3 سيناريوهات لأزمة النيجر المتفجرة

صعوبات التدخل العسكري وغياب الوساطات الجدية تدفع إلى التأجيل

جندي شارك بالانقلاب يخطب بحشد في نيامي الأحد (أ.ب)
جندي شارك بالانقلاب يخطب بحشد في نيامي الأحد (أ.ب)
TT

3 سيناريوهات لأزمة النيجر المتفجرة

جندي شارك بالانقلاب يخطب بحشد في نيامي الأحد (أ.ب)
جندي شارك بالانقلاب يخطب بحشد في نيامي الأحد (أ.ب)

فيما انتهت مهلة الأسبوع التي منحتها المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) للانقلابيين في النيجر للتراجع عما قاموا به والإفراج عن الرئيس المحتجز محمد بازوم، وتمكين استعادة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، تحت طائلة اللجوء إلى القوة العسكرية، فإن ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها، تبرز في الأفق. إلا أن كلاً منها يلاقي مجموعة صعوبات ليس من السهل التغلب عليها، كما تترتب على ذلك تبعات تجعل السير بها أمرا شاقا.

السيناريو العسكري: يتمثل السيناريو الأول بوضع «إيكواس» تهديدها موضع التنفيذ، وأن تطلق عملية عسكرية تقوم بالوصول إلى نيامي وتحرير الرئيس بازوم وإعادته إلى السلطة والتخلص من الانقلابيين. ولهذا الغرض، تفيد المعلومات المتوافرة بأن قادة أركان جيوش 11 دولة من «إيكواس» قرروا، بعد يومين من الاجتماعات العسكرية في أبوجا، عاصمة نيجيريا، تجميع قوات من 50 ألف جندي.

مؤيدون للانقلاب في نيامي الأحد (أ.ب)

ووفق ما كشف عنه وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو، السبت، فإن أربع دول رئيسية تطوعت لتقديم وحدات من قواتها، وهي نيجيريا والسنغال وساحل العاج وبنين. ومن بين الدول كافة التي أعربت عن تأييدها لقرارات «إيكواس»، تبدو باريس الأكثر تشدداً والتزاماً، الأمر الذي برز من خلال تصريحات لوكورنو ووزيرة الخارجية كاترين كولونا التي تكرر أن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ممكنة.

والسبت، أيضاً، قالت كولونا: «ندعم بقوة وحزم قرارات (إيسكوا)»، مضيفة أنه «يتعين أن نأخذ بجدية كبرى التهديد باللجوء إلى القوة العسكرية».

مؤيدون للانقلابيين في نيامي الأحد (أ.ب)

بيد أن أياً من كولونا أو لوكورنو لم يفصحا عن طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه باريس التي لديها 1600 جندي في النيجر معززين بقوة جوية ترابط في الجزء العسكري من مطار نيامي إضافة إلى وحدات كوماندوز. ولكن المؤكد أن القوات الفرنسية لن تشارك بشكل مباشر في العمليات العسكرية في حال نشوبها. والسبب في ذلك، كما توضح مصادر سياسية فرنسية، أن باريس «لا تريد الظهور في المقدمة؛ لأن أمراً كهذا سيغذي الشعور المعادي لفرنسا»، كما برز في الأيام الماضية وتحديداً من خلال محاولة احتلال السفارة الفرنسية وإحراق مداخلها وتحطيم نوافذها الخارجية وإحراق علمها، ما دفع باريس إلى التعجيل بإجلاء مواطنيها في النيجر ومجموعات من مواطنين أوروبيين وغير أوروبيين زاد عدد جميعهم على الألف.

يعرف القاصي والداني أن نيجيريا ستكون المحور الذي تلتف حوله بقية الأطراف المتداخلة. والأسباب واضحة، إذ إنها القوة الديموغرافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية الكبرى في غرب أفريقيا وداخل «إيسكوا». يضاف إلى ذلك أن رئيسها الجديد بولا أحمد تينوبو يعد القاطرة التي تدفع إلى التدخل العسكري وإجهاض الحركة الانقلابية ومنع تكرارها في دول أخرى غرب أفريقيا. ولقد انخرط إلى حد بعيد في هذا السبيل إلى درجة أن التراجع سيشكل نكسة له ولبلاده. بيد أن سياسته لا تلقى إجماعاً داخلياً، إذ إن المعارضة ترفض التدخل وتعتبره «غير مفيد وغير مسؤول».

