قمة «بريكس»: اعتماد وثيقة «الأدلة الاسترشادية» لتوسيع التكتل

بوتين يؤكد أن روسيا تريد إنهاء حرب «أشعل الغرب فتيلها»... وشي يطالب بـ«حوكمة عالمية أكثر عدلاً»

TT

قمة «بريكس»: اعتماد وثيقة «الأدلة الاسترشادية» لتوسيع التكتل

صورة جماعية للمشاركين في قمة «بريكس» في جوهانسبرغ اليوم (أ.ف.ب)
صورة جماعية للمشاركين في قمة «بريكس» في جوهانسبرغ اليوم (أ.ف.ب)

أقرت قمة «بريكس» في جوهانسبرغ، اليوم (الأربعاء)، «أدلة استرشادية» في مسألة توسيع هذا التكتل الذي يمثّل قرابة نصف سكان الكرة الأرضية، وهو أمر يُفترض أن تتضح آليته مع صدور البيان الختامي غداً (الخميس). لكن قضية توسيع «بريكس» لم تغيّب كلياً بقية الملفات المطروحة أمام القادة في قمتهم الخامسة عشرة؛ إذ برزت بوضوح حرب أوكرانيا وتداعياتها، وطموح دول التكتل لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي في التعاملات التجارية في ما بينها واللجوء عوض ذلك إلى التعامل بالعملات المحلية.

وبعد الظهر، قالت ناليدي باندور، وزيرة الخارجية في جنوب أفريقيا: إن مجموعة «بريكس» اعتمدت وثيقة تحدد الأدلة الاسترشادية والمبادئ الخاصة بتوسيع المجموعة، بحسب ما ذكرت وكالة «رويترز».

قمة «بريكس»... إقرار مبادئ توسيع التكتل (رويترز)

وذكرت وكالة أسوشييتد برس أن قادة "بريكس" عقدوا الأربعاء نقاشات خلف أبواب مغلقة في خصوص مسألة توسيع التكتل. وأضافت أن قراراً بخصوص قبول أعضاء جدد كان متوقعاً في وقت لاحق مساء الأربعاء، لكن مسؤولين قالوا إن ذلك يبدو غير محتمل الآن وإن إعلاناً رسمياً قد يصدر الخميس.وأشارت الوكالة إلى أن رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا قال إن القادة الخمسة للتكتل أعلنوا تأييدهم مبدئياً لتوسيع "بريكس". وقال رامافوزا في هذا خصوص: "نقف على عتبة توسيع عائلة بريكس، لأننا من خلال هذا التوسع سيكون في مقدورنا أن تكون لدينا بريكس أكثر قوة في هذه الأوقات المضطربة التي نعيشها".ولفتت الوكالة إلى أن أكثر من 20 دولة قدمت طلبات للانضمام إلى "بريكس" التي تأسست عام 2009 من دول البرازيل وروسيا والهند والصين قبل ان تنضم إليها جنوب أفريقيا عام 2010. وتابعت أن بين الدول التي طلبت الانضمام المملكة العربية السعودية والأرجنتين ومصر وإثيوبيا وإيران وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة. وتابعت أنه حتى لو كان هناك إجماع بين القادة على التوسيع، فإن من غير الواضح هل سيتم الإعلان عن الأعضاء الجدد في ختام القمة هذا الأسبوع. و"بريكس" تكتل يعمل على قاعدة الإجماع، ما يعني ضرورة موافقة الدول الخمس على أي قرار من قراراته.وفيما أعلنت الصين وروسيا تأييدهما لتوسيع "بريكس"، انضم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لذلك وقال في كلمة اليوم: "نتطلع للتقدم إلى أمام في هذا الشأن بناء على الإجماع"،وأشارت أسوشييتد برس إلى أن النقاشات في قمة جوهانسبرغ تناولت أيضاً، بالإضافة إلى قضية توسيع "بريكس"، مسألة الابتعاد على استخدام الدولار في التعاملات التجارية بين دول التكتل والتركيز عوض ذلك على العملات المحلية. لكنها لفتت إلى صعوبة تحقيق ذلك بين عشية وضحاها. وتوضح حسابات باحثي البنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)، أن ما مجموعة 96 في المائة من التجارة بين أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية كانت بالدولار الأميركي خلال الفترة من العام 1999 و2019، في حين أن الدولار شكل 74 في المائة المبادلات التجارية خلال هذه الفترة في قارة آسيا. وفي بقية العالم خارج أوروبا، شكل الدولار 79 في المائة من حجم المبادلات التجارية. وتؤكد هذه الأرقام وضع الدولار فعلياً كعملة العالم.

