نفاد مخزونات أوكرانيا من الدفاعات الجوية دفع واشنطن إلى «ترقيعها» قبيل الهجوم المضاد

يؤكد أن حرمان الطائرات الروسية من حرية العمل فوق أوكرانيا كان شرطاً طوال الحرب بأكملها

منظومة صواريخ باتريوت المضادة للطيران التي زودت ألمانيا بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيرات الروسي
منظومة صواريخ باتريوت المضادة للطيران التي زودت ألمانيا بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيرات الروسي
TT

نفاد مخزونات أوكرانيا من الدفاعات الجوية دفع واشنطن إلى «ترقيعها» قبيل الهجوم المضاد

منظومة صواريخ باتريوت المضادة للطيران التي زودت ألمانيا بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيرات الروسي
منظومة صواريخ باتريوت المضادة للطيران التي زودت ألمانيا بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيرات الروسي

كشف تقرير أميركي أن الولايات المتحدة والدول الحليفة، تعمل جاهدة لدعم الدفاعات الجوية الأوكرانية، في هجومها المضاد المتوقع، بعد تزايد المخاوف من احتمال أن تفقد كييف ميزة السيطرة على أجوائها حتى الآن، بسبب نفاد مخزوناتها.

يقول التقرير الذي صدر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» مقتطفات عنه، إن واشنطن عمدت مع حلفائها إلى سد النقص في مخزونات كييف الدفاعية الجوية، عبر عملية «ترقيع»، من خلال دمج صواريخ غربية بمنصات إطلاق روسية من الحقبة السوفياتية تمتلكها أوكرانيا، ونفض الغبار عن معدات وأنظمة قديمة وإعادة وضعها في الخدمة، بعد إدخال تعديلات لجعلها صالحة للاستخدام. فالهجمات الصاروخية الروسية المكثفة، وخصوصاً قبيل نهاية العام الماضي، قللت من مخزون كييف من الصواريخ المضادة للطائرات.

صورة التقطتها الأقمار الصناعية لمطار مليتبول الأوكراني(رويترز)

ورغم أن أياً من الجانبين لم يتمكن من السيطرة على الأجواء فوق أوكرانيا طوال الحرب التي دخلت الآن عامها الثاني، فإن نجاح الهجوم المضاد لأوكرانيا يعتمد على قدرتها في منع الطائرات الحربية الروسية من قصف قواتها وبنيتها التحتية.

ويؤكد التقرير أن «حرمان الطائرات الروسية من حرية العمل فوق أوكرانيا، كان شرطاً مسبقاً لكل نجاح أوكراني طوال الحرب بأكملها، وهذا صحيح اليوم أكثر من أي وقت مضى».

وكانت «وثائق البنتاغون» المسربة قد حذرت من أن الطائرات الحربية الروسية يمكن أن تخترق المجال الجوي الأوكراني، بعدما نفدت كييف هذا الربيع من صواريخ أرض - جو من طراز، «إس إيه - 10» و«إس إيه - 11»، التي يمكن أن تتصدى لأهداف فوق 20 ألف قدم.

وبحسب المسؤولين الأميركيين، فقد عمدت واشنطن إلى كسب الوقت، من خلال تسليم أنظمة أميركية قديمة الصنع، والبحث عن صواريخ من الحقبة السوفياتية، وعملت على تدريب الأوكرانيين على كيفية إطلاق صواريخهم بشكل أكثر انتقائية، للحفاظ على مخزوناتهم. وزودت الولايات المتحدة مع 7 دول، بينها السويد وإسبانيا، أوكرانيا بأنظمة «هوك» للدفاع الجوي، القديمة.

كما قامت بالارتجال من خلال توفير صواريخ «سي سبارو» المضادة للسفن، لمنصات «بوك» من الحقبة السوفياتية في أوكرانيا، في ابتكار سماه المسؤولون الأميركيون «فرانكنسام». وقال ويليام لابالانت، مسؤول إدارة المقتنيات في البنتاغون، لمجلس العلاقات الخارجية، يوم الأربعاء، إن بعض الدفاعات الجوية كانت مختلطة بأجزاء متنوعة من الأنظمة، في إشارة إلى عملية الارتجال.

وزير الدفاع الألماني بعد اجتماع مجموعة الدعم الخاصة بأوكرانيا في القاعدة الأميركية في ألمانيا(ا.ف.ب)

كما أرسلت الولايات المتحدة والنرويج والدنمارك أيضاً صواريخ جو - جو من طراز «امراآم»، لاستخدامها في قاذفات الدفاع الجوي «ناسام»، وفقاً للوثائق المسربة. وقال مسؤول أميركي إن بطارية الدفاع الجوي «باتريوت» التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا، تم سحبها من ساحات القتال، إلى جانب معدات عسكرية أخرى، على الرغم من استعدادها لبدء هجومها المضاد.

