انقسامات حادة حول مبادرة دعم الشرطي المسؤول عن قتل نائل

مطلق المبادرة مصري الأصل ومتطرف في يمينيته

جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو  (أ.ب)
جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو (أ.ب)
TT

انقسامات حادة حول مبادرة دعم الشرطي المسؤول عن قتل نائل

جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو  (أ.ب)
جانب من الاشتباكات بين الشرطة ومحتجين بنانتير في 29 يونيو (أ.ب)

اسمه جان مسيحة، ناشط سياسي من أصل مصري، ينتمي إلى الجناح اليميني المتطرف. وبعد أن كان منتمياً إلى حزب «التجمع الوطني» الذي تتزعمه المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن، تركه قبل الانتخابات الرئاسية العام الماضي ليلتحق بالكاتب والصحافي أريك زيمور، الذي يعد أكثر تطرفاً في يمينيته. وخلال الحملة الرئاسية، كان مسيحة الناطق باسم المرشح زيمور الذي يروج لنظرية «الاستبدال» المقصود بها إحلال مجموعات مهاجرين محلّ السكان الفرنسيين، ويحذّر في كتاباته من «أسلمة فرنسا». وخلال الأحداث الأخيرة التي شهدت أعمال شغب واشتباكات مع القوى الأمنية، رأى زيمور أن ما يحصل هو «مقدمة لحرب أهلية» بين المهاجرين من غير الأصول الأوروبية والمواطنين «الأصليين».

وجان مسيحة هو صاحب الدعوة لدعم الشرطي الفرنسي (فلوريان إم.) من خلال جمع تبرعات لعائلته. وجاء في دعوة مسيحة: «إنها دعوة لدعم الشرطي في نانتير الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه قام بعمله، وهو يدفع الثمن الغالي لذلك».

تبرع على نطاق واسع

والشرطي الدراج المذكور هو من أطلق النار من مسافة قريبة جداً على الشاب القاصر نائل مرزوق، في مدينة نانتير (غرب باريس) صبيحة الثلاثاء 27 يونيو (حزيران) الماضي في تدقيق مروري، فأرداه قتيلاً. وسعى مع رفيقه إلى فبركة تقرير يزيّف ما حدث. بيد أن تسجيل الفيديو الذي أجرته سيّدة تحرص على كتمان هويتها كذّب تقرير الشرطيين، وفجّر أزمة غير مسبوقة لجهة العنف الذي تمدّد سريعاً مثل النار في الهشيم ليطول ما لا يقل عن 500 مدينة من كافة الأحجام وعلى امتداد الخريطة الفرنسية.

قوات مكافحة الشغب بفرنسا خلال مظاهرة ضد الشرطة بمرسيليا في 1 يوليو (أ.ف.ب)

وسريعاً جداً، انهمرت التبرعات لتصل في أسبوع إلى 1.6 مليون يورو. وعمد مسيحة يوم الثلاثاء الماضي إلى إغلاق باب التبرعات التي أسهم بها 100 ألف شخص، وفق تأكيداته. وبينت تحقيقات متنوعة أن المساهمات تراوحت بين 15 و20 يورو إلى ألف وحتى 3 آلاف يورو. وبالتوازي، عمد أفراد من الشرطة العاملين في منطقة «هو دي سين» التي تضم مدنية نانتير إلى إطلاق حملة ثانية بقيت محدودة الغلة، إذ بقيت التبرعات دون المائة ألف يورو.

ولأن بادرة مسيحة أثارت جدلاً انطلق ولم يتوقف بعد، فإنه لم يتردد في التعبير عن سعادته لحصيلتها، بل ذهب كذلك إلى كتابة تغريدة جاء فيها أن «مبادرتي جعلت اليساريين والتقدميين يفقدون أعصابهم، وقد أصيبوا بالصدمة بسبب الانتفاضة الصامتة التي انطلقت لدعم الشرطة بمواجهة المنتفضين بوجه فرنسا». وأرفق مسيحة التغريدة بفيديو قصير يظهره وهو يرقص سعادة بنجاح «الضربة» التي كان بطلها.