وحضّ كبار السياسيين في نيجيريا الرئيس بولا تينوبو على إعادة النظر بسياسته. ودعا مجلس الشيوخ النيجيري تيونوبو، بصفته رئيسا للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إكواس) إلى «تشجيع القادة الآخرين في المجموعة الاقتصادية على تعزيز الخيارات السياسية والدبلوماسية». كذلك نصح أعضاء في مجلس الشيوخ من ولايات في شمال البلاد التي تتشارك سبع منها حدوداً مع النيجر، بعدم التدخل قبل استنفاد جميع الخيارات الأخرى.

ووفق دستور البلاد، لا يمكن للقوات النيجيرية المشاركة في عمليات خارج الحدود من دون مصادقة مجلس الشيوخ، باستثناء حالات «التهديد الداهم أو الخطر» على الأمن القومي. يضاف إلى ما سبق أن نيجيريا، رغم ثروتها النفطية، تواجه أزمة اقتصادية وغلاء معيشة حاداً، حيث إن نصف سكانها يعيش تحت خط الفقر. ولا بد من الإشارة إلى المشاكل الأمنية التي تعاني منها البلاد وعدم قدرة قواتها على التخلص من الجماعات الإجرامية والجهادية والانفصالية.

رئيس نيجيريا بولا تينوبو (أ.ب)

ما يصح على نيجيريا يصح بدرجة أكبر على الدول الثلاث الأخرى التي تعاني كل منها من مشاكل اقتصادية وأمنية. فدولة السنغال تغلي بعد القبض على زعيم المعارضة عثمان سانكو ورميه في السجن. وعقب المظاهرات والقمع الذي قامت به أجهزة الأمن بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي، عبّر رئيس المفوضية الأفريقية موسى فكي عن «قلقه»، داعياً الحكومة إلى «احترام حق المواطنين في التعبير الحر والتظاهر»، داعياً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى «الهدوء» و«ضبط النفس».

ومن جانبها، تعاني ساحل العاج من صعوبات متعددة الأشكال وكذلك حال بنين.

لا تتوقف الصعوبات عند هذا الحد. ذلك أن التدخل العسكري، إذا حصل، سيعني قيام معسكرين أفريقيين متواجهين: الأول، يتشكل من «إيكواس»، والثاني من النيجر ومالي وبوركينا فاسو وغينيا، وسوف تتسلل إليه الميليشيا الروسية «فاغنر»، وسيظهر، إلى حد ما، كأنه مواجهة بالواسطة بين معسكر غربي وآخر معاد له مع مسحة روسية على الرغم من أن باريس، بلسان وزير دفاعها، عدت أن «فاغنر» «ليست وراء الانقلاب». فيما أكدت الناطقة باسم الخارجية الفرنسية آن كلير لوجاندر أن روسيا «غير متورطة مباشرة في الانقلاب، لكنها تعتمد نهجاً انتهازياً، حيث تسعى لهز الاستقرار حيث توجد». ثم تتعين الإشارة إلى أن قيام حرب بين «جبهة الانقلابيين» وجبهة «إيسكوا» ستكون وبالاً على النيجر والدول الأخرى، وستوفر للتنظيمات المتطرفة الفرصة المثالية لتوسيع رقعة سيطرتها باعتبار أن القوات التي تقاتلها ستكون منشغلة في أماكن أخرى.

