هل يُعرقل صراع القوى الدولية تدخلاً عسكرياً مُحتملاً في النيجر؟

باريس تضغط لـ«حسم سريع»... وواشنطن تؤيد «الحل السلمي»

صورة مشتركة لقادة دول «إيكواس» قبل اجتماعهم في أبوجا أمس (أ.ب)
صورة مشتركة لقادة دول «إيكواس» قبل اجتماعهم في أبوجا أمس (أ.ب)
TT

هل يُعرقل صراع القوى الدولية تدخلاً عسكرياً مُحتملاً في النيجر؟

صورة مشتركة لقادة دول «إيكواس» قبل اجتماعهم في أبوجا أمس (أ.ب)
صورة مشتركة لقادة دول «إيكواس» قبل اجتماعهم في أبوجا أمس (أ.ب)

رغم التأييد المعلن من جانب الولايات المتحدة وفرنسا للقرارات التي اتخذتها قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) خلال اجتماعاتها، الخميس، بشأن نشر «القوة الاحتياطية» التابعة للمنظمة، ما يمهّد السبيل أمام «تدخل عسكري» لإعادة الرئيس النيجري المخلوع محمد بازوم؛ فإن ثمة تبايناً في المواقف بين واشنطن وباريس. فبينما أعربت الأخيرة عن «دعمها الكامل لكل القرارات»، أكد وزير الخارجية الأميركي دعمه جهود «إيكواس» بشأن النيجر، من دون أن يؤيد صراحة قرارها التدخل عسكرياً لإعادة النظام الدستوري، مجدداً تمسك بلاده بـ«حل سلمي» للأزمة.

وأشار متخصصون في الشأن الأفريقي تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عدم توافق المواقف الفرنسية والأميركية بشأن استخدام القوة العسكرية في النيجر من شأنه أن «يحد من فرص نجاح هذه الخطوة أو يلغيها بالأساس»، لافتين إلى أن موقف الولايات المتحدة «هو الأقوى»، وأن فرنسا «لا تستطيع التدخل عسكرياً إلا بموافقة أميركية».

نشر «القوة الاحتياطية»

كانت «إيكواس» قررت في قمتها الاستثنائية في العاصمة النيجيرية، أبوجا، نشر «القوة الاحتياطية» التابعة للمنظمة لإعادة الرئيس بازوم، ورغم ذلك أكد رئيس مفوضية المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا عمر توراي، مجدداً، «الالتزام المستمر باستعادة النظام الدستوري بالوسائل السلمية».

وأكد الرئيس النيجيري بولا تينوبو، خلال القمة أن المجموعة التي يتولى رئاستها «لا تستبعد أي خيار بشأن الوضع في النيجر، بما في ذلك استخدام القوة كملاذ أخير»، في حين أعلن رئيس ساحل العاج الحسن واتارا أن قادة «إيكواس» أعطوا الضوء الأخضر لعملية عسكرية «تبدأ في أقرب وقت ممكن»، لافتاً في تصريحات صحافية إلى أن «رؤساء الأركان سيعقدون مؤتمرات أخرى لضبط التفاصيل».

وفي وقت سابق، قال رئيس ساحل العاج إن «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا تدخلت في الماضي في ليبيريا وسيراليون وغامبيا وغينيا بيساو» عندما كان نظامها الدستوري مهدداً، وأضاف أن «النيجر تعيش اليوم وضعاً مماثلاً، و(إيكواس) لا تستطيع قبول ذلك».

وبينما أعربت فرنسا مساء الخميس، عن «دعمها الكامل لكل القرارات» التي تبنتها قمة قادة «إيكواس» بشأن النيجر، ومنها نشر «القوة الاحتياطية» للمنظمة لاستعادة النظام الدستوري، مجددة في بيان لوزارة الخارجية «إدانتها الشديدة محاولة الانقلاب الجارية في النيجر»؛ دعا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى «حل سلمي للأزمة»، مشدداً على أن «الولايات المتحدة تقدر تصميم (إيكواس) على استكشاف كل الخيارات من أجل حل سلمي للأزمة».

نكسات متتالية

وأشار الباحث في الشؤون الأفريقية كوملان أفوليه، زميل معهد أبحاث السياسة الخارجية بالولايات المتحدة، إلى أن التباين في الرؤيتين الأميركية والفرنسية «لم يعد موضع جدال»، موضحاً أن فرنسا «عانت في السنوات الأخيرة من نكسات جيوسياسية في أفريقيا»، واضطرت إلى سحب قواتها من بوركينا فاسو ومالي عقب توترات مع القيادات الجديدة في البلدين.