«بريكس وأفريقيا»

وحملت القمة عنوان «بريكس وأفريقيا: الشراكة من الأجل النمو المشترك المتسارع والتنمية المستدامة والتعددية الشاملة». وحضر القمة قادة دول التكتل الخمس: رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس البرازيل لويس ايناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الصيني شي جينبينغ، في حين شارك عبر الفيديو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومثّله حضورياً وزير الخارجية سيرغي لافروف. كما يحضر القمة نحو 50 مدعواً من قادة دول أخرى.

وتمثّل «بريكس» بتركيبتها الراهنة قرابة نصف سكان الأرض وربع الاقتصاد العالمي. وتتشارك المجموعة التي تضم قوى متباينة الحجم الاقتصادي والنظام السياسي، التوجه حيال بديل لنظام عالمي تهيمن عليه القوى الغربية يخدم مصالح الدول النامية بشكل أفضل.

وتسعى الصين، أبرز دول المجموعة، لتوسيع «بريكس» المؤلفة من الاقتصادات النامية الكبرى، في خضم منافسة محمومة مع الولايات المتحدة. وبينما أبدت أكثر من 40 دولة رغبتها في الانضمام إلى «بريكس»، تحاذر الهند في الموافقة على هذه الخطوة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. ويعدّ هذا الملف البند الرئيسي على جدول أعمال قمة المجموعة التي تستضيفها جوهانسبرغ على مدى ثلاثة أيام. وأنشئت «بريكس» في 2009 وانضمت إليها جنوب أفريقيا في العام التالي.

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا: العالم يتغيّر

وقال رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامابوزا، في افتتاح الجلسة العامة لـ«بريكس» اليوم: إن «العالم يتغيّر». وأضاف: «الوقائع الجديدة تتطلب إصلاحاً جذرياً لمؤسسات الحوكمة العالمية لكي تكون أكثر تمثيلاً وقادرة على أن تردّ بشكل أفضل على التحديات التي تواجه البشرية».

وتابع أن دول «بريكس» تعتزم مواصلة تقديم الدعم للجهود الرامية إلى تسوية الصراع في أوكرانيا من خلال المحادثات. وشدد على أن «أعضاء (بريكس) سيواصلون دعم مختلف الجهود لإنهاء هذا الصراع من خلال الحوار والوساطة والمفاوضات»، مشيراً إلى أن الدبلوماسية والمفاوضات والالتزام بميثاق الأمم المتحدة أمور ضرورية لتسوية الصراعات الدولية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث أمام القمة عبر الفيديو من موسكو (إ.ب.أ)

روسيا: حرب أشعلها الغرب

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في كلمته عبر الفيديو، إن بلاده تريد إنهاء حرب «أشعل الغرب وأتباعه فتيلها» في أوكرانيا. وهو بدأ كلمته بالقول: «نجحت الدول الخمس في ترسيخ مكانتها على الساحة العالمية بوصفها هيكلاً موثوقا يتعزز تأثيره في الشؤون العالمية باستمرار. إن المسار الاستراتيجي للتوحيد موجه نحو المستقبل ليمس الجزء الرئيس من المجتمع الدولي، ما يسمى بالأغلبية العالمية»، مشدداً على «العمل بتنسيق، وعلى أساس مبادئ المساواة ودعم الشراكة ومراعاة المصالح». وأضاف، بحسب ما نقلت عنه قناة «روسيا اليوم»: «الأمر الرئيسي هو أننا جميعاً متفقون على تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يكون عادلاً حقاً، ويستند إلى القانون الدولي مع مراعاة المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك الحق في السيادة، واحترام حق الشعوب في تقرير المصير، واختيار نموذج التنمية الخاص بهم. نحن ضد أي نوع من الهيمنة وضد ما تروج له بعض الدول من استثنائيتها، وما يترتب على تلك الفرضية من سياسة جديدة، ألا وهي سياسة استمرار الاستعمار الجديد».

وتابع بوتين: «أريد أن أشير إلى أن هذه الرغبة تحديداً في الحفاظ على الهيمنة العالمية لبعض الدول هي ما أدى إلى الأزمة الحادة في أوكرانيا. فتم تنفيذ انقلاب غير دستوري في هذه الدولة أولاً، بمساعدة الدول الغربية، ثم شنت حرب ضد من لم يوافقوا على هذا الانقلاب، حرب وحشية، حرب إبادة استمرت لمدة 8 سنوات. قررت روسيا دعم هؤلاء الذين يقاتلون من أجل ثقافتهم وتقاليدهم ولغتهم ومستقبلهم. إن تحركاتنا في أوكرانيا يمليها شيء واحد فقط: وهو وضع حد للحرب التي أطلقها الغرب وتابعوه في أوكرانيا ضد سكان دونباس. ونحن ممتنون لزملائنا في مجموعة «بريكس» الذين يشاركون بنشاط في محاولة إنهاء هذا الوضع وتحقيق تسوية عادلة من خلال الوسائل السلمية.

