ترمب... عام هز أميركا وحيّر العالم

سياسات داخلية مثيرة للجدل وقرارات خارجية خارجة عن المألوف

ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب... عام هز أميركا وحيّر العالم

ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)
ترمب في البيت الأبيض يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

عامٌ مرّ على عهد الرئيس الأميركي السابع والأربعين دونالد ترمب. رئيس هزّ أميركا من الداخل وزعزع مؤسساتها، وتحدى السلطتين التشريعية والقضائية من دون تردد. وقّع مئات القرارات التنفيذية، دافعاً بصلاحيات الرئاسة إلى أقصى حدودها وممتحناً صلابة النظام الأميركي.

أما في الخارج، فحدّث ولا حرج، إذ أربكت تحركاته وتصريحاته الحلفاء قبل الخصوم، وزعزعت ثوابت النظام الدولي، ودفعت العالم إلى إعادة حساباته تجاه واشنطن. عامٌ قال فيه إنه أنهى 8 حروب، مطالباً بجائزة نوبل للسلام، وتعهد بإنهاء الحروب الأبدية، ووضع «أميركا أولاً». لكن بالمقابل، اعتمد سياسات أعادت رسم النفوذ الأميركي، وسط توجهات توسعية كسرت المسار التقليدي الذي سارت عليه الإدارات السابقة.

يستعرض «تقرير واشنطن» وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» المشهد الأميركي في هذا العام، وما إذا دخلت أميركا فعلاً عصرها الذهبي أم أنها مجرد شعارات بعيدة عن التطبيق.

سياسات داخلية مثيرة للجدل

عناصر (أيس) في مينيابوليس يوم 21 يناير 2026 (أ.ب)

في عامه الأول من عهده الثاني قلب ترمب الموازين وتحدى النظام التقليدي الذي رسم مسار السلطات وحدد صلاحياتها، فأصدر وابلاً من القرارات التنفيذية المتلاحقة التي أنهكت النظام القضائي الذي رزح تحت وطأتها، فيما جلس «الكونغرس» في مقعد المتفرج مع أغلبية جمهورية هشة وأقلية ديمقراطية عاجزة عن مواجهة رئيس بدأ ولايته بمكافأة الموالين له ومعاقبة كل من تحداه.

يقول ريتشارد ستيرن، نائب رئيس معهد بليموث في مجموعة «أميركان فريدوم» المحافظة والمدير السابق في منظمة «هيرتياج»، إن الكثير من القرارات التنفيذية التي وقعها ترمب يهدف إلى إلغاء القيود التنظيمية في أسلوب الحكم وتبسيط الحكومة وطريقة عملها، وأشار إلى أن ترمب «أمضى سنوات في التفكير ملياً في الإصلاحات الجيدة التي يراها، وأراد تنفيذها جميعاً في اللحظة الأولى». ولهذا السبب وقَّع على أكثر من 200 قرار تنفيذي منذ تسلّمه الرئاسة وحتى اليوم. لكن إيان راسل، نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، اتهم ترمب بالتحايل على السلطتين التشريعية والقضائية عبر هذه القرارات التنفيذية، مشيراً إلى أنه أدرك عدم قدرته على تمرير التشريعات التي يريدها في الكونغرس بشكل فعال، وواصفاً أجندة الإدارة بـ«السامة بالنسبة للشعب الأميركي». وأوضح راسل أن استراتيجية فريق ترمب تكمن في محاولة الضغط على النظام القضائي على أمل الحصول على موافقة قاضٍ قد يكون عينه في ولايته السابقة، مضيفاً: «إنها استراتيجية متعمدة. إذا طرحوا 400 موضوع ووافقت المحاكم على 25 منها، فسوف يعتبرون ذلك انتصاراً وينتقلون إلى الموضوع التالي».

