الساحل الأفريقي يطفئ قناديل باريس ويتطلع لـ«شعلة من الشرق»

متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
TT

الساحل الأفريقي يطفئ قناديل باريس ويتطلع لـ«شعلة من الشرق»

متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)

كان انقلاب النيجر بمثابة آخر مسمار في نعش العلاقة المضطربة بين دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع فرنسا، بعد صعود غير مسبوق لدعوات التخلص من الراعي التاريخي والمستعمر السابق الذي جثمت سياساته على المنطقة لأكثر من سبعين عاماً بعد رحيله كمستعمر عسكري، وتحوله لـ«مستعمر اقتصادي وثقافي»، حسب تعبير النخب السياسية في الساحل.

كانت فرنسا ولغتها بمثابة «غنيمة»، كما عبّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أحد خطاباته، خاصة لدول الساحل التي وجدت في التبعية الفرنكوفونية حلّاً مثالياً لنهجها السياسي عشية استقلالها، فالتقفت من فرنسا لغتها لتوحد بها لسانها الناطق بعشرات اللغات واللهجات، ولتضع بها مناهجها الدراسية، ولتكون لغة للإدارة والإعلام والسياسة.

إلى ذلك، كانت الحلول الاقتصادية لفرنسا أيضاً من ضمن الحلول الشاملة لهذه الدول، فصاغت معها شراكات اقتصادية، وخطت لها سياسات مالية وعملة موحدة، فضلاً عن تبني مواقف هذه الدول والدفاع عن سياساتها وتمثيلها في المحافل الدولية.

تفاؤل مبكّر

ومع رحيل فرنسا كمستعمر مطلع الستينات، حاولت هذه الدول ممارسة استقلالها السياسي، وحاولت صناعة ذاتها، تارة عبر الاشتراكية كما حدث في مالي خلال عهد موديبو كيتا أول رئيس لها في الفترة الممتدة بين 1960 و1968، أو في جارتها السنغال التي صعد فيها نجم الرئيس الأشهر في المنطقة ليوبولد سنغور بين 1960و1980، الذي كرس سياسة الحزب الواحد، أو في بوركينا فاسو حيث لمع نجم الرئيس والثائر الاشتراكي توماس سانكارا الشهير بـ«جيفارا أفريقيا» في الفترة بين 1983 و1987، وكانت النيجر في ذات الإطار فترة رئيسها ديوري هاماني بين 1960 و1974.

كانت البشرى المرتبطة بميلاد كيانات أفريقية واعدة تهيمن على المشهد في المنطقة في البداية، لكن سرعة الإخفاقات المبكرة، وفشل البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الأنظمة سرّع الخطى نحو حقبة غير مستقرة من الانقلابات العسكرية، والإخفاقات السياسية المتواصلة.

علاوة على ما سبق، تركت فرنسا خلفها بؤراً متوترة، وسياسات ممزّقة، ما كان لدول المنطقة الاستقرار وسطها دون ممارسة الحكم الرشيد، مثل ما عرف بقضيتي الطوارق في مالي والنيجر منذ حقبة الاستعمار، وهي من ضمن جملة من الأزمات المختلفة التي تركتها فرنسا في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية، وكانت سبباً رئيسياً في أفول حقبتها اليوم عن الساحل المشتعل بتركتها.

التهديد الإرهابي

كانت البداية عام 2013، حين تدخّلت فرنسا لإنقاذ مالي من الجماعات الإرهابية المسلحة التي باتت تهديداً مباشراً لباماكو، والتي تزامنت تهديداتها أيضاً مع إعلان إقليم أزواد استقلاله عن مالي من طرف واحد، لتستنجد باماكو بباريس لإنقاذها من الانقسام الذي بات يهددها.

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي الأحد الماضي (أ.ب)

نجح التدخل الفرنسي في إحباط تقدم الإرهابيين، كما نجح أيضاً في وأد مشروع استقلال أزواد بدولة، غير أن فترة الوجود الفرنسي هذه شهدت تقلبات سياسية في باماكو انتهت بانقلابين عسكريين أحبطا باريس التي أبدت غضبها من هذه الممارسات، في وقت كانت تلعب فيه دور الحارس الأمين لنظام باماكو المهدد من وجود الإرهابيين المتزايد في الساحل.

ويبدو أن الحالة المالية أصابت عدواها الجارة بوركينا فاسو، التي جرت فيها انقلابات مماثلة، في وقت كانت فيه النيجر على وعد مع عملية سياسية انتهت بانتخاب الرئيس محمد بازوم عام 2021 الذي تزامن انتخابه مع طلاق نهائي بين باماكو وواغادوغو من جهة وباريس من جهة أخرى، لتصبح النيجر الابن البار لفرنسا بعد العقوق الذي ظهرت به مالي وبوركينا فاسو، الأمر الذي انتهى برحيل فرنسا عن البلدين والاكتفاء بوجودها في النيجر.