ولفت إلى أن «حصة دول (بريكس) الخمس، حيث يعيش أكثر من 3 مليارات نسمة، من الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد تجاوزت بالفعل حصة ما يسمى بالدول الصناعية السبع من حيث تعادل القوة الشرائية. وعلى مدى العقد الماضي، تضاعفت استثمارات دول (بريكس) في الاقتصاد العالمي، وبلغت صادراتها مجتمعة 20 في المائة من الإجمالي العالمي». وتابع: «يجري تنفيذ استراتيجية الشراكة الاقتصادية لدول المجموعة حتى عام 2025 بنجاح، وعلى وجه الخصوص، يجري تعزيز التعاون الخماسي في مجالات مثل تنويع سلاسل التوريد، وإلغاء الدولرة، والانتقال إلى العملات الوطنية في التسويات المتبادلة، والاقتصاد الرقمي، ودعم المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم، والنقل العادل للتكنولوجيا».

وقال الرئيس الروسي: إن رئاسة مجموعة «بريكس» ستنتقل إلى بلاده العام المقبل، و«ستكون رئاستنا تحت شعار: تعزيز التعددية من أجل التنمية والأمن العالميين العادلين»، مشيراً إلى التخطيط لعقد اجتماع قمة «بريكس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 في مدينة قازان الروسية.

الرئيس الصيني شي جينبينغ في القمة (أ.ف.ب)

الصين: تعزيز الحوكمة العالمية

ودعا الرئيس الصيني شي جينبينغ في كلمة أمام المجتمعين، إلى التوسع السريع لمجموعة «بريكس» وبذل جهود لتعزيز حوكمة عالمية أكثر عدلاً وعقلانية. وقال: إن «تاريخ البشرية لن ينتهي عند حضارة بعينها أو نظام بعينه»، مشيراً إلى أن «هناك الكثير من الحضارات ومسارات التنمية في العالم، وهذا هو ما ينبغي أن يكون عليه العالم».

وأضاف: «علينا زيادة التبادلات الشعبية وتعزيز التعلم المتبادل بين الحضارات».

وقال الزعيم الصيني في كلمته التي نقلتها وكالة أنباء «شينخوا» الصينية: إن «دول (بريكس) في حاجة إلى دعم روح الشمول، والدعوة إلى التعايش السلمي والتناغم بين الحضارات، وتعزيز احترام جميع الدول في اختيار مسارات التحديث الخاصة بها بشكل مستقل. نحن في حاجة إلى الاستفادة من الآليات مثل ندوة (بريكس) بشأن الحوكمة، ومنتدى (بريكس) بشأن التبادلات الشعبية والثقافية، ومسابقة الابتكار للمرأة، لتعميق التبادلات الشعبية وتعزيز الروابط بين شعوبنا».

وقال شي أيضاً: إن الصين ترغب في أن تقترح على دول «بريكس» توسيع التعاون في مجال التعليم، وتعزيز دور تحالف بريكس للتعليم المهني، واستكشاف وإنشاء آلية تعاون بشأن التعليم الرقمي، وتدعيم نموذج للتعاون الشامل بشأن التعليم. كما حض «دول (بريكس) على تعزيز التبادلات بشأن الثقافات التقليدية وتعزيز تجديد الثقافات التقليدية الممتازة».

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في قمة «بريكس» (أ.ب)

الهند: أسرة واحدة... مستقبل واحد

وفي كلمته أمام القمة، شدد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على أن «بنك التنمية الجديد التابع لـ(بريكس) يلعب دوراً أساسياً في تنمية جنوب العالم»، عادّاً أن مجموعة «بريكس» بمثابة «أسرة واحدة، مستقبل واحد. وهذا هو الشعار الذي تبنته الهند أثناء رئاستها المجموعة». واقترح مودي أن «تكون هناك عضوية دائمة للدول الأفريقية في مجموعة العشرين». كما أكد أن المجموعة «ستنقل سكان دول (بريكس) إلى مستوى آخر بتوسيع الاتصالات بين سكان بلداننا».

