تهديد وحصار نفطي... فريق ترمب يضع كوبا هدفاً بعد اعتقال مادورو

الرئيس الأميركي ووزير خارجيته أوضحا أن انهيار الحكومة الشيوعية في كوبا ليس مجرد فائدة جانبية محتملة لعزل مادورو... بل هدف بحد ذاته

العَلم الوطني الكوبي يرفرف منكساً خارج السفارة الأميركية في هافانا (أ.ف.ب)
العَلم الوطني الكوبي يرفرف منكساً خارج السفارة الأميركية في هافانا (أ.ف.ب)
TT

تهديد وحصار نفطي... فريق ترمب يضع كوبا هدفاً بعد اعتقال مادورو

العَلم الوطني الكوبي يرفرف منكساً خارج السفارة الأميركية في هافانا (أ.ف.ب)
العَلم الوطني الكوبي يرفرف منكساً خارج السفارة الأميركية في هافانا (أ.ف.ب)

لم يتأثر أي مكان في جميع أنحاء أميركا اللاتينية والعالم أكثر من كوبا بالصدمة التي أحدثتها العملية الأميركية التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، صباح السبت.

في غضون ساعات من العملية - قبل وقت طويل من اعتراف حكومة هافانا بها - انتشرت عبر المكالمات الهاتفية والرسائل النصية في جميع أنحاء الجزيرة أنباء مقتل العشرات من قوات الأمن الكوبية الخاصة المكلفة حماية مادورو.

ولكن بحلول الوقت الذي أصدرت فيه الحكومة الكوبية بياناً في وقت متأخر من مساء الأحد يفيد بمقتل 32 من أفرادها العسكريين والأمنيين في كاراكاس، كانت تواجه مشاكل أكبر، وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

ورغم المحاولات الأميركية للإطاحة بالنظام الشيوعي في كوبا عبر السنوات، صمد نظام فيديل كاسترو آنذاك بفضل الدعم السوفياتي، والتمسك القومي، بينما واجهت الإدارة الأميركية انقسامات داخلية حول الاستراتيجية الصحيحة لمواجهة كوبا.

ووسط العقوبات والضغوط الأميركية لعقود، فإن النظام الشيوعي في كوبا لم يتغير جذرياً منذ الخمسينات بسبب هيمنة الحزب الواحد، ودعم الاتحاد السوفياتي السابق، وقدرة القيادة الكوبية على تعزيز الانضباط، مع الحفاظ على المنجزات الاجتماعية كخدمات التعليم والصحة المجانية، مع محاولات محدودة للتكيف مثل الانفتاح على التكنولوجيا وتخفيف القيود.

لكن الآن، أوضح كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال عطلة نهاية الأسبوع أن انهيار الحكومة الشيوعية في كوبا لم يكن مجرد نتيجة محتملة لعزل مادورو، بل كان هدفاً بحد ذاته.

وقال ترمب لدى عودته إلى واشنطن من عطلته الطويلة في فلوريدا: «لا أعتقد أننا في حاجة إلى اتخاذ أي إجراء». وأضاف أنه من دون مادورو وإمدادات النفط التي كانت فنزويلا توفرها، «تبدو كوبا وكأنها على وشك السقوط».

ذهب روبيو إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لدعم الموقف. وقال عبر قناة «إن بي سي» يوم الأحد: «لن أتحدث إليكم عن خطواتنا المستقبلية». لكنه أضاف: «لو كنت أعيش في هافانا وأعمل في الحكومة، لكنت قلقاً».

لاقت كلماتهم صدًى واسعاً لدى الكثيرين في مجتمع المنفيين المتمركز في ميامي، حيث هيمنت قضية تحرير كوبا من الحكم الشيوعي على المشهد السياسي لعقود. يوم السبت، انضم منفيون كوبيون من جنوب فلوريدا - بعضهم يرتدي قبعات ترمب الحمراء وأعلام كوبا - إلى مئات المحتفلين في احتفالات عفوية صاخبة امتدت من ليتل هافانا إلى دورال، المدينة الملقبة بـ«دوراليزويلا» لكثرة سكانها الفنزويليين. وأصدر قادة كوبيون أميركيون، معظمهم من الجمهوريين، بيانات في الوقت الذي هيمنت فيه تغطية فنزويلا على محطات التلفزيون المحلية.

