هجوم المسيرات على موسكو يفتح أبواب توسيع نطاق الحرب

تغييرات في خطط الكرملين واستعداد لمواجهة محاولات فرض «توازن الرعب»

TT

هجوم المسيرات على موسكو يفتح أبواب توسيع نطاق الحرب

جانب من الدمار جراء الهجوم الروسي بالمسيّرات على كييف فجر اليوم (رويترز)
جانب من الدمار جراء الهجوم الروسي بالمسيّرات على كييف فجر اليوم (رويترز)

لم يطل انتظار رد الفعل الأولي للكرملين، بعد هجوم المسيرات الذي استهدف العاصمة الروسية في وقت مبكر من صباح اليوم (الثلاثاء). على الفور تم إبلاغ الرئيس فلاديمير بوتين بالتطور، الذي ربطه الديوان الرئاسي مباشرة بالضربات الروسية المركزة التي استهدفت خلال الأيام الأخيرة مطارات ومنشآت البنى التحتية في العاصمة الأوكرانية. والأهم من ذلك أنها تعمدت للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب استهداف مراكز صنع القرار في أوكرانيا.

لم يعد هذا الربط مجرد تكهنات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدثت عن تحول مهم في المعركة ينذر بتوسيع استهداف العمق الروسي من جانب القوات الأوكرانية. وهو أمر أشار إليه بوضوح الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف عندما قال إن «هجوم الطائرات المسيرة على موسكو وضواحيها هو رد فعل نظام كييف على الضربات الفعالة للاتحاد الروسي منذ يوم الأحد».

وأوضح بيسكوف أن إحدى الضربات الروسية «استهدفت مباشرة أحد أهم مراكز صناعة القرار في العاصمة الأوكرانية». وزاد بأن «ظهور الطائرات من دون طيار في موسكو هو هجوم مباشر من قبل نظام كييف، يجب فهم ذلك»، هذه العبارة تعني تمسك الكرملين بروايته حول أن الهجمات في العمق الروسي ليست من صناعة فيالق روسية معارضة أو منشقة. بل يتم تنسيقها وتنفيذها من جانب الأجهزة الأوكرانية وبرعاية الغرب.

لكن اللافت أكثر في ردود الفعل الروسية الأولى على هجوم المسيرات الذي أصاب مباني سكنية بأضرار طفيفة وفقا للرواية الرسمية، تمثل في تعمد عدم تسريب معلومات عن أماكن انطلاق هذه المسيرات. وهو أمر له أيضا أهمية خاصة، إذ يصعب تبرير أن تكون المسيرات الأوكرانية عبرت مسافة تبلغ نحو 500 كيلومتر من المناطق الحدودية الأوكرانية إلى قلب العاصمة الروسية من دون أن توقفها المضادات الجوية الروسية. وفي هذا الشأن بدأت بعض شبكات التواصل تتحدث عن إخفاق أمني روسي كبير.

ترجح تعليقات خبراء أن تكون الهجمات شنت من داخل الأراضي الروسية وبتنسيق مع عملاء لأوكرانيا، وهي رواية إن صحت ستكون لها تداعيات خطرة، فهي أولا تهدم القناعة التي يروج لها الكرملين بعدم وجود فيالق روسية معارضة تنشط داخل الأراضي الروسية، وثانيا تزعزع النظرية التي تؤكد التفاف الشعب الروسي بشكل كامل تقريبا حول القيادة السياسية في دعم استمرار العمليات العسكرية.

تضرر أحد الأبنية جراء الهجوم الأوكراني بالمسيّرات على موسكو فجر اليوم (رويترز)

رفض بيسكوف الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان معروفا من أين أطلقت الطائرات من دون طيار. وقال: «لا أستطيع أن أقول ذلك، هذه معلومات للمتخصصين، للجيش، للخدمات الخاصة... ليس لدي مثل هذه المعلومات». الواضح أنه، إذا كان معارضو الكرملين باتوا يمتلكون طائرات مسيرة وكميات ضخمة من المتفجرات والأسلحة التي تستهدف بشكل متزايد محطات قطارات ومنشآت نفطية ومخازن للمؤن في مناطق روسية عدة، بما في ذلك في موسكو العاصمة، فهذا يشكل تطورا سيئا للغاية بالنسبة إلى الكرملين.