وأضاف أفوليه لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة «تتعلم من أخطاء فرنسا»، التي يرى أنها «فشلت في هزيمة الجماعات الإرهابية في أفريقيا، وواصلت نهجاً استغلته روسيا والتيارات المرتكزة على إثارة الشعور الوطني ضد قوى الاستعمار القديم»، وهو ما يدفع واشنطن إلى اتخاذ مواقف «أكثر مرونة» عن تلك التي تتخذها باريس.

ونوّه الباحث في الشؤون الأفريقية بالتحولات التي أقرتها الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه دول القارة، والتي تأكدت خلال القمة الأفريقية - الأميركية الأخيرة، التي تضمنت «السعي لبناء شراكات في أفريقيا على أساس الاحترام المتبادل»، متوقعاً «ألا تسمح واشنطن بمغامرة عسكرية في النيجر رغم رفضها الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح».

الاستراتيجية الأميركية

وكانت الولايات المتحدة أعلنت في أغسطس (آب) من العام الماضي، استراتيجية جديدة لتعزيز حضورها في دول القارة، وبخاصة في دول «جنوب الصحراء»، وأكدت تلك الاستراتيجية أن هذه الدول «سوف تؤدي دوراً حاسماً في دفع الأولويات العالمية لصالح الأفارقة والأميركيين»، كما استضافت واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قمة حضرها 49 من القادة الأفارقة. وتعهّدت الإدارة الأميركية خلالها بتخصيص 55 مليار دولار لدول القارة على مدى ثلاث سنوات، كما حذّرت من أن نفوذ الصين وروسيا في أفريقيا «يمكن أن يكون مزعزعاً للاستقرار».

ولم يستبعد الدكتور أحمد أمل، أستاذ العلوم السياسية المساعد بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة، أن «يجهض الموقف الأميركي غير المرحب بالتدخل العسكري في النيجر، التدخل العسكري المحتمل برمته»، مشيراً إلى أن واشنطن لديها «مسار دبلوماسي واضح» منذ بداية الأزمة.

وأضاف أمل لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة الأميركية انخرطت في الأزمة منذ بدايتها، وأوفدت مسؤولين بارزين من بينهم وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند إلى النيجر، حيث التقت العديد من القيادات العسكرية هناك، في حين «تقف فرنسا في موقف ضعف؛ إذ لا تستطيع قيادة تدخل عسكري بمفردها، ولا حتى بمساندة من دول (إيكواس) إذا لم تقر واشنطن صاحبة الحضور الأقوى في المنطقة ذلك التدخل».

فشل مهلة «إيكواس»

ولفت الأكاديمي المتخصص في الشأن الأفريقي إلى أن فرنسا ودول «إيكواس» لم تنفذ تهديدها بالتدخل العسكري عقب انتهاء المهلة التي حددتها للسلطة الجديدة في النيجر، مشدداً على أن التدخل العسكري «غير مفيد لكل الأطراف»، وأن استدعاء حالات سابقة لتدخل «إيكواس» في دول مثل ليبيريا «لا ينطبق على حالة النيجر»؛ فقد كان ذلك التدخل ضد سيطرة متمردين على العاصمة، وليس ضد «جيش وطني حتى ولو لم يكن يتمتع بالشرعية السياسية»، حسب رأيه.

وأشار أمل إلى أن الولايات المتحدة تدرك أن تحولات السلطة في النيجر تعكس هشاشة المؤسسات السياسية في الدولة الأفريقية، وأنها لم تكن المحاولة الانقلابية الوحيدة للإطاحة بسلطة الرئيس بازوم، ولذلك «تتحفظ واشنطن في تدخلها في الأزمة، في حين تريد باريس حلاً أكثر حسماً للحفاظ على ما تبقى من نفوذها المتأكّل في المنطقة».

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة، التي تمتلك قوة عسكرية قوامها نحو 1100 جندي على أراضي النيجر، لم تصنف إلى الآن رسمياً الاستيلاء العسكري على السلطة في النيجر على أنه «انقلاب»، واكتفت الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي بتعليق بعض برامج المساعدة الخارجية للنيجر.

وبينما ألغى المجلس العسكري في النيجر، عقب الإطاحة بالرئيس محمد بازوم من منصبه في 26 يوليو (تموز) الماضي، اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا، لم تتلقَّ واشنطن إخطاراً مماثلاً بشأن قواتها هناك.