تنكيس العَلم الكوبي أمام السفارة الأميركية بعد أن أمرت حكومة هافانا بإعلان الحداد الوطني لمدة يومين في أعقاب مقتل كوبيين خلال عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (رويترز)

«تشكيك» في سقوط النظام الكوبي

قال داريل فرنانديز، جابي الضرائب في مقاطعة ميامي-ديد، إن كوبا هي «جذر» المشاكل مع فنزويلا ونيكاراغوا وغيرهما من الأنظمة اليسارية في المنطقة. وأضاف: «لقد حان الوقت الآن... لمحاسبة نظام كاسترو الشيوعي والاشتراكي القاتل، وليتحرر الشعب الكوبي أخيراً».

لكن في غياب تدخل أميركي مباشر، كان خبراء كوبا أقل يقيناً.

قال مايكل ج. بوستامانتي، أستاذ التاريخ ومدير برنامج الدراسات الكوبية في جامعة ميامي: «إذا كنت تسأل عما إذا كانت الحكومة الكوبية ستنهار من تلقاء نفسها لأن المعاناة الاقتصادية ستتفاقم حتماً... من دون شحنات النفط الفنزويلي، فأنا متشكك جداً».

ولضمان استمرار الحياة، تعتمد كوبا منذ فترة طويلة على إمدادات النفط الفنزويلية، والتي تبادلت بموجبها أفراد الأمن والكوادر الطبية في اتفاقية تعاطف مع حلفائها اليساريين في كاراكاس.

وأفاد بوستامينتي، «قد يثبت خطئي، لكن كوبا مرت بهذا من قبل ونجت»، مشيراً إلى ما يُعرف في كوبا باسم «الفترة الخاصة» التي بدأت في عام 1991 مع الانقطاع المفاجئ للمساعدات الخارجية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

عمال يرفعون العَلم الكوبي بالقرب من السفارة الأميركية في هافانا (أ.ف.ب)

بدوره، صرح خوان غونزاليس، الذي شغل منصب مدير شؤون نصف الكرة الغربي في فريق الأمن القومي لإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إن «قطع إمدادات النفط سيُفاقم الوضع الإنساني في كوبا بشكل كبير»، حيث تعاني البلاد أصلاً انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي ونقصاً حاداً في الغذاء. وأضاف: «لكنني لا أعتقد أن النظام سيستسلم».

باستثناء انتعاش اقتصادي طفيف خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، عندما أدى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا إلى زيادة السياحة وفتح آفاق محدودة للملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي، لم يتعافَ الاقتصاد الكوبي فعلياً من آثار انهيار الاتحاد السوفياتي.

وقد انزلقت البلاد تدريجياً نحو فوضى اقتصادية لسنوات، نتيجة للعقوبات الأميركية وما يعدّه حتى الكثير من مؤيديها سوء إدارة من قِبل الحزب الشيوعي الكوبي المتصلب.

وقد رأى البعض فرصة سانحة في ظل الظروف الصعبة التي أعقبت الإطاحة بمادورو. قال كارلوس ألزوغاراي، الدبلوماسي الكوبي المتقاعد، الذي تم التواصل معه هاتفياً في منزله في هافانا: «بالتأكيد هناك تصاعد في مستوى التهديد، وهذا أمرٌ بالغ الخطورة».

لكنه أشار إلى أنه من الممكن أن يقدم حلفاء كوبا في روسيا وغيرها من الدول المساعدة، «وربما تقوم الحكومة... بفتح الاقتصاد وتفعل ما ينصحها به الاقتصاديون منذ مدة طويلة، لكنها ترفضه».