من ناحية ثانية، يوحي استهداف موسكو بهذه الطريقة، بأن مجريات المواجهة آخذة في التحول أكثر نحو العمق الروسي، وفيما كانت بعض الهجمات تستهدف في أوقات سابقة مناطق وقرى حدودية فقط فإن تحليق الطائرات المسيرة فوق موسكو اليوم، وحول مدن أخرى مثل سان بطرسبورغ العاصمة الثقافية والاقتصادية لروسيا قبل أسابيع قليلة، يدل على هذا التحول بشكل مباشر.

النقطة الثالثة المهمة في سياق التطورات الجارية، أن وسائل الإعلام الروسية لم تعد تخفي أن كييف تسعى إلى تحقيق «توازن الرعب» من خلال تكثيف هجماتها على مناطق روسية، وخصوصا في هذه المرة على العاصمة موسكو. ورأت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن الهجوم على موسكو يشكل ردا أوكرانيا على تكثيف استهداف كييف ومدن أوكرانية أخرى في الأيام الماضية. ونشرت نداء وجهه عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، إلى رئيس أركان الجيش الأوكراني فاليري زالوجني، مساء الاثنين، وناشد فيه «استهداف سكان العاصمة موسكو». ووفقا للوكالة فقد دعا كليتشكو عبر برنامج تلفزيوني إلى تحقيق «توازن الرعب»، وقال إن «السؤال عن ذلك ينبغي طرحه على زالوجني... لماذا يمكن للروس أن يرعبوا العاصمة الأوكرانية بينما سكان موسكو ينعمون بالهدوء والراحة؟».

وجاء الهجوم على موسكو بعد توجيه ضربات ليلية جديدة بمسيرات روسية إلى العاصمة الأوكرانية كييف، أسفرت عن سقوط قتيل على الأقل، على ما قال رئيس بلدية المدينة فيتالي كليتشكو. وشكل الهجوم امتدادا لعمليات قصف مركزة استخدمت فيها روسيا المسيرات وقاذفات بعيدة المدى، وتواصلت الهجمات الروسية خلال الأيام الماضية على مطارات ومنشآت البنى التحتية في كييف وضواحيها وعدد من المدن الأوكرانية الأخرى.

بالتأكيد أنها ليست مجرد مصادفة أن يتزامن التصعيد في موسكو ومدن روسية أخرى مع تركيز الضربات الروسية على المدن الأوكرانية، خصوصا مع إعلان أوكرانيا الثلاثاء أنها أكملت الاستعدادات لبدء الهجوم المضاد الذي يهدف، وفقا لكييف، لتحرير المناطق التي احتلتها روسيا. وأعلن أوليكسي دانيلوف، أمين مجلس الأمن القومي والدفاع في أوكرانيا أن جيش بلاده أتم استعداده لشن الهجوم المضاد، من دون أن يحدد مواعيد. لكنه أشار إلى أنه يمكن أن يبدأ «غداً أو بعد غد أو بعد أسبوع». وقال دانيلوف: «سيكون من الغريب أن أذكر تواريخ بداية أحداث معينة. لا يمكن القيام بذلك ونحن نواجه مهمة مسؤولة للغاية بالنسبة لبلدنا ونتفهم أنه لا يمكن لنا ارتكاب أي خطأ في اتخاذ قرار بدء الهجوم، لأنه فرصة تاريخية لا يمكننا أن نخسرها».

وفي إشارة إلى التوقيت يبدو مواتيا بسبب التغييرات الميدانية الروسية قال إن «بعض قوات المرتزقة من حركة (فاغنر) العسكرية يغادرون باخموت. ويعيدون تجميع قواتهم في ثلاثة أماكن أخرى. لكن هذا لا يعني أنهم سيتوقفون عن قتالنا».