أما البروفسور جاك راكوفي، أستاذ التاريخ والدراسات الأميركية في جامعة ستانفورد، فيذكر أن «واجب الرئيس الأساسي هو الحرص على تنفيذ القوانين بأمانة»، معتبراً أن استخدام الأوامر التنفيذية هو وسيلة للتحايل على النظام الأميركي، وأن المحاكم ليس لديها خيار إلا أن تلحق بالركب. ويعتبر راكوفي أن المحاكم في حالة ترمب تتصرف في الواقع بمسؤولية كبيرة، مضيفاً: «في معظم القضايا، لا يوجد فرق كبير بين القضاة المعينين من قِبَل ترمب، أو بالأحرى القضاة المعينين من قِبَل الجمهوريين، والقضاة المعينين من قِبَل الرؤساء الديمقراطيين، لكن المشكلة هي أن كل هذه القضايا تستغرق وقتاً طويلاً لتمر عبر النظام القضائي».

مبنى المحكمة العليا في واشنطن يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ويهاجم ستيرن الكونغرس في هذا الإطار ملقياً باللوم عليه في اعتماد ترمب على القرارات التنفيذية لتطبيق أجندته فيقول: «ما رأيناه على مدى عقود هو كونغرس لا يريد أن ينظر إلى مهامه، ولا يريد أن يمرر تشريعات تعالج جميع التفاصيل. لقد رأينا قبل ترمب رؤساءً كثّروا من مهام الرئيس على حساب الكونغرس، والسلطة القضائية هي الجهة التي تحاول التدخل»، ويشيد ستيرن بالتعيينات القضائية لترمب في عهدَيه الأول والثاني، ويصفهم بـ«القضاة الحقيقيين الذين يحاولون إنفاذ القانون، وقراءة القانون كما هو، وعدم الانخراط في النشاط السياسي، وعدم سن التشريعات من على منصة القضاء».

لكن راسل يهاجم هذا التوصيف، مشيراً إلى وجود جهود متضافرة من قِبَل «اليمين» الأميركي، مثل مؤسسة «هيريتاج» التي عمل فيها سترين، لاختيار القضاة بعناية، وتعيينهم في مناصبهم في سن مبكرة لرسم الاتجاه الذي ستسير عليه البلاد لعقود مقبلة. ويضيف: «ما لدينا الآن هو رئيس يتجاهل العملية التشريعية التقليدية، وكونغرس يسيطر عليه الجمهوريون بقيادة رئيسه مايك جونسون الذي لا يحاول فرض سلطة الكونغرس، ونظام قضائي يتعرض بشكل متزايد لمضايقات وقضاة ناشطين شباب يعيدون تشكيل البلاد بالطريقة التي يريدها (اليمين)». ويذكر راسل بالمشروع 2025 المحافظ لمنظمة «هيريتاج» فيقول: «اليوم يدرك الشعب الأميركي أن هذا ليس ما صوتوا من أجله. ما نراه الآن في شوارع مينيابوليس من عملاء (أيس) المقنعين من دون بطاقات هوية، ودون العلامات النموذجية التي من المفترض أن تحملها قوات إنفاذ القانون، هذا ليس ما صوّت له الشعب الأميركي».

السياسة الخارجية

ترمب يتحدث إلى جانب أمين عام «الناتو» في البيت الأبيض يوم 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

السياسة الخارجية لم تسلم من لمسة ترمب، الذي غيَّر من التوجه الأميركي التقليدي مفاجئاً الحلفاء قبل الخصوم، فمن تغنيه بإنهاء 8 حروب، إلى فتح جبهة أميركا اللاتينية، وتوعده بالاستحواذ على غرينلاند، وتذمره من عدم الفوز بجائزة نوبل للسلام. رسم ترمب مساراً مختلفاً تحت شعار «السلام من خلال القوة».

يقول ستيرن إن الكثير من الرؤساء الأميركيين السابقين وضعوا أميركا في المرتبة الأخيرة، ورفعوا من شأن بعض أكثر قادة العالم سوءاً مثل الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، وإن ترمب وضع حداً لذلك، مضيفاً: «كان مادورو ديكتاتوراً اشتراكياً وحشياً قمع شعبه، وتاجر بالمخدرات، وساعد الإرهابيين، وساعد الحكومة الصينية على اكتساب موطئ قدم، ليس في نصف الكرة الغربي فحسب، بل ضد المصالح في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك توفير التمويل للحوثيين الذين يهاجمون التجارة التي تمر عبر قناة السويس. لقد وضع ترمب حداً لكثير من ذلك. بإطاحة مادورو، أطاح بنظام وحشي، وأحضر السلام إلى العالم».

