الساحل الأفريقي يطفئ قناديل باريس ويتطلع لـ«شعلة من الشرق»

متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
TT

الساحل الأفريقي يطفئ قناديل باريس ويتطلع لـ«شعلة من الشرق»

متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)
متظاهرون داعمون للجيش في نيامي الخميس (رويترز)

كان انقلاب النيجر بمثابة آخر مسمار في نعش العلاقة المضطربة بين دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع فرنسا، بعد صعود غير مسبوق لدعوات التخلص من الراعي التاريخي والمستعمر السابق الذي جثمت سياساته على المنطقة لأكثر من سبعين عاماً بعد رحيله كمستعمر عسكري، وتحوله لـ«مستعمر اقتصادي وثقافي»، حسب تعبير النخب السياسية في الساحل.

كانت فرنسا ولغتها بمثابة «غنيمة»، كما عبّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أحد خطاباته، خاصة لدول الساحل التي وجدت في التبعية الفرنكوفونية حلّاً مثالياً لنهجها السياسي عشية استقلالها، فالتقفت من فرنسا لغتها لتوحد بها لسانها الناطق بعشرات اللغات واللهجات، ولتضع بها مناهجها الدراسية، ولتكون لغة للإدارة والإعلام والسياسة.

إلى ذلك، كانت الحلول الاقتصادية لفرنسا أيضاً من ضمن الحلول الشاملة لهذه الدول، فصاغت معها شراكات اقتصادية، وخطت لها سياسات مالية وعملة موحدة، فضلاً عن تبني مواقف هذه الدول والدفاع عن سياساتها وتمثيلها في المحافل الدولية.

تفاؤل مبكّر

ومع رحيل فرنسا كمستعمر مطلع الستينات، حاولت هذه الدول ممارسة استقلالها السياسي، وحاولت صناعة ذاتها، تارة عبر الاشتراكية كما حدث في مالي خلال عهد موديبو كيتا أول رئيس لها في الفترة الممتدة بين 1960 و1968، أو في جارتها السنغال التي صعد فيها نجم الرئيس الأشهر في المنطقة ليوبولد سنغور بين 1960و1980، الذي كرس سياسة الحزب الواحد، أو في بوركينا فاسو حيث لمع نجم الرئيس والثائر الاشتراكي توماس سانكارا الشهير بـ«جيفارا أفريقيا» في الفترة بين 1983 و1987، وكانت النيجر في ذات الإطار فترة رئيسها ديوري هاماني بين 1960 و1974.

كانت البشرى المرتبطة بميلاد كيانات أفريقية واعدة تهيمن على المشهد في المنطقة في البداية، لكن سرعة الإخفاقات المبكرة، وفشل البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الأنظمة سرّع الخطى نحو حقبة غير مستقرة من الانقلابات العسكرية، والإخفاقات السياسية المتواصلة.

علاوة على ما سبق، تركت فرنسا خلفها بؤراً متوترة، وسياسات ممزّقة، ما كان لدول المنطقة الاستقرار وسطها دون ممارسة الحكم الرشيد، مثل ما عرف بقضيتي الطوارق في مالي والنيجر منذ حقبة الاستعمار، وهي من ضمن جملة من الأزمات المختلفة التي تركتها فرنسا في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية، وكانت سبباً رئيسياً في أفول حقبتها اليوم عن الساحل المشتعل بتركتها.

التهديد الإرهابي

كانت البداية عام 2013، حين تدخّلت فرنسا لإنقاذ مالي من الجماعات الإرهابية المسلحة التي باتت تهديداً مباشراً لباماكو، والتي تزامنت تهديداتها أيضاً مع إعلان إقليم أزواد استقلاله عن مالي من طرف واحد، لتستنجد باماكو بباريس لإنقاذها من الانقسام الذي بات يهددها.

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي الأحد الماضي (أ.ب)

نجح التدخل الفرنسي في إحباط تقدم الإرهابيين، كما نجح أيضاً في وأد مشروع استقلال أزواد بدولة، غير أن فترة الوجود الفرنسي هذه شهدت تقلبات سياسية في باماكو انتهت بانقلابين عسكريين أحبطا باريس التي أبدت غضبها من هذه الممارسات، في وقت كانت تلعب فيه دور الحارس الأمين لنظام باماكو المهدد من وجود الإرهابيين المتزايد في الساحل.