المشاركون في قمة «بريكس» في جوهانسبرغ خلال التقاط الصور التذكارية اليوم (أ.ف.ب)

البرازيل: تداعيات عالمية لحرب أوكرانيا

أما الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، فقال: إن «الصراع الأساسي اليوم يحصل في أوكرانيا وله تداعيات عالمية... في البرازيل نحن جاهزون للانضمام إلى الجهود التي تساهم بشكل بنّاء وفوري لوقف دائم لإطلاق النار»، بحسب ما نقلت عنه وكالة «سبوتنيك» الروسية. وتابع أن الحرب في أوكرانيا أثبتت عدم القدرة على حل المشكلات على مستوى مجلس الأمن، وأن «بريكس» هي الساحة التي يمكن فيها مناقشة الأمن والسلام. كما شدد على وجود «حاجة إلى نظام تمويل عالمي يساعد الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض».


مقالات ذات صلة

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا حكومة جنوب أفريقيا تحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشاركة بالصراع بين روسيا وأوكرانيا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا تحقق في انضمام 17 من مواطنيها للمرتزقة بصراع روسيا وأوكرانيا

قالت حكومة جنوب أفريقيا، اليوم (الخميس)، إنها ستحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشارِكة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب) p-circle

لولا يعدّ الانتشار العسكري الأميركي في الكاريبي «عامل توتر»

عدّ الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال اجتماع عبر الفيديو لمجموعة «بريكس»، الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي «عاملَ توتر».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد الزعيمان الصيني والهندي خلال لقائهما على هامش أحد مؤتمرات «بريكس» في روسيا (رويترز)

بكين ونيودلهي لإعادة بناء علاقاتهما التجارية بسبب الرسوم الأميركية على الهند

تعمل الهند والصين على استعادة الصلات الاقتصادية التي توترت إثر اشتباك حدودي مميت عام 2020، وذلك في أحدث علامة على اقتراب رئيس الوزراء الهندي من دول «بريكس».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

احتفل المتمردون الطوارق، الأحد، بالعودة إلى مدينة كيدال، والسيطرة عليها «بالكامل»، وذلك بعد 3 سنوات من خروجهم منها على يد الجيش المالي المدعوم من روسيا. وتداول ناشطون من الطوارق مقاطع فيديو لانسحاب القوات الروسية من المدينة، وإنزال علم مالي ورفع علم «إقليم أزواد» بدلاً منه.

مدينة كيدال، التي يبلغ تعداد سكانها 55 ألف نسمة، ظلت عقوداً بؤرة الصراع المستمر بين سلطات باماكو والمتمردين الطوارق، وظلت السيطرة عليها عنوانَ النفوذ والسلطة في شمال مالي. فما قصة هذه المدينة النائية والنائمة في حضن الجبال بقلب الصحراء الكبرى؟

معقل التمرد

منذ استقلال دولة مالي عن فرنسا عام 1960، ومدينة كيدال تتأرجح بين السلطات المركزية في العاصمة باماكو التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر إلى الجنوب، ونفوذ حركات الطوارق المسلحة التي تسعى إلى الحصول على حكم ذاتي في إقليم أزواد بالشمال، الذي يمثل ثلثي مساحة مالي.

يقول الطوارق إن مدينة كيدال كانت مركزاً لمقاومة الاستعمار الفرنسي القادم من الجنوب، ويعتقدون أن تبعية كيدال لباماكو فكرة موروثة عن الاستعمار الفرنسي. وأعلنوا التمرد مباشرة بعد الاستقلال، ولكن الرئيس المالي آنذاك، موديبو كيتا، قضى على ثورتهم بعنف بدعم من الاتحاد السوفياتي.

رغم ذلك، فإن مدينة كيدال ظلّت ذات رمزية تاريخية كبيرة في قلوب الطوارق، حيث تعدّ بالنسبة إليهم «المركز الروحي والسياسي»، خصوصاً بالنسبة إلى قبائل إيفوغاس ذات الحضور القوي في منطقة الصحراء الكبرى، وصاحبة التأثير والنفوذ في شمال مالي.

ينحدر من مدينة كيدال ومن قبائل إيفوغاس أغلب قادة حركات التمرد. ومن أشهر هؤلاء؛ إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ضربت السبت العاصمة باماكو ودبّرت عملية اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

المدينة المحصنة

توصف مدينة كيدال بأنها قلعة حصنتها الطبيعة، حيث تقعُ في قلب سلسلة جبال آدرار إيفوغاس؛ وذلك نسبة إلى القبيلة المعروفة، وقد منحتها هذه الجبال أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى.

