النخبة الروسية تعتقد أن تهديدات موسكو النووية المتكررة أصبحت لا تخيف أحداً... لكن بايدن يعدّها «حقيقية»

من وجهة نظر بعض المحللين الغربيين فإن نهج بوتين ينتقص من مصداقية «خطوط حمراء» رسمها مرات عدة ولم ينفذها

موسكو وواشنطن لا يمكنهما نشر أكثر من 1550 رأساً نووياً استراتيجياً (رويترز)
موسكو وواشنطن لا يمكنهما نشر أكثر من 1550 رأساً نووياً استراتيجياً (رويترز)
TT

النخبة الروسية تعتقد أن تهديدات موسكو النووية المتكررة أصبحت لا تخيف أحداً... لكن بايدن يعدّها «حقيقية»

موسكو وواشنطن لا يمكنهما نشر أكثر من 1550 رأساً نووياً استراتيجياً (رويترز)
موسكو وواشنطن لا يمكنهما نشر أكثر من 1550 رأساً نووياً استراتيجياً (رويترز)

مع تكرار القصف الأوكراني لمناطق جنوب غرب روسيا ووصول طائراتها المسيرة المسلحة إلى العاصمة الروسية نفسها، يتزايد القلق بين صفوف النخبة السياسية الروسية من تآكل قدرة بلادهم كقوة عظمى على تهديد العالم باستخدام ترسانتها النووية، إلى درجة جعلت أعداءها يتجاهلون هذه التهديدات.

لكن قال الرئيس الأمريكي جو بايدن: إن تهديد نظيره الروسي فلاديمير بوتين باستخدام أسلحة نووية تكتيكية «حقيقي»، وذلك بعد أيام من تنديده بنشر روسيا مثل هذه الأسلحة في بيلاروسيا. ووصف بايدن إعلان بوتين أن روسيا نشرت أول أسلحتها النووية التكتيكية في روسيا البيضاء، بأنه «تصرف غير مسؤول تماماً».

وقال بايدن في كاليفورنيا: «عندما كنت هنا قبل نحو عامين قلت إنني قلق من جفاف نهر كولورادو، نظر إلي الجميع وكأنني مجنون». وأضاف: «ونظروا إليّ النظرة نفسها عندما قلت إنني قلق بشأن استخدام بوتين أسلحة نووية تكتيكية. هذا حقيقي».

وكان رئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو قال الأسبوع الماضي: إن بلاده بدأت تسلُّم الأسلحة النووية التكتيكية الروسية، والتي قال: إن بعضها أقوى ثلاث مرات من القنابل الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما وناجازاكي في 1945.

وهذه هي المرة الأولى التي تحرك فيها روسيا مثل هذا العتاد - وهو أسلحة نووية أقصر مدى وأقل قوة يمكن استخدامها في ساحة المعركة - خارج حدودها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. وتراقب الولايات المتحدة وحلفاؤها وكذلك الصين نشر القوات الروسية هذه الأسلحة من كثب، وحذّروا مراراً من استخدام الأسلحة النووية في حرب أوكرانيا.

يقول سيرجي كاراجانوف، الرئيس الفخري لمجلس سياسات الدفاع والخارجية الروسي، في مجلة «بروفيل» الأسبوعية الروسية: «يجب استعادة الخوف من التصعيد النووي». ويقول الصحافي والكاتب والناشر الروسي ليونيد دافيدوفيتش برشيدسكي، في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء: إن كاراجانوف كان يعدّ قبل بدء الحرب الروسية ضد أوكرانيا أحد الأصوات الذكية في دوائر الحكم الروسية، لكنه ليس الأول الذي انزلق إلى هذه الحالة الهستيرية منذ بدء غزو أوكرانيا من بين المفكرين السياسيين الروس الذين كانوا يحظون بالاحترام في وقت من الأوقات.

بوتين مع حليفه رئيس بيلاروسيا لوكاشينكو الذي وقّع مع موسكو اتفاقية نقل أسلحة نووية روسية تكتيكية إلى بلاده (إ.ب.أ)

ففي سبتمبر (أيلول) 2022 قال فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة «غلوبال بوليتيكس» الروسية، وديمتري ترينين، المدير السابق لمركز «كارنيغي موسكو» للأبحاث: إن الغرب يبدو أنه لم يعد يخشى من قوة الردع النووي لروسيا، وتحدثا عن كيفية استعادة هذا الخوف وكيفية إقناع الأمريكيين بأن بلادهم يمكن أن تكون هدفاً لهجمات نووية روسية.