دعوى قضائية وغضب اليسار

ولم تتأخر ردود الفعل القضائية والسياسية. فمن الناحية الأولى، عمد ياسين بورزرع، محامي عائلة نائل مرزوق وتحديداً والدته، إلى تقديم دعوى بحق مسيحة والمطالبة بوقف التبرعات وإلغاء العملية من أساسها. ورد الأخير بتأكيد أنه «لن يصمت ولن يركع. الفرنسي لا يخضع أبداً، خصوصاً عندما لا يكون وحيداً»، مؤكداً أن الشكوى المقدّمة ضده «لا أساس قانونياً لها». وأضاف: «أتّهم بأنني محتال. إذن نحن مائة ألف محتال (في إشارة إلى عدد المتبرعين)». وأعلن عن عزمه على تقديم شكوى ضد عائلة ضحية رجل الشرطة.

احتراق إطارات عقب اشتباكات في مدينة بوردو جنوب غربي فرنسا في 29 يونيو (أ.ف.ب)

سياسياً، جاءت أعنف الردود من اليسار؛ إذ وصفها أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي بـ«تبرعات العار»، متّهماً من أطلقها وروج لها بالتسبب بانقسامات حادة داخل المجتمع الفرنسي. ودعا أوليفيه فور المنصة التي أطلقت عليها إلى وضع حد سريع لها. وقالت ميلاني فوجيل، عضو مجلس الشيوخ المنتمية إلى حزب «الخضر»: «إنها حقاً تبرعات العار، وهي توجه رسالة مفجعة لضحايا عنف الشرطة».

أما النائب توماس بورت، المنتمي إلى حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، فقد غرد قائلاً: «أنت شرطي، وتريد أن تصبح مليونيراً؟ هيا اقتل صبياً أسود اللون أو عربياً ونحن نتكفل بالباقي». لكن المنصة المعنية واسمها «غوفوند مي»، قد أعلنت أنها لن تغلق باب التبرعات، مضيفة أن الأموال التي جمعت ستذهب مباشرة إلى عائلة الشرطي المعني، إلا أن مبلغ الـ1.6 مليون يورو، إذا لم تلغه المحكمة، فإن ثلثيه سيذهبان للدولة كضرائب وما يزيد على اثنين في المائة إلى المنصة.

رد حكومي خجول

اللافت أن رد الفعل الحكومي كان خجولاً إلى حد بعيد. فعندما سئلت إليزابيث بورن، رئيسة الحكومة، عما إذا كانت ستعمد إلى إلغاء حملة التبرعات، جاء ردها ضعيفاً. فقالت إنه «يعود للقضاء وليس للحكومة أمر إلغائها»، مضيفة أنه لكونها صادرة عن «شخص قريب من اليمين المتطرف، فإن ذلك قطعاً لا يسهم في التهدئة». والكلام نفسه صدر عن إريك دوبون موريتي، وزير العدل، الذي تساءل عن «نية استغلال» الأحداث لأغراض سياسية حرّكت مسيحة، مشيراً إلى أن «كل ما يصب الزيت على النار ليس مقبولاً».

تعرضت محال تجارية للاعتداء بروبية شمال فرنسا في 30 يونيو (أ.ف.ب)

أما اليمين التقليدي، فقد بقي شبه صامت، علماً أن موقفه العام هو تأكيد الدعم للشرطة والوقوف إلى جانبها. وقد سئل إريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل، عما إذا كان سيسهم بصندوق التبرعات الذي أطلقه مسيحة، فأجاب أنه قد يسهم في «الصندوق الثاني» لدعم عائلة الشرطي الذي أطلقته «جمعية دراجي الشرطة لمنطقة هو دي سين»، معتبراً أنه «يعكس روح التضامن» بين الملاء وأنه «لا يخالف مبادئه»، وبالتالي قد يعمد هو شخصياً إلى المساهمة فيه.

