سجون أميركا اللاتينية... كيف تحولت إلى غرفة عمليات للعصابات؟

صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
TT

سجون أميركا اللاتينية... كيف تحولت إلى غرفة عمليات للعصابات؟

صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)
صورة نشرتها رئاسة السلفادور لوصول أعضاء في عصابة «ترين دو أراغوا» الفنزويلية إلى مركز لاحتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا (أ.ف.ب)

سلَّطت شبكة «سي إن إن» الأميركية الضوء على تصاعد جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الهادفة إلى القضاء على العصابات التي تُهرّب المخدرات إلى الولايات المتحدة، حيث تتصدر الضربات العسكرية البحرية وإجراءات تشديد الرقابة على الحدود المشهد.

وقالت الشبكة إنه مع تكثيف الولايات المتحدة تدخلاتها العلنية، يُحذّر الخبراء من أن صانعي السياسات قد يُغفلون ساحة معركة رئيسية: السجون.

صورة ملتقطة في 16 مارس 2025 تُظهر وصول أعضاء مزعومين بمنظمة «ترين دي أراغوا» الإجرامية الفنزويلية إلى مركز احتجاز الإرهابيين بمدينة تيكولوكا بالسلفادور حيث أرسلت أميركا أكثر من 200 عضو مزعوم بعصابة فنزويلية إلى السجن في السلفادور (أ.ف.ب)

وذكرت أن العديد من أقوى المنظمات الإجرامية في أميركا اللاتينية لم تتشكّل في المناطق الحدودية أو الشوارع أو مخابئ الأدغال، بل داخل السجون، فهذه المرافق، المكتظة والمُفتقرة للموارد، والتي غالباً ما تُدار ذاتياً بشكل فعلي، لطالما مثّلت حاضناتٍ للعصابات المسلحة، حيث تُجنّد وتُعيد تنظيم صفوفها وتُوسّع نفوذها، ففي تلك السجون تشكلت أو تعززت ما لا يقل عن عشر عصابات خلف القضبان.

من توكورون إلى ساو باولو

عندما استهدفت إدارة ترمب بغاراتٍ جويةٍ قواربَ يُشتبه في تهريبها المخدرات لصالح عصابة «تران دي أراغوا» أدى ذلك إلى تصعيد التوترات مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على الرغم من عدم وجود أدلةٍ قويةٍ تربط بين هذه القوارب والعصابة الإجرامية.

وتأسست هذه العصابة داخل سجن توكورون في ولاية أراغوا مطلع العقد الثاني من الألفية، وسعت في البداية إلى فرض النظام الداخلي لضمان ظروف معيشية أفضل، وفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن منظمة الشفافية في فنزويلا.

وقالت رونا ريسكيز، الصحافية الفنزويلية ومؤلفة كتاب «تران دي أراغوا»، لشبكة «سي إن إن»: «كان هناك إحباطٌ اجتماعيٌّ وراء ذلك، استياءٌ من معاملة الدولة للسجناء، وأسهمت الظروف اللاإنسانية وانعدام دعم الدولة بشكلٍ مباشرٍ في صعود هذه العصابات الإجرامية وأصبحت هذه العصابات الإجرامية الحكام الفعليين لعديد من السجون الفنزويلية».

وأضافت ريسكيز: «كانوا يسيطرون سيطرة تامة. كان الحرس الوطني ومديرو السجون يطيعون أوامرهم، وفرضوا ضرائب على السجناء، وتحكموا في تدفق الممنوعات، بل نفذوا عمليات ابتزاز وخطف خارجية، وداهمت الحكومة سجن توكورون عام 2023، وزعمت أنها حلَّت المجموعة الإجرامية، على الرغم من أن زعيميها، هيكتور روستنفورد غيريرو فلوريس، الملقب بنينيو غيريرو، ويوهان بيتريتش، ما زالا طليقين».

جنود بالجيش المكسيكي يرتبون حزماً من المخدرات لإحراقها بمنطقة عسكرية في إسكوبيدو بولاية نويفو ليون بالمكسيك 31 يناير 2025 (أ.ف.ب)

ولوحظ تطبيق هذه السياسة نفسها في أنحاء المنطقة، ففي البرازيل، ظهرت عصابات الجريمة المنظمة، مثل «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» داخل السجون في أواخر السبعينات والتسعينات، عندما ثار السجناء على الاكتظاظ وسوء المعاملة وظروف المعيشة المزرية.

