تزايد خطر الإرهاب في غرب أفريقيا مع تراجع دور الولايات المتحدة

المتطرفون يتحركون بحُرية بعد طرد القوات الفرنسية والأميركية من دول الساحل

مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)
مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)
TT

تزايد خطر الإرهاب في غرب أفريقيا مع تراجع دور الولايات المتحدة

مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)
مكاموسا واتارا التي نجت من هجوم جهادي على مسجد كانت تصلي فيه في بولي بساحل العاج في عام 2021 (نيويورك تايمز)

يتوسع المتمردون من منطقة الساحل في غرب أفريقيا نحو الدول الساحلية على المحيط الأطلسي مثل ساحل العاج؛ ما يخلق بؤراً إرهابية جديدة مع تشريد الملايين.

في سوق توغبو، وهي بلدة صغيرة في شمال ساحل العاج، كانت رائحة السمك المجفف والعجين المقلي تملأ الهواء. كان الأطفال يركضون حول الأكشاك المزدحمة، حيث كانت النساء يبعن الذرة والكسافا التي حملنها على رؤوسهن لمسافات طويلة من الريف. كان كبار السن من المسلمين يراقبون الحشود في الشارع الرملي الرئيسي، بينما كان المصلون المسيحيون يخرجون من الكنيسة بعد قداس الأحد.

مريم سيسيه (60 عاماً) لاجئة مالية في متجر تلجأ إليه مع عائلتها في بلدة وانغول ودوغو شمال ساحل العاج (نيويورك تايمز)

نصف الوفيات سُجلت بمنطقة الساحل

لكن هذا الصخب كان يخفي تهديداً خفياً. نحو نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب في جميع أنحاء العالم في عام 2023 سُجلت في منطقة الساحل، وهي منطقة قاحلة في غرب أفريقيا معروفة بقبائلها شبه الرحل وطرق التجارة القديمة. مدفوعين بنجاحهم في دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر غير الساحلية، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الاثنين، يتحرك المتمردون المرتبطون بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» الإرهابيين جنوباً نحو المحيط الأطلسي وإلى الدول الساحلية مثل ساحل العاج.

استمعت خديجة باري (على اليسار) إلى نساء محليات خلال اجتماع مجتمعي في دوروبو وقالت: «أبعدوا أبناءكم عن المتطرفين» (نيويورك تايمز)

سياسة ترحيل فوضوية

يخشى المسؤولون الأفارقة والغربيون من أن يؤدي هذا التقدم إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في غرب أفريقيا في وقت قلصت فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون من وجودهم هناك، وحوّلت إدارة ترمب انتباهها إلى سياسة ترحيل فوضوية، وحظر سفر لا يشمل أي دولة في منطقة الساحل. مع تقدم المتمردين نحو المحيط الأطلسي، تزداد المخاوف من أن منطقة، ذات تعداد سكاني من بين الأصغر سناً في العالم، ومستويات عالية من الفقر سوف تقع قريباً تحت حكم الجهاديين.

وقال الجنرال مايكل إي. لانغلي، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا، الشهر الماضي: «أحد الأهداف الجديدة للإرهابيين هو الوصول إلى سواحل غرب أفريقيا. إذا تمكنوا من الوصول إلى الساحل، فإنه يمكنهم تمويل عملياتهم من خلال التهريب والاتجار بالبشر وتجارة الأسلحة. هذا لا يعرض الدول الأفريقية للخطر فحسب، وإنما يزيد أيضاً من احتمال وصول التهديدات إلى سواحل الولايات المتحدة».

خديجة جالو (70 عاماً) لاجئة من بوركينا فاسو تقف في دوروبو... وقالت إن زوجها قُتل في هجوم شنته ميليشيات مدعومة من الدولة على قريتها في بوركينا فاسو (نيويورك تايمز)

أصبح فرع تنظيم «القاعدة» الذي يعمل في غرب أفريقيا الآن أحد أقوى فروع التنظيم، وقد شن مسلحو تنظيم «داعش» كثيراً من الهجمات في المنطقة مؤخراً، لدرجة أن فلاديمير فورونكوف، كبير مسؤولي مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، حذر من أن «مساحة شاسعة تمتد من شمال نيجيريا إلى مالي قد تقع تحت سيطرتهم الفعلية».

في الخريف الماضي، أمضت صحيفة «نيويورك تايمز» أسابيع في توثيق تحركات المتطرفين جنوباً. على أحد جانبي هذه الجبهة الجديدة توجد 3 دول غير ساحلية، تحكمها جميعاً مجالس عسكرية، وتضم مساحات شاسعة من الأراضي التي تخضع بالفعل لسيطرة الجهاديين.

