ترمب... عام هز أميركا وحيّر العالم

سياسات داخلية مثيرة للجدل وقرارات خارجية خارجة عن المألوف

ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب... عام هز أميركا وحيّر العالم

ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

عامٌ مرّ على عهد الرئيس الأميركي السابع والأربعين دونالد ترمب. رئيس هزّ أميركا من الداخل وزعزع مؤسساتها، وتحدى السلطتين التشريعية والقضائية من دون تردد. وقّع مئات القرارات التنفيذية، دافعاً بصلاحيات الرئاسة إلى أقصى حدودها وممتحناً صلابة النظام الأميركي.

أما في الخارج، فحدّث ولا حرج، إذ أربكت تحركاته وتصريحاته الحلفاء قبل الخصوم، وزعزعت ثوابت النظام الدولي، ودفعت العالم إلى إعادة حساباته تجاه واشنطن. عامٌ قال فيه إنه أنهى 8 حروب، مطالباً بجائزة نوبل للسلام، وتعهد بإنهاء الحروب الأبدية، ووضع «أميركا أولاً». لكن بالمقابل، اعتمد سياسات أعادت رسم النفوذ الأميركي، وسط توجهات توسعية كسرت المسار التقليدي الذي سارت عليه الإدارات السابقة.

يستعرض «تقرير واشنطن» وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» المشهد الأميركي في هذا العام، وما إذا دخلت أميركا فعلاً عصرها الذهبي أم أنها مجرد شعارات بعيدة عن التطبيق.

سياسات داخلية مثيرة للجدل

عناصر (أيس) في مينيابوليس يوم 21 يناير 2026 (أ.ب)

في عامه الأول من عهده الثاني قلب ترمب الموازين وتحدى النظام التقليدي الذي رسم مسار السلطات وحدد صلاحياتها، فأصدر وابلاً من القرارات التنفيذية المتلاحقة التي أنهكت النظام القضائي الذي رزح تحت وطأتها، فيما جلس «الكونغرس» في مقعد المتفرج مع أغلبية جمهورية هشة وأقلية ديمقراطية عاجزة عن مواجهة رئيس بدأ ولايته بمكافأة الموالين له ومعاقبة كل من تحداه.

يقول ريتشارد ستيرن، نائب رئيس معهد بليموث في مجموعة «أميركان فريدوم» المحافظة والمدير السابق في منظمة «هيرتياج»، إن الكثير من القرارات التنفيذية التي وقعها ترمب يهدف إلى إلغاء القيود التنظيمية في أسلوب الحكم وتبسيط الحكومة وطريقة عملها، وأشار إلى أن ترمب «أمضى سنوات في التفكير ملياً في الإصلاحات الجيدة التي يراها، وأراد تنفيذها جميعاً في اللحظة الأولى». ولهذا السبب وقَّع على أكثر من 200 قرار تنفيذي منذ تسلّمه الرئاسة وحتى اليوم. لكن إيان راسل، نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، اتهم ترمب بالتحايل على السلطتين التشريعية والقضائية عبر هذه القرارات التنفيذية، مشيراً إلى أنه أدرك عدم قدرته على تمرير التشريعات التي يريدها في الكونغرس بشكل فعال، وواصفاً أجندة الإدارة بـ«السامة بالنسبة للشعب الأميركي». وأوضح راسل أن استراتيجية فريق ترمب تكمن في محاولة الضغط على النظام القضائي على أمل الحصول على موافقة قاضٍ قد يكون عينه في ولايته السابقة، مضيفاً: «إنها استراتيجية متعمدة. إذا طرحوا 400 موضوع ووافقت المحاكم على 25 منها، فسوف يعتبرون ذلك انتصاراً وينتقلون إلى الموضوع التالي».

أما البروفسور جاك راكوفي، أستاذ التاريخ والدراسات الأميركية في جامعة ستانفورد، فيذكر أن «واجب الرئيس الأساسي هو الحرص على تنفيذ القوانين بأمانة»، معتبراً أن استخدام الأوامر التنفيذية هو وسيلة للتحايل على النظام الأميركي، وأن المحاكم ليس لديها خيار إلا أن تلحق بالركب. ويعتبر راكوفي أن المحاكم في حالة ترمب تتصرف في الواقع بمسؤولية كبيرة، مضيفاً: «في معظم القضايا، لا يوجد فرق كبير بين القضاة المعينين من قِبَل ترمب، أو بالأحرى القضاة المعينين من قِبَل الجمهوريين، والقضاة المعينين من قِبَل الرؤساء الديمقراطيين، لكن المشكلة هي أن كل هذه القضايا تستغرق وقتاً طويلاً لتمر عبر النظام القضائي».

