سجون أميركا اللاتينية... كيف تحولت إلى غرفة عمليات للعصابات؟

صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
TT

سجون أميركا اللاتينية... كيف تحولت إلى غرفة عمليات للعصابات؟

صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)

سلَّطت شبكة «سي إن إن» الأميركية الضوء على تصاعد جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهادفة إلى القضاء على العصابات التي تُهرّب المخدرات إلى الولايات المتحدة، حيث تتصدر الضربات العسكرية البحرية وإجراءات تشديد الرقابة على الحدود المشهد.

وقالت الشبكة إنه مع تكثيف الولايات المتحدة تدخلاتها العلنية، يُحذّر الخبراء من أن صانعي السياسات قد يُغفلون ساحة معركة رئيسية: السجون.

صورة ملتقطة في 16 مارس 2025 تُظهر وصول أعضاء مزعومين بمنظمة «ترين دي أراغوا» الإجرامية الفنزويلية إلى مركز احتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا بالسلفادور حيث أرسلت أميركا أكثر من 200 عضو مزعوم بعصابة فنزويلية إلى السجن في السلفادور (أ.ف.ب)

وذكرت أن العديد من أقوى المنظمات الإجرامية في أميركا اللاتينية لم تتشكّل في المناطق الحدودية أو الشوارع أو مخابئ الأدغال، بل داخل السجون، فهذه المرافق، المكتظة والمُفتقرة للموارد، والتي غالباً ما تُدار ذاتياً بشكل فعلي، لطالما مثّلت حاضناتٍ للعصابات المسلحة، حيث تُجنّد وتُعيد تنظيم صفوفها وتُوسّع نفوذها، ففي تلك السجون تشكلت أو تعززت ما لا يقل عن عشر عصابات خلف القضبان.

من توكورون إلى ساو باولو

عندما استهدفت إدارة ترمب بغاراتٍ جويةٍ قواربَ يُشتبه في تهريبها المخدرات لصالح عصابة «تران دي أراغوا» أدى ذلك إلى تصعيد التوترات مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على الرغم من عدم وجود أدلةٍ قويةٍ تربط بين هذه القوارب والعصابة الإجرامية.

وتأسست هذه العصابة داخل سجن توكورون في ولاية أراغوا مطلع العقد الثاني من الألفية، وسعت في البداية إلى فرض النظام الداخلي لضمان ظروف معيشية أفضل، وفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن منظمة الشفافية في فنزويلا.

وقالت رونا ريسكيز، الصحافية الفنزويلية ومؤلفة كتاب «تران دي أراغوا»، لشبكة «سي إن إن»: «كان هناك إحباطٌ اجتماعيٌّ وراء ذلك، استياءٌ من معاملة الدولة للسجناء، وأسهمت الظروف اللاإنسانية وانعدام دعم الدولة بشكلٍ مباشرٍ في صعود هذه العصابات الإجرامية وأصبحت هذه العصابات الإجرامية الحكام الفعليين لعديد من السجون الفنزويلية».

وأضافت ريسكيز: «كانوا يسيطرون سيطرة تامة. كان الحرس الوطني ومديرو السجون يطيعون أوامرهم، وفرضوا ضرائب على السجناء، وتحكموا في تدفق الممنوعات، بل نفذوا عمليات ابتزاز وخطف خارجية، وداهمت الحكومة سجن توكورون عام 2023، وزعمت أنها حلَّت المجموعة الإجرامية، على الرغم من أن زعيميها، هيكتور روستنفورد غيريرو فلوريس، الملقب بنينيو غيريرو، ويوهان بيتريتش، ما زالا طليقين».

جنود بالجيش المكسيكي يرتبون حزماً من المخدرات لإحراقها بمنطقة عسكرية في إسكوبيدو بولاية نويفو ليون بالمكسيك 31 يناير 2025 (أ.ف.ب)

ولوحظ تطبيق هذه السياسة نفسها في أنحاء المنطقة، ففي البرازيل، ظهرت عصابات الجريمة المنظمة، مثل «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» داخل السجون في أواخر السبعينات والتسعينات، عندما ثار السجناء على الاكتظاظ وسوء المعاملة وظروف المعيشة المزرية.