جعلت هذه التضاريس الوعرة من كيدال حصناً طبيعياً يصعب اختراقه عسكرياً، واستُخدمت لعقود قاعدةً خلفية للمقاتلين، ومخبأَ استراتيجياً للجماعات المسلحة بعيداً عن أعين الرقابة الجوية والبرية. كما تزيد قيمة المدينة عسكرياً بسبب وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة إلى قربها من قاعدة «تيساليت» الاستراتيجية؛ مما يعني أن من يسيطر على كيدال فهو يسيطر على خطوط الإمداد الجوي والبري في شمال مالي، ويتحكم في الطريق المؤدية إلى الحدود مع الجزائر والنيجر.

رمزية السيادة

بدا رفع العلم المالي في كيدال رمزاً لاستعادة السيادة الكاملة، حيث ظلّت كيدال خارج سلطة الدولة المركزية لأكثر من عقد (2012 - 2023)، وعُدّت استعادتها من قبل الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «انتصاراً تاريخياً» لسياسة المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الفترة من 2012 حتى 2023، شكلت مدينة كيدال معقل «تنسيقية الحركات المسلحة المتمردة»، رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش الفرنسي، إلا إن الجيش المالي ظل غير مسموح له بدخولها؛ مما أسهم في تعثر تنفيذ «اتفاق المصالحة» الموقع في الجزائر عام 2015.

وظلت باماكو ترى في الوضع الخاص لمدينة كيدال حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق؛ لأن الحكومة المالية ترى أن بقاء كيدال تحت سيطرة الحركات المسلحة هو «دولة داخل الدولة»؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق رسمياً.

برميل بارود

تُلخّص كيدال كلّ تعقيدات مالي... فرغم أنها المعقل التاريخي والسياسي للمتمردين الطوارق، فإنها أيضاً كانت منطقة تداخل مع الحركات الإرهابية، حيث تعايشت فيها حركات متمردة «علمانية» وأخرى متطرفة مرتبطة بفكر «القاعدة»، خصوصاً حركة «أنصار الدين» التي تحوّلت فيما بعد إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

وكان الموقف المعادي للسلطات المركزية في باماكو، هو المشترك ما بين هذه الجماعات المتناقضة، وفي بعض الأحيان لم يكن كافياً لتحقيق التعايش، فاندلعت مواجهات مسلحة في المدينة بين الطرفين، كشفت عن هشاشة التوازنات في المدينة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز التوازنات القبلية والعرقية الحساسة في المدينة، حيث إن السيطرة عليها تتطلب تفاهماً مع زعماء القبائل المحليين، وأي محاولة لتغيير ديموغرافيتها أو فرض سلطة عسكرية خارجية تُقابل بمقاومة اجتماعية شرسة تتجاوز العمل العسكري. كل هذه التعقيدات تجعل من كيدال «برميل بارود» في منطقة مشتعلة. وما يزيد من تعقيد الوضع أنها تحولت نقطةَ عبور رئيسية لشبكات التهريب العابرة للصحراء، لينمو في المدينة اقتصاد التهريب والإرهاب والتنقيب عن الذهب، وهو اقتصاد لا يريد الفاعلون فيه أي نوع من الاستقرار أو السلطة المركزية.


مقتل وزير الدفاع المالي ورجل موسكو على يد تنظيم «القاعدة»

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)
TT

مقتل وزير الدفاع المالي ورجل موسكو على يد تنظيم «القاعدة»

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)

لقي وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، مصرعه في هجوم شنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، السبت، على العاصمة المالية باماكو، وعدة مدن أخرى، فيما سيطر المتمردون الطوارق على مدينة كيدال (شمال البلاد).

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر من أسرته ومصادر أخرى حكومية وعسكرية، الأحد، خبر وفاة وزير الدفاع الذي يعد أحد أبرز قادة المجلس العسكري الحاكم في مالي منذ عام 2020. وصرّح أحد أفراد عائلة الوزير لوكالة الصحافة الفرنسية قائلاً: «في هجوم كاتي، قُتل الوزير (ساديو) كامارا مع زوجته الثانية». كما صرّح مصدر حكومي للوكالة: «لقد فقدنا شخصاً عزيزاً جداً، وزير الدفاع. لقد سقط في ميدان الشرف»، وهو ما أكّدته مصادر عسكرية أخرى.