مقالات ذات صلة

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

يثير اختفاء رئيس مالي، أسيمي غويتا، كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)

مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

تتواصل المحادثات المصرية - الكينية لتعزيز التعاون بين دول حوض النيل في ظل خلافات جذرية تؤكدها القاهرة بشأن «سد النهضة» الإثيوبي

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

«الشرق الأوسط» (انجمينا)
أفريقيا جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)

جيش مالي: جماعات مسلحة تهاجم مواقع عسكرية في أنحاء البلاد

أعلن الجيش في ‌مالي ‌أن جماعات «إرهابية» ​مسلحة ‌مجهولة ⁠هاجمت ​عدة مواقع ⁠عسكرية في ⁠العاصمة وأماكن ‌أخرى.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)

بآخر مرحلة من جولته الأفريقية... البابا يحذر من «خطر مأساوي» يهدد مستقبل البشرية

حذر ​البابا ليو بابا الفاتيكان، الثلاثاء، من أن مستقبل ‌البشرية مهدد ‌بأن ​يقوض «على نحو ‌مأساوي» ⁠بسبب ​الحروب المستمرة ⁠في العالم وانهيار القانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (مالابو - روما)

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
TT

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما روى سكّان محليون أن منفذي الهجوم استهدفوا شبّاناً كانوا متجمعين في ملعب لكرة القدم، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

وتشهد ولاية أداماوا الكثير من أعمال العنف التي يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية تُعرف باسم «قطاع الطرق»، بينما تعود أخرى إلى نزاعات على الأراضي.

وتفقّد الحاكم أحمدو أومارو فينتيري موقع هجوم، الأحد، وأكّد الناطق باسمه في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن «29 شخصاً على الأقل قُتلوا في هجوم دموي على مجتمع غياكو في منطقة حكومة غومبي المحلية».

وقال أحد السكان المحليين ويُدعى فيليب أغابوس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الهجوم وقع بعد ظهر الأحد عندما اجتمع عدد من أبناء المنطقة «في ملعب لكرة القدم في مجتمع غياكو، فهاجمهم متمردون دخلوا وهم يحملون أسلحة نارية وبدأوا إطلاق النار عشوائياً».

وأوضح جوشوا عثمان وهو من السكان أيضاً للوكالة الفرنسية، أن القتلى كانوا «من الشباب، بينهم بعض الفتيات اللواتي كنّ يشاهدن مباراة لكرة القدم». وأضاف: «أحرقوا أيضاً مواقع عبادة ومنازل ودراجات نارية».

ونقل مكتب الحاكم عن الزعيم المحلي أغري علي أن «المهاجمين تحرّكوا لساعات عدّة، وقتلوا عشرات السكان، وأحرقوا أماكن عبادة، ودمّروا ممتلكات من بينها دراجات نارية».


هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
TT

هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح أمس، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، لكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، الأكثر تحصيناً وحمايةً، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي. ومنذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب.


أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
TT

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح الاثنين، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، ولكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الرجلُ الذي يحكمُ مالي منذ 2020، خسر خلال الهجمات ذراعه اليمنى ووزير دفاعه، وسط اختفاء تام لرئيس المخابرات في ظل شائعات لم تتأكد حتى الآن حول مقتله في الهجمات، مما يعني أن المجلس العسكري تلقى ضربة موجعة ومفاجئة.

اللحظات الأولى

وأكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا لم يسكن القصر الرئاسي أبداً منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، بل فضَّل الإقامة في معسكر «كاتي» الأكثر تحصيناً وحمايةً، والذي ظل لعقود مركز القرار العسكري ومنه انطلقت جميع الانقلابات في تاريخ البلاد.

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023» (صفحة رئيس مالي على «إكس»)

وأكدت هذه المصادر أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي.

اختفاء تام

منذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب المالي، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني مالي أنه «نقل من كاتي السبت خلال النهار، وهو موجود في مكان آمن».

وكتب الصحافي المختص في الشأن الأفريقي، الخليل ولد اجدود، على منصة «إكس»: «نقلت مصادر موثوقة عن بعض معاوني الرئيس المالي أسيمي غويتا قولهم إنهم فشلوا، خلال محاولات متكررة، في استعادة التواصل معه، فيما يستمر الغموض بشأن مصيره ومستقبله السياسي».

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وقال الصحافي: «الرئيس غويتا لجأ إلى قاعدة سامانكو، وهي منطقة تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب غربي باماكو»، مشيراً إلى أنه «انتقل في ساعات السبت، الطويل والصعب، من موقع إلى آخر مع حمايته الشخصية التي تديرها شركة أمنية تركية».

وأضاف الصحافي أن غويتا «يفاوض الآن للحصول على مخرج آمن مع أسرته»، مؤكداً أنه «لم يعد يثق بالروس بعد اتفاقهم مع ممثلي (حركات تحرير أزواد) على خروج قواتهم من كيدال برعاية إقليمية، ولهذا تجنب اللجوء إلى قاعدة روسية يتركز فيها فيلق أفريقيا في المطار العسكري».

الوضع تحت السيطرة

في المقابل أكد أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي موجود في العاصمة باماكو، أن الوضع في البلاد يسوده «هدوء مشوب بالحذر»، وقال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن «الجيش تمكَّن من السيطرة على الوضع، والقضاء على عدد كبير من الإرهابيين» المشاركين في الهجمات.