السير «على حافة الهاوية»

أسهم الدعم الفنزويلي في عهد سلف مادورو، هوغو تشافيز، مطلع الألفية الثانية، في خروج كوبا من فترة العزلة وثقل العقوبات الأميركية التي استمرت لعقود. ومنذ ذلك الحين، واجهت هافانا وفاة الزعيم الثوري فيدل كاسترو، وجائحة «كوفيد - 19»، وتفكيك ترمب خلال ولايته الأولى لسياسات الانفتاح المحدودة التي انتهجها أوباما، والاحتجاجات الشعبية الغاضبة في عام 2021.

لكن إدارة ترمب الثانية، التي اكتسبت مزيداً من الجرأة، تُشكّل تهديداً جديداً تماماً لقادة كوبا.

على مرّ السنين، نصح خبراء الاقتصاد الحكوميون في كوبا بإجراء إصلاحات شاملة للاقتصاد، وحثّهم على ذلك حلفاؤهم في الصين وفيتنام وروسيا.

وحذر راؤول كاسترو، الذي تولى السلطة خلفاً لأخيه المريض فيدل عام 2006، من ضرورة الإصلاحات في خطاب مطوّل ألقاه أمام البرلمان الكوبي عام 2010، قائلاً: «إننا نلعب بمصير الثورة. إما أن نصلح الوضع، أو سينفد وقتنا ونحن نسير على حافة الهاوية، وسنغرق».

لكن خططه لتوسيع دور القطاع الخاص وتقليص ملكية الدولة عُدَّت متناقضة وغير مُنفّذة بشكل كافٍ، ولم تُسهم في حلّ سوى القليل من مشاكل كوبا النظامية. وقد واجهت محاولات أخرى للتغيير عقبات مماثلة بسبب رفض الحزب الحاكم السماح للشركات والمزارع الخاصة ببيع سلعها مباشرة بأسعار السوق، ورفضه إصلاحات العملة، والاستثمارات الحكومية الضخمة في صناعة السياحة الفاشلة، والنفوذ المتزايد لشركة GAESA، وهي التكتل الذي يسيطر عليه الجيش والذي يدير قطاعات واسعة من الاقتصاد.

رجل كوبي يمر بجوار لافتة تحمل اسم كوبا وعَلم وطني منكس في هافانا (أ.ف.ب)

الاعتماد على «المساعدات الخارجية»؟

في ذروة إنتاجها الذي بلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، سمحت شحنات النفط الفنزويلية لكوبا بتلبية احتياجاتها من الطاقة وبيع المنتجات البترولية المكررة في الخارج لتوفير السيولة النقدية التي كانت في أمس الحاجة إليها. ولكن مع مواجهة فنزويلا انخفاضاً حاداً في الإنتاج، نتيجة للعقوبات الأميركية وسوء الإدارة، تراجعت الشحنات إلى نحو 30 ألف برميل العام الماضي.

أدت هذه التخفيضات، إلى جانب تقادم مصافي النفط الكوبية، وتدهور البنية التحتية، والأعاصير المتكررة، إلى انقطاع التيار الكهربائي عن الجزيرة بأكملها خمس مرات على الأقل العام الماضي.

وقال ألزوغاراي: «عليهم أن يدركوا أنهم لم يعودوا قادرين على الاعتماد على المساعدات الخارجية». وقد زودت روسيا والمكسيك كوبا ببعض النفط، على الرغم من أن الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم من المرجح أن تتعرض لضغوط أميركية متزايدة لقطع المساعدات عن هافانا. أما الصين، التي تتحمل ديوناً كبيرة لكوبا، فقد أبدت اهتماماً ضئيلاً بالمساعدة.

وأضاف ألزوغاراي أن الإصلاحات تمت الموافقة عليها «على الورق... المشكلة تكمن في عدم قيامهم بذلك. جوهر الأمر هو الانفتاح على اقتصاد السوق، والسماح بتوسع القطاع الخاص، وإلغاء أو بيع مؤسسات الدولة الاشتراكية غير المنتجة. عليهم القيام بذلك، وبسرعة. لقد أضاعوا الكثير من الوقت».

