ما دور رواندا في التصعيد بشرق الكونغو الديمقراطية؟

بعد سيطرة «إم 23» على القسم الأكبر من غوما

جنود كونغوليون يصلون إلى مبنى السفارة الرواندية الذي نهبه المتظاهرون في كينشاسا 28 يناير 2025 (رويترز)
جنود كونغوليون يصلون إلى مبنى السفارة الرواندية الذي نهبه المتظاهرون في كينشاسا 28 يناير 2025 (رويترز)
TT

ما دور رواندا في التصعيد بشرق الكونغو الديمقراطية؟

جنود كونغوليون يصلون إلى مبنى السفارة الرواندية الذي نهبه المتظاهرون في كينشاسا 28 يناير 2025 (رويترز)
جنود كونغوليون يصلون إلى مبنى السفارة الرواندية الذي نهبه المتظاهرون في كينشاسا 28 يناير 2025 (رويترز)

تصاعدت التوترات في شرق الكونغو الديمقراطية، وسيطرت حركة «إم 23» على الجزء الأكبر من مدينة غوما شرق الكونغو، بدعم من رواندا، وسط مخاوف من امتداد الصراع الذي يهدد الإقليم بأكمله، ويثير مخاطر نزاعات «إثنية»، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

ومنذ دخول حركة «23 مارس»، أو «إم 23»، مدينة غوما يوم الأحد الماضي، «استطاعت أن تسيطر بدعم من القوات الرواندية على المطار وقسم كبير من وسط مدينة غوما وأحيائها»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، حيث لا يظهر في الشوارع سوى مقاتلي حركة «إم23»، والقوات الرواندية، مما يشير إلى سقوط المدينة.

وقال مصدر أمني إن «حركة (إم23) باتت تسيطر على مقرات حكومة إقليم شمال كيفو». وبدأ سكان غوما، الأربعاء، الخروج ببطء من منازلهم في المدينة الغنية بالثروات المعدنية، بعد أيام من القتال أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة التي تشهد صراعاً ممتداً منذ ثلاثة عقود، تعود جذوره إلى حرب الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.

فشل الوساطة

ولم تفلح جهود الوساطة حتى الآن في إنهاء النزاع، حيث أفادت وكالة الأنباء الكونغولية، الأربعاء، بأن الرئيس فيليكس تشيسكيدي «لن يشارك في قمة رؤساء مجموعة دول شرق أفريقيا»، المقررة عبر الإنترنت، وذلك بعدما أعلنت كينيا اجتماع أزمة بين الرئيسين الرواندي بول كاغامي ونظيره الكونغولي.

وقبل أن تبدأ حركة «إم 23» تصعيدها الأخير وتدخل غوما، أُلغيت المحادثات التي توسطت فيها أنغولا بين الكونغو ورواندا لعدم حضور كاغامي.

وأسفرت الاشتباكات المستمرة عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة نحو ألف آخرين، كما قُتل 17 من جنود حفظ السلام التابعين لقوة إقليمية أفريقية وبعثة الأمم المتحدة في الكونغو. واكتظت المستشفيات بالمصابين، وقال أحد الأطباء لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الكثير من الجثث لا تزال في الشوارع».

وقال ممثل رواندا في منطقة البحيرات العظمى الأفريقية، فانسان كاريغا، الأربعاء، إن «حركة (إم23) ستواصل التقدم في جنوب كيفو، لأن غوما لا يمكن أن تكون خط النهاية وحدها ما لم يتم في غضون ذلك إجراء حوار جيد ومفاوضات مع الحكومة في كينشاسا، وهو أمر أشك في إمكانيته»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية. وأشار كاريغا إلى أن «النتيجة النهائية قد تكون قيام (إم23) إما بمشاركة السلطة وإما بالاستحواذ على السلطة بالكامل». وشغل كاريغا في الماضي منصب سفير رواندا لدى الكونغو، قبل طرده عام 2022 على خلفية اتهام رواندا بدعم «إم23».

مظاهرات عنيفة

والثلاثاء، هاجم متظاهرون في العاصمة كينشاسا سفارات عدة، احتجاجاً على عدم تدخل دولها لوقف الفوضى في شرق البلاد. وتعرضت سفارات فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة وكينيا وأوغندا وجنوب أفريقيا لهجمات، ودَعت السفارة الأميركية مواطنيها إلى مغادرة البلاد.