وقال غريغوريو فرنانديز دي أندرادي، المحامي الذي قضى 16 عاماً في السجن بتهمة القتل، إن الزنازين كانت مكتظة لدرجة أن السجناء كانوا يتكدسون في أراجيح مؤقتة معلقة في الأسقف لضيق المساحة. وأضاف: «كنت غالباً ما أُزجّ في زنزانة مساحتها 4×4 أمتار مع 40 سجيناً، وكنا نتناوب على النوم».

ووفقاً لبيانات رسمية، تعمل سجون البرازيل بنسبة إشغال تصل إلى 140في المائة، حيث تضم أكثر من 700 ألف سجين في منشآت بُنيت لاستيعاب أقل من 500 ألف سجين، وهو واقع شائع في دول أميركا اللاتينية.

وهناك تجارة رائجة لأعضاء عصابات منظمة، حيث يبيعون للسجناء كل شيء من مستلزمات النظافة الشخصية إلى الطعام، فضلاً عن خدمات الحماية الجسدية والمساعدة القانونية.

ويقول أندرادي، الذي تقاسم الزنزانة مع روني بيكسوتو، أحد قادة عصابة «كوماندو فيرميلو»، إن الانضمام نادراً ما يكون بالإكراه ولا يوجد تهديد بالسلاح حيث ينضم الناس إلى هذه العصابات بدافع الضرورة، فهي ترحب بهم أكثر من أي وقت مضى.

وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، سيطرت عصابة «بريميرو كوماندو دا كابيتال» على سجون ساو باولو.

وقالت عالمة الاجتماع وأستاذة جامعة «إيه بي سي»، كاميلا كالديريرا نونيس دياس: «إنهم موجودون في نحو 90 في المائة من سجون الولاية، وجرائم القتل تكاد تكون معدومة، فقد تمت (تهدئة) النظام من قبل (بريميرو كوماندو دا كابيتال) لنحو 20 عاماً».

وتدير «بريميرو كوماندو دا كابيتال» إحدى أقوى شبكات تصدير الكوكايين في أميركا الجنوبية، حيث تُزوّد ​​الأسواق الأوروبية عبر مواني البرازيل، فيما تسيطر عصابة «كوماندو فيرميلو» على ممرات التهريب من بيرو عبر الأمازون، وفقاً لمؤسسة «إنسايت كرايم»، وهي مجموعة تُعنى بدراسة الجريمة المنظمة في الأميركتين.

جنود إكوادوريون يقفون أمام أحد السجون (أ.ف.ب)

ويقول الخبراء إن العمل الذي يتم داخل السجون كان حاسماً في ترسيخ العصابات في العالم الخارجي، ويُصدر قادة العصابات أوامر شراء المخدرات والقتل من داخل السجون.

وقالت إليزابيث ديكنسون، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، لشبكة «سي إن إن»: «نُطلق على السجون اسم غرف العمليات الخلفية. يُفضّل العديد من القادة العمل من داخلها لأنهم أكثر أماناً هناك».

لكنَّ النزاعات حول السيطرة على الزنازين والسجناء بداخلها قد تكون مميتة، لا سيما في المنشآت التي تتعايش فيها فصائل متعددة.

الصراع على مفاتيح الزنازين

في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، أصبحت مجازر السجون بسبب السيطرة على المناطق واقعاً متكرراً.

ففي سجن «أوريبانا» بفنزويلا، أدى نزاع بين زعماء العصابات عام 2013 إلى مقتل 61 شخصاً على الأقل.

وفي البرازيل، تسبب نزاع مماثل في مجزرة سجن كارانديرو سيئة السمعة عام 1992 في ساو باولو، والتي راح ضحيتها 111 شخصاً.

وفي الإكوادور، أصبح هذا الوضع أكثر حدة، فبسبب دورها الاستراتيجي في تصدير الكوكايين عالمياً، سمحت مناطق مثل غواياكيل لعناصر أجنبية -عصابات المخدرات المكسيكية، والمعارضين الكولومبيين- بالتغلغل في العصابات المحلية، وعندما سُجن قادتهم، انتقل الصراع على النفوذ مباشرةً إلى داخل السجون.

ويقول دانيال بونتون، عميد كلية الأمن والدفاع في معهد الدراسات الوطنية العليا في الإكوادور، إن السجون الإكوادورية غالباً ما تُقسّم إلى عنابر زنزانات تسيطر عليها عصابات مختلفة، مما يُؤجّج الصراع.