لكن ستيرن يعتبر أن قضية غرينلاند هي إحدى القضايا التي لا يتفق الجمهوريون مع ترمب بشأنها، مشدداً على أهمية الحفاظ على العلاقات مع أوروبا، ويشير إلى أن ترمب يعرف أهمية هذه العلاقات، مضيفاً: «لا أؤيد كل ما فعله الرئيس في ملف غرينلاند، لكنه عمل أيضاً على محاولة حث أوروبا على إنفاق المزيد على جيوشها، لم يكن شركاء (الناتو) في أوروبا ملتزمين بوعودهم في الإنفاق العسكري، وهذا ما جعل أوكرانيا عرضة للهجوم الروسي، وجعل القطب الشمالي عرضة للغزوات الروسية».

رجل يرتدي قميصاً عليه صورة مادورو إثر اعتقاله على يد القوات الأميركية يوم 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ويهاجم راسل سياسات ترمب الخارجية بقوة فيصفها بالكارثية والمحرجة لأميركا، ويقول: «أعتقد أن بقية العالم ينتظر ويراقب ويشعر بالرعب ويعدّ الأيام حتى لا يعود لترمب أي دور». ووجه راسل انتقادات لاذعة لأداء ترمب في دافوس، معتبراً أن كلامه لم يكن واضحاً، وأنه تحدث بشكل متقطع وخلط بين غرينلاند وآيسلندا، مضيفاً بسخرية: «هذا هو الرئيس الأميركي، زعيم العالم الحر، إنه يتصرف بطريقة تجعل حلفاءنا وأصدقاءنا والعديد من المواطنين الأميركيين ينظرون إليه ويقولون: متى سينتهي هذا؟».

وأشار إلى الرسالة التي كتبها إلى رئيس الوزراء النرويجي، قائلاً إنه لم يعد يهتم بالسلام لأنه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام، فيقول: «هذه نوبة غضب. إذا تصرف طفل في الثانية عشرة من عمره بهذه الطريقة، فسيتم معاقبته. إذا نام والدك أو جدك البالغ من العمر 80 عاماً أثناء الاجتماعات، وتكلم بطريقة غير واضحة كما فعل الرئيس، فإن العديد من العائلات ستقول إنه حان الوقت لأخذه إلى الطبيب، وربما أخذ مفاتيح السيارة منه».

ويهب سترين دفاعاً عن ترمب مشيراً إلى أسلوبه الخارج عن المألوف ويشيد بجهوده في توسيع «اتفاقات أبراهام» والسعي للسلام وتوسيع التجارة في بعض المجالات، وتوسع الشراكات العسكرية، مضيفاً: «ترمب هو صانع الصفقات. نحن نعلم أن السياسة تنطوي على الكثير من الاستعراض. فيها الكثير من التمثيل المسرحي وإذا كنت قلقاً من أن ترمب كان يتلعثم في كلامه، فماذا عن السنوات الأربع في ظل جو بايدن؟». ويختم قائلاً: «بشكل عام، إذا نظرتم إلى ترمب، فسترون رجل أعمال، ملياردير، رجل صنع نفسه بنفسه، وهو صانع صفقات، يفهم كيف يجمع الناس معاً، وكيف يجري المحادثات الصعبة، وكيف يحقق انتصارات حقيقية للشعب الأميركي، وكيف يتعامل مع الصراعات الدولية الحقيقية التي لا توجد لها حلول سهلة بصراحة. وهذا عمل شاق».


مقالات ذات صلة

إردوغان: «واثق» من حصول تركيا على مقاتلات «إف-35»

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعقد اجتماعاً في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إردوغان: «واثق» من حصول تركيا على مقاتلات «إف-35»

أبدى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ثقته بعودة تركيا إلى برنامج المقاتلات الأميركية «إف-35»، لافتاً إلى أنه ينتظر من واشنطن اتخاذ خطوات «ملموسة» لتحقيق ذلك.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

زيارة نتنياهو السريعة إلى نيويورك تعكس توتر العلاقات بين إسرائيل وأميركا

يَظهر ‌جلياً اختلافٌ واضحٌ هذا العام بين الزيارة القصيرة على غير المعتاد التي سيجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، وزيارة العام الماضي...