وقال غريغوريو فرنانديز دي أندرادي، المحامي الذي قضى 16 عاماً في السجن بتهمة القتل، إن الزنازين كانت مكتظة لدرجة أن السجناء كانوا يتكدسون في أراجيح مؤقتة معلقة في الأسقف لضيق المساحة. وأضاف: «كنت غالباً ما أُزجّ في زنزانة مساحتها 4×4 أمتار مع 40 سجيناً، وكنا نتناوب على النوم».

ووفقاً لبيانات رسمية، تعمل سجون البرازيل بنسبة إشغال تصل إلى 140في المائة، حيث تضم أكثر من 700 ألف سجين في منشآت بُنيت لاستيعاب أقل من 500 ألف سجين، وهو واقع شائع في دول أميركا اللاتينية.

وهناك تجارة رائجة لأعضاء عصابات منظمة، حيث يبيعون للسجناء كل شيء من مستلزمات النظافة الشخصية إلى الطعام، فضلاً عن خدمات الحماية الجسدية والمساعدة القانونية.

ويقول أندرادي، الذي تقاسم الزنزانة مع روني بيكسوتو، أحد قادة عصابة «كوماندو فيرميلو»، إن الانضمام نادراً ما يكون بالإكراه ولا يوجد تهديد بالسلاح حيث ينضم الناس إلى هذه العصابات بدافع الضرورة، فهي ترحب بهم أكثر من أي وقت مضى.

وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، سيطرت عصابة «بريميرو كوماندو دا كابيتال» على سجون ساو باولو.

وقالت عالمة الاجتماع وأستاذة جامعة «إيه بي سي»، كاميلا كالديريرا نونيس دياس: «إنهم موجودون في نحو 90 في المائة من سجون الولاية، وجرائم القتل تكاد تكون معدومة، فقد تمت (تهدئة) النظام من قبل (بريميرو كوماندو دا كابيتال) لنحو 20 عاماً».

وتدير «بريميرو كوماندو دا كابيتال» إحدى أقوى شبكات تصدير الكوكايين في أميركا الجنوبية، حيث تُزوّد ​​الأسواق الأوروبية عبر مواني البرازيل، فيما تسيطر عصابة «كوماندو فيرميلو» على ممرات التهريب من بيرو عبر الأمازون، وفقاً لمؤسسة «إنسايت كرايم»، وهي مجموعة تُعنى بدراسة الجريمة المنظمة في الأميركتين.

جنود إكوادوريون يقفون أمام أحد السجون (أ.ف.ب)

ويقول الخبراء إن العمل الذي يتم داخل السجون كان حاسماً في ترسيخ العصابات في العالم الخارجي، ويُصدر قادة العصابات أوامر شراء المخدرات والقتل من داخل السجون.

وقالت إليزابيث ديكنسون، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، لشبكة «سي إن إن»: «نُطلق على السجون اسم غرف العمليات الخلفية. يُفضّل العديد من القادة العمل من داخلها لأنهم أكثر أماناً هناك».

لكنَّ النزاعات حول السيطرة على الزنازين والسجناء بداخلها قد تكون مميتة، لا سيما في المنشآت التي تتعايش فيها فصائل متعددة.

الصراع على مفاتيح الزنازين

في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، أصبحت مجازر السجون بسبب السيطرة على المناطق واقعاً متكرراً.

ففي سجن «أوريبانا» بفنزويلا، أدى نزاع بين زعماء العصابات عام 2013 إلى مقتل 61 شخصاً على الأقل.

وفي البرازيل، تسبب نزاع مماثل في مجزرة سجن كارانديرو سيئة السمعة عام 1992 في ساو باولو، والتي راح ضحيتها 111 شخصاً.

وفي الإكوادور، أصبح هذا الوضع أكثر حدة، فبسبب دورها الاستراتيجي في تصدير الكوكايين عالمياً، سمحت مناطق مثل غواياكيل لعناصر أجنبية -عصابات المخدرات المكسيكية، والمعارضين الكولومبيين- بالتغلغل في العصابات المحلية، وعندما سُجن قادتهم، انتقل الصراع على النفوذ مباشرةً إلى داخل السجون.