دوافع متنوعة

مقابل مساندة الشرطة، أطلقت دعوة لمساندة والدة نائل مرزوق التي تعيش وحدها. وقد جمعت الدعوة نحو 400 ألف يورو، وهو مبلغ متواضع إزاء ما جمعته الدعوة المقابلة. ولم يكشف الداعون إليها عن أعداد الأشخاص الذين أسهموا بها. وبما أنه لم يغلق بعد باب المساهمة، فثمة إمكانية أن يرتفع المبلغ.

ثمة سؤال يفرض نفسه: ما الرسائل التي تحملها، بشكل خاص، مسارعة مائة ألف شخص «إذا صدقت الأرقام» لتوفير دعم كبير للغاية لعائلة شرطي قتل صبياً عمره 17 عاماً، واتّهمه القضاء بـ«القتل العمد» وأبقاه محبوساً في جلسة لمحكمة الاستئناف منتصف الأسبوع الماضي؟

الإجابة عن هذا التساؤل تفترض إطلاق تحقيق واسع للتعرف على المنطلقات التي دفعت هؤلاء الأشخاص إلى المسارعة بالتبرع بمالهم لعائلة القاتل، وليس لعائلة الضحية.

رجال إطفاء يخمدون نيران سيارة محترقة بنانتير في 1 يوليو (أ.ف.ب)

يقول الباحث الاجتماعي جان ـ إيف كامو، الذي يمارس نشاطه في إطار «معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية»، إن «النواة الصلبة للمساهمين في توفير الهبات تتشكل أساساً من المنتمين إلى جناح اليمين المتطرف، ولكنها تشمل دائرة أوسع من ذلك». ويضيف الباحث: «ثمّة مواطنون يتبنّون مبدأ أن الشرطة وكذلك القوات المسلحة دائماً محقة، وأنه يتعين دعمها لأنها تمثل الذراع المسلحة للدولة». وبالتالي، فإن الميل الطبيعي للمواطن هو الوقوف إلى جانب هذه القوات دون السعي للدخول في التفاصيل والحيثيات.

لذا، فإن هذا التوجه «ليس محصوراً باليمين المتطرف». ويذهب الباحث الفرنسي أبعد من ذلك بتأكيده أن وصول الهبات للشرطي إلى هذا المستوى «يعكس الهوة العميقة القائمة بين معسكرين: الأول يرى أن الشرطة دائماً على حق، والمعسكر الآخر الذي يرى أن الدولة الفرنسية في تكوينها العميق هي أساساً عنصرية».

ومن جانبها، سعت مجلة «الإكسبريس» إلى القيام بتحقيق سريع يتبين منه أن الدوافع مختلفة؛ إذ من بين المتبرعين من ينتمي إلى التيار الفكري اليساري، أو أنه صوّت للرئيس ماكرون في المنافستين الرئاسيتين الأخيرتين وضد مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. ونقلت المجلة المذكورة عن مواطن اسمه «توماس» أنه تبرع بمبلغ رمزي من أجل «دعم قوى الأمن في عملها اليومي». أما ناديا، فقد عبّرت عن «غضبها» من العنف ومن استهداف رموز الجمهورية الفرنسية «من جانب المشاغبين والسارقين». ورغم توجيه تهمة «القتل العمد» للشرطي المعني، فإن ناديا لم تتردد في التعبير عن رفضها لما حصل، إلا أنها ترى أن الشرطي «كان يقوم بعمله». ويذهب لوران الذي يفاخر بانتمائه إلى اليمين المتطرف إلى حد اعتبار أن المشاركة في تقديم الهبات ترمز إلى «رفض استهداف الشرطة من قبل العابثين ومثيري الشغب والاشتباكات والهجمات غير المسؤولة لليسار المتطرف، الذي يريد غرس فكرة أن العنصرية متجذرة في قطاع الشرطة».