ويبدو أن الحالة المالية أصابت عدواها الجارة بوركينا فاسو، التي جرت فيها انقلابات مماثلة، في وقت كانت فيه النيجر على وعد مع عملية سياسية انتهت بانتخاب الرئيس محمد بازوم عام 2021 الذي تزامن انتخابه مع طلاق نهائي بين باماكو وواغادوغو من جهة وباريس من جهة أخرى، لتصبح النيجر الابن البار لفرنسا بعد العقوق الذي ظهرت به مالي وبوركينا فاسو، الأمر الذي انتهى برحيل فرنسا عن البلدين والاكتفاء بوجودها في النيجر.

كانت بوركينا فاسو ومالي قد مرّتا بسنوات عصيبة في آخر عقدين، تخللتهما انقلابات عسكرية وتمرد، وحكومات شديدة الفساد اتهمت بأنها مجرد واجهة لمصالح فرنسا، خاصة بعد النوايا التي أظهرها الرئيسان توماني توري الذي حاول تمديد فترته الرئاسية بعد حقبتين رئاسيتين، وخلفه إبراهيم كيتا الذي كان الفساد والمحسوبية عنوان فترته أيضاً.

وقد أثارت سياساتهما في مالي، إضافة إلى التقلبات الحاصلة في بوركينا فاسو استياء الشارع في البلدين، مع الضغوطات الأمنية المتزايدة التي حوّلت البلدين إلى قبلة للجماعات الإرهابية التي فشلت فرنسا وحلفاؤها في الغرب في وضع حد لها.

«فشل» فرنسا... والبديلان الروسي والصيني

ووصل الغليان إلى أقصاه، وبدأ الشارع يقتنع بفشل فرنسا وسياساتها التي لم تجلب الأمن والاستقرار، فضلاً عن أن تجلب حلولاً اقتصادية للفقر والبطالة.

عَلما النيجر وروسيا أمام مقر البرلمان في نيامي الخميس (رويترز)

تزامنت أزمات دول الساحل مع فرنسا، مع صعود نجم الصين وروسيا، الأولى بدأت آثارها تظهر مباشرة بفضل مشاريعها في البنية التحتية والقروض والشراكات الناجحة التي بدأت تظهر بها في القارة السمراء، والثانية كانت أيضا قد قدمت نفسها بما يكفي على الأقل كقوة عسكرية مرنة وسهلة التعامل، وقادرة على حماية شركائها كما فعلت في سوريا، بدل فرنسا التي يصعب إملاء شروط عليها في المنطقة، والمستأثرة باقتصاداتها.

وإلى جانب ما قدمته الصين بعد وقف باريس مساعدتها التنموية لمالي، أظهرت بكين مسؤولية كبرى والتزاما تجاه باماكو، بعد أن كانت بادرت باستثمارات بقيمة 11 مليار دولار منذ 2014 في البنية التحية والمواصلات واستخراج المعادن. من جهتها، أظهرت روسيا عبر قوات «فاغنر» مرونة عسكرية كبيرة كانت تفتقدها القوات الفرنسية، التي كانت سيدة الموقف في مالي. فكانت «فاغنر» طوع بنان العسكريين في باماكو، يتوجهون بها حيث شاءت لقصف من يريدون.

وكانت الأمم المتحدة سجلت تلك التحركات والانتهاكات التي رافقتها في قرية مورا شمال مالي، التي قتلت فيها «فاغنر» مع القوات المالية نحو 500 شخص عام 2022.

شعرت مالي وبوركينا بالتحرر من التبعية الفرنسية وشروطها الثقيلة، وكانت آخر خطوات باماكو إلغاء اللغة الفرنسية لغة رسمية، والاكتفاء بالتعامل بها في الشؤون الإدارية على أن تعلن اللغات التي ستحل محلها لاحقا.ً إلى جانب العقيد أسيمي في باماكو، يسير نظيره البوركيني إبراهيم تراوري الذي أعلن المواقف ذاته.