وحضّت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي رواندا على سحب قواتها من المنطقة. وفي اتصال مع كاغامي، الثلاثاء، دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى «وقف فوري لإطلاق النار في المنطقة وجميع الأطراف إلى احترام سلامة الأراضي وسيادتها».

وفي وقت لاحق، قال كاغامي على منصة «إكس» إنه أجرى «محادثات مثمرة» مع روبيو حول «الحاجة إلى ضمان وقف إطلاق النار في شرق الكونغو».

وخلال اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الثلاثاء، دعت وزيرة خارجية الكونغو، الدول إلى «أن تتحلى بالشجاعة للقيام بما هو صحيح»، كما حذّرت قوة حفظ السلام الأممية في أثناء اجتماع مجلس الأمن من أن المعارك تحمل خطر إعادة إحياء النزاعات العرقية التي تعود بالذاكرة إلى الإبادة في رواندا.

وتتّهم الكونغو رواندا بشن الهجوم للاستفادة من المعادن الوفيرة في المنطقة، وهو ما يدعمه خبراء الأمم المتحدة الذين يقولون إن كيغالي لديها آلاف الجنود في الكونغو، وتسيطر فعلياً على حركة «إم 23». لكنَّ رواندا نفت الاتهامات، وأشارت إلى أن هدفها هو مواجهة مجموعة مسلحة تطلق على نفسها «القوات الديمقراطية لتحرير رواند» أسّستها شخصيات من إثنية «الهوتو» قادت إبادة ارتكبت مجازر بحق «التوتسي» عام 1994.

وحركة «23 مارس» هي أحدث حلقة في سلسلة من حركات التمرد التي تقودها عرقية التوتسي في الكونغو بدعم من رواندا، بعد الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا قبل 30 عاماً، عندما قتل متطرفون من عرقية الهوتو أفراداً من عرقيتَي التوتسي والهوتو حتى أطاحت بهم قوات تقودها عرقية التوتسي بقيادة الرئيس الرواندي بول كاغامي.

صراع تاريخي

وأشار أمين عام «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير علي الحفني، إلى بيان «مجلس الأمن والسلم الأفريقي»، الصادر مساء الثلاثاء، الذي «أدان في أكثر من فقرة التصعيد الأخير من حركة (إم23) وقوى مسلحة أخرى»، كما أعرب «عن الأسى إزاء سقوط ضحايا»، مطالباً بـ«العودة عن تلك الممارسات».

وقال الحفني لـ«الشرق الأوسط» إن «الاعتداءات ليست على مدينة غوما، عاصمة الشرق، فقط، بل تمتد إلى مدينتين أخريين»، واصفاً ما حدث بالتطورات «المحزنة والمؤسفة»، مشيراً إلى أن «التصعيد الأخير هو نتاج سنوات من الصراع في تلك المنطقة، الذي يهدد أمن الإقليم ككل». وأضاف أن «القاهرة بصفتها عضواً في لجنة السلم والأمن الأفريقي تُدين تلك الممارسات، وتطالب بوقف العنف والقتال»، وأشار الحفني إلى دور رواندا في التصعيد الأخير، معرباً عن أمله في أن «تستجيب الكونغو الديمقراطية ورواندا لدعوة مجلس الأمن وتضعا حداً لصراع ممتد يعوق جهود التنمية».

الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتورة أماني الطويل، أكدت أن «رواندا لها دور رئيسي في التفاعلات الجارية في شرق الكونغو، والصراع الممتد منذ عقود الذي ينطوي على نزاع إثني، وتنافس على الموارد الطبيعية». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: إن «هذا الصراع تفاقم مع إهمال المجتمع الدولي له وتراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة».

وأشارت خبيرة الشؤون الأفريقية إلى أن «أجندة حركة (إم23) السياسية غير واضحة»، متوقعةً ألا تؤدي سيطرتها على مناطق في شرق الكونغو إلى «استقرار المنطقة» لا سيما مع التفاعلات الإثنية للنزاع». وقللت الطويل من أن تسفر الوساطات عن إنهاء الصراع، قائلة إن «الأمر يحتاج إلى هندسة تسويات سياسية واقتصادية تقدم للأطراف المتصارعة وتحفظ لكل منها قدراً من المصالح».