يبقى أن أصواتاً قوية تحذر من العمل العسكري وتدعو إلى الحلول الدبلوماسية، وفي مقدمها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي عدّ أول من أمس في حديث صحافي أن التدخل العسكري «يعد تهديداً مباشراً للجزائر ونحن نرفضه رفضاً قاطعاً». وإذ عرض توبون «التوسط» لإيجاد حل دبلوماسي، فإنه شدد على أن «لا حل في النيجر من دوننا»، محذرا من «اشتعال كامل المنطقة في حال حصول التدخل العسكري». وتتشارك الجزائر والنيجر بحدود يبلغ طولها ألف كيلومتر، وما يجري في النيجر يؤثر حكماً على جارتها الشمالية في ملفي الإرهاب والهجرات المكثفة. وكما الجزائر، فإن تشاد مترددة وترفض المشاركة في التدخل العسكري، فيما دول غربية على رأسها ألمانيا تدعو وتصر على حل دبلوماسي.

سيناريو الحل الدبلوماسي أو الترحيل المثير للغرابة في أزمة النيجر في غياب الوسطاء وسعاة الخير. فمحاولات التوسط اقتصرت عمليا، في مرحلة أولى، على المسعى الذي قام به الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي الأحد 30 يوليو (تموز )، حيث قدم إلى نيامي واجتمع بالرئيس بازوم وبقادة الانقلاب ولكن جهوده والتي تبعتها لم تسفرا عن أي نتيجة. كذلك، فإن الوفد الذي أرسلته رئاسة «إيسكوا» إلى نيامي لم يتخط نطاق مطارها، حيث لم ينجح في لقاء الجنرال عبد الرحمن تيشاني، ولا الرئيس بازوم، بل التقى ضابطا منتدبا من الأول. وعاد الوفد مباشرة إلى أبوجا بخفي حنين. ومشكلة هذه الوساطات أنها جاءت من جهة واحدة وليست من طرف محايد. ثم إن إعطاء إنذار من أسبوع واحد للانقلابيين أفضى إلى نتيجة عكسية، إذ دفعهم ذلك للتصلب ورفض التراجع. وسارع قائد الانقلاب إلى تأكيد أن الانقلابيين لن «يستسلموا» و«سوف يقاتلون».

وجاء الدعم الذي تلقاه من نظرائه في باماكو وواغادوغو ومن «فاغنر» ليزيد من صلابته وليدفعه لمزيد من التشدد، منطلقاً من مبدأ أن الأفارقة سيعاملونه كما عاملوا قادة الانقلاب في مالي وبوركينا فاسو وغينيا أي أنهم سيقبلون عاجلاً أو آجلاً «الأمر الواقع» الجديد الذي فرضه الانقلاب.

ثمة من يرى أن «التهويل» بالضربة العسكرية والتحضير لها والإصرار على جديتها كان غرض ذلك دفع الانقلابيين إلى التراجع، لكنّ مصادر سياسية فرنسية ترى أنه كان يتعين أن تترافق الضغوط مع إيجاد مخارج وتقديم «عرض ما يتناول بعض المكاسب والضمانات حول سلامة ومستقبل القادة الانقلابيين لدفعهم إلى القبول بالعرض وليس وضعهم أمام حائط مسدود وإجبارهم على الاستسلام».

وبما أن هذا السيناريو لم يتحقق، فإن عنوان السيناريو الثالث هو تمديد المهلة الزمنية المعطاة للانقلابيين، حيث يتوفر وقت إضافي للقيام بمساع سلمية جدية لتجنيب بلدان الساحل وغرب أفريقيا مزيدا من المآسي. وحتى الساعة، لم يفهم السبب الذي جعل الأمم المتحدة، بشخص أمينها العام، تقف مكتوفة الأيدي وتكتفي ببيانات عامة، علماً أن للمنظمة الدولية مبعوثين لأزمات العالم كافة أكان باليمن أو بالسودان.

ولذا، فإن التساؤل يتناول الأسباب التي تمنع غوتيريش من القيام بدور جدي لوقف الاندفاعة نحو الحرب من خلال إطلاق مبادرة تحظى بدعم دولي.

