تزايد خطر الإرهاب في غرب أفريقيا مع تراجع دور الولايات المتحدة

المتطرفون يتحركون بحُرية بعد طرد القوات الفرنسية والأميركية من دول الساحل

مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)
مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)
TT

تزايد خطر الإرهاب في غرب أفريقيا مع تراجع دور الولايات المتحدة

مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)
مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)

يتوسع المتمردون من منطقة الساحل في غرب أفريقيا نحو الدول الساحلية على المحيط الأطلسي مثل ساحل العاج؛ ما يخلق بؤراً إرهابية جديدة مع تشريد الملايين.

في سوق توغبو، وهي بلدة صغيرة في شمال ساحل العاج، كانت رائحة السمك المجفف والعجين المقلي تملأ الهواء. كان الأطفال يركضون حول الأكشاك المزدحمة، حيث كانت النساء يبعن الذرة والكسافا التي حملنها على رؤوسهن لمسافات طويلة من الريف. كان كبار السن من المسلمين يراقبون الحشود في الشارع الرملي الرئيسي، بينما كان المصلون المسيحيون يخرجون من الكنيسة بعد قداس الأحد.

مريم سيسيه (60 عاماً) لاجئة مالية في متجر تلجأ إليه مع عائلتها في بلدة وانغول ودوغو شمال ساحل العاج (نيويورك تايمز)

نصف الوفيات سُجلت بمنطقة الساحل

لكن هذا الصخب كان يخفي تهديداً خفياً. نحو نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب في جميع أنحاء العالم في عام 2023 سُجلت في منطقة الساحل، وهي منطقة قاحلة في غرب أفريقيا معروفة بقبائلها شبه الرحل وطرق التجارة القديمة. مدفوعين بنجاحهم في دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر غير الساحلية، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الاثنين، يتحرك المتمردون المرتبطون بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» الإرهابيين جنوباً نحو المحيط الأطلسي وإلى الدول الساحلية مثل ساحل العاج.

استمعت خديجة باري (على اليسار) إلى نساء محليات خلال اجتماع مجتمعي في دوروبو وقالت: «أبعدوا أبناءكم عن المتطرفين» (نيويورك تايمز)

سياسة ترحيل فوضوية

يخشى المسؤولون الأفارقة والغربيون من أن يؤدي هذا التقدم إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في غرب أفريقيا في وقت قلصت فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون من وجودهم هناك، وحوّلت إدارة ترمب انتباهها إلى سياسة ترحيل فوضوية، وحظر سفر لا يشمل أي دولة في منطقة الساحل. مع تقدم المتمردين نحو المحيط الأطلسي، تزداد المخاوف من أن منطقة، ذات تعداد سكاني من بين الأصغر سناً في العالم، ومستويات عالية من الفقر سوف تقع قريباً تحت حكم الجهاديين.

وقال الجنرال مايكل إي. لانغلي، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا، الشهر الماضي: «أحد الأهداف الجديدة للإرهابيين هو الوصول إلى سواحل غرب أفريقيا. إذا تمكنوا من الوصول إلى الساحل، فإنه يمكنهم تمويل عملياتهم من خلال التهريب والاتجار بالبشر وتجارة الأسلحة. هذا لا يعرض الدول الأفريقية للخطر فحسب، وإنما يزيد أيضاً من احتمال وصول التهديدات إلى سواحل الولايات المتحدة».

خديجة جالو (70 عاماً) لاجئة من بوركينا فاسو تقف في دوروبو... وقالت إن زوجها قُتل في هجوم شنته ميليشيات مدعومة من الدولة على قريتها في بوركينا فاسو (نيويورك تايمز)

أصبح فرع تنظيم «القاعدة» الذي يعمل في غرب أفريقيا الآن أحد أقوى فروع التنظيم، وقد شن مسلحو تنظيم «داعش» كثيراً من الهجمات في المنطقة مؤخراً، لدرجة أن فلاديمير فورونكوف، كبير مسؤولي مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، حذر من أن «مساحة شاسعة تمتد من شمال نيجيريا إلى مالي قد تقع تحت سيطرتهم الفعلية».

في الخريف الماضي، أمضت صحيفة «نيويورك تايمز» أسابيع في توثيق تحركات المتطرفين جنوباً. على أحد جانبي هذه الجبهة الجديدة توجد 3 دول غير ساحلية، تحكمها جميعاً مجالس عسكرية، وتضم مساحات شاسعة من الأراضي التي تخضع بالفعل لسيطرة الجهاديين.

ياكاريا واتارا إمام مسجد بولي يرتدي ثوباً أبيض ووشاحاً أخضر يغادر المسجد مع جماعته بعد صلاة العصر... احتجز عشرات المسلحين السكان رهائن عام 2021 (نيويورك تايمز)

وعلى الجانب الآخر، توجد دول ساحلية هي ساحل العاج وغانا وتوغو وبنين، التي تحاول منع المتمردين من الدخول. تعاونت هذه الدول الساحلية مع الحكومات الغربية لسنوات، ولكن مع قيام إدارة ترمب بتفكيك عقود من السياسة الخارجية، بما في ذلك إلغاء عشرات الملايين من الدولارات من المساعدات الأمنية الأميركية، أصبح الحلفاء الأفارقة متخوفين من جهود واشنطن لمكافحة الإرهاب في القارة.