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

«سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» تلجأ للقضاء بعد استبعادها من البيت الأبيض

قالت ثلاث مؤسسات إعلامية وهي «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» إنها ستلجأ للقضاء بعد استبعادها من البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

موسكو «لن تعلّق» عملياتها العسكرية بأوكرانيا وتنظر مشاركة بوتين في «قمة العشرين»

موسكو «لن تعلّق» عملياتها العسكرية في أوكرانيا وتنظر في مشاركة بوتين في «قمة العشرين» وروبيو يحذر من «توسع» الحرب لتشمل دولا أخرى.

«الشرق الأوسط» ( نيويورك (الأمم المتحدة))
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

تقرير: شركات نفط حصلت على امتيازات بعد تبرعاتها لحملة ترمب

اتهم تقرير ديمقراطي إدارة ترمب بمنح شركات نفط وغاز إعفاءات ضريبية وتخفيف قيود بيئية، بعد تبرعات بمئات الملايين من الدولارات لحملته الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إثيوبيا: تحالف خصوم سابقين يفتح جبهة جديدة ضد آبي أحمد

رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

إثيوبيا: تحالف خصوم سابقين يفتح جبهة جديدة ضد آبي أحمد

رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وصل آبي أحمد للسلطة في إثيوبيا عام 2018 مدفوعاً بالسلام وتوحيد بلاده التي عانت لعقود من الصراعات، ونال جائزة نوبل إثر ذلك المسار، غير أنه يجد نفسه بعد 8 سنوات أمام مشهد دراماتيكي جعل أبرز حلفاء الأمس أعداءه اليوم.

وتتّسع تلك الخسائر بإنشاء تحالف مسلح ضد آبي أحمد يقوده بعض حلفاء الأمس، وتحقيق سيطرة ميدانية شمال البلاد تُضاف لجبهة متوترة مع إريتريا، التي كانت أحد داعميه في حربه ضد جبهة تحرير تيغراي عام 2020، قبل أن تنقلب العلاقة بين البلدين إلى خصومة متصاعدة.

ويختلف خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول تطوّر هذه الأزمة، بين من يرى أنها مرشحة للتفاقم، ومن يعتبر أنها مؤقتة ومرحلية. غير أنهم يجتمعون على أنها تعود لأسباب منها اتساع هوة الخلافات بين آبي أحمد وحلفائه، والدعم الخارجي لا سيما من أسمرة.

تحالف غير متوقع

دخلت الأزمة الإثيوبية، الأحد، مرحلة جديدة مع إعلان سبع قوى مسلحة، بينها «جبهة تحرير شعب تيغراي» و«حركة فانو الوطنية في أمهرة» و«جيش تحرير أورومو»، تشكيل تحالف أطلق عليه «تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء»، معلناً هدفه إنهاء حكم رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية شاملة.

والمفارقة، بحسب حديث الخبير في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني لـ«الشرق الأوسط»، تتمثل في أن بعض هذه القوى كانت حتى وقت قريب تقاتل في معسكرات متعارضة. ويُعد تحول موقف فانو في أمهرة، بحسب كلني، «أحد أبرز مؤشرات تبدل خريطة التحالفات بين أصدقاء الأمس بعد دعمها الظهور الأول لإطار يجمع عدداً من أبرز القوى المسلحة المعارضة للحكومة».

وكانت فصائل «فانو» قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية ضد جبهة تيغراي خلال حرب 2020 - 2022، قبل أن تتحول إلى مواجهة الحكومة وسط تصاعد الخلافات بشأن أمن إقليم أمهرة وترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا، ولا سيما بعد قرار الحكومة عام 2023 حلّ القوات الخاصة التابعة للأقاليم ودمج أفرادها في الجيش والشرطة، وهي خطوة أثارت مخاوف واسعة في أمهرة من إضعاف قدرات الإقليم الأمنية. ومنذ 2023، يخوض مقاتلو «فانو» والقوات الفيدرالية مواجهات مسلحة في الإقليم.

