4 محاولات انقلابية في بوركينا فاسو... تصفية حسابات أم صراع أجنحة؟

إبراهيم تراوري انقلابي يعيش مع شبح الانقلابات

النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)
النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)
TT

4 محاولات انقلابية في بوركينا فاسو... تصفية حسابات أم صراع أجنحة؟

النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)
النقيب إبراهيم تراوري وسط حراسه (أرشيفية - رئاسة بوركينا فاسو)

تشتعلُ الحرب على الإرهاب في شمال بوركينا فاسو، أما في العاصمة واغادوغو فتشتعل حرب صامتة بين أجنحة متصارعة على السلطة، تظهر بشكل متكرر في بيانات حكومية تعلن إحباط محاولات انقلابية للإطاحة بالرئيس الشاب النقيب إبراهيم تراوري (36 عاماً).

ولكن هذه المحاولات الانقلابية تثير الكثير من الشكوك، بسبب الغموض الكبير الذي يحيط بها، فمنذ أن وصل النقيب تراوري إلى السلطة بعد انقلاب عسكري ناجح نهاية سبتمبر (أيلول) 2022، جرى أربع محاولات فاشلة للإطاحة به، وهو رقم قياسي سجله في أقل من خمسة عشر شهراً.

كان آخر هذه المحاولات الانقلابية الفاشلة، تلك التي أعلنتها حكومة بوركينا فاسو الخميس الماضي، حين قالت إن شبكة خططت للإطاحة بالرئيس يوم 14 يناير (كانون الثاني) الجاري، وهي شبكة تتكون من عسكريين ومدنيين وناشطين وضباط مطرودين من الجيش.

رواية وحيدة

تثير الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها بوركينا فاسو، خاصة فيما يتعلق بمستوى الحريات، قلق العديد من متابعي أوضاع البلد الغرب أفريقي الحبيس. بين هؤلاء الصحافي إبراهيم الهريم الذي يتولى منذ سنوات تغطية الأحداث السياسية والأمنية في غرب أفريقيا، ولكنه يجد صعوبة في متابعة ما يجري في بوركينا فاسو.

يقول إبراهيم الهريم في حديث مع «الشرق الأوسط» إنّ «معرفة حقيقة ما يجري في بوركينا فاسو مهمة صعبة، بسبب تهديد السلطات لوسائل الإعلام، ضمن ما تسميه سياسة خلق (إعلام ذي توجه وطني)، وهو ما يعني عدم قدرة الإعلام الخاص على أن يكون موضوعياً، خشية إحراج السلطات، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات».

عناصر من جيش بوركينا فاسو (أرشيفية - رويترز)

ويوضح الهريم أنه لاحظ أن «الحديث عن المحاولات الانقلابية الأخيرة، جاء فقط من طرف الحكومة، التي تعلنها دون أدنى تسرب للمعلومات في وسائل الإعلام قبل ذلك. وهو ما يطرح تساؤلات، بالنسبة لي، حول هذه المحاولات، إن كانت فعلاً حقيقية، أم أنها مجرد ذر للرماد في عيون البوركينيين لإلهائهم عن المشاكل الحقيقية التي تواجهها البلاد».

ولكن الهريم يعود ليؤكد أن وجود رواية وحيدة صادرة عن الحكومة «لا ينفي وجود تذمر لدى بعض عناصر الجيش، وبعض القيادات من وضعهم، ومن قدرتهم على المواجهة في أرض المعركة، رغم أن تراوري منذ قدومه تعهد بتسليح الجيش وتمكينه من تأدية مهامه». ويخلص الهريم إلى أن «هذا التذمر قد لا يصل فعلياً إلى درجة التخطيط للانقلاب، وإن كانت الانقلابات في هذا الجزء من القارة لا تخضع لمنطق واضح».

شيطنة فرنسا

القاسم المشترك بين جميع المحاولات الانقلابية في بوركينا فاسو، هو أصابع الاتهام التي توجه بشكل غير مباشر إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي خسرت الكثير من نفوذها في هذه المنطقة من العالم، لصالح قوى صاعدة مثل روسيا والولايات المتحدة والصين.

وفي بيان الخميس الماضي، قالت الحكومة إن منظمات من المجتمع المدني تلقت «تمويلات خارجية» لدعم الانقلاب، وهو ما عده إشارة لدور فرنسي خفي، على حد تعبير الصحافي إبراهيم الهريم.

ويضيف الهريم في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن السلطات وإن كانت لم تسم جهة معينة «فإن فرنسا تبدو الأقرب لأن تكون المتهمة، بعد تدهور علاقاتها ببوركينا فاسو منذ وصول تراوري إلى الحكم، والتقارب الكبير الذي بدأه مع روسيا، أو على الأقل هذا ما يتم تسويقه لدى داعمي تراوري الذين يسعون دوماً إلى شيطنة باريس، التي لها فعلاً تاريخ طويل من الوقوف خلف الانقلابات في أفريقيا».