هكذا، تعكس هذه الآراء جانباً مما يعتمل المجتمع الفرنسي الذي يجد نفسه بمواجهة ظاهرة لا يدري كيف يتغلب عليها، عنوانها القطيعة بين جانب من المواطنين والمهاجرين وبين الدولة. السرعة التي انتشرت فيها أعمال العنف تبيّن أنه كلما توافرت شرارة اشتعلت النيران وصعُب إطفاؤها. ومنذ سبعينات القرن الماضي، تتوالى الانتفاضات وبعدها مشاريع وتدابير الدولة. وما دامت لا تعالج جذور الأزمة، فإن الأسباب نفسها ستفضي إلى النتائج نفسها.


مقالات ذات صلة

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن الموريتاني (أ.ف.ب)

موريتانيا: توقيف 40 ناشطاً خلال مسيرة منددة باعتقال حقوقيين

فرقت قوات مكافحة الشغب الموريتاني، اليوم الخميس، مسيرة احتجاجية لحركة انبعاث التيار الانعتاقي «إيرا» الحقوقية المناهضة للعبودية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

موريتانيا: أحزاب معارضة تدعو للتظاهر رفضاً لإجراءات الحكومة

دعا حزب معارض في موريتانيا إلى التظاهر يوم الأحد المقبل احتجاجاً على إجراءات اتخذتها الحكومة بسبب تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران 

الشيخ محمد (نواكشوط)

شرطة لندن: لا مواد خطرة ضمن أغراض عُثر عليها قرب سفارة إسرائيل

السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)
السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)
TT

شرطة لندن: لا مواد خطرة ضمن أغراض عُثر عليها قرب سفارة إسرائيل

السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)
السفارة الإسرائيلية في لندن (إ.ب.أ)

أعلنت الشرطة البريطانية اليوم (السبت) أنها لم تعثر على أي مواد خطرة ضمن الأغراض التي عُثر عليها قرب السفارة الإسرائيلية في لندن، وأنها أعادت فتح حدائق كينزنغتون بعد التحقيق في ادعاء نُشر على الإنترنت يفيد باستهداف الموقع بطائرات مسيّرة.

وكانت جماعة حركة «أصحاب اليمين» المؤيدة لإيران قد نشرت مقطعاً مصوراً تضمن لقطات لطائرات مسيّرة وشخصين يرتديان ملابس واقية، بالإضافة إلى رسالة تفيد باستهداف السفارة الإسرائيلية في لندن، وفق «رويترز».

عناصر من الشرطة قرب السفارة الإسرائيلية في حين تحقق شرطة مكافحة الإرهاب في أغراض وُجدت داخل حدائق كنزينغتون بلندن (إ.ب.أ)

وقال أحد قادة وحدة مكافحة الإرهاب في لندن: «رغم أن السفارة الإسرائيلية لم تتعرض لهجوم، فإننا نواصل العمل عن كثب مع السفارة وفريق أمنها لضمان سلامة الموقع وأمنه».

وأضافت الشرطة: «على الرغم من أن الأغراض التي عُثر عليها وُصفت بأنها غير خطرة، فإننا نواصل التحقيق لمعرفة ما إذا كان لها أي صلة بالفيديو المنشور على الإنترنت».


أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو، مستهدفة في بعض الأحيان مواقع تبعد آلاف الكيلومترات عن الحدود الأوكرانية. وفي المقابل، انتقدت كييف قرار الولايات المتحدة بتجديد الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات والمنقول بحراً، معتبرةً أنه يعوّض موسكو عن تراجع إجمالي شحناتها اليومية بنحو 880 ألف برميل نتيجة الهجمات الأوكرانية.

وذكر مسؤولون محليون روس خلال الليل ​أن طائرات مسيّرة أوكرانية قصفت مدينتين صناعيتين على ضفاف نهر الفولغا، إضافة إلى ميناء على بحر ‌البلطيق بالقرب ‌من سانت بطرسبرغ ​مخصص ‌لتصدير ⁠المنتجات ​النفطية.