ويضيف: «لكل عنبر اقتصاده الخاص وقيادته -كل شيء مُخصخص ويُسيطَر عليه من العصابة. إذا نشب خلاف بيني وبين زعيم عصابة، أهاجم عنبره، وأقتله، وأستولي على هيكله الإجرامي».

وتجلّت هذه الحقيقة بوضوحٍ مؤلم بعد اغتيال خورخي لويس زامبرانو، الملقب بـ«راسكوينا»، الزعيم المخضرم لعصابة لوس تشونيروس، عام 2020 حيث أدى موته إلى زعزعة التوازن الذي كان يحافظ عليه بين العصابات المتنافسة، حيث انقسمت عصابات «لوس لوبوس» و«لوس تيغيرونيس» وغيرها، وبدأت صراعاتٍ على النفوذ، مما أدى إلى مجازر أودت بحياة أكثر من 400 سجين في عدة ولايات خلال أقل من ثلاث سنوات، وفقاً لمؤسسة «إنسايت كرايم».

ويبرر زعماء العصابات إراقة الدماء بالأرباح، حيث تبلغ قيمة أسواق السجون في الإكوادور حالياً أكثر من 200 مليون دولار سنوياً، أي أكثر من ضعف الميزانية هيئة الوطنية لإدارة السجون، وهي الجهة المشرفة على نظام السجون، والتي بلغت نحو 99 مليون دولار في عام 2021.

وقد أصبحت السجون مراكز رئيسية في سلسلة تهريب الكوكايين العالمية، حيث توفر التخزين والخدمات اللوجيستية والحماية للمهربين الذين ينقلون الشحنات عبر مواني غواياكيل.

عناصر من الشرطة المكسيكية (رويترز)

اليد القوية

في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، أصبحت حملات «اليد القوية» المتشددة محوراً سياسياً، حيث يخوض السياسيون حملاتهم الانتخابية على وعود بتشديد الأحكام، وحملات اعتقال عصابية، وتوسيع دور الجيش.

في عام 2024، وافق الناخبون الإكوادوريون على تدخل الجيش في عمليات الشرطة وإطالة مدة الأحكام بعد موجة من الاغتيالات ومجازر السجون.

وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، صوّت المشرعون في البرازيل لصالح تشريع يصنف عصابات مثل «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» منظمات إرهابية، بهدف تمديد أحكام السجن بشكل كبير للمدانين بموجب هذا القانون.

مع ذلك، رفضت السلطة التنفيذية في البرازيل تصنيف منظمتي «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلو» كعصابات إرهابية.

وخلال حوار أمني رفيع المستوى في واشنطن في مارس (آذار) 2024، أبلغ الممثلون البرازيليون نظراءهم الأميركيين بأن المنظمتين من المنظمات الإجرامية الربحية وليستا عصابات آيديولوجية، وبالتالي لا تنطبق عليهما المعايير القانونية البرازيلية للإرهاب.

في هذا السياق، أصبح نموذج السلفادور -القائم على الاعتقالات وفتح سجن ضخم، الذي يتسع لـ40 ألف سجين، مما يجعله من بين أكبر سجون العالم- مثلاً يحتذى به، لا سيما لقادة اليمين في أميركا اللاتينية وقد تعهد كل من دانيال نوبوا من الإكوادور، وسانتياغو بينيا من باراغواي، وخافيير ميلي من الأرجنتين، بتكرار النموذج السلفادوري.

أفراد من الشرطة المكسيكية (بيكساباي)

وتستثمر عدة دول في المنطقة بشكل مماثل في موجة جديدة من بناء السجون. ففي الإكوادور، بدأت الحكومة تشغيل سجن «إل إنكونترو»، وهو منشأة أمنية مشددة في سانتا إيلينا بتكلفة 52 مليون دولار أميركي، بُنيت لإيواء نحو 800 سجين من ذوي الخطورة العالية، ومجهزة بأنظمة تحكم، وأجهزة تشويش على الإشارات، وأنظمة مراقبة معززة -إلا أن العنف لا يزال قائماً.

في عام 2024، أعلنت رئيسة هندوراس، شيومارا كاسترو، إنشاء سجن ضخم يتسع لعشرين ألف شخص، وذلك في إطار حملة أوسع نطاقاً لمكافحة العصابات، شملت زيادة الاعتقالات، وتصنيف أنشطة العصابات كإرهاب، وتوسيع دور القوات العسكرية والشرطية.