تمر الساعات الأخيرة على انتهاء المهلة الزمنية ثقيلة. وكل طرف يدرس خيارات الربح والخسارة من السيناريوهات المطروحة. ورغم تعدد العوامل والحسابات، فإن الثابت الوحيد أن الجميع سيكونون خاسرين وعلى رأسهم أهل النيجر.


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء باكستان: أمن الحرمين الشريفين «خط أحمر»

الخليج رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف يلقي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الجمعة (رويترز)

رئيس وزراء باكستان: أمن الحرمين الشريفين «خط أحمر»

شدَّد رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف على أن أمن الحرمين الشريفين يمثل «خطاً أحمر» بالنسبة لبلاده، مُجدِّداً إدانة الهجمات التي استهدفت السعودية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، إن طهران قدّمت لواشنطن خطّة تقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة خلال سبعة أيّام. وصرّح عراقجي، من مقرّ…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)

واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

تبحث الولايات المتحدة وإيران عن مسار تدريجي لإنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ نحو سبعة أشهر، في وقت أصبح فيه مضيق هرمز محوراً رئيسياً للمساومة بين الطرفين.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
شؤون إقليمية مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة توسع قائمة الشركات «غير القانونية» المرتبطة بالمستوطنات

أدرجت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 61 شركة جديدة على قائمة الشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية، والتي تعدُّها المنظمة الدولية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (جنيف )
الخليج جانب من جلسة «المياه كضرورة استراتيجية» على هامش اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس التعاون)

البديوي: الأمن المائي ركيزة أساسية للازدهار الاقتصادي واستقرار المجتمعات

أكّد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن الأمن المائي يمثل أولوية استراتيجية لدول المجلس، ويرتبط مباشرة بالازدهار الاقتصادي واستقرار المجتمعات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الكونغو: مقتل 14 شخصاً إثر تحطم طائرة بينهم اثنان من كبار المسؤولين العسكريين

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

الكونغو: مقتل 14 شخصاً إثر تحطم طائرة بينهم اثنان من كبار المسؤولين العسكريين

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

قال الجيش الكونغولي، الجمعة، إن 14 شخصا على الأقل، بينهم مسؤولان عسكريان بارزان، لاقوا حتفهم في حادث تحطم طائرة.

والمسؤولان العسكريان هما الليفتنانت جنرال موتومبو كاتالاي تيندي، رئيس المحكمة العسكرية، والليفتنانت جنرال باكومي ليكوليا، المراجع العام للقوات المسلحة.

وقال المتحدث باسم الجيش الكونغولي، الميجور جنرال إيفومي إيكينج، في بيان «بالإضافة إلى الجنرالين، فقد 12 فردا من الوفد وأفراد طاقم الطائرة حياتهم أيضا في هذا الحادث».

وكانت الطائرة عائدة إلى العاصمة كينشاسا من مدينة كيكويت جنوب غرب الكونغو عندما أصيبت بعطل فني وتحطمت في كينجي حيث توفي جميع من كانوا على متنها، وفقا لمسؤولين محليين.

وقال إيكينج إنه تم فتح تحقيق لتحديد سبب الحادث.

ويقاتل الجيش الكونغولي عشرات الجماعات المتمردة، بما في ذلك جماعة «إم 23» المتمردة المدعومة من رواندا في شرق البلاد منذ العام الماضي، بعد سلسلة من الهجمات أدت إلى استيلاء الجماعات المتمردة على مدن رئيسية.


اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
TT

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح لإسقاط الحكومة، وسط مخاوف من اتساع نطاق القتال.

وما يحدث يعيد للأذهان معارك عام 2020 بين الجانبين، التي شهدت مقتل الآلاف وانتهت بعد وساطات توجت بـ«اتفاق بريتوريا» في 2022، ومنذ ذلك الحين لم تخل تلك الفترة من اتهامات بانتهاك الاتفاق من الطرفين.

ويرى برلماني إثيوبي لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة لن تكرر سيناريو الحرب السابقة ولن تقود الاضطرابات الحالية لموجة صدام أوسع وستحسم المعارك في فترة قصيرة.