الأكيد أن هجوم موسكو دفع المواطنين الروس إلى حبس أنفاسهم وتوقع الأسوأ خلال المرحلة المقبلة، مع ترجيح أن يتسع نطاق استهداف العمق الروسي في إطار المواجهة المستمرة. لكن اللافت أن هذا الترقب لا يقتصر على المواطنين، بل يمتد أكثر وأكثر إلى أداء السلطات الروسية، وهو أمر ظهر من خلال الإعلان عن إرجاء تنظيم معرض مهم للسلاح كان سيقام على أطراف موسكو الشهر المقبل. هذا المعرض يقام سنويا في نفس التوقيت، وتجنب الكرملين تحديد سبب تأجيله من دون الإعلان عن موعد لاحق، واكتفى بإشارة إلى أن هذا السؤال ينبغي أن يوجه «إلى الجهة المنظمة». والمقصود هنا وزارة الدفاع ومجمع الصناعات العسكرية الروسية. أعاد هذا الأمر التذكير بأن الرئيس فلاديمير بوتين كان قد ألغى في وقت سابق خططه المعتادة في الانتقال مع حلول شهر مايو (أيار) إلى مقر إقامته في سوتشي، وإجراء كل فعالياته واجتماعاته الرسمية هناك. التغييرات التي تشهدها تحركات القيادة الروسية تدل إلى ترجيح أن يطول أمد المعارك وأن يتسع نطاقها أكثر. وفي هذا الإطار كان لافتا أن يعمد بوتين إلى إعلان تأسيس هيئة تتولى الإشراف على مجمع الصناعات العسكرية بهدف تنظيم عملها وتسريع عمليات إنتاج الأسلحة المطلوبة من جانب الجيش. هذا أيضا شكل مؤشرا إلى أن التوقعات الروسية بشأن مستقبل المعركة لا تبدو متفائلة.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

تركيا: «وفد إيمرالي» يزور أوجلان في ظل غموض حول مسار «السلام»

آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)
آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)
TT

تركيا: «وفد إيمرالي» يزور أوجلان في ظل غموض حول مسار «السلام»

آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)
آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)

قام وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، التركي المؤيد للأكراد، بزيارة جديدة إلى زعيم حزب «العمال الكردستاني»، السجين عبد الله أوجلان، وسط غموض حول عملية «السلام» التي تمر عبر حل الحزب ونزع أسلحته.

وجاءت زيارة الوفد، المعروف إعلامياً باسم «وفد إيمرالي»، بعد أيام من رسالة وجهها أوجلان من محبسه في سجن جزيرة إيمرالي (غرب تركيا) خلال احتفالات عيد «نوروز» في ديار بكر السبت الماضي، إلى مختلف أطراف العملية التي تُطلق عليها الحكومة «مسار تركيا خالية من الإرهاب»، حثّ فيها الجميع على العمل لإنجاحها، وتحقيق «الاندماج الديمقراطي».

وكان آخر لقاء للوفد، الذي يضم كلاً من نائبي حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، بروين بولدان ومدحت سانجار، والمحامي فائق أوزغور إيرول من مكتب «عصرين» للمحاماة، لأوجلان تم في 16 فبراير (شباط) الماضي.

موقف ثابت لأوجلان

وعقد اللقاء مع أوجلان قبل يومين فقط من تصويت «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» بالبرلمان التركي، في 18 فبراير الماضي على تقرير مشترك للأحزاب المشاركة فيها، يتضمن مقترحات بشأن اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية، المطلوبة لمواكبة حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

أعضاء «وفد إيمرالي» النائبة بروين بولدان وعن يسارها النائب مدحت سانجار وعن يمينها المحامي فائق أوزغور إيرول (حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» - «إكس»)

وأكد أوجلان في ذلك اللقاء أن القضية الكردية ذات بُعدين؛ أمني وسياسي، وأن البُعد السياسي هو الأوسع، وأنه يجب العمل على تحقيق «الوحدة الديمقراطية» في إطار مبدأ شامل للحكم الديمقراطي.

وعشية لقاء الوفد مع أوجلان، أكدت المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان، في مؤتمر صحافي، أهمية الزيارة، لافتة إلى أن الوفد سيناقش معه الخطوات القانونية الواجب اتخاذها في إطار نزع أسلحة «العمال الكردستاني»، ووضعه قائداً لهذه العملية، مشددة على ضرورة تغيير وضع أوجلان الحالي كونه فاعلاً مهماً في المنطقة يقترح مشروعاً قائماً على التعددية من حيث الهوية واللغات والتعايش.

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد عائشة غل دوغان خلال مؤتمر صحافي بمقر الحزب في أنقرة الخميس (حساب الحزب في «إكس»)

ولفتت دوغان إلى أنه كان من المقرر، حسبما أعلن سابقاً، أن يبدأ البرلمان مناقشة تقرير لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

انقسام بين الأطراف

ومع غموض الجدول الزمني للبرلمان بشأن بدء مناقشة التقرير في لجنة «العدل» تمهيداً لطرحه على الجلسات العامة، يتردد في الأوساط السياسية في أنقرة أن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، يتعمد إبطاء العملية بسبب ردة فعل قاعدة ناخبيه، لا سيما مع تكرار ذكر اسم أوجلان والتركيز على دوره في العملية، والمطالبة بتحسين وضعه.