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يلقي خطاباً وهو يلوّح بالعَلم الوطني الفنزويلي دعماً لـنيكولاس مادورو في هافانا (أ.ف.ب)

قلة من المراقبين للشأن الكوبي يثقون في حدوث الإصلاحات، على الأقل في ظل حكومة الحزب برئاسة ميغيل دياز كانيل والهيكل الحالي للسلطة.

أوضح غونزاليس، المسؤول في إدارة بايدن، والذي كانت له تعاملات واسعة مع الحكومة الكوبية: «هناك إصلاحيون داخل النظام. لديهم رؤية، لكنهم يفتقرون إلى الإمكانات والنفوذ اللازمين لتنفيذها».


مقالات ذات صلة

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية فانس وقاليباف في إسلام آباد... لقاء «الصقور» على حافة الهاوية p-circle

فانس وقاليباف في إسلام آباد... لقاء «الصقور» على حافة الهاوية

فانس «صقر ترمب» وقاليباف «جنرال الحرس» في مواجهة «مفاوضات السبت»، واشنطن تطلب أمن «هرمز»، وطهران تشترط «الأصول المجمّدة» و«هدنة لبنان» صراع صفقات في إسلام آباد.

كوثر وكيل (لندن)
شؤون إقليمية لوحة على جانب الطريق في إسلام آباد تشير إلى المحادثات الأميركية - الإيرانية (رويترز)

مفاوضات إسلام آباد... بين التوتر وعدم الثقة

قال جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، إنه يتطلع إلى ‌إجراء مفاوضات إيجابية ‌مع ​إيران، لكنه حذَّر أيضاً طهران من «خداع» بلاده و«التحايل» عليها.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي وون خلال مؤتمر صحافي في تايبيه قبل توجهها لزيارة الصين الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران تكشف هشاشة منظومة الدفاع الأميركية أمام سيطرة الصين على المعادن الحرجة

تقارير «بوليتيكو» تقول إن العقدة الأكثر إحراجاً لواشنطن تتمثل في أن كثيراً من مكونات الدفاع الصاروخي تعتمد على معادن حرجة تسيطر عليها الصين.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مبنى البنتاغون (في مقدمة الصورة) في أرلينغتون بولاية فرجينيا الأميركية 9 أكتوبر 2020 (رويترز)

البنتاغون ينفي «توبيخ» سفير الفاتيكان بسبب انتقاد البابا لترمب

نفى البنتاغون، الخميس، تقريراً صحافياً عن استدعاء وزارة الدفاع الأميركية مبعوث الفاتيكان لدى الولايات المتحدة في يناير لتوبيخه على خلفية انتقادات البابا لترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الرئيس الكوبي يرفض التنحي تحت الضغوط الأميركية

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الكوبي يرفض التنحي تحت الضغوط الأميركية

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، في مقابلة أجرتها معه شبكة «إن بي سي» الأميركية للتلفزيون في هافانا الاستقالة من منصبه تحت الضغوط الشديدة التي تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد الجزيرة الشيوعية. في حين تعهَّدت روسيا بعدم التخلي عن حليفتها في النصف الغربي للأرض.

وعندما سئل عمّا إذا كان «مستعداً للتنحي لإنقاذ بلاده»، عبَّر دياز كانيل عن غضبه اعتراضاً على السؤال. وتساءل: «هل توجهون هذا السؤال إلى ترمب؟»، وكذلك عمّا إذا كان السؤال «صادراً عن وزارة الخارجية الأميركية».

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)

ثم أصرَّ على أنَّ زعماء البلاد «ينتخبهم الشعب، على الرغم من وجود سردية تحاول تجاهل ذلك. أياً منا، قبل أن يصير جزءاً من دور قيادي، يجب أن يُنتخَب على مستوى القاعدة الشعبية في دائرته الانتخابية من آلاف الكوبيين». وقال أيضاً: «في كوبا، لا يجري انتخاب مَن يشغلون المناصب القيادية من الحكومة الأميركية، ولا يملكون تفويضاً منها»، مضيفاً أن «لدينا دولة حرة ذات سيادة. لنا حق تقرير المصير والاستقلال، ولسنا خاضعين لمخططات الولايات المتحدة». وأكد أن «التنحي ليس ضمن مفرداتنا».