يقول لاسينا ديارا، الباحث في الأكاديمية الدولية لمكافحة الإرهاب في ساحل العاج: «ساحل العاج هي مثال للاستقرار في المنطقة، لكن هذا الاستقرار قد ينهار في أي وقت». الجهاديون يتحركون بحرية بعد طرد القوات الفرنسية والأميركية من دول الساحل التي تقودها المجالس العسكرية، أصبحت دول مثل ساحل العاج محور استراتيجية الاحتواء الجديدة للغرب. وقدمت الولايات المتحدة لساحل العاج 65 مليون دولار لدعم مكافحة الإرهاب وأمن الحدود العام الماضي. ووفقاً للقيادة الأميركية في أفريقيا، تم نشر نحو 50 من أفراد الجيش الأميركي والمتعاقدين .

التقى الجنرال لانغلي بكبار المسؤولين العسكريين والحكوميين هنا في وقت سابق من هذا العام وسط شائعات بأن الولايات المتحدة تخطط لبناء قاعدة للطائرات المسيرة في البلاد، لكن استمرار الدعم لا يزال غير مؤكد، حيث توقف في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي برنامج بقيمة 20 مليون دولار تموله الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والذي كان يهدف إلى رصد العلامات المبكرة للتطرف، وذلك بعد أن أعلن الرئيس ترمب تجميد جميع المساعدات الأميركية الخارجية. تُحدد الخريطة مدن «أوانغولودوغو»، و«كورهوجو»، و«توغبو»، و«بولي»، و«كافولو»، و«دوروبو»، بالإضافة إلى متنزه «كوموي» الوطني في شمال ساحل العاج، أسفل الحدود مع بوركينا فاسو مباشرة. تقع توغبو على خط المواجهة في معركة ساحل العاج ضد المتمردين. يقف الجنود حراسة في مواقع محصنة عند مدخل ومخرج المدينة؛ إذ تقع بوركينا فاسو على مسافة أميال قليلة فقط منها. على الرغم من وجود الجيش، يتحرك الجهاديون بحُرية، حسبما قال السكان المحليون ومسؤولو الأمن. قال طبيب يعمل بالقرب من الحدود، والذي تحدث مثل معظم السكان المحليين في المنطقة شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً على سلامته: «إنهم بيننا». ثم أضاف قائلاً: «نحن نراهم». يشتري المتمردون الإمدادات من السوق أو من خلال الشباب الباحثين عن المال السريع. يرتدون ملابس مدنية، ولا يحملون أسلحة بشكل علني، لكنهم يغرون الشباب بعروض مربحة للقيام بأعمال تجارية مقابل الصمت. قالت كاديدجا باري، زعيمة مجتمع محلي في دوروبو، وهي مركز قريب من الحدود: «إن عدم توفر فرص العمل هو السبب في انضمام أبنائنا إلى هذه الفئة الخبيثة».

حسن وأوسينو لي شقيقان توأمان لاجئان من الفولاني من بوركينا فاسو نسحا أجزاءً من القرآن الكريم في منزلهما الجديد في دوروبو بساحل العاج... وكثيراً ما يُجنّد المتمردون التابعون لتنظيم «القاعدة» رجال الفولاني (نيويورك تايمز)

أسبوعاً بعد أسبوع، تأتي النساء المحليات ويجلسن على كراسي بلاستيكية تحت شجرة المانجو الشاهقة الخاصة بها، بينما تحذرهن السيدة باري من الخطر الذي يقترب من بلدتهن. تقول لهن: «أبعدن أبناءكن عن الجهاديين. إنهم مافيا». يستقطب المتمردون المرتبطون بتنظيم «القاعدة» في الغالب رجالاً من الفولاني، وهي المجموعة العرقية التي تنتمي إليها السيدة باري. وقد أدى تجنيدهم إلى زيادة التمييز ضد مجتمع الفولاني في ساحل العاج، التي شهدت تدفقاً كبيراً للاجئين من عِرق الفولاني من بوركينا فاسو. تقول السيدة باري عن الشباب في مجتمعها: «يجب أن نحميهم، ويجب أن نرسلهم إلى المدرسة. لكن في بعض المناطق، يُجبر بعض الشباب تقريباً على الانضمام إلى هذه الجماعات». في الليل، يتسلل المتمردون إلى مراكز الرعاية الصحية في ساحل العاج بحثاً عن علاج للجروح التي أصيبوا بها في أثناء القتال في بوركينا فاسو، وفقاً للعاملين في المجال الطبي. كما انتقلوا إلى متنزه كوموي الوطني القريب، وهي غابة مترامية الأطراف أصبحت الآن محظورة بسبب العنف. كما زادت حالات الاختطاف وسرقة الماشية. قال إيرين، وهو صاحب ماشية فقد عشرات من رؤوس الماشية العام الماضي: «ما كنا نراه في بوركينا فاسو، نراه الآن هنا». وقال إيرين إن موظفه عندما عبر إلى بوركينا فاسو بحثاً عن الحيوانات المفقودة، احتُجز كرهينة لأسابيع من قبل رجال قالوا إنهم جهاديون.