في المقابل، يُصعد حزبا «الحركة القومية»، شريك «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»، و«الديمقراطية والمساواة للشعوب» ضغوطهما على الحكومة لتسريع العملية.

قامت مجموعة من مسلحي حزب «العمال الكردستاني» بإجراق الأسلحة في مراسم رمزية أقيمت في جبل قنديل بمحافظة السيلمانية في شمال العراق في 11 يوليو الماضي (رويترز)

وحسب مصادر حزب «العدالة والتنمية»، فإن الحكومة تتبع استراتيجية تقوم على التحقق من حل «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته أولاً، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية من خلال البرلمان بناءً على ذلك، لرغبتها في رؤية تطورات ملموسة على أرض الواقع، ومراعاة لحساسية الناخبين، وتجنباً للفشل الذي كان مصيراً لعمليات مماثلة سابقة.

ويتمسك الجانب الكردي بإقرار اللوائح القانونية من أجل دفع عملية حل «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

ورهن تقرير اللجنة البرلمانية الموافقة على اللوائح القانونية بالتأكد من انتهاء نزع الأسلحة عبر آلية للتحقق والتأكيد، تتألف من وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» وجهاز المخابرات، الذي ستكون له الكلمة الأخيرة في إعداد التقرير النهائي الذي سيُعرض على الرئيس رجب طيب إردوغان، من أجل المصادقة على ما سيقره البرلمان من لوائح قانونية تتعلق بمسار «تركيا خالية من الإرهاب».

تأثير إقليمي

وأرجع الكاتب المتخصص في القضية الكردية، ألب أصلان أوزاردام، السبب في التأجيل غير المعلن لمناقشة تقرير اللجنة البرلمانية إلى التطورات الإقليمية، لا سيما مسار حرب إيران، الذي دفع الأطراف إلى إعادة تقييم مواقفها بشأن نزع أسلحة «العمال الكردستاني».

وعدّ أن المأزق الحالي لا ينبع فقط من غياب الإرادة، بل أيضاً من الترقب الحذر الذي فرضه تغير البيئة الاستراتيجية، ومع ذلك، فإنّ القضية الحقيقية التي تُشكل هذا المشهد هي معضلة تبدو تقنية، لكنها في جوهرها سياسية، تتعلق بكيفية التحقق من نزع الأسلحة؛ حيث لايزال هناك غياب متبادل للثقة بين الدولة و«العمال الكردستاني».

رفعت لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» تقريرها حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني» إلى البرلمان في 18 فبراير انتظاراً للبدء في مناقشته (حساب البرلمان في «إكس»)

ورأى أوزاردام أنه على النقيض من نماذج مشابهة كآيرلندا الشمالية وكولومبيا، يمكن النظر إلى هذا الأمر في تركيا من خلال نموذج أكثر واقعية، يقوم على تقسيم عملية نزع السلاح إلى مراحل محددة، هي: تسليم الأسلحة بمعدلات معينة، ووقف الأنشطة في مناطق محددة، ونقل الأفراد إلى وضع محدد، وبالتوازي مع هذه المراحل، يمكن أيضاً إعداد لوائح قانونية، على أن يكون دخولها حيّز التنفيذ مرتبطاً بهذه التطورات، أي أنه يمكن سن القوانين وربط تطبيقها بإتمام خطوات محددة وموثقة، وأن تلبى توقعات الأطراف تدريجياً، لا دفعة واحدة.


تجنيد رقمي للمراهقين البريطانيين من قبل عملاء إيرانيين للتجسس

(شاترستوك)
(شاترستوك)
TT

تجنيد رقمي للمراهقين البريطانيين من قبل عملاء إيرانيين للتجسس

(شاترستوك)
(شاترستوك)

كشفت تقارير أمنية عن استهداف جهات استخباراتية إيرانية لمراهقين بريطانيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، عارضةً عليهم مبالغ مالية مقابل تنفيذ مهام تجسسية داخل المملكة المتحدة. وفقاً لـ«جي بي نيوز».