«دولة فاشلة»

وجاء كلام الرئيس الكوبي في وقت تُصعِّد فيه إدارة ترمب ضغوطها لتغيير الحكومة الشيوعية، بعدما وصف الرئيس ترمب كوبا بأنها «دولة فاشلة»، ويسعى إلى السيطرة عليها، قائلاً إنها قد تكون «استحواذاً ودياً، وقد لا تكون كذلك».

ورداً على تصريحات دياز كانيل، لفت مسؤول في البيت الأبيض إلى أنَّ إدارة ترمب تجري محادثات مع كوبا، التي يرغب قادتها في صفقة، وعليهم توقيعها. وكرَّر أن «كوبا دولة فاشلة، ومُني حكامها بنكسة كبيرة بفقدان الدعم من فنزويلا».

وخلال الشهر الماضي، وصف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، كوبا بأنها «كارثة»، عازياً السبب إلى «عدم جدوى نظامها الاقتصادي». وقال: «يجب أن يتغيَّر هذا الوضع، ولكي يتغيَّر، يجب تغيير المسؤولين»، فضلاً عن تغيير النموذج الاقتصادي للبلاد.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل خلال استقباله نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)

ولام دياز كانيل السياسات الأميركية في الوضع الراهن للعلاقات بين البلدين. وقال: «أعتقد أنَّ أهم شيء هو أن يفهموا هذا الموقف الحاسم، وأن يتخذوه بصدق، وأن يُدركوا حجم الخسائر التي تكبَّدها الشعب الكوبي، ومدى حرمانهم الشعب الأميركي من علاقة طبيعية مع الشعب الكوبي».

وقال ترمب إن روبيو يجري محادثات مع كوبا، وأقرَّ مسؤولون كوبيون بوجود محادثات، من دون الإفصاح عن تفاصيلها. وقالت نائبة وزير الخارجية الكوبي، جوزفينا فيدال، هذا الأسبوع: «إن المحادثات بين كوبا والولايات المتحدة في شأن خفض حدة التوتر لا تزال في مراحلها الأولية للغاية».

كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

ويندِّد المسؤولون الكوبيون بإجراءات إدارة ترمب، التي منعت تدفق شحنات النفط الفنزويلي إلى البلاد بعد القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع العام الحالي. كما هدَّدت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو تزوِّد كوبا بالنفط. وأدى ذلك إلى تناقص احتياطات النفط؛ مما فاقم نقص الوقود، وتسبَّب في مزيد من انقطاعات التيار الكهربائي في كل أنحاء البلاد.

وصرَّح ترمب أخيراً بأنه «لا يمانع» في وصول ناقلة نفط روسية، قائلاً إنه لا يعتقد أنها ستساعد على دعم الحكومة الكوبية. وكانت هذه أول ناقلة ترسو في كوبا منذ 3 أشهر. وأعلنت روسيا أنَّها تُجهِّز شحنة نفط ثانية إلى الجزيرة.

كوبيون يتجمعون للحصول على الماء من صهريج وسط انقطاع إمدادات الماء جراء أزمة الطاقة بهافانا بتاريخ 19 مارس 2026 (رويترز)

«لن نخون كوبا»

في غضون ذلك، زار نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، هافانا، مشيداً من هناك بـ«الطابع الخاص» للعلاقات مع كوبا. وبعد اجتماعه مع الرئيس دياز كانيل، قال ريابكوف: «لن تغادر روسيا نصف الكرة الغربي، مهما قالوا في واشنطن»، مضيفاً أن «علاقاتنا مع كوبا ذات طابع خاص... لا يمكننا ببساطة خيانة كوبا، فهذا أمر مرفوض تماماً، ولا يمكننا تركها لمصيرها»، مضيفاً بحسب الرئاسة الكوبية: «روسيا تقف متضامنةً بنسبة 100 في المائة مع كوبا. رغم الوضع المُعقَّد الذي تمرُّ به البلاد فإننا بجانبكم».