مبنى المحكمة العليا في واشنطن يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ويهاجم ستيرن الكونغرس في هذا الإطار ملقياً باللوم عليه في اعتماد ترمب على القرارات التنفيذية لتطبيق أجندته فيقول: «ما رأيناه على مدى عقود هو كونغرس لا يريد أن ينظر إلى مهامه، ولا يريد أن يمرر تشريعات تعالج جميع التفاصيل. لقد رأينا قبل ترمب رؤساءً كثّروا من مهام الرئيس على حساب الكونغرس، والسلطة القضائية هي الجهة التي تحاول التدخل»، ويشيد ستيرن بالتعيينات القضائية لترمب في عهدَيه الأول والثاني، ويصفهم بـ«القضاة الحقيقيين الذين يحاولون إنفاذ القانون، وقراءة القانون كما هو، وعدم الانخراط في النشاط السياسي، وعدم سن التشريعات من على منصة القضاء».

لكن راسل يهاجم هذا التوصيف، مشيراً إلى وجود جهود متضافرة من قِبَل «اليمين» الأميركي، مثل مؤسسة «هيريتاج» التي عمل فيها سترين، لاختيار القضاة بعناية، وتعيينهم في مناصبهم في سن مبكرة لرسم الاتجاه الذي ستسير عليه البلاد لعقود مقبلة. ويضيف: «ما لدينا الآن هو رئيس يتجاهل العملية التشريعية التقليدية، وكونغرس يسيطر عليه الجمهوريون بقيادة رئيسه مايك جونسون الذي لا يحاول فرض سلطة الكونغرس، ونظام قضائي يتعرض بشكل متزايد لمضايقات وقضاة ناشطين شباب يعيدون تشكيل البلاد بالطريقة التي يريدها (اليمين)». ويذكر راسل بالمشروع 2025 المحافظ لمنظمة «هيريتاج» فيقول: «اليوم يدرك الشعب الأميركي أن هذا ليس ما صوتوا من أجله. ما نراه الآن في شوارع مينيابوليس من عملاء (أيس) المقنعين من دون بطاقات هوية، ودون العلامات النموذجية التي من المفترض أن تحملها قوات إنفاذ القانون، هذا ليس ما صوّت له الشعب الأميركي».

السياسة الخارجية

ترمب يتحدث إلى جانب أمين عام «الناتو» في البيت الأبيض يوم 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

السياسة الخارجية لم تسلم من لمسة ترمب، الذي غيَّر من التوجه الأميركي التقليدي مفاجئاً الحلفاء قبل الخصوم، فمن تغنيه بإنهاء 8 حروب، إلى فتح جبهة أميركا اللاتينية، وتوعده بالاستحواذ على غرينلاند، وتذمره من عدم الفوز بجائزة نوبل للسلام. رسم ترمب مساراً مختلفاً تحت شعار «السلام من خلال القوة».

يقول ستيرن إن الكثير من الرؤساء الأميركيين السابقين وضعوا أميركا في المرتبة الأخيرة، ورفعوا من شأن بعض أكثر قادة العالم سوءاً مثل الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، وإن ترمب وضع حداً لذلك، مضيفاً: «كان مادورو ديكتاتوراً اشتراكياً وحشياً قمع شعبه، وتاجر بالمخدرات، وساعد الإرهابيين، وساعد الحكومة الصينية على اكتساب موطئ قدم، ليس في نصف الكرة الغربي فحسب، بل ضد المصالح في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك توفير التمويل للحوثيين الذين يهاجمون التجارة التي تمر عبر قناة السويس. لقد وضع ترمب حداً لكثير من ذلك. بإطاحة مادورو، أطاح بنظام وحشي، وأحضر السلام إلى العالم».

لكن ستيرن يعتبر أن قضية غرينلاند هي إحدى القضايا التي لا يتفق الجمهوريون مع ترمب بشأنها، مشدداً على أهمية الحفاظ على العلاقات مع أوروبا، ويشير إلى أن ترمب يعرف أهمية هذه العلاقات، مضيفاً: «لا أؤيد كل ما فعله الرئيس في ملف غرينلاند، لكنه عمل أيضاً على محاولة حث أوروبا على إنفاق المزيد على جيوشها، لم يكن شركاء (الناتو) في أوروبا ملتزمين بوعودهم في الإنفاق العسكري، وهذا ما جعل أوكرانيا عرضة للهجوم الروسي، وجعل القطب الشمالي عرضة للغزوات الروسية».