ويتفق معه محلل إثيوبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «جبهة تيغراي» رغم انضمامها لتحالف مسلح قبل أيام، فإن لديها تصدعات داخلية وقلة في العتاد والسلاح وتتمركز فقط في 3 مناطق من 12 منطقة بالإقليم، مستبعداً توسع الحرب.

النزاع يتسع

وشهدت مناطق في شمال إثيوبيا، الجمعة، انقطاعاً في خدمة الإنترنت، حسبما أفاد موقع «نت بلوكس» المتخصص في رصد اضطرابات الشبكات، مع احتدام المعارك بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، بحسب ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك هذا الأسبوع، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

ويخشى الأهالي تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات، وحصار الإمدادات الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على إقليم تيغراي خلال الحرب الأهلية الأخيرة (2020-2022)، التي أودت بقرابة 600 ألف شخص.

وهذا السيناريو يحمل أيضاً هذه المرة، تشابهاً مع تكرار «جبهة تحرير تيغراي» استراتيجيتها في حرب 2020، وتقدمها جنوباً عبر إقليم أمهرة نحو العاصمة أديس أبابا، وسط هدف محتمل من الهجوم في إقليم عفر وهو قطع خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها الغالبية العظمى من شحنات التجارة الدولية لإثيوبيا بما فيها الوقود.

وشنّت الجبهة بالفعل هجمات على إقليمي أمهرة وعفر، مؤكدة أنها تردّ بذلك على هجمات شنتها القوات الفيدرالية.

مخاوف من توسع دائرة الاضطرابات في إثيوبيا (رويترز)

ويري البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التطورات العسكرية الأخيرة في إقليم تيغراي «لن تعود بالبلاد إلى مأساة حرب عام 2020، من جراء تراجع قدرات جبهة تحرير شعب تيغراي وفقدانها للحاضنة الشعبية؛ حيث يُقاد أبناء الإقليم إلى القتال قسراً وسط استياء شعبي من جراء تداعيات الحروب السابقة التي لم يتفادَ المواطنون آثارها بعد».

ولا يختلف معه المحلل في الشأن الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، مؤكداً أن «ما يُثار إعلامياً بشأن التطورات العسكرية في إقليم تيغراي ينطوي على تضخيم ومبالغات مخالفة للواقع»، مشيراً إلى أن المواجهات الميدانية «تقتصر حالياً على 3 جبهات فقط من أصل 12 جبهة بالإقليم، وما يجري هو توظيف إعلامي وحرب نفسية تهدف للضغط ليس أكثر».

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، ما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

وتتزايد المخاوف من تحول الصراع في إثيوبيا إلى نزاع إقليمي أوسع نطاقاً، في وقت تحظى «جبهة تحرير تيغراي» بدعم من إرتيريا التي يقول مراقبون إنها تتخوف من غزو إثيوبيا لأراضيها بهدف الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.

ورغم ذلك، يعدّ البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، أن التحالفات بين فصائل معارضة «ستكون هشة وستعمق عزلتها وتفقدها أي ثقة لدى الشارع الإثيوبي»، مؤكداً أن الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد «باتت اليوم أكثر قوة وتفوقاً من أي وقت مضى، بفضل التطوير الشامل وتحديث الترسانة العسكرية بالتقنيات والتكنولوجيا الحديثة، مقارنة ببدايات الأزمة التي تولى فيها السلطة وسط تحديات وتجهيزات محدودة».

ويؤكد البرلماني الإثيوبي أن «المواجهات الجارية لن تتعدى كونها جولات محدودة ستُحسم خلال فترة قصيرة ثم تعود إثيوبيا إلى مسار الاستقرار والأمن».

واستبعد عبد الصمد امتداد رقعة المواجهات أو اندلاع حرب شاملة، مستنداً إلى حالة الانقسام المدني والعسكري التي تعاني منها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وانشقاق قياداتها الميدانية البارزة، فضلاً عن النقص الحاد في العتاد والسلاح مقارنة بوضعها في المواجهات السابقة.