جنود أوكرانيون يحملّون قذيفة من «عيار 152 ملم» لمدفع «هاوتزر» قبل إطلاقها باتجاه القوات الروسية في موقع على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 9 أبريل 2026 (رويترز)

وأكد فياتشيسلاف فيدوريشيف، حاكم منطقة ‌سامارا، وقوع هجمات على أهداف صناعية في مدينتي ⁠سيزران ⁠ونوفوكويبيشيفسك، على بُعد نحو 1800 كيلومتر جنوب شرقي فيسوتسك. ولم يذكر أسماء المنشآت، لكن المدينتين تضمان مصافي نفط تعرضت لضربات متكررة خلال الحرب ​في ​أوكرانيا.

وفي منطقة ⁠لينينغراد، قال الحاكم المحلي ألكسندر دروزدينكو إنه جرى إخماد حريق في ميناء فيسوتسك ⁠الذي يضم محطة ‌تديرها ‌شركة «لوك أويل» ​وتتعامل ‌مع تصدير زيت ‌الوقود والنفتا ووقود الديزل وزيت الغاز الفراغي.

وفي بيان نشر على تطبيق «تلغرام»، أقر روبرت بروفدي قائد سلاح الطائرات المسيّرة الأوكرانية بالهجوم على الميناء، قائلاً إن القوات الأوكرانية هاجمت أيضاً مصافي نفط في مدينتي نوفوكويبيشيفسك وسيزران بمنطقة سامارا. وتعرّض الموقعان لهجمات متكررة خلال الحرب الروسية في أوكرانيا. وكتب ساخراً: «لنجعل النفط الروسي عظيماً مجدداً».

كما انتقد بروفدي، كما نقلت عنه عدة وكالات أنباء دولية، قرار الولايات المتحدة بتجديد الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات المنقول بحراً. إذ مددت وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة، وقف فرض عقوبات على شحنات النفط الروسية لتخفيف النقص الناجم عن حرب إيران، بعد أيام من استبعاد وزير الخزانة سكوت بيسنت مثل هذه الخطوة.

رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو خلال لقاء صحافي في السفارة الأوكرانية في واشنطن (رويترز)

وقال بروفدي إن سلسلة من الهجمات الجوية في الآونة الأخيرة على مستودعات النفط الروسية في بريمورسك وأوست لوغا وشيسخاريس وتوابسي أدّت إلى خفض إجمالي شحنات النفط اليومية بنحو 880 ألف برميل. وأضاف أن مستودعاً نفطياً في سيفاستوبول، التي تحتلها روسيا في شبه جزيرة القرم، تعرض أيضاً لهجوم السبت.

وفي سياق متصل، أعلنت السلطات في منطقة كراسنودار جنوب روسيا، السبت، إخماد حريق اندلع في مستودع نفطي في تيخوريتسك، وآخر في محطة نفطية بميناء توابسي على البحر الأسود، بعد أن كانا قد اشتعلا منذ يوم الخميس. وأكدت السلطات أن الحريقين ناتجان عن غارات بطائرات مسيّرة أوكرانية.

من جانبها، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها دمّرت 258 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال الليل فوق 16 منطقة روسية، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها موسكو، فضلاً عن البحرين الأسود وأزوف.

ردود فعل أسرى حرب روس عقب عملية تبادل أسرى ووصولهم إلى قاعدة «جوكوفسكي» العسكرية خارج موسكو (إ.ب.أ)

في المقابل، ذكر مسؤولون أوكرانيون أن الهجمات الروسية ​التي وقعت خلال الليل ألحقت أضراراً بالبنية التحتية لميناء في منطقة أوديسا الجنوبية بأوكرانيا، ‌وتسببت في ‌انقطاع ​التيار الكهربائي ‌عن ⁠380 ​ألف مستهلك ⁠في شمال البلاد. وقال أوليج كيبر، حاكم منطقة أوديسا على تطبيق ⁠«تلغرام» إن طائرات مسيّرة ‌ألحقت ‌أضراراً بمستودعات ​زراعية ‌ومخازن ومبانٍ ‌إدارية. وأضاف أنه لم تقع إصابات. وذكرت الشركة المحلية المسؤولة عن ‌توزيع الكهرباء في منطقة تشيرنيهيف على تطبيق ⁠«تلغرام» ⁠أن القوات الروسية استهدفت أيضاً منشأة للطاقة في المنطقة الواقعة بشمال أوكرانيا.