مقالات ذات صلة

إدانة زعيم طائفة في كينيا بقتل 190 طفلاً

أفريقيا بول ماكنزي خلال جلسة النطق بالحكم عليه في مومباسا بكينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)

إدانة زعيم طائفة في كينيا بقتل 190 طفلاً

أدانت محكمة كينية، اليوم الاثنين، بول ماكنزي، وهو زعيم طائفة تدعو إلى التجويع، ونحو 30 آخرين بتهمة القتل على خلفية وفاة 190 طفلاً إلى جانب شخص بالغ.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

اشتباكات ولاية «الجنوب الغربي» تعمق الخلافات السياسية في الصومال

أعادت اشتباكات ولاية الجنوب الغربي في الصومال المخاوف من تأثيراتها على المشهد السياسي الذي يتجه لمناقشات وتفاهمات بشأن الانتخابات في 2027.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع نظيره الصومالي في العلمين الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)

اتصالات مصرية لتفعيل مخرجات «القمة الرباعية» بشأن أمن «القرن الأفريقي»

تتواصل الاتصالات المصرية-الصومالية بشأن الأوضاع الأمنية في «القرن الأفريقي»، وتفعيل مخرجات «القمة الرباعية»، التي استضافتها مدينة العلمين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (أ.ف.ب)

مناوشات دبلوماسية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا بعد أزمة «الطرد»

توتر دبلوماسي جديد كشفت عنه أسمرة بعد رسالة وجهتها لمفوضية الاتحاد الأفريقي، بشأن طلب استعادة تمثيلها في مقر الاتحاد بأديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

حسم مواعيد الانتخابات الصومالية... بداية للحل أم اختبار للأزمة؟

زخم سياسي جديد في الصومال مع إعلان «لجنة الانتخابات» إجراء الاقتراع البرلماني والرئاسي في أبريل ومايو المقبلين.

محمد محمود (القاهرة )

إدانة زعيم طائفة في كينيا بقتل 190 طفلاً

بول ماكنزي خلال جلسة النطق بالحكم عليه في مومباسا بكينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)
بول ماكنزي خلال جلسة النطق بالحكم عليه في مومباسا بكينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

إدانة زعيم طائفة في كينيا بقتل 190 طفلاً

بول ماكنزي خلال جلسة النطق بالحكم عليه في مومباسا بكينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)
بول ماكنزي خلال جلسة النطق بالحكم عليه في مومباسا بكينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أدانت محكمة كينية، اليوم الاثنين، بول ماكنزي، وهو زعيم طائفة تدعو إلى التجويع، ونحو 30 آخرين بتهمة القتل على خلفية وفاة 190 طفلاً إلى جانب شخص بالغ، وسيصدر الحكم بحق ماكنزي والمتهمين الآخرين معه في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأُلقي القبض على ماكنزي في 2023 بعد تلقي الشرطة بلاغاً عنه، وبعد أسابيع بدأت السلطات في انتشال جثث من قبور ضحلة داخل غابة شاكاهولا قرب الساحل في جنوب شرقي كينيا.

ويقول ممثلو ادعاء إن ماكنزي وكنيسته «جود نيوز إنترناشيونال» أسسوا طائفة مسيحية تؤمن بنهاية العالم، وأمروا أتباعهم بتجويع أنفسهم وأطفالهم حتى الموت للذهاب إلى الجنة قبل نهاية العالم.

وأنكر ماكنزي تهم القتل، قائلاً إنه لم يجبر الضحايا على تجويع أنفسهم، لكن المحكمة رفضت هذه الحجة.

بول ماكنزي (في الوسط) والمتهمون معه يستمعون إلى الحكم خلال مثولهم أمام محكمة مومباسا في كينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وإجمالاً، تسنى انتشال أكثر من 400 جثة من غابة شاكاهولا. وكان الكثير منها في حالة تحلل شديد، ولم يتسن التعرف إلا على 26 جثة.

وشمل الحكم الصادر اليوم الاثنين 191 حالة وفاة، بينما لا تزال التحقيقات جارية بشأن حالات الوفاة الأخرى.

ويواجه ماكنزي تهماً أخرى تتعلق بحالات الوفاة التي عُثر عليها في الغابة، من بينها تهم مرتبطة بالإرهاب، وهو ما ينفيه تماماً.

ويقول الادعاء إنه خلال فترة احتجازه، أصدر ماكنزي أوامر تسببت في وفاة 52 شخصاً في قرية كوا بينزارو، التي تقع على بعد نحو 30 كيلومتراً من منطقة شاكاهولا.

ودفع ماكنزي ببراءته في تلك القضية.