ويقول دانيال بونتون، عميد كلية الأمن والدفاع في معهد الدراسات الوطنية العليا في الإكوادور، إن السجون الإكوادورية غالباً ما تُقسّم إلى عنابر زنزانات تسيطر عليها عصابات مختلفة، مما يُؤجّج الصراع.

ويضيف: «لكل عنبر اقتصاده الخاص وقيادته -كل شيء مُخصخص ويُسيطَر عليه من العصابة. إذا نشب خلاف بيني وبين زعيم عصابة، أهاجم عنبره، وأقتله، وأستولي على هيكله الإجرامي».

وتجلّت هذه الحقيقة بوضوحٍ مؤلم بعد اغتيال خورخي لويس زامبرانو، الملقب بـ«راسكوينا»، الزعيم المخضرم لعصابة لوس تشونيروس، عام 2020 حيث أدى موته إلى زعزعة التوازن الذي كان يحافظ عليه بين العصابات المتنافسة، حيث انقسمت عصابات «لوس لوبوس» و«لوس تيغيرونيس» وغيرها، وبدأت صراعاتٍ على النفوذ، مما أدى إلى مجازر أودت بحياة أكثر من 400 سجين في عدة ولايات خلال أقل من ثلاث سنوات، وفقاً لمؤسسة «إنسايت كرايم».

ويبرر زعماء العصابات إراقة الدماء بالأرباح، حيث تبلغ قيمة أسواق السجون في الإكوادور حالياً أكثر من 200 مليون دولار سنوياً، أي أكثر من ضعف الميزانية هيئة الوطنية لإدارة السجون، وهي الجهة المشرفة على نظام السجون، والتي بلغت نحو 99 مليون دولار في عام 2021.

وقد أصبحت السجون مراكز رئيسية في سلسلة تهريب الكوكايين العالمية، حيث توفر التخزين والخدمات اللوجيستية والحماية للمهربين الذين ينقلون الشحنات عبر مواني غواياكيل.

عناصر من الشرطة المكسيكية (رويترز)

اليد القوية

في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، أصبحت حملات «اليد القوية» المتشددة محوراً سياسياً، حيث يخوض السياسيون حملاتهم الانتخابية على وعود بتشديد الأحكام، وحملات اعتقال عصابية، وتوسيع دور الجيش.

في عام 2024، وافق الناخبون الإكوادوريون على تدخل الجيش في عمليات الشرطة وإطالة مدة الأحكام بعد موجة من الاغتيالات ومجازر السجون.

وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، صوّت المشرعون في البرازيل لصالح تشريع يصنف عصابات مثل «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» منظمات إرهابية، بهدف تمديد أحكام السجن بشكل كبير للمدانين بموجب هذا القانون.

مع ذلك، رفضت السلطة التنفيذية في البرازيل تصنيف منظمتي «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» كعصابات إرهابية.

وخلال حوار أمني رفيع المستوى في واشنطن في مارس (آذار) 2024، أبلغ الممثلون البرازيليون نظراءهم الأميركيين بأن المنظمتين من المنظمات الإجرامية الربحية وليستا عصابات آيديولوجية، وبالتالي لا تنطبق عليهما المعايير القانونية البرازيلية للإرهاب.

في هذا السياق، أصبح نموذج السلفادور -القائم على الاعتقالات وفتح سجن ضخم، الذي يتسع لـ40 ألف سجين، مما يجعله من بين أكبر سجون العالم- مثلاً يحتذى به، لا سيما لقادة اليمين في أميركا اللاتينية وقد تعهد كل من دانيال نوبوا من الإكوادور، وسانتياغو بينيا من باراغواي، وخافيير ميلي من الأرجنتين، بتكرار النموذج السلفادوري.

أفراد من الشرطة المكسيكية (بيكساباي)

وتستثمر عدة دول في المنطقة بشكل مماثل في موجة جديدة من بناء السجون. ففي الإكوادور، بدأت الحكومة تشغيل سجن «إل إنكونترو»، وهو منشأة أمنية مشددة في سانتا إيلينا بتكلفة 52 مليون دولار أميركي، بُنيت لإيواء نحو 800 سجين من ذوي الخطورة العالية، ومجهزة بأنظمة تحكم، وأجهزة تشويش على الإشارات، وأنظمة مراقبة معززة -إلا أن العنف لا يزال قائماً.