حدث النيجر

كان حدث النيجر القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ كانت باريس منخرطة في مراجعة لسياساتها في منطقة الساحل بعد انتقادات واسعة من شركائها. وبدت فرنسا في محاولة لتصحيح بعض هذه الأخطاء خاصة في الجانب الأمني، فلم ترد ترك المنطقة فريسة للجماعات الإرهابية التي سيطرت على معظم شمال مالي، ومعظم أراضي بوركينا فاسو وعلى مساحة تعادل مساحة فرنسا نفسها، حسب ما ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية.

وقالت الصحيفة في إحدى افتتاحياتها مطلع فبراير (شباط) الماضي، إن باريس مشغولة بعد رحيلها من مالي وبوركينا فاسو بخلق نموذج جديد للتدخل في منطقة الساحل لمواجهة أي مشاريع لتقويض أمن المنطقة من قبل الجماعات الإرهابية و«فاغنر» على حد سواء.

بدأت فرنسا في نسج وجود جديد و«صامت» في النيجر، وبدأت في برامج أمنية لتقوية حليفتها عسكرياً للتصدي للجماعات الإرهابية التي تحاول اختراقها. بيد أن النيجر التي يحكمها محمد بازوم، الشريك الاستراتيجي لباريس، لم تكن بمنأى عن جارتيها؛ إذ بدأت الانتقادات تنال من رئيسها المتهم بتبني سياسات باريس المتهمة بتخلف المنطقة وتراجعها والاستئثار بثرواتها.

وأمام المشاكل المتفاقمة أصلاً في النيجر، وتحت تأثير موجة المد الروسي حولها، كان الرئيس بازوم يواجه تحديات صعبة للغاية أصبحت جزءاً من «التقاليد» في أفريقيا، وهي ضرورة مشاركة العسكريين في السلطة والقرار. تقاليد كان بازوم، الراغب في إصلاحات سياسية واسعة، يتجاهلها حين قرر إبعاد رئيس حرسه عن منصبه، وإبداله بآخر متجاهلاً التقاليد الضرورية القاضية بشراء الذمم والمشاركة في السلطة للعسكريين الذين انقلبوا عليه، بمباركة من قيادات الجيش التي تعرف يقيناً أن هذه التغييرات ستشملها وتقصيها عن المشهد.

لحظة فارقة

كان الانقلاب لحظة فارقة للشارع النيجري، الذي رأى فيها فرصة سانحة للتعبير عن سخطه على فرنسا وحقبتها أسوة بالجيران، ليتحول الحدث من انقلاب عسكري إلى ثورة شعبية غاضبة ضد فرنسا، بشعارات ضد باريس، وأخرى تحمل أعلاماً روسية ترحيباً بها، كما حدث بالضبط في باماكو وواغادوغو.

متظاهرون يحملون أعلاماً روسية وشعارات مناهضة لفرنسا في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

وفور ظهور هذه الصور، بدأت وسائل الإعلام في سرد «الحقبة الفرنسية» في النيجر وبقية دول الساحل، وبدأت «ملفات باريس السوداء» في الظهور، وأولها تسليط الضوء على شركاتها في اليورانيوم المتهمة باستغلال النيجر على مدى عقود طويلة. وكان لليورانيوم في النيجر الفضل في تزويد مفاعلات فرنسا بالطاقة، التي لا يتوفر منها شيء في كثير من مناطق استخراج اليورانيوم بالنيجر.

وأخيراً، فإن أغلب التحليلات ترى صعوبة بالغة، في تخلص الساحل الأفريقي من فرنسا وإرثها، خاصة لمنطقة تعتمد بالكامل في تعاملاتها المالية بعملة «الفرنك الأفريقي سيفا» المربوط بالبنك المركزي الفرنسي، فضلاً عن بلدان بنت وأسست كل سياساتها ولغتها ووجدانها باللغة الفرنسية. فيما يرى أكثر المحللين تفاؤلاً أن بإمكان فرنسا أن تبقى في المنطقة لكن كشريك لها، أسوة بالسياسات الأميركية تجاه المنطقة، والرغبة في صياغة شراكة أمنية واقتصادية متكافئة.