مالي: تقرير يرصد انتهاكات تورط فيها الجيش والروس و«القاعدة»

مسلحون من الطوارق خلال السيطرة على مدينة كيدال شمال مالي (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلحون من الطوارق خلال السيطرة على مدينة كيدال شمال مالي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مالي: تقرير يرصد انتهاكات تورط فيها الجيش والروس و«القاعدة»

مسلحون من الطوارق خلال السيطرة على مدينة كيدال شمال مالي (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلحون من الطوارق خلال السيطرة على مدينة كيدال شمال مالي (أرشيفية - أ.ف.ب)

حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من خطورة الانتهاكات التي سُجلت في دولة مالي، وقالت في تقرير نشرته، الاثنين، إن الجيش المالي و«الفيلق الأفريقي» الروسي قتلا مدنيين وجرحوهم في هجمات وخلال الاحتجاز، كما عذب مقاتلو «القاعدة» والمتمردون جنوداً ماليين أسرى وأعدموهم.

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي يغطي الفترة من يوليو (تموز) حتى منتصف سبتمبر (أيلول) الماضيين، أن هذه الانتهاكات سُجلت خلال عمليات عسكرية جاءت رداً على هجمات منسقة شنتها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد» في 25 أبريل (نيسان) الماضي، سعت إلى إطاحة المجلس العسكري بقيادة الفريق أول أسيمي غويتا.

وقالت المنظمة إن الجيش و«الفيلق الأفريقي» الروسي ردا بغارات جوية أوقعت قتلى مدنيين، وبأعمال انتقامية ضد مجتمعات اتُّهمت بالتعاون مع مسلحي تنظيم «القاعدة» والمتمردين الطوارق من «جبهة تحرير أزواد».

غارات وقتل

ووثقت المنظمة مقتل 6 رجال تتراوح أعمارهم بين 21 و54 عاماً، وإصابة 20 آخرين على الأقل، في 19 أغسطس (آب) الماضي، بضربة يرجح أنها بطائرة مسيّرة استهدفت سوق مواشٍ في تومبونكوري بمنطقة باندياغارا. وقال شهود إنه لم يكن في المكان مقاتلون، بينما أعلن الجيش أنه ضرب «وكراً للإرهابيين» و«حيّد» نحو 20 منهم.

وفي 12 يوليو 2026، أطلق جنود ماليون النار على 5 فتيات تتراوح أعمارهن بين 10 سنوات و13 عاماً كن يحصدن الأرز في نيونو بمنطقة سيغو؛ ما أسفر عن مقتلهن. واعتذر الجيش لاحقاً، قائلاً إنه ظنهن مهاجمات. وحتى منتصف سبتمبر الماضي لم يُفتح تحقيق ولم تُقدم تعويضات، وفق المنظمة.

وفي 29 يوليو، دمرت طائرة مسيّرة تشبه طراز «شاهد» جزئياً مركزاً صحياً في تالاهاندك بمنطقة كيدال قرب الحدود الجزائرية. ونقلت المنظمة عن عاملة صحية قولها إن المقاتلين لم يستخدموا المركز «تحت أي ظرف».

كما قَتل عناصرُ من ميليشيا «الدوزو» 3 رجال من عرقية الفلان في جيني بمنطقة موبتي يومي 27 و28 يوليو 2026، استُهدفوا، وفق شهود؛ بسبب انتمائهم العرقي.

إعدامات تابريشات

وفي المقابل، قالت المنظمة إن مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد» هاجموا في 18 يوليو 2026 رتلاً للجيش و«الفيلق» في ولاية تابريشات بمنطقة غاو، وإن 19 جندياً على الأقل كانوا قد استسلموا عُذبوا وأُعدموا.

وقال جندي نجا إن أكثر من 50 عسكرياً فُقدوا. ووثقت «منظمة العفو الدولية» الإعدامات، وراجعت «هيومن رايتس ووتش» مقاطع مصورة تُظهر ضرب جنود مستسلمين وإطلاق النار عليهم، لكنها لم تستطع تحديد الجهة المنفذة.

وردت «لجنة الشريعة» في «الجماعة» برسالة يوم 30 سبتمبر الماضي، قالت فيها إن قتل الأسرى «وقع فعلاً» لكنها «لم تُصدر الأمر به». ونفت «جبهة تحرير أزواد» في رسالة يوم 20 سبتمبر «بشكل قاطع» أن تكون قواتها نفذت الإعدام.

وأعلنت النيابة العامة المالية فتح تحقيق في 1 أغسطس الماضي، لكن أُسَراً قالت إن السلطات لم تتصل بها.

