الساحل الأفريقي يطفئ قناديل باريس ويتطلع لـ«شعلة من الشرق»

متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
TT

الساحل الأفريقي يطفئ قناديل باريس ويتطلع لـ«شعلة من الشرق»

متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)

كان انقلاب النيجر بمثابة آخر مسمار في نعش العلاقة المضطربة بين دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع فرنسا، بعد صعود غير مسبوق لدعوات التخلص من الراعي التاريخي والمستعمر السابق الذي جثمت سياساته على المنطقة لأكثر من سبعين عاماً بعد رحيله كمستعمر عسكري، وتحوله لـ«مستعمر اقتصادي وثقافي»، حسب تعبير النخب السياسية في الساحل.

كانت فرنسا ولغتها بمثابة «غنيمة»، كما عبّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أحد خطاباته، خاصة لدول الساحل التي وجدت في التبعية الفرنكوفونية حلّاً مثالياً لنهجها السياسي عشية استقلالها، فالتقفت من فرنسا لغتها لتوحد بها لسانها الناطق بعشرات اللغات واللهجات، ولتضع بها مناهجها الدراسية، ولتكون لغة للإدارة والإعلام والسياسة.

إلى ذلك، كانت الحلول الاقتصادية لفرنسا أيضاً من ضمن الحلول الشاملة لهذه الدول، فصاغت معها شراكات اقتصادية، وخطت لها سياسات مالية وعملة موحدة، فضلاً عن تبني مواقف هذه الدول والدفاع عن سياساتها وتمثيلها في المحافل الدولية.

تفاؤل مبكّر

ومع رحيل فرنسا كمستعمر مطلع الستينات، حاولت هذه الدول ممارسة استقلالها السياسي، وحاولت صناعة ذاتها، تارة عبر الاشتراكية كما حدث في مالي خلال عهد موديبو كيتا أول رئيس لها في الفترة الممتدة بين 1960 و1968، أو في جارتها السنغال التي صعد فيها نجم الرئيس الأشهر في المنطقة ليوبولد سنغور بين 1960و1980، الذي كرس سياسة الحزب الواحد، أو في بوركينا فاسو حيث لمع نجم الرئيس والثائر الاشتراكي توماس سانكارا الشهير بـ«جيفارا أفريقيا» في الفترة بين 1983 و1987، وكانت النيجر في ذات الإطار فترة رئيسها ديوري هاماني بين 1960 و1974.

كانت البشرى المرتبطة بميلاد كيانات أفريقية واعدة تهيمن على المشهد في المنطقة في البداية، لكن سرعة الإخفاقات المبكرة، وفشل البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الأنظمة سرّع الخطى نحو حقبة غير مستقرة من الانقلابات العسكرية، والإخفاقات السياسية المتواصلة.

علاوة على ما سبق، تركت فرنسا خلفها بؤراً متوترة، وسياسات ممزّقة، ما كان لدول المنطقة الاستقرار وسطها دون ممارسة الحكم الرشيد، مثل ما عرف بقضيتي الطوارق في مالي والنيجر منذ حقبة الاستعمار، وهي من ضمن جملة من الأزمات المختلفة التي تركتها فرنسا في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية، وكانت سبباً رئيسياً في أفول حقبتها اليوم عن الساحل المشتعل بتركتها.

التهديد الإرهابي

كانت البداية عام 2013، حين تدخّلت فرنسا لإنقاذ مالي من الجماعات الإرهابية المسلحة التي باتت تهديداً مباشراً لباماكو، والتي تزامنت تهديداتها أيضاً مع إعلان إقليم أزواد استقلاله عن مالي من طرف واحد، لتستنجد باماكو بباريس لإنقاذها من الانقسام الذي بات يهددها.

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي الأحد الماضي (أ.ب)

نجح التدخل الفرنسي في إحباط تقدم الإرهابيين، كما نجح أيضاً في وأد مشروع استقلال أزواد بدولة، غير أن فترة الوجود الفرنسي هذه شهدت تقلبات سياسية في باماكو انتهت بانقلابين عسكريين أحبطا باريس التي أبدت غضبها من هذه الممارسات، في وقت كانت تلعب فيه دور الحارس الأمين لنظام باماكو المهدد من وجود الإرهابيين المتزايد في الساحل.

