سجون أميركا اللاتينية... كيف تحولت إلى غرفة عمليات للعصابات؟

صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
TT

سجون أميركا اللاتينية... كيف تحولت إلى غرفة عمليات للعصابات؟

صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)

سلَّطت شبكة «سي إن إن» الأميركية الضوء على تصاعد جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهادفة إلى القضاء على العصابات التي تُهرّب المخدرات إلى الولايات المتحدة، حيث تتصدر الضربات العسكرية البحرية وإجراءات تشديد الرقابة على الحدود المشهد.

وقالت الشبكة إنه مع تكثيف الولايات المتحدة تدخلاتها العلنية، يُحذّر الخبراء من أن صانعي السياسات قد يُغفلون ساحة معركة رئيسية: السجون.

صورة ملتقطة في 16 مارس 2025 تُظهر وصول أعضاء مزعومين بمنظمة «ترين دي أراغوا» الإجرامية الفنزويلية إلى مركز احتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا بالسلفادور حيث أرسلت أميركا أكثر من 200 عضو مزعوم بعصابة فنزويلية إلى السجن في السلفادور (أ.ف.ب)

وذكرت أن العديد من أقوى المنظمات الإجرامية في أميركا اللاتينية لم تتشكّل في المناطق الحدودية أو الشوارع أو مخابئ الأدغال، بل داخل السجون، فهذه المرافق، المكتظة والمُفتقرة للموارد، والتي غالباً ما تُدار ذاتياً بشكل فعلي، لطالما مثّلت حاضناتٍ للعصابات المسلحة، حيث تُجنّد وتُعيد تنظيم صفوفها وتُوسّع نفوذها، ففي تلك السجون تشكلت أو تعززت ما لا يقل عن عشر عصابات خلف القضبان.

من توكورون إلى ساو باولو

عندما استهدفت إدارة ترمب بغاراتٍ جويةٍ قواربَ يُشتبه في تهريبها المخدرات لصالح عصابة «تران دي أراغوا» أدى ذلك إلى تصعيد التوترات مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على الرغم من عدم وجود أدلةٍ قويةٍ تربط بين هذه القوارب والعصابة الإجرامية.

وتأسست هذه العصابة داخل سجن توكورون في ولاية أراغوا مطلع العقد الثاني من الألفية، وسعت في البداية إلى فرض النظام الداخلي لضمان ظروف معيشية أفضل، وفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن منظمة الشفافية في فنزويلا.

وقالت رونا ريسكيز، الصحافية الفنزويلية ومؤلفة كتاب «تران دي أراغوا»، لشبكة «سي إن إن»: «كان هناك إحباطٌ اجتماعيٌّ وراء ذلك، استياءٌ من معاملة الدولة للسجناء، وأسهمت الظروف اللاإنسانية وانعدام دعم الدولة بشكلٍ مباشرٍ في صعود هذه العصابات الإجرامية وأصبحت هذه العصابات الإجرامية الحكام الفعليين لعديد من السجون الفنزويلية».

وأضافت ريسكيز: «كانوا يسيطرون سيطرة تامة. كان الحرس الوطني ومديرو السجون يطيعون أوامرهم، وفرضوا ضرائب على السجناء، وتحكموا في تدفق الممنوعات، بل نفذوا عمليات ابتزاز وخطف خارجية، وداهمت الحكومة سجن توكورون عام 2023، وزعمت أنها حلَّت المجموعة الإجرامية، على الرغم من أن زعيميها، هيكتور روستنفورد غيريرو فلوريس، الملقب بنينيو غيريرو، ويوهان بيتريتش، ما زالا طليقين».

جنود بالجيش المكسيكي يرتبون حزماً من المخدرات لإحراقها بمنطقة عسكرية في إسكوبيدو بولاية نويفو ليون بالمكسيك 31 يناير 2025 (أ.ف.ب)

ولوحظ تطبيق هذه السياسة نفسها في أنحاء المنطقة، ففي البرازيل، ظهرت عصابات الجريمة المنظمة، مثل «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» داخل السجون في أواخر السبعينات والتسعينات، عندما ثار السجناء على الاكتظاظ وسوء المعاملة وظروف المعيشة المزرية.