رجل يرتدي قميصاً عليه صورة مادورو إثر اعتقاله على يد القوات الأميركية يوم 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ويهاجم راسل سياسات ترمب الخارجية بقوة فيصفها بالكارثية والمحرجة لأميركا، ويقول: «أعتقد أن بقية العالم ينتظر ويراقب ويشعر بالرعب ويعدّ الأيام حتى لا يعود لترمب أي دور». ووجه راسل انتقادات لاذعة لأداء ترمب في دافوس، معتبراً أن كلامه لم يكن واضحاً، وأنه تحدث بشكل متقطع وخلط بين غرينلاند وآيسلندا، مضيفاً بسخرية: «هذا هو الرئيس الأميركي، زعيم العالم الحر، إنه يتصرف بطريقة تجعل حلفاءنا وأصدقاءنا والعديد من المواطنين الأميركيين ينظرون إليه ويقولون: متى سينتهي هذا؟».

وأشار إلى الرسالة التي كتبها إلى رئيس الوزراء النرويجي، قائلاً إنه لم يعد يهتم بالسلام لأنه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام، فيقول: «هذه نوبة غضب. إذا تصرف طفل في الثانية عشرة من عمره بهذه الطريقة، فسيتم معاقبته. إذا نام والدك أو جدك البالغ من العمر 80 عاماً أثناء الاجتماعات، وتكلم بطريقة غير واضحة كما فعل الرئيس، فإن العديد من العائلات ستقول إنه حان الوقت لأخذه إلى الطبيب، وربما أخذ مفاتيح السيارة منه».

ويهب سترين دفاعاً عن ترمب مشيراً إلى أسلوبه الخارج عن المألوف ويشيد بجهوده في توسيع «اتفاقات أبراهام» والسعي للسلام وتوسيع التجارة في بعض المجالات، وتوسع الشراكات العسكرية، مضيفاً: «ترمب هو صانع الصفقات. نحن نعلم أن السياسة تنطوي على الكثير من الاستعراض. فيها الكثير من التمثيل المسرحي وإذا كنت قلقاً من أن ترمب كان يتلعثم في كلامه، فماذا عن السنوات الأربع في ظل جو بايدن؟». ويختم قائلاً: «بشكل عام، إذا نظرتم إلى ترمب، فسترون رجل أعمال، ملياردير، رجل صنع نفسه بنفسه، وهو صانع صفقات، يفهم كيف يجمع الناس معاً، وكيف يجري المحادثات الصعبة، وكيف يحقق انتصارات حقيقية للشعب الأميركي، وكيف يتعامل مع الصراعات الدولية الحقيقية التي لا توجد لها حلول سهلة بصراحة. وهذا عمل شاق».


مقالات ذات صلة

الديمقراطيون يتقدمون في جمع التبرعات ويستهدفون معاقل الجمهوريين

الولايات المتحدة​ ناخبون يصطفون خلال اليوم الأول من التصويت المبكر في نورث كارولاينا يوم 15 أكتوبر (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يتقدمون في جمع التبرعات ويستهدفون معاقل الجمهوريين

طرق الديمقراطيون الحديد الساخن عند الجمهوريين في ولايات مصنَّفة حمراء لانتزاع أكبر عدد ممكن من المقاعد في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد أقل من 20 يوماً.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ) p-circle

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية».

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يتراجع عن نقل إعدام منفّذ هجوم «فورت هود» بالبثّ الحي

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تراجعه عن بث عملية إعدام نضال حسن، المُدان بقتل جنود أميركيين، التي ستكون رمياً بالرصاص على يد فرقة إعدام عسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية واشنطن تبحث قصف إيران بـ «أم القنابل»

واشنطن تبحث قصف إيران بـ «أم القنابل»

نقلت شبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة قولها إن الجيش الأميركي يدرس الاستخدام المحتمل لقنبلة «جي بي يو 43/ بي»، المعروفة باسم «أم القنابل»، ضد إيران...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كيمبرلي غيلفويل تتحدّث خلال فعالية في البيت الأبيض يوم 24 مارس (أ.ف.ب)

رحيل سريع للمسؤولات وإبقاء المسؤولين... هل تُحاسب إدارة ترمب النساء وتُجامل الرجال؟

أثارت موجة رحيل المسؤولات عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الثانية تساؤلات بشأن المساواة في التعامل بين النساء والرجال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.