كانت بوركينا فاسو ومالي قد مرّتا بسنوات عصيبة في آخر عقدين، تخللتهما انقلابات عسكرية وتمرد، وحكومات شديدة الفساد اتهمت بأنها مجرد واجهة لمصالح فرنسا، خاصة بعد النوايا التي أظهرها الرئيسان توماني توري الذي حاول تمديد فترته الرئاسية بعد حقبتين رئاسيتين، وخلفه إبراهيم كيتا الذي كان الفساد والمحسوبية عنوان فترته أيضاً.

وقد أثارت سياساتهما في مالي، إضافة إلى التقلبات الحاصلة في بوركينا فاسو استياء الشارع في البلدين، مع الضغوطات الأمنية المتزايدة التي حوّلت البلدين إلى قبلة للجماعات الإرهابية التي فشلت فرنسا وحلفاؤها في الغرب في وضع حد لها.

«فشل» فرنسا... والبديلان الروسي والصيني

ووصل الغليان إلى أقصاه، وبدأ الشارع يقتنع بفشل فرنسا وسياساتها التي لم تجلب الأمن والاستقرار، فضلاً عن أن تجلب حلولاً اقتصادية للفقر والبطالة.

عَلما النيجر وروسيا أمام مقر البرلمان في نيامي الخميس (رويترز)

تزامنت أزمات دول الساحل مع فرنسا، مع صعود نجم الصين وروسيا، الأولى بدأت آثارها تظهر مباشرة بفضل مشاريعها في البنية التحتية والقروض والشراكات الناجحة التي بدأت تظهر بها في القارة السمراء، والثانية كانت أيضا قد قدمت نفسها بما يكفي على الأقل كقوة عسكرية مرنة وسهلة التعامل، وقادرة على حماية شركائها كما فعلت في سوريا، بدل فرنسا التي يصعب إملاء شروط عليها في المنطقة، والمستأثرة باقتصاداتها.

وإلى جانب ما قدمته الصين بعد وقف باريس مساعدتها التنموية لمالي، أظهرت بكين مسؤولية كبرى والتزاما تجاه باماكو، بعد أن كانت بادرت باستثمارات بقيمة 11 مليار دولار منذ 2014 في البنية التحية والمواصلات واستخراج المعادن. من جهتها، أظهرت روسيا عبر قوات «فاغنر» مرونة عسكرية كبيرة كانت تفتقدها القوات الفرنسية، التي كانت سيدة الموقف في مالي. فكانت «فاغنر» طوع بنان العسكريين في باماكو، يتوجهون بها حيث شاءت لقصف من يريدون.

وكانت الأمم المتحدة سجلت تلك التحركات والانتهاكات التي رافقتها في قرية مورا شمال مالي، التي قتلت فيها «فاغنر» مع القوات المالية نحو 500 شخص عام 2022.

شعرت مالي وبوركينا بالتحرر من التبعية الفرنسية وشروطها الثقيلة، وكانت آخر خطوات باماكو إلغاء اللغة الفرنسية لغة رسمية، والاكتفاء بالتعامل بها في الشؤون الإدارية على أن تعلن اللغات التي ستحل محلها لاحقا.ً إلى جانب العقيد أسيمي في باماكو، يسير نظيره البوركيني إبراهيم تراوري الذي أعلن المواقف ذاته.

حدث النيجر

كان حدث النيجر القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ كانت باريس منخرطة في مراجعة لسياساتها في منطقة الساحل بعد انتقادات واسعة من شركائها. وبدت فرنسا في محاولة لتصحيح بعض هذه الأخطاء خاصة في الجانب الأمني، فلم ترد ترك المنطقة فريسة للجماعات الإرهابية التي سيطرت على معظم شمال مالي، ومعظم أراضي بوركينا فاسو وعلى مساحة تعادل مساحة فرنسا نفسها، حسب ما ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية.

وقالت الصحيفة في إحدى افتتاحياتها مطلع فبراير (شباط) الماضي، إن باريس مشغولة بعد رحيلها من مالي وبوركينا فاسو بخلق نموذج جديد للتدخل في منطقة الساحل لمواجهة أي مشاريع لتقويض أمن المنطقة من قبل الجماعات الإرهابية و«فاغنر» على حد سواء.

بدأت فرنسا في نسج وجود جديد و«صامت» في النيجر، وبدأت في برامج أمنية لتقوية حليفتها عسكرياً للتصدي للجماعات الإرهابية التي تحاول اختراقها. بيد أن النيجر التي يحكمها محمد بازوم، الشريك الاستراتيجي لباريس، لم تكن بمنأى عن جارتيها؛ إذ بدأت الانتقادات تنال من رئيسها المتهم بتبني سياسات باريس المتهمة بتخلف المنطقة وتراجعها والاستئثار بثرواتها.