في عام 2024، أعلنت رئيسة هندوراس، شيومارا كاسترو، إنشاء سجن ضخم يتسع لعشرين ألف شخص، وذلك في إطار حملة أوسع نطاقاً لمكافحة العصابات، شملت زيادة الاعتقالات، وتصنيف أنشطة العصابات كإرهاب، وتوسيع دور القوات العسكرية والشرطية.

جبهة خفية

تُحذر منظمات حقوق الإنسان ومحللون أمنيون من أن نهج الرئيس نجيب بوكيلي في السلفادور ليس قابلاً للتطبيق بسهولة، لا سيما في الدول التي تعاني من توغل العصابات وضعف مؤسسات الدولة.

وتقول ديكنسون، من مجموعة الأزمات الدولية: «عندما يكون لديك سجن مكتظ، وتسود الفوضى ونقص الموارد، فإنك تخلق فرصة للعصابات الإجرامية للسيطرة عليه، ما يحدث في النهاية هو أن العديد من الأفراد، خصوصاً مرتكبي الجرائم البسيطة، يقعون ضحايا وينتهي المطاف بالعديد منهم بالتحالف مع فصيل ما لمجرد النجاة من هذه التجربة».


مقالات ذات صلة

ترمب: الحرب مع إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

ترمب: الحرب مع إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، إنه يتوقع انتهاء الحرب مع إيران «مباشرة بعد» انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر (تشرين…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الاستعدادات جارية لمؤتمر الحزب الجمهوري في ولاية تكساس (أ.ف.ب)

استنفار جمهوري في مؤتمر تكساس لإنعاش الحزب

تبلغ كلفة التقاط صورة مع الرئيس ترمب في المؤتمر الجمهوري الاستثنائي في تكساس نحو 88 ألف دولار.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

45 ألف دولار لكل واحدة... هدايا ترمب النقدية لمساعداته تثير الانتباه

كشفت وثائق رسمية عن تقديم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، هدايا نقدية سخية لعدد من مساعديه المقربين في البيت الأبيض، من بينهم 3 شابات يعملن في مناصب بارزة...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ترمب مستقبلاً ميرتس في البيت الأبيض 3 مارس الماضي (أ.ب)

ميرتس يهاجم سياسات «البديل» ويلغي اتصالاً بترمب

ألغى المستشار الألماني فريدريش ميرتس مكالمة هاتفية كانت مقررة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعد ساعات من إشادة الأخير علناً بفوز حزب «البديل».

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ ألقى الرئيس دونالد ترمب كلمة خلال فعالية اقتصادية في واشنطن يوم 8 سبتمبر (إ.ب.أ)

ترمب يُحيي ذكرى «11 سبتمبر» من البنتاغون

مع حلول الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر، تستعيد الولايات المتحدة ذكرى أسوأ هجوم إرهابي شهدته أراضيها.

هبة القدسي (واشنطن)

بريطانيا تؤكد التزامها «الراسخ» بجزر فوكلاند

رئيس الأرجنتين خافيير ميلي يتحدّث في بوينس آيريس يوم 16 يوليو (رويترز)
رئيس الأرجنتين خافيير ميلي يتحدّث في بوينس آيريس يوم 16 يوليو (رويترز)
TT

بريطانيا تؤكد التزامها «الراسخ» بجزر فوكلاند

رئيس الأرجنتين خافيير ميلي يتحدّث في بوينس آيريس يوم 16 يوليو (رويترز)
رئيس الأرجنتين خافيير ميلي يتحدّث في بوينس آيريس يوم 16 يوليو (رويترز)

شددت بريطانيا، الجمعة، على أن جزر فوكلاند «بريطانية»، بعدما قال الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إن «رياح التغيير» تصب في صالح مطالبة بلاده بالأرخبيل، مشيراً إلى استعداد واشنطن لإعادة النظر في حيادها إزاء النزاع. وخاضت بريطانيا والأرجنتين في عام 1982 حرباً استمرت عشرة أسابيع بسبب الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، وتُطلق عليها الأرجنتين اسم المالوين (لاس مالفيناس). وتصدّر مصير الجزر عناوين الأخبار مجدداً في الأيام الأخيرة بعد أن هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل في النزاع، في حين أثار مشروع نفطي بريطاني - إسرائيلي بالقرب من الجزر غضب الأرجنتين.