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

وقال دياز كانيل خلال الاجتماع: «نغتنم هذه الفرصة لنرسل تحياتنا الحارة إلى صديقنا العزيز، الرئيس فلاديمير بوتين». ونقل مكتب الرئيس الكوبي عن نائب وزير الخارجية الروسي أيضاً أنه «في الوقت الراهن، روسيا متضامنة تماماً مع كوبا». وأضاف في منشور على منصة «إكس» أنه «على الرغم من الظروف المعقدة التي تمرُّ بها البلاد، فإننا بجانبكم».

وتأتي هذه الزيارة بعد 10 أيام من وصول ناقلة نفط روسية. وقال الرئيس كما ورد في منشور الرئاسة: «أود أن أعرب عن شكري، باسم (الحزب الشيوعي) والحكومة والشعب الكوبي، على النفط الذي أرسلته إلينا روسيا الاتحادية». وأضاف: «هذا دليل على أن كوبا ليست وحدها».

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي 31 مارس (آذار)، وصلت ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» إلى كوبا محملة بـ730 ألف برميل من النفط الخام. وكانت هذه أول شحنة نفط تستقبلها الجزيرة منذ 9 يناير (كانون الثاني). ويمنع ترمب عملياً تصدير النفط إلى كوبا منذ يناير، بعدما أطاحت القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أكبر حليف إقليمي لهافانا. ويفاقم هذا التدبير أزمة الطاقة في كوبا التي تشهد انقطاعات للتيار الكهربائي. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدّ وقتها أنَّ هذه الشحنة «لن يكون لها أي تأثير» مضيفاً: «كوبا انتهت (...)، سواء تلقت شحنة نفط أم لا، لن يغيِّر ذلك شيئاً». وفي 2 أبريل (نيسان)، أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليوف، أن روسيا تستعد لإرسال ناقلة نفط ثانية إلى كوبا.


الرئيس الكوبي يؤكد أنه لن يستقيل تحت ضغط واشنطن

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الكوبي يؤكد أنه لن يستقيل تحت ضغط واشنطن

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)

قال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، الخميس، إنه لن يستقيل تحت ضغط الولايات المتحدة، ودعا إلى حوار مفتوح، في أول مقابلة تلفزيونية له مع محطة إذاعية أميركية.

وصرّح دياز كانيل لشبكة «إن بي سي»: «لدينا دولة ذات سيادة حرة، دولة حرة. لدينا حق تقرير المصير والاستقلال، ولسنا خاضعين لمخططات الولايات المتحدة».

وأضاف الرئيس البالغ 65 عاما أن «الحكومة الأميركية التي مارست تلك السياسة العدائية ضد كوبا لا يحق لها المطالبة بأي شيء من كوبا».

وتابع «مفهوم استسلام الثوار وتنحيهم عن مناصبهم ليس جزءا من مفرداتنا».

وتمارس واشنطن ضغوطا على كوبا الشيوعية، وفرضت حصارا نفطيا فعليا على الجزيرة بالتهديد بفرض تعرفات جمركية على أي دولة تحاول بيعها النفط.

وتعاني كوبا أزمة طاقة حادة منذ يناير (كانون الثاني) عندما انقطع إمدادها الرئيسي من فنزويلا مع إطاحة نيكولاس مادورو.

وتخضع الجزيرة الكاريبية لحظر تجاري أميركي منذ أكثر من ستة عقود.

وطرح ترمب علنا فكرة «الاستيلاءر على كوبا، كما فعل مع غرينلاند وكندا وفنزويلا، فيما تصف إدارته قادة هافانا بأنهم «تهديد» للأمن القومي الأميركي.

وتولى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو من أصل كوبي، زمام المفاوضات مع هافانا ودعا إلى تغييرات في القيادة الكوبية التي يعتبرها غير كفؤة.