أزمات

وبينما لا يزال نحو مليون نازح في إقليم تيغراي، يبدو الوضع مع المواجهات الجديدة صعباً، مع مسارعة سكان الإقليم منذ الخميس إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، وقال سامويل غيبري سلاسي (37 عاماً)، الذي يعمل في متجر للتوابل في ميكيلي، عاصمة تيغراي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «توجد مخاوف عميقة من احتمال انقطاع الخدمات المصرفية وشبكات الاتصالات والكهرباء وإمدادات السلع الأساسية مرة أخرى».

ولذا يؤكد البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التحالفات الجديدة بلا حاضنة شعبية وستفقد تأثيراتها سريعاً.

وأكد عبد الصمد أن التحالفات المعلنة بين مجرد هيكل ولد ميتاً لا تعكس أي ثقل حقيقي على الأرض في ظل تلك الأزمات الشعبية، مشدداً على أن التطورات المرتقبة لن تتعدى كونها خروقاً أو تحديات أمنية محدودة ومحصورة، قد تؤدي إلى بعض التبعات السياسية والأمنية الروتينية، دون أن تشكل تهديداً يتجاوز هذا النطاق.


مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
TT

مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

رفع قادة أفريقيا بقوة مطالب إصلاح مجلس الأمن الدولي خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة منذ يومين في مدينة نيويورك، وذلك بالدعوة إلى حصول القارة الأفريقية على مقعدين دائمين في المجلس مع حق «الفيتو»، وهي مطالب تواجه تحديات كبيرة.

وفي خطاباتهم أمام الجمعية العامة، شدد القادة الأفارقة على أن القارة، التي تُمثل ربع أعضاء الأمم المتحدة، تعاني «الإقصاء»، معتبرين أن استمرار هذا الوضع «يضعف شرعية الأمم المتحدة، ويتناقض مع مبدأ المساواة في السيادة».

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

الخطاب الأفريقي

كان خطاب رئيس كينيا، ويليام روتو، هو الأقوى والأكثر صرامة، حين قال إن «كل أمة ذات سيادة، ومتساوية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، وفيما يتعلق بأخطر قضايا الحرب والسلام، تمتلك 5 دول سلطة دائمة لا تمتلكها الدول الـ188 الأخرى».

وأوضح روتو أن «أفريقيا تضم 54 دولة عضواً، أي أكثر من ربع هذه الجمعية، ومع ذلك ليس لها صوت دائم في الهيئة المنوط بها المسؤولية الرئيسية عن السلم والأمن الدوليين»، مشيراً إلى أن أفريقيا كثيراً ما تكون موضوع قرارات مجلس الأمن، «لكنها مستبعدة بشكل دائم من النقاش».

فيما أكد رئيس غانا، جون دراماني ماهاما، أن «أفريقيا هي موطن لـ1.5 مليار نسمة، أي أكثر من 18 في المائة من البشرية، وتُشكل أكبر كتلة تصويت إقليمية في هذه الجمعية العامة، ومع ذلك، لا تزال بلا مقعد دائم واحد في مجلس الأمن، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق».

وأكد ماهاما: «يجب منح أفريقيا تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، بكامل الحقوق والمسؤوليات»، مشدداً على أن «إصلاح مجلس الأمن ليس منةً لأفريقيا؛ بل هو حتمية لشرعية ومصداقية وبقاء الأمم المتحدة».

لقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة السنوية الـ81 لقادة العالم (أ.ف.ب)

من جهته، قال رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو، في خطاب ألقاه نائبه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن «العالم في عام 2026 لا يمكن أن يظل أسيراً لتوزيع القوة الذي كان قائماً في عام 1945. ولا يمكن لأفريقيا أن تستمر في ملء جدول أعمال مجلس الأمن وتظل غائبة عن عضويته الدائمة».

وطالب رئيس نيجيريا بضرورة أن تحصل أفريقيا على مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي، مع حق «الفيتو»، بالإضافة إلى 5 مقاعد غير دائمة.