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
TT

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)

قال الحزب السياسي الرئيسي في تيغراي إنه يستعيد السيطرة على حكومة المنطقة، مما يعني فعلياً إلغاء اتفاق السلام مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية الذي أنهى أحد أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين.

وأصدرت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هذا البيان في منشور على «فيسبوك»، أمس الأحد، متهمة الحكومة الاتحادية بانتهاك اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب التي استمرت عامين. وجاء في البيان أن الحكومة أثارت نزاعاً مسلحاً داخل تيغراي، وحجبت الأموال اللازمة لدفع رواتب الموظفين المدنيين في المنطقة، ومددت ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون استشارة الحزب. وأضاف البيان «إنها (الحكومة الاتحادية) في عجلة من أمرها لشن حرب دموية مرة أخرى».

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي في 12 فبراير 2025 (أ.ب)

ودفع هذا الإعلان جيتاشو رضا، المتحدث السابق باسم الحزب ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لأن يكتب على «إكس» أمس الأحد أن بيان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يشكل «رفضاً واضحاً» للوضع الذي أرسته اتفاقية بريتوريا بعد الحرب.

وقال جيتاشو، الذي شغل منصب رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي قبل خلافه مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإبعاده وتعيين آخر في المنصب في العام الماضي: «يجب على المجتمع الدولي... أن يتحرك لدرء خطر اندلاع صراع كارثي في منطقة لا تستطيع تحمله».

ولم ترد بيلين سيوم المتحدثة باسم رئيس الوزراء آبي أحمد على طلب للتعليق على مزاعم الجبهة.

ولم يتسن الاتصال بمسؤولي الجبهة على الفور للتعليق.

ويقدر باحثون أن الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2020 و2022 بين القوات التي تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي والجيش الإثيوبي أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص جراء العنف المباشر وانهيار الرعاية الصحية والمجاعة. واندلعت الحرب بعد انهيار العلاقات بين جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي سيطر على السياسة الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، وآبي أحمد، الذي أنهى تعيينه رئيساً للوزراء في عام 2018 هيمنة الجبهة. انتهت الحرب في أواخر عام 2022 باتفاق بريتوريا، الذي توسط فيه الاتحاد الأفريقي، والذي دعا إلى تشكيل إدارة مؤقتة لتيغراي، يتم إنشاؤها من خلال الحوار بين الجانبين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في المنطقة حتى يمكن تنظيم انتخابات جديدة.

ورغم إحراز بعض التقدم في تنفيذ الاتفاق، فقد تعرضت عملية التنفيذ لضغوط في الأشهر الأخيرة، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة منذ يناير (كانون الثاني) بين قوات الجبهة والجيش الاتحادي ومقاتلين موالين للحكومة. ورداً على انتهاكات مزعومة من جانب الحكومة، قالت الجبهة في بيانها إنها ستستعيد السلطة التنفيذية والتشريعية في تيغراي بدلاً من الإدارة المؤقتة، وستعزز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة والدول المجاورة. وكانت الحكومة الاتحادية قد أكدت في وقت سابق التزامها باتفاق بريتوريا واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا في عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية من عام 1998 إلى عام 2000.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من مزاعم الجبهة بشأن الانتهاكات المزعومة للاتفاق من قبل الحكومة.

ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من المتحدث باسم الاتحاد الأفريقي نور محمد بشأن قرار الجبهة استعادة الإدارة السابقة. ونفت الجبهة وإريتريا التعاون بينهما. وخاضت إريتريا، التي وقعت اتفاق سلام مع إثيوبيا في عام 2018، الحرب دعماً للجيش الإثيوبي خلال الحرب الأهلية في تيغراي. لكنها استاءت مؤخراً مما تعتبره تعليقات تهديدية من آبي أحمد، الذي يؤكد أن إثيوبيا الحبيسة لها حق في الوصول إلى البحر.