وقال غريغوريو فرنانديز دي أندرادي، المحامي الذي قضى 16 عاماً في السجن بتهمة القتل، إن الزنازين كانت مكتظة لدرجة أن السجناء كانوا يتكدسون في أراجيح مؤقتة معلقة في الأسقف لضيق المساحة. وأضاف: «كنت غالباً ما أُزجّ في زنزانة مساحتها 4×4 أمتار مع 40 سجيناً، وكنا نتناوب على النوم».

ووفقاً لبيانات رسمية، تعمل سجون البرازيل بنسبة إشغال تصل إلى 140في المائة، حيث تضم أكثر من 700 ألف سجين في منشآت بُنيت لاستيعاب أقل من 500 ألف سجين، وهو واقع شائع في دول أميركا اللاتينية.

وهناك تجارة رائجة لأعضاء عصابات منظمة، حيث يبيعون للسجناء كل شيء من مستلزمات النظافة الشخصية إلى الطعام، فضلاً عن خدمات الحماية الجسدية والمساعدة القانونية.

ويقول أندرادي، الذي تقاسم الزنزانة مع روني بيكسوتو، أحد قادة عصابة «كوماندو فيرميلو»، إن الانضمام نادراً ما يكون بالإكراه ولا يوجد تهديد بالسلاح حيث ينضم الناس إلى هذه العصابات بدافع الضرورة، فهي ترحب بهم أكثر من أي وقت مضى.

وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، سيطرت عصابة «بريميرو كوماندو دا كابيتال» على سجون ساو باولو.

وقالت عالمة الاجتماع وأستاذة جامعة «إيه بي سي»، كاميلا كالديريرا نونيس دياس: «إنهم موجودون في نحو 90 في المائة من سجون الولاية، وجرائم القتل تكاد تكون معدومة، فقد تمت (تهدئة) النظام من قبل (بريميرو كوماندو دا كابيتال) لنحو 20 عاماً».

وتدير «بريميرو كوماندو دا كابيتال» إحدى أقوى شبكات تصدير الكوكايين في أميركا الجنوبية، حيث تُزوّد ​​الأسواق الأوروبية عبر مواني البرازيل، فيما تسيطر عصابة «كوماندو فيرميلو» على ممرات التهريب من بيرو عبر الأمازون، وفقاً لمؤسسة «إنسايت كرايم»، وهي مجموعة تُعنى بدراسة الجريمة المنظمة في الأميركتين.

جنود إكوادوريون يقفون أمام أحد السجون (أ.ف.ب)

ويقول الخبراء إن العمل الذي يتم داخل السجون كان حاسماً في ترسيخ العصابات في العالم الخارجي، ويُصدر قادة العصابات أوامر شراء المخدرات والقتل من داخل السجون.

وقالت إليزابيث ديكنسون، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، لشبكة «سي إن إن»: «نُطلق على السجون اسم غرف العمليات الخلفية. يُفضّل العديد من القادة العمل من داخلها لأنهم أكثر أماناً هناك».

لكنَّ النزاعات حول السيطرة على الزنازين والسجناء بداخلها قد تكون مميتة، لا سيما في المنشآت التي تتعايش فيها فصائل متعددة.

الصراع على مفاتيح الزنازين

في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، أصبحت مجازر السجون بسبب السيطرة على المناطق واقعاً متكرراً.

ففي سجن «أوريبانا» بفنزويلا، أدى نزاع بين زعماء العصابات عام 2013 إلى مقتل 61 شخصاً على الأقل.

وفي البرازيل، تسبب نزاع مماثل في مجزرة سجن كارانديرو سيئة السمعة عام 1992 في ساو باولو، والتي راح ضحيتها 111 شخصاً.