جبهة خفية

تُحذر منظمات حقوق الإنسان ومحللون أمنيون من أن نهج الرئيس نجيب بوكيلي في السلفادور ليس قابلاً للتطبيق بسهولة، لا سيما في الدول التي تعاني من توغل العصابات وضعف مؤسسات الدولة.

وتقول ديكنسون، من مجموعة الأزمات الدولية: «عندما يكون لديك سجن مكتظ، وتسود الفوضى ونقص الموارد، فإنك تخلق فرصة للعصابات الإجرامية للسيطرة عليه، ما يحدث في النهاية هو أن العديد من الأفراد، خصوصاً مرتكبي الجرائم البسيطة، يقعون ضحايا وينتهي المطاف بالعديد منهم بالتحالف مع فصيل ما لمجرد النجاة من هذه التجربة».


مقالات ذات صلة

مطار بالم بيتش في ولاية فلوريدا يغير اسمه إلى مطار ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء نزوله من الطائرة الرئاسية في مطار بالم بيتش الدولي (رويترز)

مطار بالم بيتش في ولاية فلوريدا يغير اسمه إلى مطار ترمب

‌غيرت مدينة بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية، اليوم الخميس، اسم مطارها رسمياً ليكون مطار الرئيس دونالد ترمب الدولي.

«الشرق الأوسط» (بالم بيتش )
العالم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة التركية)

تركيا تطالب حلفاء «ناتو» برفع جميع العقوبات المفروضة عليها

طالبت تركيا برفع جميع العقوبات على صناعتها الدفاعية وتلبية احتياجاتها العسكرية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
تحليل إخباري ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان» الجديدة في طريق عودته إلى قاعدة «أندروز» المشتركة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هل يتحول الصراع مع إيران إلى عبء انتخابي للجمهوريين؟

أبدى المرشحون الجمهوريون الذين يخوضون انتخابات التجديد النصفي مخاوفهم من أن تتحول حرب إيران إلى تحدٍّ سياسي قبل انتخابات نوفمبر.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يحملون حروفاً تشكل شعار «مولود في الولايات المتحدة = مواطن!» خارج مبنى المحكمة العليا الأميركية يوم 1 أبريل (رويترز)

ترمب يتمسّك بإلغاء الجنسية بالولادة رغم قرار المحكمة العليا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في حكمها «المجنون» بإلغاء قراره الذي يهدف إلى إلغاء حق المواطنة بالولادة.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا محطة وقود مغلقة في منطقة ساكي بشبه جزيرة القرم الاثنين بعدما قررت السلطات تعليق بيع الوقود بسبب هجمات أوكرانية (رويترز)

روسيا تحذر واشنطن من أن دعمها للهجمات الأوكرانية يطيل أمد الحرب ولا ينهيها

روسيا تحذر واشنطن من أن دعمها للهجمات الأوكرانية يطيل أمد الحرب، ومصادر مقربة من بوتين تقول إن هناك «احتمالاً قوياً» للتصعيد وإقامة «منطقة عازلة أكبر».

«الشرق الأوسط» (لندن)

فنزويلية تضع مولودها بين الهزات الارتدادية للزلزالين

إليانا غارسيا تتفقد هاتفها المحمول بينما تُرضع طفلها غاييل خيسوس الذي وُلد بعد يوم من زلزالَي يوليو الحالي داخل ملجأ في مدرسة بوليفاريانا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)
إليانا غارسيا تتفقد هاتفها المحمول بينما تُرضع طفلها غاييل خيسوس الذي وُلد بعد يوم من زلزالَي يوليو الحالي داخل ملجأ في مدرسة بوليفاريانا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)
TT

فنزويلية تضع مولودها بين الهزات الارتدادية للزلزالين

إليانا غارسيا تتفقد هاتفها المحمول بينما تُرضع طفلها غاييل خيسوس الذي وُلد بعد يوم من زلزالَي يوليو الحالي داخل ملجأ في مدرسة بوليفاريانا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)
إليانا غارسيا تتفقد هاتفها المحمول بينما تُرضع طفلها غاييل خيسوس الذي وُلد بعد يوم من زلزالَي يوليو الحالي داخل ملجأ في مدرسة بوليفاريانا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)

كان الأطباء قد أبلغوا إليانا غارسيا بأنها لن تستطيع أن تلد إلا عبر جراحة قيصرية. ولكن، مع أولى طلقات المخاض التي تزامنت مع الزلزالين اللذين ضربا فنزويلا، لم يكن أمامها سوى الولادة الطبيعية.