ويبدو أن الحالة المالية أصابت عدواها الجارة بوركينا فاسو، التي جرت فيها انقلابات مماثلة، في وقت كانت فيه النيجر على وعد مع عملية سياسية انتهت بانتخاب الرئيس محمد بازوم عام 2021 الذي تزامن انتخابه مع طلاق نهائي بين باماكو وواغادوغو من جهة وباريس من جهة أخرى، لتصبح النيجر الابن البار لفرنسا بعد العقوق الذي ظهرت به مالي وبوركينا فاسو، الأمر الذي انتهى برحيل فرنسا عن البلدين والاكتفاء بوجودها في النيجر.

كانت بوركينا فاسو ومالي قد مرّتا بسنوات عصيبة في آخر عقدين، تخللتهما انقلابات عسكرية وتمرد، وحكومات شديدة الفساد اتهمت بأنها مجرد واجهة لمصالح فرنسا، خاصة بعد النوايا التي أظهرها الرئيسان توماني توري الذي حاول تمديد فترته الرئاسية بعد حقبتين رئاسيتين، وخلفه إبراهيم كيتا الذي كان الفساد والمحسوبية عنوان فترته أيضاً.

وقد أثارت سياساتهما في مالي، إضافة إلى التقلبات الحاصلة في بوركينا فاسو استياء الشارع في البلدين، مع الضغوطات الأمنية المتزايدة التي حوّلت البلدين إلى قبلة للجماعات الإرهابية التي فشلت فرنسا وحلفاؤها في الغرب في وضع حد لها.

«فشل» فرنسا... والبديلان الروسي والصيني

ووصل الغليان إلى أقصاه، وبدأ الشارع يقتنع بفشل فرنسا وسياساتها التي لم تجلب الأمن والاستقرار، فضلاً عن أن تجلب حلولاً اقتصادية للفقر والبطالة.

عَلما النيجر وروسيا أمام مقر البرلمان في نيامي الخميس (رويترز)

تزامنت أزمات دول الساحل مع فرنسا، مع صعود نجم الصين وروسيا، الأولى بدأت آثارها تظهر مباشرة بفضل مشاريعها في البنية التحتية والقروض والشراكات الناجحة التي بدأت تظهر بها في القارة السمراء، والثانية كانت أيضا قد قدمت نفسها بما يكفي على الأقل كقوة عسكرية مرنة وسهلة التعامل، وقادرة على حماية شركائها كما فعلت في سوريا، بدل فرنسا التي يصعب إملاء شروط عليها في المنطقة، والمستأثرة باقتصاداتها.

وإلى جانب ما قدمته الصين بعد وقف باريس مساعدتها التنموية لمالي، أظهرت بكين مسؤولية كبرى والتزاما تجاه باماكو، بعد أن كانت بادرت باستثمارات بقيمة 11 مليار دولار منذ 2014 في البنية التحية والمواصلات واستخراج المعادن. من جهتها، أظهرت روسيا عبر قوات «فاغنر» مرونة عسكرية كبيرة كانت تفتقدها القوات الفرنسية، التي كانت سيدة الموقف في مالي. فكانت «فاغنر» طوع بنان العسكريين في باماكو، يتوجهون بها حيث شاءت لقصف من يريدون.

وكانت الأمم المتحدة سجلت تلك التحركات والانتهاكات التي رافقتها في قرية مورا شمال مالي، التي قتلت فيها «فاغنر» مع القوات المالية نحو 500 شخص عام 2022.

شعرت مالي وبوركينا بالتحرر من التبعية الفرنسية وشروطها الثقيلة، وكانت آخر خطوات باماكو إلغاء اللغة الفرنسية لغة رسمية، والاكتفاء بالتعامل بها في الشؤون الإدارية على أن تعلن اللغات التي ستحل محلها لاحقا.ً إلى جانب العقيد أسيمي في باماكو، يسير نظيره البوركيني إبراهيم تراوري الذي أعلن المواقف ذاته.

حدث النيجر

كان حدث النيجر القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ كانت باريس منخرطة في مراجعة لسياساتها في منطقة الساحل بعد انتقادات واسعة من شركائها. وبدت فرنسا في محاولة لتصحيح بعض هذه الأخطاء خاصة في الجانب الأمني، فلم ترد ترك المنطقة فريسة للجماعات الإرهابية التي سيطرت على معظم شمال مالي، ومعظم أراضي بوركينا فاسو وعلى مساحة تعادل مساحة فرنسا نفسها، حسب ما ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية.