وفي الإكوادور، أصبح هذا الوضع أكثر حدة، فبسبب دورها الاستراتيجي في تصدير الكوكايين عالمياً، سمحت مناطق مثل غواياكيل لعناصر أجنبية -عصابات المخدرات المكسيكية، والمعارضين الكولومبيين- بالتغلغل في العصابات المحلية، وعندما سُجن قادتهم، انتقل الصراع على النفوذ مباشرةً إلى داخل السجون.

ويقول دانيال بونتون، عميد كلية الأمن والدفاع في معهد الدراسات الوطنية العليا في الإكوادور، إن السجون الإكوادورية غالباً ما تُقسّم إلى عنابر زنزانات تسيطر عليها عصابات مختلفة، مما يُؤجّج الصراع.

ويضيف: «لكل عنبر اقتصاده الخاص وقيادته -كل شيء مُخصخص ويُسيطَر عليه من العصابة. إذا نشب خلاف بيني وبين زعيم عصابة، أهاجم عنبره، وأقتله، وأستولي على هيكله الإجرامي».

وتجلّت هذه الحقيقة بوضوحٍ مؤلم بعد اغتيال خورخي لويس زامبرانو، الملقب بـ«راسكوينا»، الزعيم المخضرم لعصابة لوس تشونيروس، عام 2020 حيث أدى موته إلى زعزعة التوازن الذي كان يحافظ عليه بين العصابات المتنافسة، حيث انقسمت عصابات «لوس لوبوس» و«لوس تيغيرونيس» وغيرها، وبدأت صراعاتٍ على النفوذ، مما أدى إلى مجازر أودت بحياة أكثر من 400 سجين في عدة ولايات خلال أقل من ثلاث سنوات، وفقاً لمؤسسة «إنسايت كرايم».

ويبرر زعماء العصابات إراقة الدماء بالأرباح، حيث تبلغ قيمة أسواق السجون في الإكوادور حالياً أكثر من 200 مليون دولار سنوياً، أي أكثر من ضعف الميزانية هيئة الوطنية لإدارة السجون، وهي الجهة المشرفة على نظام السجون، والتي بلغت نحو 99 مليون دولار في عام 2021.

وقد أصبحت السجون مراكز رئيسية في سلسلة تهريب الكوكايين العالمية، حيث توفر التخزين والخدمات اللوجيستية والحماية للمهربين الذين ينقلون الشحنات عبر مواني غواياكيل.

عناصر من الشرطة المكسيكية (رويترز)

اليد القوية

في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، أصبحت حملات «اليد القوية» المتشددة محوراً سياسياً، حيث يخوض السياسيون حملاتهم الانتخابية على وعود بتشديد الأحكام، وحملات اعتقال عصابية، وتوسيع دور الجيش.

في عام 2024، وافق الناخبون الإكوادوريون على تدخل الجيش في عمليات الشرطة وإطالة مدة الأحكام بعد موجة من الاغتيالات ومجازر السجون.

وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، صوّت المشرعون في البرازيل لصالح تشريع يصنف عصابات مثل «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» منظمات إرهابية، بهدف تمديد أحكام السجن بشكل كبير للمدانين بموجب هذا القانون.

مع ذلك، رفضت السلطة التنفيذية في البرازيل تصنيف منظمتي «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» كعصابات إرهابية.

وخلال حوار أمني رفيع المستوى في واشنطن في مارس (آذار) 2024، أبلغ الممثلون البرازيليون نظراءهم الأميركيين بأن المنظمتين من المنظمات الإجرامية الربحية وليستا عصابات آيديولوجية، وبالتالي لا تنطبق عليهما المعايير القانونية البرازيلية للإرهاب.

في هذا السياق، أصبح نموذج السلفادور -القائم على الاعتقالات وفتح سجن ضخم، الذي يتسع لـ40 ألف سجين، مما يجعله من بين أكبر سجون العالم- مثلاً يحتذى به، لا سيما لقادة اليمين في أميركا اللاتينية وقد تعهد كل من دانيال نوبوا من الإكوادور، وسانتياغو بينيا من باراغواي، وخافيير ميلي من الأرجنتين، بتكرار النموذج السلفادوري.