وفي تيغراي، لم تُنهِ اتفاقية بريتوريا لعام 2022 جميع القضايا العالقة، خصوصاً المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها وترتيبات الأمن ومستقبل العلاقة بين الجبهة والحكومة الفيدرالية. ومع تجدد التوترات خلال 2026، تسارعت كرة اللهب وازداد خصوم آبي أحمد بهذا التحالف المسلح الذي انضمت له جبهة تيغراي.

أما في أوروميا، فقد استمر الصراع بين الحكومة وجيش تحرير أورومو، رغم أن الحركة كانت قد عادت إلى إثيوبيا بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة قبل أن تستأنف المواجهة المسلحة هي الأخرى.

وهذا التجمع الذي كان مستبعداً قبل سنوات في سيناريوهات آبي أحمد، بات واقعاً، لعدة أسباب وفق «كلني»، موضحاً أن اجتماع هذه القوى في تحالف واحد يعكس اتساع الفجوة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى الإقليمية المسلحة.

وما يجمع هذه القوى حالياً، وفق كلني، هو معارضة سياسات الحكومة المركزية، أكثر من تشاركهم في مشروع سياسي موحد.

وفي قراءاته للمشهد، يرى المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، أن التطورات التي دفعت تلك القوى إلى التقارب ومحاولة التنسيق ضد حكومة آبي أحمد يعود إلى تعقيدات إقليمية ودعم خارجي، متمثلاً في الموقف الإريتري وحالة العداء السياسي ومطالب الاستحقاقات الإقليمية والتاريخية التي ترى هذه القوى أن الحكومة الفيدرالية قد همشتها. وذلك رغم الخلافات التاريخية الحادة بين هذه المكونات نفسها، حيث كانت قوات «الفانو» مساندة للجيش الفيدرالي في حربه ضد تيغراي قبل عامين.

صراع يتصاعد

ميدانياً، غداة سيطرة جبهة تيغراي على مطارات شمال البلاد، أعلن الجيش الإثيوبي، في بيان الخميس، مقتل 272 متمرداً في معارك بشمال البلاد، بينما وصل آبي أحمد إلى الجارة جيبوتي للإعلان مشروع مشترك يهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية، دون تعليق مباشر على الأحداث المتسارعة.

وعقب التصعيد، أعرب السفير الأميركي لدى إثيوبيا إيرفين ج. ماسينغا، الأربعاء، عن خيبة أمله من قرار قيادة «جبهة تحرير شعب تيغراي» شن هجوم واسع النطاق، وقال: «أشعر بخيبة أمل إزاء قرار قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، التي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها في وقت سابق من هذا العام، شنّ هجوم واسع النطاق اليوم. إن رفض الحوار الذي يرعاه الاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس أوباسانجو، والانخراط في قتال لا يمكن الفوز به، لا يخدم الشعب في شيء. وسيكون من الحكمة أن تتجنب الجماعات المسلحة الأخرى هذا المسار».

والأربعاء، انتزع المتمرّدون في تيغراي، أبرز عناصر التحالف المسلح الجديد، السيطرة على مطار ميكيلي عاصمة الإقليم من الشرطة الاتحادية. وعلقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى الإقليم بسبب «الوضع الراهن» بحسب ما أفادت مصادر أمنية ومحلية لوكالتي «رويترز» و«الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

وعن مستقبل تلك الجبهة التي خسرها آبي أحمد وسط المواجهات الدائرة حالياً، يعتقد كلني أن التحالف تحول مهم في المعارضة المسلحة لأنه يجمع قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى ضمن إطار سياسي واحد، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذه القوى أصبحت جبهة متماسكة. وأوضح أن الخلافات حول الأرض والهوية وشكل الدولة وتوزيع السلطة لا تزال قائمة، ولا سيما بين أمهرة وتيغراي، كما أن لكل حركة أجندتها المحلية وتاريخها المختلف مع الحكومة ومع القوى الأخرى.

