ليس صحيحاً ما يشاع عن سيلفيو برلسكوني بأنه كان مخادعاً. فالإيطاليون الذين، منذ ولادتهم يصعدون على خشبة أقدم المسارح وأجملها في العالم، أدركوا منذ اليوم الأول أن ذلك الرجل الذي ينتعل حذاءً عالياً ليزيد من طوله، ويحرص على اسمرار بشرته طوال العام ويفاخر بغرامياته، ليس سياسياً، بل هو كوميدي يتحضّر ليمثّل أمامهم بعض فصول الملهاة الإيطالية. تلك الملهاة التي اختصرها الكاتب آندريا كاميلّيري بقوله: «الإيطاليون يتماهون في شخصيته، وعندما يرون أن القضاء يلاحقه باستمرار ويعجز عن إدانته بسبب تقادم الجناية أو لأن القوانين تغيّرت لمصلحته، يقولون: ما أفطنه! أريد أن أكون مثله».

الدخول إلى المسرحية التي عرضها برلسكوني على الإيطاليين كان في متناول الجميع: مضاعفة الثروة على وقع صعود سلّم السلطة، وتبرير كل التجاوزات القانونية والأخلاقية باللجوء إلى السلاح الاستعراضي الذي يهندمها بالصيغة المستساغة في مجتمع كان قد سئم المعادلات البالية والزعامات التي نادراً ما تخرج من أبراجها العاجية.
لكن مرّت سنوات طويلة قبل أن يدرك الإيطاليون، وبعض الأوروبيين أيضاً، أن تكلفة سداد تلك الفاتورة أصبحت باهظة بعد أن تحولّت بذرة الشعبوية التي زرعها بوقاحة موصوفة على مرأى الجميع، إلى آفة اجتاحت المشهد السياسي من أقصاه إلى أقصاه من غير أن يعرف لها علاج حتى الآن.
ثمّة محطة كاشفة لا ينبغي نسيانها في سيرة برلسكوني العاصفة، وهي ما حدث ليلة الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011 عندما قدّم «الفارس» استقالته من رئاسة الحكومة. يومها لم يخسر برلسكوني الأغلبية التي كانت تدعمه في البرلمان، ولم يقع في قبضة القضاء الذي كان يلاحقه في عشرات القضايا. لكنه وجد نفسه مضطراً للإقدام على تلك الخطوة بعد أن طلب الاتحاد الأوروبي رأسه من رئيس الجمهورية مقابل إنقاذ إيطاليا من الإفلاس الذي كانت سياسات برلسكوني قد أوصلتها إليه. الإفلاس الذي كان أيضاً يهدد مصالحه الشخصية الضخمة التي كانت دائماً المحور الأساسي لاهتماماته في السلطة. وقد استطاع يومها أن يجعل تلك الهزيمة تبدو لفتة نبيلة من لدن الممثل الذي قرّر أن يتقمّص في شخصية رجل الدولة بعد أن تنكّر سنوات في زي المهرّج.

تلك الليلة المشهودة في التاريخ الإيطالي الحديث قبل برلسكوني أن يتنحّى ليفسح المجال أمام حكومة تكنوقراط إنقاذية، لكنه لم يتأخر في تجاوز تلك الانتكاسة ويقول لأنصاره: «لا تقلقوا، نحن قادرون على قطع أنفاس هذه الحكومة عندما نشاء». الرسالة يومها، كما اليوم، كانت واضحة: السياسة بمعناها الأسمى والنبيل ما زالت عاجزة عن دك أسوار المشروع الشعبوي الذي أرسى برلسكوني دعائمه لينتشر بعد ذلك كالنار في هشيم المشهد السياسي الأوروبي، والغربي، ويطلق صفارات الإنذار في أكثر من اتجاه.
عندما أدرك برلسكوني أنه فقد حظوظه في العودة إلى رئاسة الحكومة، حرص على تلميع صورته كرجل دولة عابر للأحزاب، وراح يخطط للوصول إلى رئاسة الجمهورية. وعندما أيقن أن المنصب ليس في متناوله، حاول أن يصل إلى رئاسة مجلس الشيوخ الذي كان فقد فيه عضويته بسبب حكم ثابت صادر بحقه، لكن خذله حلفاؤه وفضّلوا عليه أحد معاونيه السابقين.
قفز برلسكوني فوق جميع الحواجز، وتجاهل الطقوس السياسية والمؤسسية الراسخة، ولم يتردد يوماً في وضع يده على كل ما كان يخدم مصالحه ومطامعه ضارباً عرض الحائط بكل الضوابط والمعايير الأخلاقية، وغير مكترث لما ينشأ عن ذلك من أضرار على الدولة والنظام.
كان مسكوناً بالسعي إلى الخلود في كل ما أقدم عليه في حياته، وبخاصة في عبادة الذات التي كانت المزيّة الأساسية في شخصيته.

وذات ليلة خلال العشاء الذي جمعه في روما بالزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي قبل سقوطه بأسابيع، لم يتوقّف طوال ساعات عن سرد مآثره الشخصية ومغامراته العاطفية أمام اندهاش الحاضرين وذهولهم.
صفحة مديدة من تاريخ إيطاليا يطويها رحيل برلسكوني الذي يتزامن مع أفول مشروعه السياسي، لكن مسرحيته تتوّج اليوم في مأتم دولة ترأسه التي كانت أشطر تلامذته قبل أن تصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ إيطاليا.
مات المهرّج، لكن المسرحية مستمرّة.