أفراد من الشرطة المكسيكية (بيكساباي)

وتستثمر عدة دول في المنطقة بشكل مماثل في موجة جديدة من بناء السجون. ففي الإكوادور، بدأت الحكومة تشغيل سجن «إل إنكونترو»، وهو منشأة أمنية مشددة في سانتا إيلينا بتكلفة 52 مليون دولار أميركي، بُنيت لإيواء نحو 800 سجين من ذوي الخطورة العالية، ومجهزة بأنظمة تحكم، وأجهزة تشويش على الإشارات، وأنظمة مراقبة معززة -إلا أن العنف لا يزال قائماً.

في عام 2024، أعلنت رئيسة هندوراس، شيومارا كاسترو، إنشاء سجن ضخم يتسع لعشرين ألف شخص، وذلك في إطار حملة أوسع نطاقاً لمكافحة العصابات، شملت زيادة الاعتقالات، وتصنيف أنشطة العصابات كإرهاب، وتوسيع دور القوات العسكرية والشرطية.

جبهة خفية

تُحذر منظمات حقوق الإنسان ومحللون أمنيون من أن نهج الرئيس نجيب بوكيلي في السلفادور ليس قابلاً للتطبيق بسهولة، لا سيما في الدول التي تعاني من توغل العصابات وضعف مؤسسات الدولة.

وتقول ديكنسون، من مجموعة الأزمات الدولية: «عندما يكون لديك سجن مكتظ، وتسود الفوضى ونقص الموارد، فإنك تخلق فرصة للعصابات الإجرامية للسيطرة عليه، ما يحدث في النهاية هو أن العديد من الأفراد، خصوصاً مرتكبي الجرائم البسيطة، يقعون ضحايا وينتهي المطاف بالعديد منهم بالتحالف مع فصيل ما لمجرد النجاة من هذه التجربة».


مقالات ذات صلة

ترمب «مستعد» للمشاركة في اجتماع ثلاثي مع شي وبوتين

الولايات المتحدة​ دمى ماتريوشكا تحمل صور الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيرَيه الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ معروضة في محل للهدايا التذكارية بسان بطرسبرغ (أ.ب)

ترمب «مستعد» للمشاركة في اجتماع ثلاثي مع شي وبوتين

قال الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب ‌اليوم (​الاثنين) ‌إنه ⁠منفتح ​على المشاركة ⁠في اجتماع ثلاثي ⁠مع ‌الرئيس ‌الصيني ​شي ‌جينبينغ ‌والرئيس الروسي فلاديمير ‌بوتين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

زيلينسكي يحذر ترمب من صفقة على حساب بلاده... ومخاوف من «يالطا جديدة»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب بمحاولة دفع بلاده إلى الاستسلام لروسيا.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن في سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ترمب يتوقع نصراً «ساحقاً» لنتنياهو في الانتخابات البرلمانية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبنيامين نتنياهو إنه يتوقع منه تحقيق فوز «ساحق» في الانتخابات الأسبوع المقبل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

أكد البيت الأبيض اليوم الاثنين أن الرئيس دونالد ترمب يستعد لتوقيع أمر تنفيذي يهدف إلى تعزيز الأبحاث الفيدرالية المتعلقة بصحة المرأة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخبون ينتظرون في طابور للمشاركة في التصويت المبكر في أتلانتا - جورجيا (رويترز)

الديمقراطيون يعززون فرصهم قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية

مع تراجع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يبدو الديمقراطيون في موقع أفضل لتحدي سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، ومعركة غير واضحة النتائج في الانتخابات.

علي بردى (واشنطن)

تحالفات كوبا الخارجية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)
كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تحالفات كوبا الخارجية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)
كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)

كلما سُئل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن كوبا يكرر الإجابة نفسها: «أعتقد أنها باتت وشيكة السقوط»، ويفاخر بأنها من غير النفط الفنزويلي «ليست قادرة على البقاء».