ولكن مقال كاراجانوف ذهب إلى أبعد من ذلك وقال: إنه إذا تجاهل الغرب تحذيرات روسيا المتزايدة الخطورة، مثل دعوة علنية لجميع الروس و«ذوي النوايا الطيبة» لمغادرة مناطق معينة في الدول الغربية، فإنه يمكن لروسيا أن تقصف مجموعة من الأهداف في عدد من الدول. وهذا خيار مروع من الناحية الأخلاقية، فهو يقول «نحن نستخدم أسلحة الرب، ونحكم على أنفسنا بأضرار روحية جسيمة. لكن إذا لم نفعل ذلك، فقد تموت روسيا، وعلاوة على ذلك، يمكن أن تنتهي الحضارة الإنسانية».

وفي منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي في الأسبوع الماضي، وعندما حاول مدير الجلسة النقاشية الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكي يتحدث عن تصوره لاستخدام الأسلحة النووية، حاول بوتين تجنب الأسئلة، وعلق على ذلك بقوله: «ما الذي يحاول الحصول عليه مني أو إجباري على قوله؟ هل يريد إخافة العالم كله؟ لكن لماذا نريد إخافة العالم؟».

كانت رسالة تصريحات بوتين في المنتدى هي أن هدف الأسلحة النووية هو التصدي للمخاطر الوجودية، وروسيا لا تواجه هذه المخاطر في هذه اللحظة. كما أعلن أيضاً عن نشر «أول شحنات نووية» في بيلاروس مع اعتزامه إرسال المزيد منها.

أول غواصة نووية روسية بنيت عام 1957 خلال عرضها هذا الأسبوع في المتحف البحري في سانت بطرسبرغ (أ.ب)

ويقول برشيدسكي، الكاتب في قسم الرأي في وكالة «بلومبرغ»: إن هذه الإشارات المتباينة من جانب بوتين ربما تستهدف إحياء مخاوف عصر الحرب الباردة. وقبل بدء غزو أوكرانيا في أواخر فبراير (شباط) من العام الماضي، كان الهدف من هذه المخاوف هو منع الغرب من مساعدة أوكرانيا عسكرياً، لكي تحتفظ روسيا بتفوقها في أرض المعركة. وقبل موافقة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب على إرسال الصواريخ المضادة للدبابات جافلين إلى أوكرانيا، أشار الكرملين إلى أنه سيعدّ هذه الخطوة تصعيدية، ولكن بعد بدء الغزو تم استخدام هذه الصواريخ لمنع وصول المدرعات الروسية إلى العاصمة الأوكرانية كييف، ومناطق شمال أوكرانيا والتي كانت خطاً أحمر سرعان ما تم نسيانه.

مقاتلات روسية من طراز «ميغ - 31» محمّلة بصواريخ تحمل رؤوساً نووية (أ.ب)

وتم تجاوز الخط الأحمر التالي عندما زودت أمريكا روسيا بمنصات إطلاق صواريخ «هيمارس» لمواجهة تفوق روسيا في المدفعية متوسطة المدى. ثم تم تجاوز خط آخر عندما سلم حلف شمال الأطلسي (ناتو) دبابات وعربات مدرعة أخرى لأوكرانيا.

في الوقت نفسه، ما زالت القدرات النيرانية طويلة المدى نقطة تفوق لروسيا، حيث تستطيع الصواريخ الروسية الوصول إلى أي مكان في أوكرانيا، كما أثبتت المروحيات الروسية طراز «كا 52» (التمساح) بشكل خاص قدرة كبيرة في التصدي للهجوم الأوكراني المضاد الحالي، في حين تلحق الطائرات الروسية المقاتلة خسائر كبيرة بأوكرانيا باستخدام القنابل والصواريخ الموجهة.

ويضيف برشيدسكي أن بوتين يواصل لعب دور الضحية ويشكو من أن الغرب خدعه عام 2015 عندما توسط في اتفاقات مينسك التي لم يتم تنفيذها لتنظيم العلاقات بين أوكرانيا وروسيا.

وفي لقائه مع وفد قادة أفريقيا للسلام في الأسبوع الماضي، نسج الرئيس الروسي قصة جديدة عن الازدواجية، وقال: إن الأوكرانيين وافقوا في مارس (آذار) 2022 على اتفاق سلام كان سيعزز الحياد العسكري لأوكرانيا، لكنهم تراجعوا عنه استجابة لرغبة الدول الغربية، بعد أن سحبت روسيا قواتها من محيط كييف كبادرة حسن نية.