ولعل من أشهر الانقلابات التي تتهم فرنسا بدعمها، كان عام 1987 في بوركينا فاسو، وقتل فيه رئيس البلاد آنذاك توماس سانكارا، وهو أشهر رئيس ثوري حكم البلاد، وتبنى سياسات اشتراكية مناهضة للغرب، وتوجه نحو التحالف مع الاتحاد السوفياتي. ويقدم اليوم النقيب إبراهيم تراوري على أنه الوريث الشرعي لسانكارا.

ورغم أن المسؤولين الفرنسيين كثيراً ما نفوا أي علاقة لهم بالأحداث الجارية في بوركينا فاسو، فإن بلادهم لا تزال حاضرة بشكل كبير في النقاش بين السياسيين في بوركينا فاسو، ويحملونها مسؤولية الأوضاع التي تعيشها بلادهم.

العقلُ المدبر

منذ أن أعلنت بوركينا فاسو إحباط محاولة انقلابية، والجميع يسأل عن عقلها المدبر، وهو السؤال الذي رد عليه الصحافي إبراهيم الهريم بالقول إن «السلطات لم تعلن بالتحديد عن العقل المدبر للمحاولة المزعومة الأخيرة، لكن القائد العام السابق للجيش إيفراد سومداه، هو أكثر اسم جرى تداوله، وخضع للتوقيف الأسبوع الماضي، وقبل ذلك شُطب اسمه من الجيش».

جنود بوركينا فاسو يحرسون مدخل محطة التلفزيون الوطنية في العاصمة واغادوغو الاثنين 24 يناير 2022 (أ.ب)

ويضيف الهريم: «هناك قيادات أخرى في الجيش برتب أدنى، وهناك أيضاً مدنيون على رأسهم وزيرة الخارجية السابقة التي أقيلت منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وتقول وسائل إعلام إن إقالتها لها علاقة مباشرة بمحاولة الانقلاب المزعومة، حيث يتهمها تراوري بالتواطؤ وبأن لها اتصالات مع القائد السابق للجيش وعسكريين آخرين».

يشير الهريم إلى أنه كثيراً ما تنتشر الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع أي محاولة انقلابية في بوركينا فاسو، وهو ما حدث قبل أسابيع من إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة، «لكن أغلب المتابعين لم يهتموا لها، وبالتالي بقيت مجرّد شائعات، إلا أن تحركات السلطات الأخيرة والإقالات والتوقيفات، جعلت البوركينيين يظنون أن شيئاً ما يحدث».

ولكن الصحافي الذي يغطّي منذ سنوات الأحداث السياسية والأمنية في غرب أفريقيا، يشير إلى أن المحاولة الانقلابية الأخيرة «لم يكن لها صدى كبير، خارج محيط داعمي تراوري، فلم تهتم بها سوى حركات مجتمع مدني ولدت مع وصول تراوري إلى السلطة، وتطلق على نفسها اسم (حماة تراوري) الذي ترى فيه سانكارا جديداً».

سانكارا جديد؟

أغلب أنصار النقيب إبراهيم تراوري هم مجموعة من الشباب المتحمسين والشعوبيين، الذين انخرطوا في منظّمات تعقد أنشطة وتنظم مسيرات لدعم الرجل الذي ترى فيه «القائد الشاب الطموح الذي تحتاجه بوركينا وفاسو، وسيخرجها من مستنقع العنف والفوضى ويضعها على جادة البناء»، على حد تعبير إبراهيم الهريم.

ولكن الهريم يشير إلى أنه «في ظل صمت الأغلبية العظمى من الشعب في بوركينا فاسو، يرى بعض النخبة أن في ذلك غلواً، لأن تراوري يلعب على وتر الشعبوية من أجل خلق مناخ يطبعه الخوف؛ الخوف من عودة الفوضى في حال سقط أو خرج، والخوف من (أذرع) فرنسا والغرب الذين يريدون إعادة البلاد إلى ما يصفونه بعصر الظلام والإذعان للمستعمر».

وفي هذا السياق المشحون بالعاطفة، يتم الترويج لفكرة أنه من غير المستبعد أن تتم تصفية تراوري كما حدث مع سانكارا قبل 36 عاماً، في انقلاب عسكري نفذه رفيقه في السلاح بليز كومباوري، بدعم من فرنسا. وهنا يقول الصحافي إبراهيم الهريم في ختام حديثه مع «الشرق الأوسط»: «عموماً جيش بوركينا فاسو جيش منقسم، وإن بدا خلاف ذلك، وتراوري في رأيي يحركه قادة في الجيش، وبعض الضباط الذين يرون أن بقاءه في السلطة يخدم مصالحهم».


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) play-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) play-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) play-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

نيجيريا: خسائر للجيش في مواجهات مع «داعش»

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
TT

نيجيريا: خسائر للجيش في مواجهات مع «داعش»

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش النيجيري، أن عدداً من جنوده قتلوا في هجوم إرهابي باستخدام سيارة مفخخة، خلال عملية عسكرية كان يشنها ضد مواقع تابعة لتنظيم «داعش»، في أقصى شمال شرقي نيجيريا، وتحديداً في مثلث تمبكتو، أحد أشهر معاقل الإرهابيين في نيجيريا.