لكن ترمب ليس أول رئيس أميركي يتوقع السقوط الوشيك لنظام الأخوين كاسترو، وقد سبقه 66 عاماً من الحصار والضغوط المتواصلة، ونهاية الحرب الباردة التي كانت كوبا خلالها حلقة مفصلية في الاستراتيجية السوفياتية، وتعاقب قبله على البيت الأبيض اثنا عشر رئيساً، راهنوا على استحالة استمرار النظام الكوبي الذي ينازع منذ سنوات لكن من غير أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو خلال خطابه في الاحتفال بالذكرى الـ65 لانتصار الثورة في سانتياغو بكوبا مطلع يناير 2024 (أ.ب)

بعد نجاح العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فجر الثالث من يناير (كانون الثاني)، عدّ ترمب أن قطع الإمدادات النفطية الفنزويلية، البالغة 28 ألف برميل يومياً، سيكون القشّة التي تقصم ظهر النظام الكوبي. كما هدد بفرض عقوبات على الدول التي قد تُصدِّر المحروقات إلى الجزيرة، مستهدفاً المكسيك على وجه الخصوص. وكان يدرك أن مثل هذا القرار سيمثل ضربة قاسية لبلد يواجه أشد أزماته الاقتصادية منذ انتصار الثورة عام 1959، ويعاني انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، والنقص الحاد في المواد الغذائية الأساسية والأدوية، فضلاً عن تراجع احتياطاته من العملات الأجنبية.

هموم كوبا ومتاعبها لم تعد فحسب مقصورة على الحصار الاقتصادي وأزمة التموين الحادة التي تعاني منها، بل بات نفوذها في الأوساط اليسارية الدولية يتراجع بشكل ملحوظ منذ سنوات. فدول مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي، إلى جانب روسيا والصين، اكتفت بإدانة الحصار الأميركي والتعهد بتقديم مساعدات إنسانية، في مؤشر إلى تراجع شرعية الثورة الكوبية على الساحة الدولية، بفعل غياب الديمقراطية والقمع الممنهج للحريات الأساسية. ويضاف إلى ذلك عجز الحلفاء التقليديين للثورة الكوبية عن تقديم العون، في ظل الظروف الدولية الراهنة، وفي مواجهة الحزم الذي تبديه واشنطن في تطبيق «عقيدة دونرو»، التي تكرس حق الولايات المتحدة في الإمساك بزمام الأمور في القارة الأميركية وفرض كلمتها الفصل في شؤونها. ومن أبرز المؤشرات على ذلك أن البرازيل لم تُحرك ساكناً حتى الآن لنجدة النظام الكوبي، فيما اقتصرت الخطوة المكسيكية على إرسال مساعدات غذائية. أما نيكاراغوا، فقررت إغلاق أبوابها أمام هجرة المواطنين الكوبيين، في حين أعلنت غواتيمالا ترحيل جميع الأطباء الكوبيين الذين يقدمون خدماتهم على أراضيها منذ سنوات.

كوبيون يسيرون خلال انقطاع التيار الكهربائي في هافانا (أرشيفية - إ.ب.أ)

لكن الوضع، رغم صعوبته، قابل لمزيد من التعقيدات بالنسبة إلى سكان الجزيرة، كما يقول دبلوماسي أوروبي في هافانا، يخشى أن يؤدي بقاء النظام الكوبي على شفا الانهيار لفترة طويلة إلى إحراج الإدارة الأميركية، إذا أصرت على ما يسمّيه «العقاب الجماعي الذي يشكّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي». ويذكر هذا الدبلوماسي بأن الأزمات الإنسانية السابقة التي عصفت بالجزيرة تسببت في هروب الآلاف نحو شواطئ فلوريدا، ويتساءل: هل الولايات المتحدة مستعدة لأن تكون مسؤولة عن مجاعة عشرات الآلاف من الأطفال على بُعد أميال من سواحلها؟