فحتى إذا كانت هذه القصة حقيقية، فإنها تعكس فقط سوء تقديره. فالروس يتحدثون طوال الوقت عن المظالم، لكنهم لا يضعون خطوطاً حمراء محددة. ومن وجهة نظر بعض المحللين الغربيين، فإن نهج بوتين ينتقص من مصداقية التهديدات النووية الروسية.

ويقول لورين سوكين، من مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية في تحليل استند إلى دراسة التهديدات النووية لكوريا الشمالية: «دراستي تقول إن التهديدات تصبح ذات مصداقية عالية عندما ترتبط بشروط محددة مثل تصرفات معينة على الأرض في الحرب الروسية الأوكرانية».

جانب من عرض عسكري روسي لأسلحة تحمل رؤوساً نووية في ذكرى الانتصار على النازية (رويترز)

بمعنى آخر، فإنه لكي يتم أخذ التهديدات بجدية يجب أن ترتبط بخط أحمر محدد بأقصى صورة ممكنة. ورغم ذلك، فهناك جانب سلبي عند وضع خط أحمر محدد من جانب الكرملين. فإذا قال بوضوح: إن إرسال نوع معين من الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا سيدفع موسكو لاستخدام السلاح النووي، فإن مدرسة الفكر التحليلي في الغرب التي تعتقد أن روسيا لن تستخدم السلاح النووي يمكن أن تكون لها الغلبة.

لكن بوتين يحرص على استمرار غموض رسالته بشأن إمكانية استخدام السلاح النووي. في المقابل هناك الكثيرون من المعلقين مثل كاراجانوف الذين يظهرون على شاشة التلفزيون الرسمي الروسي، الذين يهددون بانتظام بتحويل واشنطن إلى كومة من الرماد النووي. هؤلاء المتحدثون والكتاب متعددو اللغات يتم استخدامهم دائماً لإرسال الرسائل إلى الغرب في ظل انقطاع خطوط الاتصالات الدبلوماسية تقريباً. كما أنهم يمثلون واحدة من قنوات اتصال قليلة متبقية لتوجيه رسائل أعنف من رسائل بوتين.

أخيراً، فإنه على كل من أوكرانيا والغرب التعامل مع العقيدة النووية الروسية بظاهرها، وهي أن روسيا لن تستخدم سلاحها النووي إلا إذا واجهت تهديداً وجودياً، مثل الغزو الشامل، أو الاستيلاء على أراضيها المعترف بها دولياً. وبغض النظر عما يقوله الكرملين أو أفراد النخبة الروسية، فإن جهود أوكرانيا لتحرير الأراضي التي احتلتها روسيا في بداية الغزو لا تمثل تهديداً وجودياً لا لروسيا ولا لبوتين نفسه.


مقالات ذات صلة

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوروبا أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
أوروبا جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

وصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم الأوكراني بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»

«الشرق الأوسط» (كييف) «الشرق الأوسط» (موسكو) «الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رجل يسير بموقع انفجار مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيّرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا بغالاتي الرومانية في مايو الماضي (رويترز)

مقاتلة تابعة لـ«الناتو» تُسقط مسيّرة اخترقت أجواء رومانيا

أعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن طياراً إسبانياً يقود مقاتلة «إف-18» في مهمة حراسة جوية تابعة لحلف «ناتو» في رومانيا، أسقط طائرة مسيّرة انتهكت المجال الجوي.

«الشرق الأوسط» (بوخارست )
آسيا بوتين يصافح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال لقاء عام 2019 (أ.ب)

زعيم كوريا الشمالية يتوقع «مستقبلاً أكثر تميزاً» للعلاقات مع روسيا

أبلغ زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه «فخور» بالعلاقات القوية التي تجمع بين بلديهما، وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا امرأة تتحدث عبر الهاتف في موقع غارة روسية بكييف (أ.ف.ب) p-circle 00:40

ضربات على كييف ومسقط رأس زيلينسكي... و600 مسيّرة تستهدف موسكو

دوت انفجارات في العاصمة الأوكرانية، كييف، في وقت مبكِّر الأحد جراء هجوم روسي بصواريخ بالستية أسفر، بحسب السلطات، عن إصابة شخص واحد على الأقل.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
TT

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقال رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، إن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 منها، فيما وصف حاكم المنطقة أندريه فوروبيوف الهجوم بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة».