لكن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، والحرب في السودان، والتنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر كلها عوامل تجعل أي تصعيد داخل إثيوبيا ذا تداعيات تتجاوز حدودها، بحسب كلني، مؤكداً أن التحدي أمام حكومة آبي أحمد لا يتمثل فقط في مواجهة مجموعات مسلحة متفرقة، بل في احتمال تحول عدة صراعات محلية إلى إطار سياسي وعسكري مشترك.

غير أن زهدي زيدان يعتقد أن التحالف الحالي مرحلي ومؤقت «ستزداد فيه كلفة الخسائر البشرية وعدم تحقيق الاستقرار لحين انتهائه، في ظل عدم وجود أرضية سياسية أو عسكرية موحدة لبناء دولة»، لافتاً إلى رفض تكتلات رئيسية في العفر والبني شنقول الانضمام لهم بخلاف رفض الشارع الإثيوبي لهذا التحالف المسلح وإدراك أن هناك مخططات خارجية تحركه.


مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

أعلنت مصادر أمنية في نيجيريا، الخميس، مقتل خمسة أشخاص على الأقل في هجوم شنته عناصر إرهابية، ضد قرية «وومبي» الواقعة في ولاية «بورنو»، أقصى شمال شرقي نيجيريا.

وقالت المصادر إن الهجوم شنته عناصر يعتقدُ أنها من «تنظيم داعش في غرب أفريقيا»، وقتل خلاله قائد في لجان الحراسة الأهلية وأربعة مدنيين، حسب ما أكد مسؤول العلاقات العامة بشرطة ولاية بورنو، مساعد مفتش كينيث داسو.

وأضاف دوسو في تصريح الخميس، أنه سيتم تقديم المزيد من التفاصيل حول الهجوم فور توفرها، في حين أكدت مصادر محلية أن الهجوم وقع الاثنين الماضي «لكن المعلومات المتعلقة به تأخرت بسبب انعدام خدمات الاتصالات في المنطقة».

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

وأضاف مصدر محلي أن «المهاجمين دخلوا القرية بأعداد كبيرة مدججين بالبنادق والعبوات الناسفة وأسلحة أخرى، مما أجبر العديد من المزارعين على الفرار»، وأوضح المصدر أن قائد الحراسة الأهلية تخلف عن الركب، ليقوم المهاجمون بعد ذلك بمحاصرته وقتله، ويُزعم أنهم زرعوا عبوة ناسفة في رفاته قبل فرارهم من مكان الحادث. وفي وقت لاحق، تحرك عناصر من قوة المهام المشتركة المدنية وحراس أهليون ومدنيون لانتشال الجثة، إلا أن العبوة انفجرت، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص آخرين وإصابة العشرات.

وأصبحت قرية «وومبي»، التي تقع في منطقة زراعية، بالقرب من الحدود الكاميرونية، شبه مهجورة بسبب انعدام الأمن، حيث تؤكد تقارير محلية أن بعض السكان نزحوا عبر الحدود، قبل أن يعودوا لممارسة الزراعة تحت حماية عناصر الأمن ولجان الحراسة الأهلية.

على صعيد آخر، أعلن الجيش النيجيري اعتقال أربعة عناصر إرهابية من حركة «بوكو حرام»، في حين استسلم 11 آخرون، خلال عمليات منفصلة في ولاية «يوبي»، أقصى شرق البلاد.

وقال الجيش إنه ألقى القبض على أربعة من عناصر التنظيم الإرهابي، بعد أن أحبطت القوات كميناً ليلياً نصبه إرهابيون في قرية «أزاري» بمنطقة «غوجبا»، وفق ما أعلن القائم بأعمال ضابط الإعلام لعملية «هادين كاي» العسكرية، النقيب محمد غوني، في بيان (الأربعاء).

عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

وقال الضابط إن «عملية عسكرية نُفذت نحو الساعة 11 مساءً يوم 21 سبتمبر (أيلول)، عقب اشتباك بين قوات الجيش والإرهابيين»، وأضاف غوني: «خلال عمليات التمشيط اللاحقة للمنطقة، اعتقلت القوات أربعة إرهابيين. وتشير آثار الدماء التي لوحظت في المنطقة بصفة عامة إلى احتمالية وقوع إصابات بين العناصر الإرهابية الفارة».