أرقام وتوصيات

واستندت «المنظمة» إلى بيانات «أكليد» (مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح) لفترة أبريل وأغسطس الماضيين لتؤكد أن 49 غارة جوية للجيش و«الفيلق» قتلت 89 مدنياً، مقابل 22 غارة و44 قتيلاً في الفترة نفسها من عام 2025، وقتل الجيش 268 مدنياً، و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» 134.

ودعت المنظمةُ «مجلس السلم والأمن الأفريقي» إلى عقد جلسة مخصصة لحماية المدنيين والمساءلة، وإصدار بيان يدين انتهاكات كل الأطراف، وطلب تقرير عاجل.

وطلبت «المنظمة» من السلطات المالية فتح تحقيقات مستقلة وقبول مساعدة خبراء حقوق الإنسان في «الاتحاد الأفريقي». وقالت إن المنظمات والحكومات الدولية «تقف موقف المتفرج»، وإن وزير الدفاع المالي لم يرد على رسالتها في 5 أغسطس الماضي.

واستندت المنظمة في تقريرها إلى مقابلات عن بُعد مع 30 شخصاً، من بينهم شهودٌ، ومدافعون عن حقوق الإنسان، وقادةٌ من المجتمعات المحلية، وصحافيون، بالإضافة إلى جندي مالي، بين أواخر يوليو ومنتصف سبتمبر 2026، كما راجعت «المنظمة» فيديوهات وصوراً وحددت مواقعها جغرافياً.


هل تنهي مفاوضات دكار القطيعة بين مجموعة «إيكواس» ودول الساحل؟

مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

هل تنهي مفاوضات دكار القطيعة بين مجموعة «إيكواس» ودول الساحل؟

مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
مشهد عام لحاملة مستوعبات شحن في مرفأ دكار في 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عقدت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) و«كونفدرالية دول الساحل» (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، أمس (السبت)، في العاصمة السنغالية دكار، أول اجتماع وزاري رسمي بينهما منذ خروج الدول الثلاث من المجموعة، قبل قرابة 3 سنوات.

وفيما الترقب سيد الموقف، في ظل محاولات سابقة فاشلة لإنهاء القطيعة بين الطرفين، حصل هذه المرة اتفاق على المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقة بينهما في المستقبل، وتشكيل مجموعات عمل تمهد لـ«اتفاق إطار للتعاون»، من دون أن يحدد البيان المشترك موعد الجلسة المقبلة.

وترأس الاجتماع مناصفة وزير الخارجية السنغالي الشيخ نيانغ، رئيس مجلس وزراء «إيكواس»، ووزير خارجية بوركينا فاسو، كارامكو جان ماري تراوري، رئيس لجنة التوجيه الوزارية للكونفدرالية. وتستضيف السنغال المباحثات بصفتها الرئيس الحالي لمجموعة «إيكواس».

مشهد عام لدكار عاصمة السنغال من مروحية تابعة لقوات البحرية الفرنسية في مياه خليج غينيا (أ.ف.ب)

نقاط الاتفاق

قال البيان المشترك، المكوّن من 8 نقاط، إن العلاقة بين مجموعة «إيكواس» وكونفدرالية دول الساحل يجب أن تقوم على «حسن الجوار واحترام السيادة والكرامة ورفاه شعوب غرب أفريقيا»، فيما أعرب الجانبان عن رغبتهما في التوصل إلى «إطار تعاون متوازن وواقعي يحفظ مصالح شعوبهما».

وأشار البيان إلى أن الطرفين تبادلا الآراء حول مجالات الاهتمام المشترك، استناداً إلى مشاورات سابقة في باماكو، يوم مايو (أيار) 2025. وقررا تشكيل مجموعات عمل محايدة ومشتركة تجري المباحثات التقنية وصولاً إلى اتفاق إطار، على أن تُعرض نتائجها على الوزراء قبل جلستهم المقبلة، ويُحدد موعدها ومكانها «بعد التشاور بالقنوات الدبلوماسية».

ولم يسمّ البيان محاور مجموعات العمل. وقالت مصادر قريبة من المفاوضات إنها ستشمل حرية تنقل السلع والأشخاص والتجارة ومكافحة الإرهاب. فيما قال وزير خارجية السنغال إن المباحثات أظهرت «تقاربات كبيرة»، وأكد لإنسانا كوياتي، كبير مفاوضي «إيكواس»: «لا أحد يستطيع أن يطلب من كونفدرالية الساحل العودة اليوم».