وعلى الجانب الآخر، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجدداً، عبر منصة «تلغرام»، حلفاء بلاده بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وأوضح: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».


إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

كشفت تركيا، الأحد، عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها، وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات، أو البدء بمفاوضات تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995، وتخفيف القيود المفروضة على حصول مواطنيها على تأشيرة الدخول لدول الاتحاد (شنغن).

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن الاتحاد الأوروبي «لا يبدو راغباً في قبول تركيا عضواً فيه»، عادّاً «أن أوروبا ستكون هي الخاسر الأكبر».

ولطالما أكدت تركيا أن انضمامها إلى عضوية الاتحاد تُشكل «هدفاً استراتيجياً»، لكن إردوغان، قال في مقابلة تلفزيونية نقلت وسائل إعلام تركيا بعضاً منها، الأحد، إن «عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية بالنسبة لأنقرة»، متهماً قادة أوروبا «بالافتقار إلى الإرادة السياسية لقبول تركيا في عضوية الاتحاد». وأضاف: «أوروبا ستخسر في نهاية المطاف أكثر من تركيا إذا استمرت جهود الانضمام متعثرة».

مسيرة طويلة متعثرة

واعترف الاتحاد الأوروبي بتركيا بصفتها دولة مرشحة للعضوية في عام 1999 بعد عقود من طلبها الحصول على العضوية، وبدأ مفاوضاته معها عام 2004، وتم فتح 12 فصلاً من أصل 35 فصلاً تتضمن معايير على تركيا الالتزام بها وتنفيذها لتكون مؤهلة للانضمام، لكن المفاوضات جمّدت تماماً منذ عام 2016، إثر هجوم من إردوغان على الاتحاد لعدم دعم بلاده في مواجهة محاولة انقلاب فاشلة على حكمه وقعت في 15 يوليو (تموز) من ذلك العام.

بعض تصريحات إردوغان الناقدة للاتحاد الأوروبي تسببت في موقف متعنت تجاه عضوية تركيا (الرئاسة التركية)

وتسببت التصريحات الحادة، في كثير من المناسبات، ولا سيما في الفترات التي شهدت فيها تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية، في تعنت من جانب الاتحاد في استئناف المفاوضات، بذريعة «ابتعاد تركيا عن معايير الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير، بسبب التوسع في اعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين لإردوغان».

وفتحت «وثيقة التفاهم المشترك» الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في منتصف يوليو الماضي، فصلاً جديداً للتوتر مع تركيا بعدما تجاهلت وضعها بصفتها دولة مرشحة للانضمام.

ووصفت تركيا الوثيقة، بأنها تفتقد «الموضوعية والإنصاف»، وتبرهن، مجدداً، على انعدام الرؤية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي تجاه المستقبل المشترك، لا سيما وأنها صيغت بعد أيام من قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، التي أكدت الدور الذي لا غنى عنه لتركيا في أمن أوروبا.

وقالت أنقرة إن «الوثيقة أوردت ادعاءات بشأن شرق البحر المتوسط لا أساس لها من الصحة، وتدل على أن الاتحاد الأوروبي ما زال أسير فهم متحيز ومشوَّه للأحداث».

موقف أوروبي صارم

وجاءت الوثيقة التركية بعد أيام قليلة من قرار للبرلمان الأوروبي، صدر في 8 يوليو، عدَّ فيه تدخل تركيا في شمال قبرص عام 1974 «غزواً»، متهماً جيشها «بارتكاب فظائع بحق القبارصة اليونانيين».

البرلمان الأوروبي صدم تركيا مجدداً في تقريره حول التقدم بمفاوضات عضويتها بالاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

و تأتي هذه التطورات، على الرغم من جهود دبلوماسية تركية على مدى العامين الماضيين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عبر لقاءات على مستوى رفيع.

والتقى إردوغان، على هامش قمة حلف «ناتو» في أنقرة التي عقدت يومي 7 و8 يوليو، رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس مجلس أوروبا، أنطونيو كوستا، لبحث العلاقات بين تركيا وأوروبا.