وأضاف سنغاريه: «شاهدنا السكان يجرّون جثث الإرهابيين في الساحات، كما ساعدوا الجيش على القبض على كثير منهم»، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أحكم قبضته على الوضع الأمني في باماكو، حيث أُغلقت المحاور الرئيسية المؤدية إلى القواعد العسكرية والمؤسسات الرئيسية، وكانت باماكو مساء الأحد، أشبه ما تكون بمدينة عسكرية مغلقة».

دخان في أحد شوارع العاصمة المالية باماكو الأحد (أ.ف.ب)

وبخصوص اختفاء الرئيس غويتا، قال سنغاريه، إن ما يجري تداوله «مجرد شائعات ومبالغات»، مؤكداً أن انهيار نظام غويتا والعسكريين الذين يحكمون مالي منذ 2020 «مجرد أوهام يروج لها الإعلام المضاد، ونحن نتذكر أزمة البنزين حين روَّج الإعلام الغربي لسقوط وشيك للعاصمة باماكو، وهو ما لم يحدث».

وقال سنغاريه إن صمت الرئيس واختفاءه لا يحملان أي دلالة، مشيراً إلى أن «الجيش نشر بياناً لطمأنة المواطنين، أكد فيه أنه ماضٍ في بسط الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين والمفسدين أينما كانوا».

ورفض بشكل قاطع الحديث عن إمكانية تمرد داخل الجيش ضد غويتا، وقال: «الدولة تمر بصعوبات لكنها لا تصل إلى درجة تمرد أو سقوط وشيك للنظام أو الدولة»، مؤكداً أن «الشعب موالٍ للحكومة الحالية لأنه لا يرى حلاً ناجعاً أكثر من العسكريين الذين في الحكم اليوم، نظراً إلى النتائج الملموسة التي حققوها منذ وصولهم إلى مقاليد الحكم».

الحماية التركية

وتتحدث المصادر المحلية عن وجود الرئيس المالي تحت حماية وحدة عسكرية تركية تابعة لشركة «سادات» التي أبرمت عدة صفقات مع الحكومة المالية للحصول على مسيرات وتكنولوجيا قتالية متطورة، كما تتولى منذ سنوات تدريب وتأهيل الحرس الشخصي للرئيس غويتا.

الشركة التركية تأسست عام 2012 على يد الجنرال السابق عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق المقرب من رجب طيب أردوغان، وغالباً ما توصف بأنها أداة نفوذ لتركيا في منطقة الساحل، ويطلق عليها بعض الخبراء والمعارضين الأتراك لقب «فاغنر التركية».

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ورغم التقارير الإعلامية المتكررة التي تتحدث عن تورط الشركة في أعمال عسكرية ميدانية في مالي والنيجر، فإن الشركة تنفي بشكل قاطع أي تورط عملياتي أو قتالي، وتؤكد أن نشاطها يقتصر على التدريب والاستشارات واللوجستيات، وسبق أن أصدرت بياناً كذَّبت فيه تقارير تداولها الإعلام الفرنسي.

كما لم يسبق أن صدر أي تأكيد رسمي من الحكومتين المالية أو التركية بخصوص أي دور للشركات التركية في تأمين شخصيات عسكرية أو سياسية مهمة في دولة مالي.

وأعلن «فيلق أفريقيا» وهو قوة شبه عسكرية خاضعة لسيطرة ​الكرملين، الاثنين، أن قواته انسحبت من بلدة كيدال في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة دارت هناك.

ونفذت «جبهة تحرير أزواد» وهي ‌جماعة متمردة ‌يهيمن عليها الطوارق، ​هجمات ‌متزامنة ⁠في ​أنحاء البلاد ⁠مطلع الأسبوع، بما في ذلك كيدال، بالتنسيق مع جماعة لها صلات بتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا».

وذكر فيلق أفريقيا، ⁠الذي يدعم الحكومة ‌المركزية ‌التي يقودها الجيش، في ​بيان، أن ‌قرار الانسحاب من كيدال ‌اتُّخذ بالتنسيق مع قيادات مالي.

وجاء في البيان، الذي نُشر على «تلغرام»: «وفقاً لقرار مشترك ‌مع قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات فيلق أفريقيا ⁠التي ⁠كانت متمركزة وتشارك في القتال في مدينة كيدال من المنطقة مع أفراد جيش مالي... تم إجلاء الجنود الجرحى والعتاد الثقيل أولاً. ويواصل الأفراد تنفيذ مهمتهم القتالية الموكلة إليهم. ولا تزال الأوضاع ​في ​جمهورية مالي صعبة».