وسبق أن أكدت مصادر إعلامية محلية، مساء أمس (السبت)، أن شاحنة مفخخة بخمسة أطنان من المتفجرات، استهدفت منزل وزير الدفاع المالي في قاعدة «كاتي» العسكرية بالقرب من العاصمة باماكو، وقالت هذه المصادر إن انفجار الشاحنة المفخخة «دمّر المنزل بالكامل». وأضافت نفس المصادر أن وزير الدفاع نقل إلى عيادة خاصة حيث «يرقد في العناية المركزة»، بينما قُتلت زوجته وأبناؤه في الانفجار.

المهندس الغامض

مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا (47 عاماً) يُشكّل ضربة موجعة للمجلس العسكري الحاكم في مالي، حيث يُعدّ أحد «الخمسة الكبار» في المجلس العسكري الحاكم في مالي، وهو عضو مؤسس في «اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب» التي أطاحت بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس (آب) 2020.

صورة أرشيفية لوزير الدفاع المالي الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزيري خارجية روسيا ومالي في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

يُصنّف ضمن الدائرة الضيقة جداً التي تحكم مالي فعلياً، إلى جانب الرئيس آسيمي غويتا، ويوصف من طرف كثيرين بأنه «رجل الظل قليل الكلام»، حيث يُعرف بسلوكه المُتحفّظ وقبوله القليل للمقابلات الصحافية، ما أضفى عليه هالة من الغموض والقوة داخل وخارج مالي.

رغم كونه وزيراً للدفاع، فإن نفوذه يمتدّ للسياسة الخارجية والأمن القومي وحتى التعيينات الإدارية الكبرى، وهو من يقود عملية «إصلاح الجيش» ومهندس «الدعاية العسكرية»، ويرى فيه الماليون الرجل الذي يقف خلف القرارات السيادية الصعبة، رغم بعده عن الأضواء.

رجل موسكو

يُعتبر كامارا العقل المدبر وراء استبدال النفوذ الفرنسي في مالي بالشراكة مع روسيا، حيث تلقّى تدريبه العسكري المتقدم في روسيا قبل انقلاب 2020 بوقت قصير، وعاد إلى مالي قبيل تنفيذ الانقلاب بأيام، مما أثار تكهّنات حينها حول دور روسي في التخطيط للتحرك.

والمؤكد أنه بعد الانقلاب جرى تعيينه وزيراً للدفاع، ليبدأ مباشرة في مفاوضات سرية لجلب مجموعة «فاغنر»، التي تحولت لاحقاً إلى «فيلق أفريقيا»، وقام بعدة زيارات سرية ومعلنة لموسكو لتأمين الدعم العسكري والسياسي.

وفي يوليو (تموز) 2023، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات مباشرة عليه، متهمة إياه بتسهيل وتوسيع أنشطة مجموعة «فاغنر» في مالي، والمساهمة في زعزعة استقرار المنطقة، ولكن واشنطن رفعت هذه العقوبات مارس (آذار) الماضي، وسحبت اسمه من القائمة السوداء.

عدو باريس

خلال خمس سنوات قضاها ساديو كامارا وزيراً للدفاع، والرجل العسكري الأول في مالي، كان واضحاً في مواقفه المعادية لفرنسا، ومن بعدها للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي يرى أنها أداة بيد الفرنسيين.

فقد كان كامارا الصوت الأكثر حدة في المطالبة برحيل القوات الفرنسية (عملية برخان) وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما)، وذلك تمهيداً لجلب القوات الروسية والتوجّه نحو عقد صفقات سلاح مع تركيا، ما كان الفرنسيون ليسمحوا بها. كما ساهم كامارا في صياغة موقف مالي المتصلب تجاه منظمة (إيكواس)، مما أدى في النهاية لانسحاب مالي من المنظمة وتأسيس «تحالف دول الساحل»، مع بوركينا فاسو والنيجر، حيث أصبحت هذه الدول الثلاث تشكل «المحور الروسي» في غرب أفريقيا، وقد لعب كامارا دوراً بارزاً في تشكيل هذا المحور.

الذهب مقابل السلاح

طوّر ساديو كامارا آلية خاصة لإبرام صفقات السلاح الضخمة مع روسيا وتركيا، مكنته من الحصول على تكنولوجيا متطورة، مثل طائرات مسيّرة وأنظمة صواريخ، بالإضافة إلى طائرات عسكرية ومروحيات مقاتلة.

ولكن مالي الفقيرة والمنهكة بالحروب والأزمات لم تكن قادرة على الدفع، فقرر أن يكون التعويض هو الحصول على تراخيص لاستغلال مناجم الذهب في مالي، وهي واحدة من أغنى المناجم بالذهب في أفريقيا والعالم.