«جزيرة بريطانية»

وفي خطاب بثه التلفزيون الوطني أكد ميلي، الخميس، أن الأرجنتين لن «تقف مكتوفة اليدين» في مواجهة مشروع النفط، مُعلناً فرض عقوبات على الشركات المرتبطة بمشاريع النفط «في الأراضي الأرجنتينية الخاضعة للاحتلال البريطاني». وقال إن «هناك رياح تغيير تهب في العالم وتصب لصالح مطلبنا»، في إشارة إلى تهديد ترمب بسحبه الدعم لسيادة بريطانيا على الجزر.

والسيادة على جزر فوكلاند مسألة بالغة الحساسية في الأرجنتين، رغم أن سكان الجزر أنفسهم صوتوا بأغلبية ساحقة في عام 2013 للبقاء تحت الحكم البريطاني. وقال وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ على وسائل التواصل الاجتماعي إن «جزر فوكلاند بريطانية؛ لأن سكانها اختاروا أن يكونوا بريطانيين»، معتبراً أن تصريح ميلي كان نتيجة «خلافات سياسية داخلية». وأضاف: «التزامنا تجاه جزر فوكلاند مطلق ولا يتزعزع».

مشروع بريطاني-إسرائيلي

اندلعت حرب فوكلاند في أبريل (نيسان) 1982، عندما غزت القوات الأرجنتينية الجزر التي تحكمها بريطانيا منذ القرن التاسع عشر، ما دفع رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت ثاتشر إلى إرسال قوة بحرية لاستعادتها. وأسفر النزاع عن مقتل 649 أرجنتينياً و255 بريطانياً وثلاثة من سكان الجزر. والثلاثاء، أقام قدامى المحاربين الأرجنتينيين في «حرب الفوكلاند»، ومحامون بيئيون، دعوى قضائية لوقف مشروع نفطي تروج له شركة «روك هوبر» البريطانية وشركة «نافيتاس» الإسرائيلية. وقال ميلي إن المشروع ينتهك قراراً للأمم المتحدة يدعو كلا الجانبين إلى الامتناع عن القيام بأعمال أحادية في الجزر. وأضاف: «إذا سمحنا بذلك، فإننا نخلق حافزاً للحكومة البريطانية لتعميق احتلال الجزر واستغلال مواردنا». وشدد على أن الشركات المشاركة بمشاريع في جزر فوكلاند «دون علم الحكومة الأرجنتينية»، ستُمنع من العمل في الأراضي الأرجنتينية.

وجاء خطابه في وقت تسجل فيه شعبيته انخفاضاً حاداً، قبل عام ونيف من انتخابات يسعى فيها لولاية جديدة. وتُظهر استطلاعات الرأي أن نحو 34 في المائة فقط من الأرجنتينيين يؤيدون سياساته التقشفية الحادة وإلغاء القيود.

ضغوط ترمب

وجاء إعلان ترمب الاثنين أن الولايات المتحدة بصدد مراجعة موقفها من جزر فوكلاند، وسط تقارير تفيد بأن واشنطن هددت بالطعن في سيادة بريطانيا على الجزر ما لم ترفع إنفاقها الدفاعي. وفي مقابلة الخميس مع شبكة «جي بي نيوز» البريطانية، انتقد ترمب عدم تقديم لندن دعماً عسكرياً له في الحرب ضد إيران، ورفض أن يؤكد ما إذا كان سيدعم بريطانيا في حال نشوب نزاع جديد مع الأرجنتين. وقال إن الحرب الأخيرة عام 1982 «كانت منذ زمن بعيد». وكان المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام قد صرّح في وقت سابق هذا الأسبوع بأن موقف بريطانيا من جزر فوكلاند «ثابت وراسخ». وأضاف أن «السيادة للمملكة المتحدة، وحق سكان الجزر في تقرير مصيرهم هو الأهم». ويرى مدير مركز الدراسات الدولية في الجامعة الكاثوليكية بالأرجنتين توماس موجيكا، في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «قضية جزر فوكلاند تخدم غرض ترمب المتمثل في الضغط على المملكة المتحدة للامتثال لمطالبه بشأن تمويل (حلف الناتو)، والتعاون في الحرب ضد إيران». واعتبر ميلي أن مراجعة واشنطن موقفها هي تأييد لسياساته، ودعم أميركي قوي وواضح تبديه إدارة ترمب. وأضاف أن «الولايات المتحدة تدرس هذا التغيير في الموقف؛ لأنها تعلم أن لدى الأرجنتين شريكاً موثوقاً». واعتبر في المقابل أن بريطانيا «على مسار الانحدار»، عادّاً أنها تواجه «أزمات عدة في مجالات الهجرة والديمغرافيا والاقتصاد».