وقالت الصحيفة في إحدى افتتاحياتها مطلع فبراير (شباط) الماضي، إن باريس مشغولة بعد رحيلها من مالي وبوركينا فاسو بخلق نموذج جديد للتدخل في منطقة الساحل لمواجهة أي مشاريع لتقويض أمن المنطقة من قبل الجماعات الإرهابية و«فاغنر» على حد سواء.

بدأت فرنسا في نسج وجود جديد و«صامت» في النيجر، وبدأت في برامج أمنية لتقوية حليفتها عسكرياً للتصدي للجماعات الإرهابية التي تحاول اختراقها. بيد أن النيجر التي يحكمها محمد بازوم، الشريك الاستراتيجي لباريس، لم تكن بمنأى عن جارتيها؛ إذ بدأت الانتقادات تنال من رئيسها المتهم بتبني سياسات باريس المتهمة بتخلف المنطقة وتراجعها والاستئثار بثرواتها.

وأمام المشاكل المتفاقمة أصلاً في النيجر، وتحت تأثير موجة المد الروسي حولها، كان الرئيس بازوم يواجه تحديات صعبة للغاية أصبحت جزءاً من «التقاليد» في أفريقيا، وهي ضرورة مشاركة العسكريين في السلطة والقرار. تقاليد كان بازوم، الراغب في إصلاحات سياسية واسعة، يتجاهلها حين قرر إبعاد رئيس حرسه عن منصبه، وإبداله بآخر متجاهلاً التقاليد الضرورية القاضية بشراء الذمم والمشاركة في السلطة للعسكريين الذين انقلبوا عليه، بمباركة من قيادات الجيش التي تعرف يقيناً أن هذه التغييرات ستشملها وتقصيها عن المشهد.

لحظة فارقة

كان الانقلاب لحظة فارقة للشارع النيجري، الذي رأى فيها فرصة سانحة للتعبير عن سخطه على فرنسا وحقبتها أسوة بالجيران، ليتحول الحدث من انقلاب عسكري إلى ثورة شعبية غاضبة ضد فرنسا، بشعارات ضد باريس، وأخرى تحمل أعلاماً روسية ترحيباً بها، كما حدث بالضبط في باماكو وواغادوغو.

متظاهرون يحملون أعلاماً روسية وشعارات مناهضة لفرنسا في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

وفور ظهور هذه الصور، بدأت وسائل الإعلام في سرد «الحقبة الفرنسية» في النيجر وبقية دول الساحل، وبدأت «ملفات باريس السوداء» في الظهور، وأولها تسليط الضوء على شركاتها في اليورانيوم المتهمة باستغلال النيجر على مدى عقود طويلة. وكان لليورانيوم في النيجر الفضل في تزويد مفاعلات فرنسا بالطاقة، التي لا يتوفر منها شيء في كثير من مناطق استخراج اليورانيوم بالنيجر.

وأخيراً، فإن أغلب التحليلات ترى صعوبة بالغة، في تخلص الساحل الأفريقي من فرنسا وإرثها، خاصة لمنطقة تعتمد بالكامل في تعاملاتها المالية بعملة «الفرنك الأفريقي سيفا» المربوط بالبنك المركزي الفرنسي، فضلاً عن بلدان بنت وأسست كل سياساتها ولغتها ووجدانها باللغة الفرنسية. فيما يرى أكثر المحللين تفاؤلاً أن بإمكان فرنسا أن تبقى في المنطقة لكن كشريك لها، أسوة بالسياسات الأميركية تجاه المنطقة، والرغبة في صياغة شراكة أمنية واقتصادية متكافئة.


مقالات ذات صلة

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) play-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) play-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) play-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)
أفريقيا انتشار عسكري خارج مقر الإذاعة والتلفزيون في كوتونو 7 ديسمبر (رويترز)

محاولة انقلاب «فاشلة» في بنين تُعزز أزمات الغرب الأفريقي

شهدت بنين، الواقعة في غرب أفريقيا، إحباط محاولة انقلاب قادها عسكريون، بعد أسبوعين من نجاح أخرى في غينيا بيساو، تعد التاسعة في المنطقة منذ 2020، والـ11 منذ 2015.

محمد محمود (القاهرة)

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.