محادثات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد الوزارة مع وفد الاتحاد الأوروبي في 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

كما استضافت أنقرة، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وفداً رفيع المستوى من «الاتحاد الأوروبي» ضم: الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ومفوضة التوسيع، مارتا كوس، ومفوض الشؤون الداخلية، ماغنوس برونر، في زيارة نادرة، جاءت عقب موافقة البرلمان الأوروبي على تقرير أعده المقرر الخاص بتركيا، النائب الإسباني ناتشو آمور سانشيز، أكد أنه «لا يمكن استئناف المفاوضات مع تركيا في ظل الوضع الراهن الذي يشهد تآكلاً خطيراً ومستمراً لسيادة القانون مع التضييق على المعارضة، فضلاً عن الأزمات التي تدخل فيها تركيا مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان وقبرص».

استمرار التعاون بعيداً عن العضوية

وأجرى الوفد محادثات مع وزير الخارجية، هاكان فيدان، وعدد من مسؤولي الوزارة. وأكد الجانبان، في بيان مشترك، الأهمية الاستراتيجية للعلاقات التركية - الأوروبية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والاقتصادي، وشددا على «ضرورة العمل معاً في مواجهة التحديات الجيوسياسية، وعلى أهمية التعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والرقمنة في سياق أجندة الربط الإقليمي».

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن عضوية «الاتحاد الأوروبي» لا تزال«هدفاً استراتيجياً» لتركيا، وإنها على استعداد لتطوير العلاقات مع «الاتحاد الأوروبي» على هذا الأساس. وأضافت: «نتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يعزز علاقاته بتركيا على أساس معايير موضوعية وجدارة، دون تمييز».

فيدان خلال استقباله وفد الاتحاد الأوروبي بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

وبدا أن المباحثات لم تركز بشكل كبير على استئناف مفاوضات انضمام تركيا إلى «الاتحاد الأوروبي» المجمدة.

وخلال اجتماع الجمعية العمومية لـ«المفوضية الأوروبية»، الذي عُقد بمقرها في بروكسل في يونيو، أكد «الاتحاد الأوروبي» مجدداً على «انتهاكات سيادة القانون والديمقراطية في تركيا».

وتطرق البيان الصادر في ختام زيارة الوفد الأوروبي إلى مسألة التوسع، موضحاً أن «الاتحاد الأوروبي» أكد «ضرورة تعزيز سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان معايير ديمقراطية رفيعة في تركيا من أجل استئناف المفاوضات».


تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
TT

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص الأحد، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل 3 أشخاص وإصابة أكثر من 12 في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقُتل 3 أشخاص في مدينة روستوف الروسية، فيما أسقطت مقاتلة إسبانية تابعة لحلف شمال الأطلسي طائرة مسيّرة توغلت داخل الأراضي الرومانية. وهي المرة الثانية في يومين التي يصل فيها النزاع بين موسكو وكييف إلى شرق أوروبا.

من أضرار القصف الروسي الذي أصاب مبنى سكنياً في كييف (إ.ب.أ)

وأعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلة إسبانية تقوم بمهمة في رومانيا في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أسقطت مسيّرة خرقت المجال الجوي الروماني قرب الحدود مع أوكرانيا ومولدافيا. وأوضحت في بيان، أن اعتراض المسيّرة الآتية من مولدافيا تم بواسطة طائرتي «إف-18» أميركيتي الصنع.

كذلك، أكد وزير الدفاع الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عبر منصة «إكس»، أن سلاح الجو الإسباني أظهر «احترافاً استثنائياً في الدفاع عن المجال الجوي الأوروبي». وأوضح أنه أجرى محادثات مع وزيرة الدفاع الرومانية أوانا تويو التي شكرت الطيّارين.

وأعلنت القيادة الجوية للحلف الأطلسي عبر «إكس»، أن عملية الاعتراض «جرت بواسطة طائرتي (إف-18) تابعتين لقوة إسبانية متمركزة في رومانيا، وتضم نحو 200 عسكري و11 طائرة».

وباتت رومانيا البالغ عدد سكانها 19 مليون نسمة، من دول حلف الأطلسي الأكثر عرضة لتبعات الحرب في أوكرانيا؛ فواجهتها الشرقية المطلة على البحر الأسود، قريبة من مناطق أوكرانية غالباً ما تستهدفها الضربات الروسية.

وأعلنت السلطات الرومانية مراراً منذ 2023، العثور على حطام مسيّرات بعد هجمات على الموانئ الأوكرانية على نهر الدانوب.

عمال إطفاء في موقع أصيب بالقصف الروسي للعاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)

وفي نهاية يوليو (تموز)، أسقطت رومانيا مسيّرة على مسافة نحو 100 كلم من العاصمة بوخارست، وذلك للمرة الأولى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. كما تعرضت بولندا ودول البلطيق الواقعة على الخاصرة الشرقية للحلف الأطلسي مراراً لتوغل مسيرات في مجالها الجوي. وأعلن الحلف الأطلسي يوم الجمعة الماضي، أن مقاتلات إيطالية أسقطت مسيرة دخلت أجواء لاتفيا.