مادورو يؤكد تمتعه بالحصانة ويحث القضاء الأميركي على رفض التهم ضده

الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يرتيدي بدلة رياضية من داخل سجنه في نيويورك (حسابه الرسمي-إكس)
الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يرتيدي بدلة رياضية من داخل سجنه في نيويورك (حسابه الرسمي-إكس)
TT

مادورو يؤكد تمتعه بالحصانة ويحث القضاء الأميركي على رفض التهم ضده

الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يرتيدي بدلة رياضية من داخل سجنه في نيويورك (حسابه الرسمي-إكس)
الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يرتيدي بدلة رياضية من داخل سجنه في نيويورك (حسابه الرسمي-إكس)

حث الرئيس الفنزويلي المخلوع ‌نيكولاس مادورو، قاضياً أميركياً على إسقاط التهم الجنائية الموجهة إليه المتعلقة بتهريب المخدرات، قائلا إنه ينبغي أن يكون متمتعا بالحصانة من ​الملاحقة القضائية بصفته رئيسا لدولة ذات سيادة.

وشكلت هذه التهم، المرفوعة أمام محكمة مانهاتن الاتحادية، الأساس لعملية الثالث من يناير (كانون الثاني) حين داهم الجيش الأميركي كراكاس واعتقل مادورو الذي نفى التهم. ومن المقرر أن تبدأ محاكمته في أول يونيو (حزيران) 2027 إذا باءت محاولته لإسقاط الدعوى بالفشل.

ويعد تمتع زعماء الدول في المنصب بالحصانة من الملاحقة القضائية في دول أخرى ‌أحد المبادئ ‌الراسخة في القانون الدولي، ويُنظر إليه على ​أنه ‌ركيزة ⁠أساسية ​للدبلوماسية.

وستشكل مساعي ⁠مادورو لإقناع القاضي الاتحادي في مانهاتن ألفين هيلرستاين برفض الدعوى اختبارا لمدى إحجام المحاكم الأميركية عموما عن تطبيق القانون الدولي في القضايا الجنائية.

وأشار خبراء قانون، بحسب وكالة «رويترز»، إلى أن مادورو يواجه معركة شاقة إذ إن واشنطن لم تعترف بمادورو رئيسا لفنزويلا منذ عام 2019، وتميل المحاكم الأميركية عادة إلى الأخذ بموقف ⁠الرئيس وإدارته في النزاعات المتعلقة بتحديد الشخص المعترف ‌به زعيما لدولة أجنبية.

وتعد ‌القضايا الجنائية الأميركية التي تشمل زعماء ​دول أجنبية نادرة للغاية، لكن الحالات ‌المماثلة لقضية مادورو لا تصب عموما في صالحه. ففي ‌عام 1990، رفض قاض اتحادي في ميامي محاولة القائد العسكري السابق لبنما مانويل نوريجا التذرع بحصانة رئيس الدولة، ومن أسباب ذلك عدم توليه منصب الرئيس رسميا قط.

ولم تعترف الولايات المتحدة بمادورو رئيسا لفنزويلا ‌منذ عام 2019، عندما أدى اليمين بعد انتخابات عام 2018 التي قالت الولايات المتحدة إنها مزورة. ⁠ووصفت الولايات ⁠المتحدة إعادة انتخابه في عام 2024 بأنها غير صحيحة.