وقد مكّنت هذه الأسلحة من رفع معنويات الجيش، وتحقيق مكاسب ميدانية في مواجهة «القاعدة» و«داعش» والمتمردين الطوارق، وأعلن ساديو كامارا في أكثر من مرة تبنّي عقيدة عسكرية «هجومية» ترفض التفاوض مع الجماعات المسلحة، بل إنه دفع باتجاه إنهاء «اتفاق الجزائر للسلام» واستعادة السيطرة العسكرية على مدينة كيدال في 2023، وهي أهم مدن الشمال والعاصمة التاريخية للطوارق.

غموض وفراغ

بعد مقتل وزير الدفاع، وحديث عن استهداف شخصيات عسكرية وأمنية أخرى من بينها رئيس المخابرات ورئيس أركان الجيش، تبدو الأوضاع غامضة في مالي، وتزداد المخاوف من انهيار تام للدولة أمام قوة التحالف القائم بين تنظيم «القاعدة» والمتمردين الطوارق.

تشهد العاصمة المالية اشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)

ووصف مراقبون هجوم السبت بأنه «اختراق كبير»، حيث كان تنظيم «القاعدة» لديه معلومات دقيقة عن أماكن تواجد شخصيات محورية في النظام، على رأسها وزير الدفاع، والنجاح في التحرك وتصفيته داخل أكبر وأهم قاعدة عسكرية في البلاد.

وكتب محمدن أيب أيب، عبر منصة «إكس»، وهو باحث مختص في الشأن الأمني بمنطقة الساحل تعليقاً على ما حدث: «بمقتل وزير الدفاع، ساديو كامارا، تفقد البلاد مهندس الاتصالات العسكرية المالية الروسية، الصديق المقرب من الدوائر العسكرية الروسية، والنديم الدائم لنائب وزير الدفاع الروسي، يونس بك يفكيروف».

معركة كيدال

وفي كيدال بشمال البلاد، أعلن المتمرّدون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من المدينة التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل». وقال قيادي في «جبهة تحرير أزواد» لوكالة الصحافة الفرنسية إنه «تم التوصل إلى اتفاق يسمح للجيش وحلفائه في فيلق أفريقيا بمغادرة المعسكر رقم 2، حيث كانوا متحصنين منذ أمس (السبت)».

وأفاد أحد سكان كيدال: «رأينا موكباً عسكرياً يغادر، لكننا لا نعرف تفاصيل الوضع... مقاتلو الحركات المسلحة هم من ينتشرون في الشوارع الآن». إلى ذلك، أعلنت «جبهة تحرير أزواد» أنها سيطرت على عدة مواقع في منطقة غاو في شمال البلاد أيضاً. ولم تعلن الحكومة حتى مساء السبت سوى إصابة 16 مدنياً وعسكرياً و«أضرار مادية محدودة»، مضيفة أن «الوضع تحت السيطرة تماماً في جميع المناطق التي تعرّضت للهجوم».

من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان «التطرف العنيف» في أعقاب الهجمات، ودعا إلى «دعم دولي منسق للتصدي للتهديد المتنامي للتطرف العنيف والإرهاب في منطقة الساحل، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة».


المتمردون الطوارق في مالي يعلنون اتفاقاً مع الروس لانسحابهم من كيدال

صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)
صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق في مالي يعلنون اتفاقاً مع الروس لانسحابهم من كيدال

صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)
صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)

أعلن المتمردون الطوارق، الأحد، التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من مدينة كيدال في شمال مالي التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل».

وقال قيادي في صفوف المتمردين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تم التوصل إلى اتفاق يسمح للجيش وحلفائه في فيلق أفريقيا بمغادرة المعسكر رقم 2، حيث كانوا متحصنين منذ أمس»، مضيفاً أن مدينة كيدال أصبحت تحت سيطرتهم «بالكامل».

وقال أحد سكان كيدال للوكالة الفرنسية: «رأينا موكباً عسكرياً يغادر، لكننا لا نعرف تفاصيل الوضع... مقاتلو الحركات المسلحة هم من ينتشرون في الشوارع الآن».

ونقلت الوكالة عن عائلة وزير الدفاع المالي ومصدر حكومي أن الوزير ساديو كامارا قُتل في هجوم، السبت، على منزله قرب باماكو.