لكن روبيو ينفي دعوته إلى استقالة دياز كانيل.

وقال الرئيس الكوبي إن هافانا تريد «الانخراط في حوار ومناقشة أي موضوع دون أي شرط».


سياسيان ونجم تواصل اجتماعي من جيل آل كاسترو الجديد يبرزون في كوبا

درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)
درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)
TT

سياسيان ونجم تواصل اجتماعي من جيل آل كاسترو الجديد يبرزون في كوبا

درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)
درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)

بدأ جيل جديد من آل كاسترو يرسّخ حضوره في الشأن العام في كوبا؛ إذ يكتسب اثنان من الأحفاد تدريجياً مكانة في أوساط النخبة السياسية، في حين يبرز آخر وهو أحد مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، ويؤكد بأسلوبه غير التقليدي أن الكوبيين يتطلعون إلى الرأسمالية.

وتنتهج الولايات المتحدة منذ يناير (كانون الثاني) سياسة تشديد الضغط إلى أقصى حد على الجزيرة الشيوعية، مانعة إياها من استيراد النفط؛ سعياً لدفعها إلى تغييرات اقتصادية وسياسية. لكنّ عائلة كاسترو لا تزال تحتفظ بنفوذها في هذه الدولة الأميركية اللاتينية البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة.

فالضابط برتبة كولونيل في وزارة الداخلية راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، وهو حفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو البالغ 94 عاماً، شارك في الآونة الأخيرة، وفقاً لموقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، في محادثات مع مسؤولين أميركيين. أما وزير التجارة الخارجية أوسكار بيريز أوليفا، وهو نجل كبرى شقيقات فيدل وراؤول كاسترو، فرُقِّيَ أخيراً إلى منصب نائب رئيس الوزراء.

ومن أفراد العائلة الذين حققوا شهرة ولكن بطريقة أخرى ساندرو كاسترو، وهو حفيد الزعيم السابق للثورة الكوبية فيدل كاسترو (1926- 2016)؛ إذ إن لدى الرجل البالغ 34 عاماً نحو 160 ألف متابع على منصة «إنستغرام»، وينشر عبر حسابه عليها مقاطع فيديو طريفة عن الصعوبات التي تعانيها الجزيرة.

وأثار ساندرو كاسترو الجدل قبل أسبوع عندما صرّح لمحطة «سي إن إن» الأميركية بأن الرئيس ميغيل دياز-كانيل «لا يقوم بعمل جيد»، وأن «غالبية الكوبيين يريدون الرأسمالية لا الشيوعية».

وبينما هاجمته وسائل الإعلام الرسمية بسبب هذا التصريح، يرى فيه الكوبيون المقيمون في الخارج نموذجاً عن فئة محظية تتمتع بامتيازات ومنفصلة عن واقع كوبا التي يبلغ متوسط الراتب فيها 6680 بيزو (نحو 14 دولاراً).

وفي مقطع فيديو حديث، يتحاور ساندرو كاسترو مع شخص يقلّد دونالد ترمب، يقول له إنه يريد شراء كوبا. ونُشر هذا المشهد التمثيلي الهزلي في اليوم نفسه الذي أكد فيه الرئيس الكوبي وجود محادثات بين واشنطن وهافانا.

ورأت الأستاذة في جامعة فلوريدا ليليان غويرّا التي تُدرِّس تاريخ كوبا في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن ساندرو كاسترو جزء من خطة «محبوكة جيداً» تهدف إلى إقناع الرأي العام الأميركي بأن نظام كاسترو لا يشكل أي تهديد.

لكنّ المؤرخ في جامعة ويسكونسن أندريس بيرتييرا يرى أن كلام ساندرو كاسترو يجب ألاّ يؤخذ «على محمل الجد».

وعندما تواصلت «وكالة الصحافة الفرنسية» مع ساندرو كاسترو، طالبة مقابلته، أحال طلبها على ما وُصِف بمدير أعماله الذي لم يرد. وعرّف كاسترو عن نفسه عبر «سي إن إن» بأنه «مجرّد مواطن».