وتُفيد دراسة أعدَّتها السفارة السويسرية في هافانا، التي تؤدي دور الوسيط بين الولايات المتحدة وكوبا، بأن الأزمة الاقتصادية الراهنة في الجزيرة هي الأقسى في تاريخها، وأن السبيل الوحيد للخروج منها مرهون بموقف واشنطن، واستعداد النظام الكوبي للتجاوب مع المطالب الداخلية بمزيد من الحرية، ومع الشروط السياسية التي تمليها الإدارة الأميركية. في أي حال، باتت جميع الخيارات اليوم مرة بالنسبة إلى النظام الكوبي، الذي جعل طوال عقود من قدرته على مقاومة جارته اللدود مأثرةً تشهد على صلابته: إما أن يتنازل أمام واشنطن ويتخذ تدابير من شأنها أن تكتب نهايته، مثل إجراء انتخابات حرة، وإما أن يواجه أزمة إنسانية لا تُحمد عقباها.

ناقلة نفط روسية في طريقها إلى كوبا (أرشيفية - رويترز)

المسألة الكوبية هي أيضاً «مسألة شخصية» بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الحالية. فالرجل الذي يتولى وزارة الخارجية في واشنطن، ماركو روبيو، ينحدر من أبوين كوبيين هاجرا بعد وصول كاسترو إلى السلطة، ويعدّ سقوط النظام الكاستري تحقيقاً لحلم يراوده منذ الطفولة. وخلال مثوله مؤخراً أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، أكد أن الضغط على الجزيرة لا يستهدف إسقاط النظام، لكنه استدرك سريعاً قائلاً: «إننا نتطلع إلى تغيير النظام». ويتماهى هذا الموقف مع توجهات كثيرين من أبناء الجالية الكوبية - الأميركية النافذة، التي تُعد أحد الخزانات الانتخابية الرئيسية للحزب الجمهوري. أما الرئيس ترمب، فقد توقع «أن يأتوا إلينا راغبين في التوصل إلى اتفاق... وسنكون أسخياء معهم».

لكن كوبا ليست فنزويلا. فمنذ وصول فيديل كاسترو إلى السلطة عام 1959، حاولت الولايات المتحدة إسقاط النظام بمختلف الوسائل، بما في ذلك اللجوء إلى القوة، كما حدث خلال عملية الإنزال العسكري الفاشلة في «خليج الخنازير» عام 1961، والتي كادت تؤدي إلى مواجهة نووية مع موسكو في العام التالي. كذلك، أقرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمحاولات عدة لاغتيال كاسترو. ومنذ تسعينات القرن الماضي، تفرض واشنطن عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستغل الأصول الأميركية التي أممتها الثورة في كوبا.

وتتمتع القوات المسلحة الكوبية بدرجة من الجاهزية والتدريب تفوق نظيرتها الفنزويلية، فيما يفرض الحزب «الشيوعي» الكوبي سيطرته الكاملة على مفاصل البلاد. وعلى خلاف فنزويلا، لا توجد في كوبا معارضة سياسية منظمة أو منظمات مدنية قوية، فضلاً عن أن غالبية المعارضين البارزين غادروا الجزيرة إلى المنفى، إلى جانب 3 ملايين كوبي آخرين منذ قيام الثورة. ويضاف إلى ذلك أن ديلسي رودريغيز، رئيسة فنزويلا بالإنابة، ليست موجودة في هافانا. وحتى لو كانت هناك، فإن الولايات المتحدة لا تعرف من تكون، ولا كيف تتصل بها من دون علم الاستخبارات الكوبية، كما يقول دبلوماسي مكسيكي في هافانا.


5 قتلى في المكسيك عقب العاصفة «راشيل» والإعصار «سيمون»

الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)
الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)
TT

5 قتلى في المكسيك عقب العاصفة «راشيل» والإعصار «سيمون»

الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)
الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)

أسفرت العاصفة المدارية «راشيل» عن مقتل أربعة أشخاص أثناء مرورها في شمال غرب المكسيك، وفق ما أعلن مكتب المدعي العام في ولاية باها كاليفورنيا، الاثنين، بعدما كان الإعصار «سيمون» تسبب بمقتل شخص.