يقول التقرير إن أوكرانيا تواجه تحديات هائلة، خلال جهودها المبذولة لضمان إمدادات صواريخ الدفاع الجوي. عليها الدفاع عن بنيتها التحتية المدنية والعسكرية ضد الضربات الصاروخية، وحماية قواتها أيضاً. وإذا لم يتم تجديد مخزونها من الصواريخ، «فسيصبح هذا التوازن أكثر صعوبة»؛ إذ ومن بين مزاياها العديدة على أوكرانيا، يمكن لروسيا إطلاق صواريخ من مواقع خارج نطاق القوة النارية الأوكرانية، من خارج أراضيها أو من سفنها في البحر الأسود. وبينما خسرت موسكو أكثر من 70 طائرة في الصراع، فإن معظم قواتها الجوية سليمة، وتمتلك مخزوناً كبيراً من القنابل غير الموجهة التي يمكن أن تسقطها على أوكرانيا إذا تعثرت دفاعات كييف الجوية.

يقول مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، إنه حين اندلعت الحرب كانت أوكرانيا تمتلك واحدة من أقوى شبكات صواريخ أرض - جو في العالم، ورثتها من الاتحاد السوفياتي. وشمل ذلك أكثر من 30 كتيبة من أنظمة «إس - 300» بعيدة المدى، بالإضافة إلى بطاريات «بوك أم1» و«تور»، ذات المدى القصير، وأنظمة قديمة مثل «أوسا» و«إس - 125».

وبحسب مؤسسة «راند» البحثية في واشنطن، فقد حث الأميركيون الجيش الأوكراني على إبقاء قاذفاته في حالة حركة، لإبقائها مخفية عن المراقبة الروسية. كما زودت الأقمار الصناعية وطائرات المراقبة التي تسيطر عليها الجيوش الغربية وحلف الناتو، أوكرانيا بتحذير مبكر عن حركة الطائرات والصواريخ الروسية. وهذا ما مكن بطاريات الدفاع الجوي الأوكرانية من تشغيل وإيقاف أنظمة الرادار الخاصة بها حسب الحاجة، مما زاد من تقويض المحاولات الروسية للكشف عنها والقضاء عليها، فضلاً عن استفادة الأوكرانيين من سوء التكتيكات والتدريب للقوات الجوية الروسية.

وقال الجنرال المتقاعد فيليب بريدلوف، الذي شغل منصب قائد حلف الناتو من 2013 إلى 2016: «تمتلك روسيا طائرات أحدث بكثير وأسطولاً أكبر بكثير». كان يتعين على القوات الجوية الروسية تدمير الدفاعات الجوية لخصمها، «وهذا هو المكان الذي أعتقد أنه كان فيه أكبر فشل روسي».

ومع فشلها في السيطرة على الأجواء، اعتمدت الطائرات الروسية بشكل كبير على إطلاق الصواريخ الموجهة من خارج المجال الجوي الأوكراني. وأطلق الروس في البداية، بعضاً من صواريخ كروز الأكثر تقدماً من الجو والبحر من القاذفات الاستراتيجية والسفن. ومع تضاؤل هذه الإمدادات، بدأ الروس في استهداف أوكرانيا بأنواع أقل تطوراً من الأسلحة، بما في ذلك من صواريخ «إس - 300» التي جرى استخدامها في هجمات برية لم تحقق نجاحاً.

ومع استمرار الحرب، تغيرت الأهداف التي ركزت عليها روسيا، وسعت في البداية لضرب المطارات ثم روابط النقل. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول)، بذلت روسيا جهوداً حثيثة لتدمير الشبكة الكهربائية في أوكرانيا، وأطلقت أكثر من 600 صاروخ كروز من الجو والبحر، بين 10 أكتوبر ونهاية عام 2022. كما بدأت في استخدام طائرات إيرانية من دون طيار؛ للبحث عن فجوات في شبكة مضادات الطائرات الأوكرانية ومحاولة التغلب على دفاعاتها. ودفعت موجات الهجمات الروسية الأوكرانيين إلى استخدام العديد من صواريخ الدفاع الجوي الخاصة بهم. وهو ما أدى إلى وصول أوكرانيا إلى حافة نفاد مخزوناتها من صواريخ «إس - 300» و«بوك»، وطلبها المكثف للحصول على وسائل دفاع جوي غربية، بحسب تقرير مركز استراتيجيات الدفاع.


مقالات ذات صلة

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

أوروبا الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

روسيا: 3 قتلى وحريق بمصفاة نفط جراء هجمات أوكرانية بمسيّرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تعرضت المصفاة المملوكة لشركة «روسنفت»، وميناء توابسي لهجمات متكررة بطائرات مسيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ومصفاة توابسي لديها القدرة على معالجة ‍نحو 240 ألف برميل يومياً، وتوفر منتجات مثل النفتا، وزيت الوقود، والديزل.

إلى ذلك، قال فياتشيسلاف ‌جلادكوف حاكم ‌منطقة ​بيلغورود الروسية ⁠إن ​هجمات بطائرات ⁠مسيرة ⁠أوكرانية ‌على سيارات ‌مدنية ​أسفرت ‌عن مقتل ‌ثلاثة ‌أشخاص وإصابة ثلاثة ⁠آخرين في ⁠عدة أنحاء بالمنطقة.

وكثفت أوكرانيا ضرباتها على روسيا منذ ‌مارس (آذار)، مع توقف محادثات السلام التي تتوسط ⁠فيها ⁠الولايات المتحدة، في وقت تصب فيه واشنطن تركيزها على حرب إيران.


تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.