ووفقاً له، صادرت القوات أربع دراجات نارية، وكمية كبيرة من المواد الغذائية، وخروفاً واحداً، بالإضافة إلى أغلفة ذخيرة فارغة من عيار 7.62 ملم الخاص خلال العملية. وأوضح أن المشتبه بهم والمضبوطات يخضعون حالياً للاحتجاز العسكري لإجراء مزيد من التحقيقات، في حين تتواصل عمليات تمشيط المنطقة.

وكشف غوني أيضاً أن 11 إرهابياً سلموا أنفسهم للقوات دون أن يقدم تفاصيل حول الظروف المحيطة بعملية الاستسلام. وتتسع دائرة العنف في نيجيريا، حيث يخوض الجيش منذ 2009 حرباً شرسة ضد جماعة (بوكو حرام) وتنظيم (داعش في غرب أفريقيا)، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين من مساكنهم، خصوصاً في مناطق من الشمال الشرقي للبلد الذي يعدّ أحد أكبر اقتصادات أفريقيا، والبلد الأفريقي الأكبر من حيث تعداد السكان؛ بأكثر من 240 مليون نسمة.


سكان إقليم تيغراي الإثيوبي يخزّنون الغذاء والنقد خشية «حرب كبرى»

حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

سكان إقليم تيغراي الإثيوبي يخزّنون الغذاء والنقد خشية «حرب كبرى»

حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

سارع سكان إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، اليوم (الخميس)، إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، خشية أن يؤدي تجدد القتال إلى اشتعال حرب كبرى جديدة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

واستولت قوات تيغراي على 3 مطارات بالإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك هذا الأسبوع، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

ودعت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ضبط النفس والعودة إلى عملية السلام التي توسَّط فيها الاتحاد الأفريقي وأنهت صراعاً أودى بحياة مئات الآلاف.

واتهمت أديس أبابا قيادة الإقليم (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) بشن هجوم واسع النطاق. وقالت حكومة الإقليم إن مقاتليها يخوضون «حرباً دفاعية» في مواجهة قوات الحكومة الاتحادية، التي قالوا إنها استخدمت طائرات مسيّرة ومدفعية وقوات برية ضدهم.

وقد يؤدي تجدد الحرب في تيغراي إلى مزيد من الاضطراب في منطقة القرن الأفريقي، التي تعاني بالفعل من عدم الاستقرار نتيجة لتدهور العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، والحرب الأهلية في السودان، والتوترات في البحر الأحمر، وتداعيات صراعات في الشرق الأوسط.

إثيوبيون يتجمّعون لشراء أدوات منزلية من متجر جملة في ميكيلي بإقليم تيغراي تيغراي الإثيوبي يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقال أحد سكان ميكيلي، عاصمة تيغراي، لوكالة «رويترز» عبر الهاتف، وهو يصف أعمال اكتناز المواد الغذائية وسحب النقود: «نشتري تقريباً كل ما نعتقد أنه قد يصبح ضرورياً».

وأضاف الرجل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: «أصبحت جميع الضروريات الأساسية تقريباً صعبة المنال أو باهظة الثمن. هناك أيضاً خوف متزايد من أن تتدهور الأوضاع إلى حصار مشابه لذلك الذي شهدناه خلال الحرب السابقة».

وأشار إلى أن قوات تيغراي تقوم بدوريات في الشوارع، بينما تحلّق طائرات مسيّرة في الجو، مضيفاً أن الناس يخشون نفاد المواد الغذائية.

وأوضح هو وشخص آخر من السكان أنهما شاهدا شباناً يتم إرغامهم على الانضمام إلى المجهود الحربي، ما أثار الخوف بين العامة.

وصرّحت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بأنها تحرَّكت دفاعاً عن النَّفسِ لحماية سكان الإقليم من «عدوان شامل» من قبل الحكومة باستخدام قوات برية مدعومة بطائرات حربية وطائرات مسيّرة ومدفعية.

وقال مسؤول حكومي لـ«رويترز»: «إن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» شنَّت هجوماً متعمداً على البنية التحتية المدنية من خلال السيطرة على المطارات في الإقليم، لكنه أكد أن باب الحوار لا يزال مفتوحاً أمام أي جماعات تضع أسلحتها.