وأضاف مسؤولون أوكرانيون، السبت، أن شخصاً قُتل وأصيب 12 آخرون في هجمات روسية وقعت ليل الجمعة-السبت عبر أوكرانيا. وقال القائد المحلي في مدينة ميكوليفكا، فاديم فيلاشكين، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي إن شخصاً قُتل في غارة على المدينة الواقعة بمنطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا. كما أصيب 26 شخصاً على الأقل في هجمات عبر شمال وشرق أوكرانيا، بما في ذلك قصف استهدف البنية التحتية للموانئ في مدينة أوديسا.

الحدود البيلاروسية البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

من جانب آخر، حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أنه عليها أن تعتبر بما حل بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا، أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك؛ حيث لا يزالان محتجزين حتى الآن، ويواجهان تهماً من بينها التآمر لتهريب المخدرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت توسيع بيلاروسيا شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا. ولم يُقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

وكانت روسيا قد استخدمت أيضاً الأراضي البيلاروسية منطلقاً لغزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلّف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقتل 5 أشخاص على الأقل بعدما فتح مسلّح النار واتّخذ رهائن في متجر بكييف، في حين أكدت السلطات مقتل المشتبه به في أثناء محاولة توقيفه.

وجاء في منشور للرئيس الأوكراني على منصة «إكس»: «حالياً، تأكّد مقتل 5 أشخاص. تعازيّ للعائلات والأحباء. هناك حالياً 10 أشخاص يُعالَجون في المستشفى لإصابتهم بجروح وصدمات»، لافتاً إلى «إنقاذ أربعة رهائن».

وسبق ذلك إعلان وزير الداخلية إيغور كليمنكو أن المشتبه به قُتِل بعدما «اتخذ الناس رهائن وأطلق النار على عناصر الشرطة في أثناء محاولة توقيفه».


تركيا: انسحاب أميركا من البنية الأمنية الأوروبية قد يكون مدمراً

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)
TT

تركيا: انسحاب أميركا من البنية الأمنية الأوروبية قد يكون مدمراً

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب)

قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اليوم السبت، إن المناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار انسحاب محتمل للولايات المتحدة من «البنية الأمنية الأوروبية»، أو التخفيف من تلك الآثار.

ولم يقدم أي تفاصيل عن هذه المناقشات، لكنه قال إن مثل هذا الانسحاب من جانب الولايات المتحدة قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا تم تنفيذه بطريقة غير منسقة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في التحالف العسكري الغربي إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدى قرارهم هذا إلى تفاقم الخلافات داخل التكتل، والتي كانت قد ازدادت بالفعل منذ أن أعلن ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وقال فيدان في جلسة نقاشية خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا بجنوب تركيا: «نناقش بشكل مكثف كيفية إدارة آثار انسحاب الولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية أو التخفيف من تلك الآثار. ليس بشكل كامل، ولكن جزئياً. حتى الانسحاب الجزئي... سيكون مدمراً للغاية لأوروبا إذا لم يتم تنفيذه بطريقة منسقة».

وقال فيدان، الذي تنتمي بلاده إلى حلف شمال الأطلسي، لكنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، إنه كان يعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأوروبي في الحلف «تتصرف وكأنها ناد منفصل»، وإنها كانت تتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف.

وأضاف: «هل تريدون أن تكونوا منظمة منفصلة تابعة للاتحاد الأوروبي داخل حلف الأطلسي؟ حسناً، قالت أميركا: (سأتخلى عنكم وسأقطع علاقاتي بكم)».

ودعا فيدان أعضاء الحلف، هذا الأسبوع، إلى استغلال قمة حلف شمال الأطلسي التي ستعقد في أنقرة في يوليو (تموز) بوصفها فرصة لإعادة ضبط العلاقات مع ترمب وواشنطن، مع الاستعداد لاحتمال تقليص انخراط الولايات المتحدة.