وقال الجيش، إن قواته سجلت خسائر عقب اشتباك مع عناصر إرهابية كانت في حالة فرار، خلال عمليات تمشيط بولاية (بورنو)، يوم (الثلاثاء)، بعد أن «نفذت القوات عمليات تطهير منسّقة في مواقع رئيسية للتنظيمات الإرهابية داخل ما يُعرف بمثلث تمبكتو، شملت مناطق تيرجيجيري، وتشيراليا، والمحيط العام لأجيجين/أبيرما».

عناصر من جماعة «بوكو حرام»الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

ونشر الجيش بياناً، الأربعاء، موقّعاً من طرف مسؤول الإعلام في قوة المهام المشتركة لشمال شرقي نيجيريا، ضمن عملية (هادين كاي)، المقدم ساني أوبا، قال فيه، إن «القوات دخلت في احتكاكات متقطعة مع عناصر إرهابية كانت تحاول الفرار، واشتبكت معها بنيران كثيفة، ما أسفر عن تحييد عدد من المسلحين».

وقال أوبا: «واصلت قوات عملية هادين كاي تقدمها داخل مثلث تمبكتو، محققة مكاسب عملياتية مهمة، ومُلحِقة مزيداً من الخسائر بشبكات الإرهاب الناشطة في المنطقة»، مشيراً إلى أنه «في أثناء تمركز القوات في نقطة تجمّع تبعد نحو ستة كيلومترات شمال تشيراليا، واجهت مركبتين مفخختين، جرى تدمير واحدة، فيما اخترقت الثانية الموقع الدفاعي وألحقت أضراراً ببعض المنصات اللوجيستية».

وكشف أوبا عن أن الحادث أسفر عن مقتل عدد من الجنود وأفراد قوة المهام المدنية المشتركة (CJTF)، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، دون أن يعطي تفاصيل أكثر حول عدد الجنود الذين قتلوا أو أصيبوا في التفجير.

وقال إن القوات عثرت لاحقاً «على مقابر جماعية تضم نحو 20 جثة لمسلحين قُتلوا في مواجهات سابقة داخل مثلث تمبكتو، وقام رفاقهم بدفنهم»، مشيراً إلى أن ذلك «يُبرز حجم الخسائر التي تكبّدتها الجماعات الإرهابية».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

على صعيد آخر، قُتل خمسة جنود وعنصر من الشرطة، الاثنين الماضي، إثر تعرّض قوات عملية (فإنسان يامّا) التابعة لقوة المهام المشتركة لشمال غربي نيجيريا، لكمين نصبه مسلحون إرهابيون على طريق بينغي – كيكون واجي – غوساو في ولاية (زمفارا)، شرق نيجيريا.

وفي بيان صادر عن الجيش، قال ضابط الإعلام في عملية (فإنسان يامّا)، النقيب ديفيد أديواوسي، إن القوات كانت قد حققت نجاحات ميدانية من خلال مداهمات منسّقة وكمائن ودوريات قتالية، واعتقلت ثلاثة من المشتبه بهم وقتلت أربعة إرهابيين.

وأوضح النقيب أديواوسي، أن «الكمين الدموي وقع في أثناء استجابة عناصر فريق القتال الأول التابع للعملية لنداء استغاثة يتعلق بهجوم انتقامي نفذه الإرهابيون»، مشيراً إلى أن «القوات تعرّضت للهجوم في منطقة غيدان واغني في أثناء تحركها نحو كيكون واجي».

وقال: «على الرغم من عنصر المفاجأة في الهجوم، فقد ردّت القوات بشجاعة، واشتبكت مع الإرهابيين ومنعت وقوع أضرار إضافية على المجتمعات المجاورة»، مؤكداً أن «خمسة جنود وشرطياً واحداً قدّموا أرواحهم خلال المواجهة».

صورة من انفجار سابق في نيجيريا (رويترز - أرشيفية)

وأضاف النقيب أديواوسي، أن تعزيزات وصلت إلى المنطقة، ونفذت هجوماً مضاداً أجبر المسلحين على الانسحاب، مشيراً إلى أن «معلومات استخبارية موثوقة، تؤكد إصابة زعيم عصابة معروف يُدعى جانويّا، والحاج بيلو، الذي يُعرَف بأنه الرجل الثاني لدى كاتشالا سوجا، بجروح خطيرة من جراء طلقات نارية خلال الاشتباك».

ونيجيريا هي البلد الأفريقي الأكبر من حيث تعداد السكان، حيث يتجاوز عدد السكان حاجز 250 مليون نسمة، وتعد أكبر منتج للنفط في القارة، بالإضافة إلى كونها الاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، ولكنها مع ذلك تعيش وضعاً أمنياً صعباً منذ 2009 بسبب تمرد مسلح تقوده جماعة «بوكو حرام» الموالية للتنظيمين الإرهابيين: «القاعدة»، و«داعش في غرب أفريقيا».


الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».