وتعمل قنوات على تطبيق «تلغرام» مرتبطة بأجهزة طهران على نشر إعلانات تطلب مراقبة أهداف محددة، مقابل 500 جنيه إسترليني للمهام البسيطة، مع مبالغ أكبر للعمليات المعقدة. وتُكتب الرسائل بالإنجليزية والعبرية لاستقطاب فئات متنوعة، بينما تتولى روبوتات دردشة آلية التواصل الأولي، وجمع معلومات عن المتقدمين قبل ترتيب المدفوعات عبر العملات الرقمية لإخفاء مسار الأموال.

ويؤكد محللون أن هذا الأسلوب مشابه لتكتيكات استُخدمت سابقاً في إسرائيل، حيث وُجهت اتهامات لقُصَّر بتنفيذ مهام تصوير لمنشآت حساسة مقابل المال. ويشير الخبير الأمني روجر ماكميلان إلى أن المراهقين المستهدفين ليسوا عملاء محترفين، بل شباب ضعفاء يُستدرجون بإغراء المال السريع، وهو أسلوب مشابه لتكتيكات روسية سابقة.

وفي سياق متصل، تحقق الشرطة البريطانية في هجوم حرق استهدف أربع سيارات إسعاف تابعة لجالية يهودية في غولدرز غرين، وسط شبهات بوجود وسطاء إجراميين جرى تجنيدهم عبر الإنترنت. وقد أوقفت الشرطة رجلين بريطانيين، قبل الإفراج عنهما بكفالة، فيما لم يتضح بعد مدى صلة جماعة تطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بالهجوم.

ويقول ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق، أور هورفيتز، إن إيران تنشط بشكل مكثف في بريطانيا والولايات المتحدة في عمليات التجنيد الرقمي، مستغلة أساليب غير مباشرة لتجنب المخاطر، مع التركيز على استهداف مجتمعات يهودية وإسرائيلية. وأضاف أن «المملكة المتحدة تُعد بيئة جاذبة لهذه الأنشطة، بسبب صعوبة مراقبتها المباشرة».

في المقابل، حذر المدير العام لجهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5)، السير كين ماكالوم، من أن قبول أي أموال من دول أجنبية مقابل أنشطة غير قانونية سيواجه قوة أجهزة الأمن بالكامل.

وفي محاولة للحد من هذه المخاطر على الشباب، تطلق الحكومة تجربة محدودة لفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على 300 مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، تشمل ساعات حظر رقمي، بهدف تقييم أثر هذه القيود على دراستهم وحياتهم الأسرية، تمهيداً لتطبيق سياسات أوسع.

ومن المقرر أن تختتم الوزارة مشاوراتها في 26 مايو (أيار) بعد تلقي عشرات آلاف الردود من أولياء الأمور والأطفال، في خطوة تؤكد أن المواجهة مع تهديدات الفضاء الرقمي بدأت منذ الشاشات الصغيرة... قبل أن تصل إلى الحياة الواقعية.


لاتفيا تتهم روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة ضد دول البلطيق

رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

لاتفيا تتهم روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة ضد دول البلطيق

رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء لاتفيا سيلينا إيفيكا خلال قمة قادة قوة التدخل السريع المشتركة في هلسنكي، فنلندا 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)

اتهمت وزارة الدفاع اللاتفية روسيا بتنظيم حملة معلومات مضللة منسقة على نطاق واسع ضد دول البلطيق.

وقالت الوزارة، الجمعة، إن موسكو تزعم أن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا تسمح باستخدام أراضيها في شن هجمات أوكرانية ضد روسيا.

وأضافت الوزارة أن الحملة تتضمن معلومات مضللة، واستخدام روبوتات دردشة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتستهدف الجماهير التي تتحدث الروسية، وتستغل الشباب.

جاء البيان مرفقاً بلقطات شاشة لمنشورات عبر الإنترنت يُزعَم أنها تظهر ما يثبت الحملة الروسية.

وأوضحت الوزارة أن الحملة تهدف إلى إضعاف الثقة في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وتقسيم المجتمع وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة وإضعاف الدعم الموجه لأوكرانيا.

ولفتت الوزارة إلى أن موسكو تحاول عن طريق ذلك أن تحوِّل الاهتمام عن عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الأوكرانية المضادة الناجحة على أهداف روسية تطلّ على ساحل بحر البلطيق.

وشددت على عدم مشاركة أي من لاتفيا وإستونيا وليتوانيا في التخطيط لهجمات أوكرانية مضادة أو تنفيذها.