ولقي أربعة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم قاصران، حتفهم جراء الفيضانات الناجمة عن الأمطار الغزيرة التي سببتها العاصفة «راشيل»، وفق ما أوضح المصدر ذاته.

وعُثر على الجثث الأربع في ضواحي مدينة إنسينادا في ولاية باها كاليفورنيا المكسيكية، وهي منطقة فقيرة وقليلة العمران، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم انحسار العاصفة، ما زال خمسة أشخاص في عداد المفقودين. وأنقذت قوات الأمن 32 شخصاً حاصرتهم المياه في مواقع متفرقة من المنطقة، لا سيما باستخدام مروحيات.

وإلى الجنوب، في ولاية غيريرو المكسيكية، تسبب الإعصار «سيمون» بمقتل شخص يبلغ 71 عاماً جراء «انهيار جدار»، وفق ما ذكرته الحاكمة إيفلين سالغادو، الاثنين.

وكان الإعصار مرشحاً للتسبّب بأضرار أكبر، إلا أن سرعة رياحه تراجعت مع مروره فوق المناطق الجبلية خلال تقدّمه البطيء بمحاذاة الساحل.

وغيّر «سيمون» مساره بعدما كان متوقعاً أن يضرب اليابسة بشكل مباشر خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وتوقعت أحدث نشرة للمركز الوطني للأعاصير في الولايات المتحدة أن يبتعد الإعصار حالياً عن السواحل المكسيكية، مع احتمال أن يتجه نحو اليابسة في ولاية سينالوا، مساء الأربعاء.

ويتوقع الخبراء موسم أعاصير أكثر شدة، بسبب ظاهرة «إل نينيو» المناخية التي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ.


القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية

القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية
TT

القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية

القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية

سمحت المحكمة العليا البرازيلية، الاثنين، للسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو المتصدّر في السباق الرئاسي، بزيارة والده الرئيس السابق جايير بولسونارو الخاضع للإقامة الجبرية بعد انقضاء مدّة منعه.

ويُعدّ فلافيو الأوفر حظّاً للفوز في جولة الإعادة المقرّرة في 25 أكتوبر (تشرين الأول) أمام الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بعدما حصل في الجولة الأولى على 47 في المائة من الأصوات مقابل 45 في المائة للولا.

وجاء قرار المحكمة مشروطاً بعدم إشراك السيناتور والده في الحملة الانتخابية، علماً بأنه كان مُنع من زيارته في يوليو (تموز) بعدما قرأ رسالة منه عبر منصة «يوتيوب»، رغم حظر استخدام جايير بولسونارو لوسائل التواصل الاجتماعي، سواء بصورة مباشرة أو عبر طرف ثالث.

واعتبر القاضي ألكسندر دي مورايس آنذاك أن بولسونارو الأب انتهك شروط العقوبة المفروضة عليه إثر إدانته بمحاولة الانقلاب في أعقاب هزيمته أمام لولا في انتخابات 2022.

وانقضت الأحد مدّة تعليق حق فلافيو بولسونارو في الزيارة، والبالغة 90 يوماً.

وفي حين سمح القاضي باستئناف الزيارات، لكنه حظر أن يكون لها «هدف سياسي أو انتخابي»، وفقاً للقرار الذي اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فلافيو بولسونارو للصحافيين في برازيليا إنه سيزور والده صباح الثلاثاء. وأضاف: «أنا متشوق. مرّت أكثر من ثلاثة أشهر منذ رأيته آخر مرة»، واصفاً قرار المنع بأنه «يفتقر إلى المعايير، والإنسانية، والأساس القانوني».

ويُنظر إلى جايير بولسونارو باعتباره زعيم التيار اليميني المتطرف في البرازيل. وقد اختار نجله مرشّحاً للرئاسة بدلاً منه، بعدما مُنع من العمل السياسي حتى عام 2030.