وكانت الكونفدرالية حددت قبل المباحثات، في اجتماع لوزراء خارجيتها في واغادوغو (الجمعة)، 3 أولويات: صون سيادة الدول الأعضاء، وتعزيز الكونفدرالية، وحماية مصالح شعوبها، مع التركيز على حرية تنقل الأفراد والسلع.

قطيعة بدأت بالانقلابات

ويطوي الاجتماع مرحلة من القطيعة التامة، بدأت بعد موجة انقلابات عسكرية في الدول الثلاث ما بين 2020 و2023، وطرد القوات الفرنسية والغربية، والتوجه نحو التحالف مع روسيا، والاستعانة بقوات من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمحاربة الإرهاب.

طي صفحة مضطربة

كل هذه التغيرات، وخاصة ما يتعلق بالانقلابات العسكرية، جعلت مجموعة «إيكواس» تفرض عقوبات اقتصادية على دول الساحل الثلاث، رفعتها لاحقاً. ولكن العقوبات دفعت الدول الثلاث في سبتمبر (أيلول) 2023 إلى توقيع «ميثاق ليبتاكو ـ غورما» للدفاع المشترك، والانسحاب من مجموعة «إيكواس» في يناير (كانون الثاني) 2024.

وقالت «إيكواس» حينها إن مواطني الدول الثلاث يحتفظون بحق التنقل دون تأشيرة والإقامة والاستقرار، وإن سلعها وخدماتها تبقى خاضعة للترتيبات التجارية القائمة «حتى إشعار آخر». لكن الدول الثلاث فرضت في أبريل (نيسان) 2025 رسماً بنسبة 0.5 في المائة على الواردات من دول «إيكواس».

ولم تنجح وساطات سابقة في إعادة فتح القنوات، حيث تتمسك مجموعة «إيكواس» بأهمية عودة دول الساحل الثلاث إلى المجموعة، وكلفت الرئيس السنغالي بالوساطة في يوليو (تموز) 2024، فيما زار الرئيس الغاني عواصم الساحل في مارس (آذار) 2025، ثم عيّنت في مارس 2026 رئيس الوزراء الغيني السابق لإنسانا كوياتي كبيراً للمفاوضين.

وأعلنت نيجيريا، أكبر اقتصاد في «إيكواس»، أنها تأمل في أن يمهد الاجتماع المنعقد في دكار لـ«اتفاق إطار عام» تعرضه على قمة المجموعة المقررة في أبوجا في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وفق بيان وزارة خارجيتها.

الساحة أوسع من التجارة

لا يخلو الانفراج من حسابات أمنية وجيوسياسية. فقد ابتعدت الأنظمة العسكرية الثلاثة عن فرنسا، وطردت القوات الفرنسية، وطردت النيجر القوات الأميركية، وصارت روسيا شريكها الأمني الرئيسي عبر «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع.

وتقدر مراكز بحثية أن نحو 2500 عنصر روسي انتشروا في الدول الثلاث بين 2022 و2024، وأن موسكو أرسلت ألف عنصر إضافي إلى مالي في فبراير (شباط) 2026. وقال لافروف في نيامي في 8 يوليو إن بلاده ستواصل دعم «تعزيز القدرات العملياتية» لصالح جيوش الكونفدرالية، وتسعى إلى توثيق التعاون في الطاقة والتعدين.

عناصر من مجموعة «أفريكا كوربس» - «فاغنر» سابقاً - في مالي (أ.ب)

وفي 29 أغسطس (آب)، هاجم جنود متمردون قاعدة جوية ومقر الرئيس عبد الرحمن تياني في نيامي. وتشير التقارير إلى أن نحو 200 عنصر من «الفيلق الأفريقي» ساعدوا في استعادة القاعدة. وفي مالي، لعبت القوات الروسية دوراً حاسماً في استعادة الجيش السيطرة على مدينة كيدال الحيوية من يد المتمردين، مطلع أكتوبر الحالي.

في المقابل، بدأت واشنطن «إعادة ضبط» علاقتها بدول الساحل، بحسب مركز «كريتيكال ثريتس». فقد زار مسؤول أميركي كبير باماكو ونيامي وواغادوغو في فبراير ومارس، ورفعت وزارة الخزانة في فبراير عقوبات عن مسؤولَين ماليين تتهمهما بالتعاون مع «فاغنر»، وأفادت «رويترز» في مارس بأن البلدين يقتربان من اتفاق لاستئناف رحلات الاستطلاع الأميركية فوق مالي.