ويقول مادورو إن الانتخابات في المرتين كانت نزيهة واتهم واشنطن دوما بالسعي إلى الإطاحة به للسيطرة على ثروات النفط في بلده الواقع في أميركا الجنوبية.

ومنذ اعتقال مادورو، تولت نائبته وحليفته الاشتراكية ديلسي رودريجيز إدارة شؤون فنزويلا وعززت التعاون مع إدارة ترمب.

وفي الشهر الماضي، توصل البلدان إلى اتفاق لم يسبق له مثيل يقضي بأن تتولى الولايات المتحدة السيطرة على حوالي خُمس احتياطيات النفط الفنزويلية.

وأمام ممثلي الادعاء مهلة حتى الثاني من ​أكتوبر (تشرين الأول) للرد على ​طلب مادورو رفض لائحة الاتهام، وسيعقد القاضي هيلرستاين جلسة استماع بشأن طلب رد الدعوى يوم 17 نوفمبر (تشرين الثاني).


طبيب نفسي مرشح للرئاسة البرازيلية يحاول شق طريقه بين لولا وبولسونارو

المرشح الرئاسي أوغوستو كوري (إ.ب.أ)
المرشح الرئاسي أوغوستو كوري (إ.ب.أ)
TT

طبيب نفسي مرشح للرئاسة البرازيلية يحاول شق طريقه بين لولا وبولسونارو

المرشح الرئاسي أوغوستو كوري (إ.ب.أ)
المرشح الرئاسي أوغوستو كوري (إ.ب.أ)

جذبت الحملة الرئاسية لطبيب نفسي ومؤلف شهير لكتب التطوير الذاتي اهتمام الناخبين البرازيليين المترددين في الاختيار بين الرئيس اليساري الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه اليميني فلافيو بولسونارو.

ويقود أوغوستو كوري حملة تحت شعار «البرازيل تريد فقط أن تكون سعيدة» ويريد أن يعلم الناخبون أن هناك خيارات أخرى تتجاوز لولا وبولسونارو في البلاد التي تشهد استقطابا حادا.

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يحيي أنصاره لدى إطلاقه حملة لإعادة انتخابه (رويترز)

وأظهرت نتائج استطلاع أجرته شركة «كويست» ونشرت الأربعاء، أن 10 في المائة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم سيصوتون لصالح كوري في الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول).

وهذا يضعه بعيدا عن منافسَيه، إذ أظهر الاستطلاع أن لولا حظي بنسبة 37 في المائة في حين حصل بولسونارو على 29 في المائة، لكنه يضعه متقدما بفارق كبير على جميع المرشحين الآخرين الذين حصل كل منهم على أقل من 3 في المائة.

المرشح الرئاسي البرازيلي فلافيو بولسونارو (رويترز)

وقال كوري البالغ 67 عاما خلال فعالية زراعية أقيمت أخيرا في ولاية ساو باولو «أريد وضع حد لهذا الصراع. لا توجد سفينتان، بل سفينة واحدة فقط تحمل اسم +العائلة البرازيلية+».

وأثار هذا الطبيب النفسي الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية، اهتمام الرأي العام عندما شارك في مناظرة رئاسية لم يحضرها المرشحان الأوفر حظا.

في الأثناء، شهد عدد متابعيه عبر الإنترنت ارتفاعا هائلا إذ اكتسب مؤلف كتب التطوير الذاتي ومن بينها كتاب «ذي ماستر أوف لوف»، 2,2 مليون متابع في أسبوع واحد.

وتمثّل انتخابات أكتوبر أول محاولة لكوري لخوض غمار العمل السياسي، إذ اقتصرت مسيرته السياسية السابقة على فترة أمضاها مع حزب الخضر البرازيلي قبل 15 عاما.

وهو يقدّم نفسه كمرشح وسطي يخوض الانتخابات متعهدا دعم قطاع الأعمال وتقليص البيروقراطية والدعوة إلى التربية العاطفية.

وسيتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع في 4 أكتوبر، وإذا لم يحسم أي مرشح الفوز في الجولة الأولى، فستُجرى جولة إعادة في 25 من الشهر ذاته.