ياكاريا واتارا إمام مسجد بولي يرتدي ثوباً أبيض ووشاحاً أخضر يغادر المسجد مع جماعته بعد صلاة العصر... احتجز عشرات المسلحين السكان رهائن عام 2021 (نيويورك تايمز)

وعلى الجانب الآخر، توجد دول ساحلية هي ساحل العاج وغانا وتوغو وبنين، التي تحاول منع المتمردين من الدخول. تعاونت هذه الدول الساحلية مع الحكومات الغربية لسنوات، ولكن مع قيام إدارة ترمب بتفكيك عقود من السياسة الخارجية، بما في ذلك إلغاء عشرات الملايين من الدولارات من المساعدات الأمنية الأميركية، أصبح الحلفاء الأفارقة متخوفين من جهود واشنطن لمكافحة الإرهاب في القارة.

يقول لاسينا ديارا، الباحث في الأكاديمية الدولية لمكافحة الإرهاب في ساحل العاج: «ساحل العاج هي مثال للاستقرار في المنطقة، لكن هذا الاستقرار قد ينهار في أي وقت». الجهاديون يتحركون بحرية بعد طرد القوات الفرنسية والأميركية من دول الساحل التي تقودها المجالس العسكرية، أصبحت دول مثل ساحل العاج محور استراتيجية الاحتواء الجديدة للغرب. وقدمت الولايات المتحدة لساحل العاج 65 مليون دولار لدعم مكافحة الإرهاب وأمن الحدود العام الماضي. ووفقاً للقيادة الأميركية في أفريقيا، تم نشر نحو 50 من أفراد الجيش الأميركي والمتعاقدين .

التقى الجنرال لانغلي بكبار المسؤولين العسكريين والحكوميين هنا في وقت سابق من هذا العام وسط شائعات بأن الولايات المتحدة تخطط لبناء قاعدة للطائرات المسيرة في البلاد، لكن استمرار الدعم لا يزال غير مؤكد، حيث توقف في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي برنامج بقيمة 20 مليون دولار تموله الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والذي كان يهدف إلى رصد العلامات المبكرة للتطرف، وذلك بعد أن أعلن الرئيس ترمب تجميد جميع المساعدات الأميركية الخارجية. تُحدد الخريطة مدن «أوانغولودوغو»، و«كورهوجو»، و«توغبو»، و«بولي»، و«كافولو»، و«دوروبو»، بالإضافة إلى متنزه «كوموي» الوطني في شمال ساحل العاج، أسفل الحدود مع بوركينا فاسو مباشرة. تقع توغبو على خط المواجهة في معركة ساحل العاج ضد المتمردين. يقف الجنود حراسة في مواقع محصنة عند مدخل ومخرج المدينة؛ إذ تقع بوركينا فاسو على مسافة أميال قليلة فقط منها. على الرغم من وجود الجيش، يتحرك الجهاديون بحُرية، حسبما قال السكان المحليون ومسؤولو الأمن. قال طبيب يعمل بالقرب من الحدود، والذي تحدث مثل معظم السكان المحليين في المنطقة شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً على سلامته: «إنهم بيننا». ثم أضاف قائلاً: «نحن نراهم». يشتري المتمردون الإمدادات من السوق أو من خلال الشباب الباحثين عن المال السريع. يرتدون ملابس مدنية، ولا يحملون أسلحة بشكل علني، لكنهم يغرون الشباب بعروض مربحة للقيام بأعمال تجارية مقابل الصمت. قالت كاديدجا باري، زعيمة مجتمع محلي في دوروبو، وهي مركز قريب من الحدود: «إن عدم توفر فرص العمل هو السبب في انضمام أبنائنا إلى هذه الفئة الخبيثة».

حسن وأوسينو لي شقيقان توأمان لاجئان من الفولاني من بوركينا فاسو نسحا أجزاءً من القرآن الكريم في منزلهما الجديد في دوروبو بساحل العاج... وكثيراً ما يُجنّد المتمردون التابعون لتنظيم «القاعدة» رجال الفولاني (نيويورك تايمز)

أسبوعاً بعد أسبوع، تأتي النساء المحليات ويجلسن على كراسي بلاستيكية تحت شجرة المانجو الشاهقة الخاصة بها، بينما تحذرهن السيدة باري من الخطر الذي يقترب من بلدتهن. تقول لهن: «أبعدن أبناءكن عن الجهاديين. إنهم مافيا». يستقطب المتمردون المرتبطون بتنظيم «القاعدة» في الغالب رجالاً من الفولاني، وهي المجموعة العرقية التي تنتمي إليها السيدة باري. وقد أدى تجنيدهم إلى زيادة التمييز ضد مجتمع الفولاني في ساحل العاج، التي شهدت تدفقاً كبيراً للاجئين من عِرق الفولاني من بوركينا فاسو. تقول السيدة باري عن الشباب في مجتمعها: «يجب أن نحميهم، ويجب أن نرسلهم إلى المدرسة. لكن في بعض المناطق، يُجبر بعض الشباب تقريباً على الانضمام إلى هذه الجماعات». في الليل، يتسلل المتمردون إلى مراكز الرعاية الصحية في ساحل العاج بحثاً عن علاج للجروح التي أصيبوا بها في أثناء القتال في بوركينا فاسو، وفقاً للعاملين في المجال الطبي. كما انتقلوا إلى متنزه كوموي الوطني القريب، وهي غابة مترامية الأطراف أصبحت الآن محظورة بسبب العنف. كما زادت حالات الاختطاف وسرقة الماشية. قال إيرين، وهو صاحب ماشية فقد عشرات من رؤوس الماشية العام الماضي: «ما كنا نراه في بوركينا فاسو، نراه الآن هنا». وقال إيرين إن موظفه عندما عبر إلى بوركينا فاسو بحثاً عن الحيوانات المفقودة، احتُجز كرهينة لأسابيع من قبل رجال قالوا إنهم جهاديون.