وبينما كان الزلزالان القويان اللذان بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجة، يضربان ولاية لا غوايرا على الساحل الفنزويلي في 24 يونيو (حزيران)، هرعت إليانا التي كانت في أسبوع حملها الثامن والثلاثين، إلى ملعب بيسبول بحثاً عن مكان آمن، كما فعل عشرات الأشخاص الهاربون من شوارع كانت مبانيها تنهار واحداً تلو الآخر. وفجأة، شعرت هذه الشابة البالغة 19 عاماً بسائل يتدفق بين ساقيها.

رجال الإنقاذ يبحثون بين أنقاض المباني المنهارة في كاراباليدا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)

وكان الأطباء قد أكدوا لها في وقت سابق عدم قدرتها على الولادة الطبيعية نظراً إلى ضيق حوضها، وعيَّنوا لها موعداً لعملية قيصرية كان يفترض أن تكون بعد أسبوع من الزلزالين، غير أن طلقات المخاض باغتتها قبل الأوان.

وروت إليانا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «شعرتُ بأنني أريد التبول»؛ لكنها أدركت عندما لم تتمكن من ذلك أنها أوشكت على وضع طفلها.

رجل يقف بجوار العلم الفنزويلي بينما تقوم جرافة بإزالة الأنقاض في كاراباليدا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)

كان ذلك عند فجر 25 يونيو. في عتمة الليل، ذهبت زوجة شقيقها خوليا دي جوزيبي حافية القدمين بحثاً عن المساعدة.

حولها، كانت المدينة في حالة من الفوضى والاضطراب: صراخ وبكاء ورجال إنقاذ يتسلقون الأنقاض بحثاً عن ناجين.

لم يستجب أحد لتوسلات خوليا دي جوزيبي، فعادت إلى ملعب البيسبول لتصل في الوقت المناسب، وتسمع أن إليانا غارسيا بدأت الولادة.

وقالت خوليا البالغة 37 عاماً: «هنا، توسلت إلى مسعفة كانت تبحث عن أقاربها بين الأنقاض، فوافقت على مساعدتنا».

من دون مياه ولا قفازات طبية، وباستخدام القليل من معقم اليدين، تمكنت هذه المسعفة المحترفة من إجراء عملية الولادة، مستعينة بوميض كشافات هواتف محمولة.

وبدأت إليانا غارسيا -محاطة بعشرات الأشخاص الذين نسوا للحظات مآسيهم الشخصية- الدفع، وسط الهزات الارتدادية للزلزالين.

وارتفعت حصيلة ضحايا الزلزالين اللذين ضربا فنزويلا إلى 3685 قتيلاً، وفق بيان نشرته الحكومة الثلاثاء. وجاء في البيان: «الحصيلة الرسمية بتاريخ 7 يوليو (تموز): 3685 قتيلاً، و16 ألفاً و740 جريحاً». وتتجنَّب السلطات التحدث عن المفقودين، ولكن الأمم المتحدة تقدِّر أن عددهم قد يصل إلى 50 ألفاً، في حين تشير تقديرات أخرى إلى نحو 10 آلاف. وأفادت الحصيلة السابقة، الاثنين، بسقوط 3535 قتيلاً.

ووقع الزلزالان اللذان بلغت قوة أحدهما 7.2 درجة، والثاني 7.5 درجة، بفارق 39 ثانية، وطالا خصوصاً شمال فنزويلا.

قطع الحبل السري بـ«مقص أظافر»

ولد الجنين، وكان صبياً، وهو ما أثار دهشة العائلة التي كانت تتوقع أن يكون فتاة، ولكنه لم يبكِ. وقالت دي جوزيبي إن تصفيق الموجودين هو ما جعله يبكي.

وتابعت: «في تلك اللحظة، لم يكن لدينا ما نقطع به الحبل السري، فبدأت الشابات إزالة ربطات شعورهن واستخدمناها لربط الحبل من الطرفين، مع استخدام كمية كبيرة من الكحول، ثم قطعناه بمقص أظافر صغير».

لا تتذكر إليانا غارسيا أي شيء آخر منذ تلك اللحظة. نقلها أقاربها إلى مستشفى عام بصعوبة؛ حيث عالجها الأطباء؛ لكنهم لم يتمكنوا من إعطاء المولود اللقاحات اللازمة؛ إذ كانوا يحاولون بقدر المستطاع التعامل مع العدد الكبير من الضحايا.