المسيرات

إلى ذلك، أورد رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين، أن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة، ما استدعى إصدار سلسلة من التحديثات عن تطور الأوضاع لساعات عدة.

واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو موسكو، وأُسقط نحو 200 منها في المنطقة، بحسب ما أفاد على منصة «ماكس» المدعومة من الدولة.

ووصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم، بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»، لافتاً إلى إصابة 6 أشخاص في المنطقة.

وأضاف: «في بودولسك، تسبب قصف بمسيرة في اندلاع حريق في مستودع تابع لشركة (وايلدبيريز) بمجمع كوليدينو الصناعي».

وكثفت أوكرانيا في الآونة الأخيرة استهدافها لمستودعات «وايلدبيريز»، وهي شركة بيع بالتجزئة عبر الإنترنت، قائلة إنها ترد بذلك على قصف موسكو للمدن والبنى التحتية الأوكرانية... ومنذ منتصف يوليو، قصفت أوكرانيا نحو 20 مستودعاً ومبنى تابعاً للشركة المذكورة.

حريق في مستودع شركة «وايلدبيريز» في «مجمع كوليدينو الصناعي» الروسي نتيجة القصف الأوكراني (رويترز)

ومن جانبه، قال يوري سليوسار، حاكم منطقة روستوف الواقعة جنوب غربي روسيا، إن 5 أشخاص لقوا حتفهم في المنطقة، حيث تعرضت 3 بلدات لهجمات. كما قُتل رجل (83 عاماً) بعد أن أصابت طائرة مسيّرة أوكرانية منزلاً خاصاً في منطقة موسكو.

وعلى الجانب الآخر، أسفر قصف صاروخي روسي عن مقتل شخصين في منطقة زابوريجيا الأوكرانية، مع سقوط قتيل ثالث في كريفي ريغ، مسقط الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وأُصيب أكثر من 20 شخصاً في كييف وبروفاري وكريفي ريغ وأوديسا ودنيبتروفسك.

وقال رئيس مجلس الدفاع المحلي أولكسندر فيلكول عبر منصة «تلغرام»، إن القوات الروسية قصفت موقعين صناعيين في كريفي ريغ. وفي العاصمة الأوكرانية، حذرت السلطات من الغارات الجوية قبيل الساعة الثانية صباحاً، وسُمعت انفجارات عدة بعيد ذلك. وصرح رئيس البلدية فيتالي كليتشكو، بأن كييف «تتعرض لهجوم صاروخي باليستي»، وحض السكان على البقاء في الملاجئ. وأدت الغارات إلى اندلاع حرائق في منطقتي أوبولونسكي وهولوسيفسكي بالعاصمة.

كذلك، أفاد مسؤولون محليون بتعرض مدينة كريمينشوك في منطقة بولتافا بوسط البلاد لهجوم، من دون تقديم تفاصيل عن الأضرار أو الخسائر البشرية.

وتواصل روسيا بشكل شبه يومي، شنّ ضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة على الأراضي الأوكرانية، منذ بدء غزوها مطلع عام 2022، فيما سبق أن أوضح الرئيس زيلينسكي أن الهجمات الأوكرانية المتزايدة في عمق الأراضي الروسية، والتي تستهدف مصافي النفط والمستودعات، «تهدف إلى تقويض اقتصاد الحرب الروسي».

وكتب الأحد، عبر تطبيق «تلغرام»، أن «أفراد الطوارئ يقومون بعملهم في مواقع الهجمات الروسية»، وأنه تم إخماد الحرائق سريعاً في كييف، حيث كانت سوق للكتب من ضمن المواقع التي تم استهدافها.

سيدة تحمل ما تيسر من سوق للكتب في كييف أصيبت بالقصف الروسي (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي: «حيثما تصل الصواريخ الروسية، فهي تهاجم بنية تحتية مدنية»، محذراً من موجة أخرى من الهجمات. وأوضح أن روسيا أطلقت أكثر من 1550 طائرة مسيرة ونحو 1560 قنبلة و62 صاروخاً على أوكرانيا هذا الأسبوع. وطالب مجدداً، حلفاء أوكرانيا بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وكتب زيلينسكي: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».