نيجيريا: «بوكو حرام» تهدد بإعدام مئات الرهائن

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: «بوكو حرام» تهدد بإعدام مئات الرهائن

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

هددت جماعة «بوكو حرام» الإرهابية بإعدام 416 رهينة تحتجزهم في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها خلال 72 ساعة، وهو ما أثار موجة واسعة من الرعب في أوساط السكان المحليين، خصوصاً ذوي المختطفين.

وفي مقطع فيديو جرى تداوله، ونشرته صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية، حذّر متحدث ملثم باسم «بوكو حرام»، كان يتحدث بلغة الهوسا، من أن عدم الاستجابة لمطالب الجماعة خلال المهلة المحددة سيؤدي إلى قتل عدد كبير من المحتجزين، بمن فيهم نساء وأطفال.

وزعمت الجماعة أنها تحتجز 416 رهينة، مؤكدة ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة قبل انقضاء الوقت. وقال المتحدث في الفيديو: «نحن جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد. اليوم، الموافق 19 أبريل (نيسان) 2026، نوجه رسالة جديدة إلى تحالف شباب جنوب بورنو (BOSYA) وكذلك إلى الحكومة النيجيرية التي لا نعدّها حكومتنا».

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

أضاف المتحدث: «هذه رسالتنا الأولى والأخيرة؛ نمنحكم 72 ساعة، وإذا لم تلبّوا مطالبنا فسنقوم بتوزيع النساء والأطفال على مواقع مختلفة. جميعهم. أنتم اتخذتم قراركم، ونحن اتخذنا قرارنا. نأمركم، باسم الله، ألا تتجاوزوا المهلة المحددة».

وسبق أن أعلنت الجماعة أنها مستعدة للإفراج عن المختطفين مقابل مبلغ 5 مليارات نايرا نيجيرية، وهو ما يعادل أكثر من 3.7 مليون دولار أميركي، ولكن يبدو أن وساطات تقوم بها شخصيات محلية لم تفضِ إلى أي نتيجة.

ودعا «تحالف شباب جنوب بورنو» إلى تدخل عاجل من طرف السلطات عقب المهلة التي حددتها «بوكو حرام»، وذلك من أجل إنقاذ النساء والأطفال المختطفين من مجتمع نغوشي، في ولاية بورنو.

وفي بيان صحافي قال التحالف إنه تلقى معلومات تفيد بأن «بوكو حرام» أصدرت مهلة نهائية مدتها 72 ساعة تتعلق بالمختطفين، وأضاف: «وفقاً للمعلومات التي تم الحصول عليها خلال عملية الوساطة التي يقودها رئيس التحالف سامايلا إبراهيم كايغاما، تم إرسال فيديو تحذيري أخير بعد نقل المطالب، التي شملت طلب فدية قدرها 5 مليارات نايرا (3.7 مليون دولار) مقابل الإفراج عن النساء والأطفال المختطفين (...) مع توجيهات تتعلق بكيفية تنفيذ عملية الإفراج».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

وشدد التحالف على أنه «نظراً إلى الطابع العاجل لهذه القضية الإنسانية، يجدد تحالف شباب جنوب بورنو نداءه إلى الرئيس بولا أحمد تينوبو، ونائب الرئيس كاشيم شتيما، وحاكم ولاية بورنو باباغانا أومارا زولوم، وجميع النيجيريين المعنيين والمحسنين، بمن في ذلك أليكو دانغوتي، وعبد الصمد ربيع، وغيرهما من المليارديرات الشماليين ذوي النوايا الحسنة».

وخلص التحالف إلى القول: «ندعو باحترام جميع الأطراف القادرة إلى التدخل العاجل واستخدام كل الوسائل القانونية المتاحة للمساعدة في تأمين حرية هؤلاء النساء والأطفال البالغ عددهم 416». ووصف التحالف ما يجري بأنه «أزمة إنسانية تتطلب تحركاً فورياً، وتعاطفاً، ووحدة في الصف»، وفق ما جاء في البيان.

وتُعدّ عمليات الخطف الجماعي والإفراج مقابل فدية واحدة من أهم روافد تمويل الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة في نيجيريا، رغم أن السلطات سنت قوانين تمنع دفع الفدية، وتنفي دوماً أن يكون لها أي دور في عمليات الدفع خلال الإفراج عن الرهائن المختطفين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».