وأمام المشاكل المتفاقمة أصلاً في النيجر، وتحت تأثير موجة المد الروسي حولها، كان الرئيس بازوم يواجه تحديات صعبة للغاية أصبحت جزءاً من «التقاليد» في أفريقيا، وهي ضرورة مشاركة العسكريين في السلطة والقرار. تقاليد كان بازوم، الراغب في إصلاحات سياسية واسعة، يتجاهلها حين قرر إبعاد رئيس حرسه عن منصبه، وإبداله بآخر متجاهلاً التقاليد الضرورية القاضية بشراء الذمم والمشاركة في السلطة للعسكريين الذين انقلبوا عليه، بمباركة من قيادات الجيش التي تعرف يقيناً أن هذه التغييرات ستشملها وتقصيها عن المشهد.

لحظة فارقة

كان الانقلاب لحظة فارقة للشارع النيجري، الذي رأى فيها فرصة سانحة للتعبير عن سخطه على فرنسا وحقبتها أسوة بالجيران، ليتحول الحدث من انقلاب عسكري إلى ثورة شعبية غاضبة ضد فرنسا، بشعارات ضد باريس، وأخرى تحمل أعلاماً روسية ترحيباً بها، كما حدث بالضبط في باماكو وواغادوغو.

متظاهرون يحملون أعلاماً روسية وشعارات مناهضة لفرنسا في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

وفور ظهور هذه الصور، بدأت وسائل الإعلام في سرد «الحقبة الفرنسية» في النيجر وبقية دول الساحل، وبدأت «ملفات باريس السوداء» في الظهور، وأولها تسليط الضوء على شركاتها في اليورانيوم المتهمة باستغلال النيجر على مدى عقود طويلة. وكان لليورانيوم في النيجر الفضل في تزويد مفاعلات فرنسا بالطاقة، التي لا يتوفر منها شيء في كثير من مناطق استخراج اليورانيوم بالنيجر.

وأخيراً، فإن أغلب التحليلات ترى صعوبة بالغة، في تخلص الساحل الأفريقي من فرنسا وإرثها، خاصة لمنطقة تعتمد بالكامل في تعاملاتها المالية بعملة «الفرنك الأفريقي سيفا» المربوط بالبنك المركزي الفرنسي، فضلاً عن بلدان بنت وأسست كل سياساتها ولغتها ووجدانها باللغة الفرنسية. فيما يرى أكثر المحللين تفاؤلاً أن بإمكان فرنسا أن تبقى في المنطقة لكن كشريك لها، أسوة بالسياسات الأميركية تجاه المنطقة، والرغبة في صياغة شراكة أمنية واقتصادية متكافئة.


مقالات ذات صلة

إطلاق نار وانفجارات في النيجر... والسلطات تتحدث عن محاولة تمرد

أفريقيا لقطة عامة لقاعدة «نيامي 101» العسكرية بعاصمة النيجر (أ.ف.ب)

إطلاق نار وانفجارات في النيجر... والسلطات تتحدث عن محاولة تمرد

قالت السلطات في النيجر، السبت، إن مجموعة من الجنود تمردت على الضباط داخل قاعدة عسكرية رئيسية وأطلقت الرصاص على مواقع «حساسة» في العاصمة نيامي.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا أحد قادة المعارضة أولارا أوتونو دبلوماسي ووكيل سابق للأمين العام للأمم المتحدة (رويترز)

أوغندا: نجل الرئيس يكشف نواياه ويعلن نيته خلافة والده

نجل الرئيس الأوغندي يكشف نواياه ويعلن نيته خلافة والده... يتولى منذ سنوات قيادة الجيش واشتهر بإثارته للجدل

الشيخ محمد ( نواكشوط)
أفريقيا صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

نيجيريا: زعيم محاولة انقلابية فاشلة يكشف خفايا مخططه أمام المحققين

كشف زعيم محاولة انقلابية فاشلة في نيجيريا خفايا مخططه أمام المحققين وقال إن «التراجع المتزايد» على مستوى الأمن كان السبب وراء المحاولة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قوات روسية ومالية تسقط في كمين نصبه متمرّدون طوارق

تعرّض موكب من الجيش المالي والقوات الروسية لكمين نصبه متمردون من الطوارق بالتحالف مع تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وفق ما أكد الجيش المالي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)

اتهامات باريس بدعم انفصاليي «أزواد» تعيد الجدل حول دور فرنسا في مالي

أعاد الهجوم الذي شنّته «جبهة تحرير أزواد» وسيطرتها على مدينة كيدال شمال مالي أواخر أبريل (نيسان)، الجدل حول العلاقة بين فرنسا والحركات الانفصالية الطوارقية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.