«أخطاء وتجاوزات»

أقامت ساحل العاج مراكز عسكرية، وعززت جمع المعلومات الاستخباراتية، ونشرت قوات برية على طول حدودها في محاولة لإبعاد المتمردين. وبحسب بعض الروايات، فإن هذه الأساليب تؤتي ثمارها. وأقر ضابط عسكري رفيع المستوى، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته كي يتحدث بصراحة عن الأمن القومي للبلاد، بأن الجيش كان قد استخف بالتهديد في السابق. وقال الضابط: «الآن، نحن نضغط عليهم، لكننا نعلم أيضاً أن السكان يرحبون بنا عندما نقوم بدوريات، لكنهم يتعاملون مع الجهاديين». في قرية بولي، قام العشرات من المسلحين الذين يطلقون على أنفسهم اسم «مقاتلي الإسلام» باحتجاز السكان رهائن في إحدى أمسيات شهر رمضان عام 2021، وفقاً للضحايا والشهود. أمر المتمردون القرويين بالتوقف عن إبلاغ الجيش بوجودهم وإلا فسيواجهون عواقب مميتة، لكن بعد مغادرة المتمردين، اتصل القادة المحليون بالجيش على أي حال، وظل الجنود متمركزين بالقرب من القرية منذ ذلك الحين.

عثمان سال (37 عاماً) ينطلق في رحلة صيد على نهر كوموي في كافولو... لم تشهد هذه المدينة الحدودية أي هجوم منذ عام 2023 (نيويورك تايمز)

يخرج عثمان سال، 37 عاماً، في رحلة صيد على نهر كوموي في كافولو. لم تشهد هذه المدينة الحدودية أي هجوم منذ عام 2023. واجهت مدينة حدودية أخرى، كافولو، هجومين مميتين على الجنود في عامي 2020 و2021. أقام الجيش قاعدة جديدة هناك في عام 2023 ولم تشهد كافولو أي هجوم آخر. قالت لاميسا تراوري، وهي قائدة شبابية في كافولو: «مع وجود قوات الأمن، اختفى الخوف». حاولت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهي المنظمة الجامعة التي تضم فرع تنظيم «القاعدة» المحلي والمعروفة باسمها المختصر العربي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، أن تظهر وجهاً أكثر ودية للسكان المحليين في بعض أجزاء منطقة الساحل.

وتعهدت بحماية السكان من المسؤولين الحكوميين الفاسدين الذين تقول إنهم مسؤولون عن فقر المنطقة. ومع ذلك، بلغت الوفيات المنسوبة إلى الجماعة في عام 2023 أعلى مستوى لها منذ عام 2017، عندما تأسست الجماعة، وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي. ورداً على أسئلة صحيفة «التايمز»، قال أمير فرع تنظيم «القاعدة» العامل في غرب أفريقيا إن جماعته «نشطة رسمياً» في ساحل العاج ودول ساحلية أخرى.

وقال الأمير أبو يوسف عبدة الأنبي عن الحكومات المحلية: «إذا أرادوا، فإنهم يمكنهم ترك الوضع كما هو. أو ربما سيزداد سوءاً».


مقالات ذات صلة

موريتانيا تلوّح باللجوء للقانون الدولي بعد مقتل مواطنيها في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية)

موريتانيا تلوّح باللجوء للقانون الدولي بعد مقتل مواطنيها في مالي

قال الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، إن الجيش موجود على الحدود مع دولة مالي، رافضاً أي انجرار وراء ما سماه «الاستفزاز».

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

نيجيريا: قتلى ومختطفون في هجمات إرهابية متفرقة

تتواصل الهجمات الإرهابية في نيجيريا مُوقعةً قتلى وجرحى.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)

نيجيريا: ضربات جوية ضد معاقل «داعش» والقضاء على عشرات الإرهابيين

أعلن الجيش النيجيري أن العمليات الجوية المستمرة في جبهات عدة تركز على حرمان الجماعات الإرهابية والإجرامية من حرية الحركة داخل البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شؤون إقليمية إيراني مسن يركب دراجة هوائية بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

مخاوف من استعانة إيران بوكلائها لمهاجمة أهداف أميركية في الخارج

حذّر مسؤولون أميركيون وغربيون من مؤشرات كثيرة تفيد بأن إيران قد تلجأ إلى أذرعها ووكلائها في المنطقة لتنفيذ هجمات انتقامية ضد أهداف أميركية بالخارج

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».