لاحقاً، أُسكنت العائلة كلها في مدرسة حكومية كانت تُستخدم مركز إيواء في لا غوايرا.

رجال الإنقاذ يستريحون على أنقاض مبنى منهار في كاراباليدا بولاية لا غوايرا الفنزويلية (أ.ف.ب)

وعُثِر على ابنتَي شقيق إليانا غارسيا البالغتين 14 و11 عاماً تحت أنقاض المبنى الذي كانت العائلة تعيش فيه.

ورغم تشوُّه ملامحهما تحت أطنان من الأسمنت، تعرَّف عليهما والدهما من خلال السوار الفضي الذي كانت الابنة الكبرى تضعه حول معصمها؛ لكن ما زالت شقيقة إليانا غارسيا وكذلك أحد أبناء إخوتها في عداد المفقودين.

وكانت إليانا تفكر في تسمية ابنها دانيال إدواردو: «لكن شقيقتي أرادت أن أسميه غاييل» وفق ما قالته الشابة باكية، مضيفة: «لذلك قررت أن أطلق عليه اسم غاييل خيسوس. هذه طريقتي لإبقائها بقربي».


ارتفاع عدد قتلى زلزالي فنزويلا إلى 3342

رجال الإنقاذ يبحثون بين الحطام في أعقاب زلزالين في لاعويرا بفنزويلا (رويترز)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الحطام في أعقاب زلزالين في لاعويرا بفنزويلا (رويترز)
TT

ارتفاع عدد قتلى زلزالي فنزويلا إلى 3342

رجال الإنقاذ يبحثون بين الحطام في أعقاب زلزالين في لاعويرا بفنزويلا (رويترز)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الحطام في أعقاب زلزالين في لاعويرا بفنزويلا (رويترز)

أظهرت بيانات نشرتها وزارة الإعلام الفنزويلية، الأحد، أن عدد قتلى الزلزالين اللذين ضربا فنزويلا ارتفع إلى 3342. وتشير الحصيلة الجديدة أيضاً إلى أن عدد المصابين بلغ 16470 شخصاً، بينما ارتفع عدد المشردين إلى 17345 شخصاً.

وفي وقت سابق من اليوم، دافعت ديلسي رودريجيز، القائمة بأعمال الرئيس في فنزويلا، في خطاب بمناسبة مرور 215 عاماً على استقلال فنزويلا، عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في أعقاب الزلزالين، وسط تزايد الإحباط إزاء ما وصفه الكثيرون بأنه استجابة متأخرة وغير كافية للكارثة. وقالت رودريجيز إنها نشرت قوات الأمن على الفور وأعلنت عن إنشاء وحدة عسكرية جديدة للمساعدة في التعامل مع حالات الطوارئ والكوارث.


رودريغيز: فنزويلا لن تشهد «اضطرابات اجتماعية» بعد الزلزالين

رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز (ا.ب)
رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز (ا.ب)
TT

رودريغيز: فنزويلا لن تشهد «اضطرابات اجتماعية» بعد الزلزالين

رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز (ا.ب)
رئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز (ا.ب)

شدّدت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، الأحد، على أن البلاد لن تنزلق إلى اضطرابات اجتماعية في أعقاب الزلزالين اللذين أسفرا عن نحو ثلاثة آلاف قتيل وآلاف المفقودين.

وقالت الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال مراسم عسكرية بمناسبة عيد الاستقلال «لن تحدث اضطرابات اجتماعية، فما نشهده هو تضامن اجتماعي عميق».

وكان كثر من الفنزويليين قد أعربوا عن غضبهم إزاء ما اعتبروه تقصيرا في استجابة الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة لكارثة 24 يونيو (حزيران)، قبل وصول فرق الإغاثة الدولية.

ودافعت رودريغيز عن أداء السلطات، مؤكدة نشر آلاف المسؤولين للمساعدة.

وأظهرت بيانات نشرتها وزارة الإعلام الفنزويلية، الأحد، أن عدد قتلى الزلزالين ارتفع إلى 3342. وتشير الحصيلة الجديدة أيضا إلى ‌أن عدد ‌المصابين ​بلغ ‌16470 ⁠شخصا، بينما ​ارتفع عدد ⁠المشردين إلى 17345 شخصا.