيذه بطريقة غير منسقة.

واستند حديث فيدان، الذي أتى خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم أعماله في جنوب تركيا، الأحد، إلى تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في الحلف إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدّى القرار الأوروبي إلى تفاقم الخلافات التي كانت قد تصاعدت منذ إعلان ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وتركيا هي ثاني أكبر قوة في «الناتو»، لكنها تواجه عقبات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال فيدان إنه كان يُعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأعضاء في الحلف تتصرف كأنها «نادٍ منفصل»، وتتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف، وأرجع الموقف الأميركي إلى هذا السبب.

خطة أوروبية

وجاءت تصريحات فيدان، بالتزامن مع تقارير في صحف تركية قريبة من الحكومة، تحدثت فيها عن تحركات أوروبية لوضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل «الناتو» وخيارات تركيا الاستراتيجية تجاه ذلك، بما فيها إمكانية تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، الذي تحدّث عنه علناً رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، محبذاً فكرة أن تُشكل تركيا تحالفاً مع روسيا والصين.

وقال دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «إن موقع تركيا الجيوسياسي والجيوستراتيجي يستلزم سياسة خارجية حذرة ومتأنية ومتعددة الأبعاد»، معيداً بذلك التذكير بتصريحات أدلى بها العام الماضي حول الموضوع ذاته.

ولاحقاً، ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية أن خطة بديلة لإعادة تشكيل هيكل الدفاع في أوروبا بدأت تتبلور، وذلك رداً على احتمال انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» وتفاقم أزمة الثقة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي تحدث عن أهمية تحالف تركيا مع روسيا والصين (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت الصحيفة، فيما يعد تأكيداً لحديث فيدان عن المناقشات حول تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل على البنية الأمنية الأوروبية، إن الخطة البديلة، التي وصفتها بـ«الخطة ب»، جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات دبلوماسية، وكذلك عبر قنوات غير رسمية مثل مآدب العشاء، ما يعكس أنها لم تعتمد بوصفها سياسة رسمية بعد، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.

وحسب مسؤولين أوروبيين، فإن هذه الخطة لا تستهدف إنشاء بديل لـ«الناتو»، بل الحفاظ على قدرات الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا؛ حيث تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، وسد الفراغ الناتج عن تراجع القدرات الأميركية عبر إمكاناتها الخاصة.

وتطرقت صحيفة «ميلليت» إلى الشراكات الجديدة التي سيُسفر عنها هذا الانسحاب، بما في ذلك إمكانية التعاون العسكري بين تركيا وروسيا والصين.

ونقلت عن الأدميرال التركي المتقاعد، جيم غوردينيز، أن وجود نظام تعاون ثلاثي يجمع تركيا وروسيا والصين، مع إمكانية ضم إيران ودول أخرى مستقبلاً، سيكون كفيلاً بتغيير الجغرافيا السياسية العالمية.

روته يستبعد انسحاب أميركا

لكن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، نفى التكهنات حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، قائلاً إنه «يتفهم إحباط ترمب من الحلف، كما دعا أوروبا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية». وقال روته، في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية، الأحد: «لا أرى الولايات المتحدة تنسحب من (الناتو)، ولا أشك في استمرارها في حماية أوروبا بالأسلحة النووية». وأضاف الأمين العام لـ«الناتو»: «المظلة النووية الأميركية هي الضامن الأخير للأمن هنا في أوروبا، وأنا على يقين بأنها ستبقى كذلك».

جانب من لقاء ترمب وروته في واشنطن (أ.ب)

ويحتاج ترمب إلى موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على قرار الانسحاب من «الناتو»، وهو سيناريو يعد مستبعداً للغاية.

وكرر روته ما قاله بعد اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: «من الواضح أنه يشعر بخيبة أمل تجاه عدد من حلفاء (الناتو)، وأتفهم وجهة نظره».

وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (إعلام تركي)

في السياق ذاته، رفض وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودريس، الدعوات إلى إنشاء هيكل دفاعي أو «جيش أوروبي» مستقل، مؤكداً ضرورة تركيز الجهود، بدلاً من ذلك، على تعزيز إطار حلف «الناتو» القائم.

ووجّه بودريس، في تصريحات على هامش مشاركته في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت، اللوم إلى الدول الأوروبية، قائلاً إنها لا تبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف «الناتو» المتفق عليها، مشككاً في جدوى العمل بشكل مستقل.

وقال: «إذا كنا لا نبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف حلف (الناتو)، بما في ذلك الولايات المتحدة، فكيف لنا أن نفعل ذلك بمفردنا؟». ورأى أن قمة «الناتو» المقبلة التي ستعقد في أنقرة، يوليو (تموز) المقبل، ستكون اختباراً حاسماً لوحدة الحلفاء ومصداقيتهم، مشدداً على ضرورة أن يعيد الأعضاء تأكيد التزاماتهم تجاه الحلف.


ماكرون يستقبل رئيس الوزراء اللبناني الثلاثاء

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يستقبل رئيس الوزراء اللبناني الثلاثاء

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

أعلنت الرئاسة الفرنسية، اليوم (الأحد)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الثلاثاء، في ظل وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد قصر الإليزيه أن «هذه الزيارة ستكون فرصة لرئيس الدولة ليؤكد مجدداً التزامه بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعم فرنسا لوحدة أراضي البلاد، ولإجراءات الدولة اللبنانية لضمان السيادة الكاملة والشاملة للبلاد، وحصرية السلاح».

وسيناقش المسؤولان أيضاً «الدعم الإنساني للنازحين، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لترسيخ سيادة لبنان، وإعادة إعماره، واستعادة ازدهاره».

تأتي زيارة سلام بعد مقتل جندي فرنسي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل)، في كمين نُسب إلى «حزب الله» الذي نفى مسؤوليته عنه.

واستنكر الرئيس الفرنسي الهجوم ووصفه بأنه «غير مقبول»، داعياً السلطات اللبنانية إلى كشف ملابسات الحادثة وتوقيف الجناة.

وقال قصر الإليزيه: «جنود (اليونيفيل) الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة، ويدعمون إيصال المساعدات الإنسانية إلى جنوب لبنان، لا يجب أن يُستهدفوا في أي ظرف».