«أخطاء وتجاوزات»

أقامت ساحل العاج مراكز عسكرية، وعززت جمع المعلومات الاستخباراتية، ونشرت قوات برية على طول حدودها في محاولة لإبعاد المتمردين. وبحسب بعض الروايات، فإن هذه الأساليب تؤتي ثمارها. وأقر ضابط عسكري رفيع المستوى، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته كي يتحدث بصراحة عن الأمن القومي للبلاد، بأن الجيش كان قد استخف بالتهديد في السابق. وقال الضابط: «الآن، نحن نضغط عليهم، لكننا نعلم أيضاً أن السكان يرحبون بنا عندما نقوم بدوريات، لكنهم يتعاملون مع الجهاديين». في قرية بولي، قام العشرات من المسلحين الذين يطلقون على أنفسهم اسم «مقاتلي الإسلام» باحتجاز السكان رهائن في إحدى أمسيات شهر رمضان عام 2021، وفقاً للضحايا والشهود. أمر المتمردون القرويين بالتوقف عن إبلاغ الجيش بوجودهم وإلا فسيواجهون عواقب مميتة، لكن بعد مغادرة المتمردين، اتصل القادة المحليون بالجيش على أي حال، وظل الجنود متمركزين بالقرب من القرية منذ ذلك الحين.

عثمان سال (37 عاماً) ينطلق في رحلة صيد على نهر كوموي في كافولو... لم تشهد هذه المدينة الحدودية أي هجوم منذ عام 2023 (نيويورك تايمز)

يخرج عثمان سال، 37 عاماً، في رحلة صيد على نهر كوموي في كافولو. لم تشهد هذه المدينة الحدودية أي هجوم منذ عام 2023. واجهت مدينة حدودية أخرى، كافولو، هجومين مميتين على الجنود في عامي 2020 و2021. أقام الجيش قاعدة جديدة هناك في عام 2023 ولم تشهد كافولو أي هجوم آخر. قالت لاميسا تراوري، وهي قائدة شبابية في كافولو: «مع وجود قوات الأمن، اختفى الخوف». حاولت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهي المنظمة الجامعة التي تضم فرع تنظيم «القاعدة» المحلي والمعروفة باسمها المختصر العربي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، أن تظهر وجهاً أكثر ودية للسكان المحليين في بعض أجزاء منطقة الساحل.

وتعهدت بحماية السكان من المسؤولين الحكوميين الفاسدين الذين تقول إنهم مسؤولون عن فقر المنطقة. ومع ذلك، بلغت الوفيات المنسوبة إلى الجماعة في عام 2023 أعلى مستوى لها منذ عام 2017، عندما تأسست الجماعة، وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي. ورداً على أسئلة صحيفة «التايمز»، قال أمير فرع تنظيم «القاعدة» العامل في غرب أفريقيا إن جماعته «نشطة رسمياً» في ساحل العاج ودول ساحلية أخرى.

وقال الأمير أبو يوسف عبدة الأنبي عن الحكومات المحلية: «إذا أرادوا، فإنهم يمكنهم ترك الوضع كما هو. أو ربما سيزداد سوءاً».


مقالات ذات صلة

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطني، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات بعدما رُصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بـ«أوزو»

علاء حموده (القاهرة )
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

انفصاليون يعلنون الانسحاب من بلدة استراتيجية في شمال مالي

كشفت حركة انفصالية في شمال مالي اليوم (الثلاثاء) أنها «تنسحب بشكل منظم» من بلدة استراتيجية في الشمال، كانت قد سيطرت عليها مع متشددين مرتبطين بتنظيم «القاعدة».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا جنود من القوات المسلحة المالية خلال عملية عسكرية (رويترز - أرشيفية)

مقتل جنود ماليين وعناصر روسية في كمين لمتطرفين وسط مالي

لقي ما لا يقل عن ثلاثة جنود ماليين وأربعة من عناصر قوات شبه عسكرية روسية مصرعهم في كمين نصبه متطرّفون لقافلتهم في وسط مالي.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (دكار)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.