وتجددت الاشتباكات الأحد، بين مقاتلين لجماعات متشددة والجيش المالي في مدينة كاتي قرب العاصمة باماكو، وهي معقل للمجلس العسكري الحاكم، وذلك غداة هجمات منسقة شنها متشددون متحالفون مع متمردين طوارق في عدة مناطق، حسبما أفاد به شهود «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت كاتي التي تضم حامية عسكرية، من بين المناطق التي هاجمها السبت عناصر من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» والمتحالفة مع المتمردين الطوارق من جبهة تحرير أزواد.

وقال أحد سكان المدينة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تجدد القتال صباح اليوم، في كل مكان تقريباً. الجهاديون بالقرب من التلّة» المطلة على كاتي. وقال ساكن آخر: «دخل الطيران أيضاً المعركة».

صورة من مقطع مُصوَّر للاشتباكات في مالي أمس (أ.ف.ب)

من جانبه، ودان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أمس (السبت)، «أعمال العنف» في مالي، بعدما أعلنت جماعة مسلحة أنَّ مقاتليها شنّوا مع متمردين من الطوارق هجمات ضد الجيش في أنحاء الدولة التي يتولَّى مجلس عسكري الحكم فيها.

وجاء في بيان لستيفان دوجاريك، المتحدث باسم غوتيريش، أن «الأمين العام يشعر بقلق بالغ حيال التقارير عن هجمات في مواقع عدة بأنحاء مالي»، ويدعو إلى «دعم دولي منسّق للتعامل مع الخطر المتزايد للتطرّف العنيف والإرهاب في منطقة الساحل، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت جماعة على صلة بتنظيم «القاعدة»، السبت، أنَّها نفّذت مع متمردين من الطوارق هجمات كانت الأكثر تنسيقاً التي تشهدها الدولة الفقيرة الواقعة في غرب أفريقيا منذ سنوات.

ووقعت الهجمات في محيط العاصمة باماكو ومناطق أخرى، بينما أعلن متمرّدو الطوارق أنهم سيطروا على مدينة كيدال في الشمال.

وأضاف البيان أن غوتيريش «يدين بشدّة أعمال العنف هذه، ويعرب عن تضامنه مع الشعب المالي، ويشدد على ضرورة حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية». كما دعا إلى «تنسيق أمني قوي، وتعاون في أنحاء المنطقة».

ونقلت مجموعة «​سايت إنتليجنس» عن جماعة ‌«نصرة ‌الإسلام ​والمسلمين» التابعة ‌لتنظيم «⁠القاعدة» ​قولها، في ⁠بيان، إنها مسؤولة ⁠عن ‌هجمات ‌منسقة في ​أنحاء ‌مالي، ‌السبت، بالاشتراك ‌مع «جبهة تحرير ⁠أزواد» التي يهيمن ⁠عليها الطوارق.

مسلحون يتجوَّلون في شوارع كاتي بينما يتردَّد صدى إطلاق النار في مدن عدة بمالي أمس (أ.ف.ب)

وطلبت سفارة الولايات المتحدة الأميركية في مالي من رعاياها الابتعاد عن المناطق التي تشهد معارك ضارية بين وحدات عسكرية مالية ومجموعات مسلحة «مجهولة». وقالت السفارة إنَّها تتابع التقارير عن انفجارات وإطلاق نار بالقرب من كاتي ومطار باماكو، ولهذا «يجب على الأميركيين الاحتماء».

وتعاني مالي منذ عام 2021 من أزمة أمنية؛ إذ أسفرت هجمات نفَّذها متطرفون وجماعات إجرامية وانفصاليون عن مقتل الآلاف، ودفعت عشرات الآلاف إلى النزوح.

وأكد المجلس العسكري الذي وصل إلى السلطة إثر انقلابَين في 2020 و2021 أنَّ توليه الحكم يرمي إلى مكافحة المتطرفين بفاعلية أكبر، إلا أنَّ الهجمات لم تتوقف.

وقال شاهد من «رويترز» إنَّه سمع دوي انفجارَين قويَّين، كما سمع إطلاق نار متواصلاً، في وقت مبكر من صباح السبت، بالقرب من قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية، خارج العاصمة باماكو، وإنَّ جنوداً انتشروا لإغلاق الطرق في المنطقة. كما شهدت مدينة سيفاري بوسط البلاد وبلدة كيدال ومدينة جاو في الشمال اضطرابات مماثلة في التوقيت نفسه تقريباً. وقال شاهد من سيفاري: «يمكن سماع دوي إطلاق النار في كل مكان».

وابتعد النظام العسكري في مالي عن فرنسا وعدد من الشركاء الغربيين، كما فعلت النيجر وبوركينا فاسو اللتان يحكمهما أيضاً مجلسان عسكريان، واختار التقارب سياسياً وعسكرياً مع روسيا.