العقبة الأولى

وتعتمد السردية الأفريقية على أن مجلس الأمن الدولي تأسس عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أفريقيا تحت الاستعمار الغربي؛ حيث إنه من أصل 51 عضواً مؤسساً للأمم المتحدة لم يكن هناك سوى 4 دول أفريقية هي: مصر، وإثيوبيا، وليبيريا، وجنوب أفريقيا. وفي هذا السياق قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن هذا الوضع «غير عادل، ولا يمكن الدفاع عنه».

إد مليباند وزير الخارجية البريطاني خلال جلسة لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

ولكن مطالب الإصلاح التي ترفعها أفريقيا تتطلب تعديلاً لميثاق الأمم المتحدة، وهذا يحتاج إلى موافقة ثلثي الجمعية العامة، وموافقة جميع الأعضاء الدائمين الخمسة، حسب المادة 108 من الميثاق، وهنا تكمن العقبة الكبرى.

وتؤيد الولايات المتحدة منح أفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن، دون حق «الفيتو»، وهو موقف ترفضه الدول الأفريقية؛ لأنه في نظرها يكرس هرمية جديدة، ويمنحها «عضوية من الدرجة الثانية».

أما روسيا والصين فتُظهران تعاطفاً خطابياً مع «الجنوب العالمي»، ولكنها أصدرت تحذيراً واضحاً من فتح الميثاق، بسبب مخاوف من أي خطوة قد تضعف نفوذها أو قد تفتح الباب أمام منافسين مثل الهند واليابان، لدخول مجلس الأمن. فيما فرنسا وبريطانيا تظهران قدراً من الانفتاح النسبي، ولكن مع كثير من الحذر.

الرئيس البوروندي السابق وعضو لجنة العقلاء في الاتحاد الأفريقي (رويترز)

نماذج إصلاح

وسط الضغط الأفريقي، تبرز نماذج إصلاح جديدة، منها ما تقترحه «مجموعة الأربعة»، التي تضم ألمانيا والبرازيل والهند واليابان، والتي تضغط من أجل الحصول على مقاعد دائمة لنفسها، مع حصول أفريقيا على مقعدين دائمين.

أما مجموعة «التوحد من أجل التوافق»، فتعارض بشكل صريح منح أي مقاعد دائمة جديدة، وتفضل التوسع في المقاعد غير الدائمة فقط، في ظل تحذيرات من أن توسيع مجلس الأمن إلى 26 عضواً قد يزيد الشرعية، لكنه يُقلل الفعالية والسرعة في اتخاذ القرارات، خصوصاً في الأزمات.

ومن هنا يبرز السياق الجيوسياسي الراهن؛ حيث إن التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، تجعل القوى الكبرى أقل استعداداً للتنازل عن أدوات السيطرة، بل إن الإصلاح قد يبدو «ترفاً» في أوقات الاستقطاب الحاد.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (أ.ف.ب)

الصراع الداخلي

وفي الوقت الذي يجمع فيه قادة أفريقيا، في خطاباتهم، على مطلب إصلاح مجلس الأمن ومنح القارة مقعدين دائمين، لا يمتلكون آلية واضحة لتحديد الدول التي ستشغل هذين المقعدين، في ظل تنافس قوي بين مراكز القوة في القارة.

ويحتدم التنافس بين دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر والمغرب وإثيوبيا، ما يزيد من تعقيد الموقف الأفريقي، إذ يبدو أن إصلاح مجلس الأمن قد يفتح باباً لصراعات داخلية في القارة، ويُعيد إلى الواجهة تاريخاً من الحروب الإقليمية الدامية.

ورغم وجود اتفاقية تنص على أن الاتحاد الأفريقي هو الجهة التي ستختار ممثلي القارة في مجلس الأمن، فإنها لا تحدد آلية واضحة لذلك، ما يجعل حسم المسألة صعباً. وتوصف هذه المنافسة بأنها «معركة صامتة»، يؤجل الأفارقة الخوض فيها خشية أن تضعف موقفهم في الأمم المتحدة.