النيجر: سباق الدبلوماسية والتدخل العسكري

«إيكواس» اعتبرت التدخل العسكري «الخيار الأخير المطروح»

حرائق واضطرابات في شوارع نيامي في 27 يوليو (أ.ب)
حرائق واضطرابات في شوارع نيامي في 27 يوليو (أ.ب)
TT

النيجر: سباق الدبلوماسية والتدخل العسكري

حرائق واضطرابات في شوارع نيامي في 27 يوليو (أ.ب)
حرائق واضطرابات في شوارع نيامي في 27 يوليو (أ.ب)

ثمة مساران متوازيان يتناولان مستقبل الوضع في النيجر، وذلك بعد أسبوع على الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم وكان محركه الحرس الجمهوري، وأفضى إلى تسلم الجنرال عبد الرحمن تياني رئاسة المجلس الوطني بذريعة «إنقاذ الوطن».

وكما أصبح واضحا، فإن الانقلاب لقي تنديدا دوليا واسعا، إن كان على المستوى الإقليمي عبر المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) أو الاتحاد الأفريقي كما على المستوى الأوروبي والأميركي والدولي، ممثلا بالأمين العام للأمم المتحدة. ولم تتأخر روسيا في الدعوة إلى العودة إلى «الانتظام الدستوري»، وإعادة بازوم إلى منصبه وهو المطلب المتوافق عليه إقليميا ودوليا. في المقابل، فإن الانقلابيين لم يجدوا إلى جانبهم سوى انقلابيين مثلهم، أي المجلسين العسكريين في مالي وبوركينا فاسو.

وعرف هذان البلدان في 2021 و2022 انقلابين رئيسيين، أفضيا إلى تسلم العسكر مقاليد السلطة، وما زالا قائمين رغم التنديد الدولي والعقوبات المشددة التي فرضتها المجموعة الاقتصادية وأطراف أخرى. وما يأمله انقلابيو النيجر أن تتثبت أقدامهم في السلطة، وأن يتقبل الأفارقة والعالم الأمر الواقع الذي فرض بقوة السلاح، وأفضى إلى عزل رئيس انتخب ديمقراطيا وإبقائه محتجزا في أحد أجنحة القصر الجمهوري في نيامي من غير قطعه عن العالم الخارجي، حيث يواصل اتصالاته برؤساء ومسؤولين من العالم الأجمع، في «موضة» جديدة في عالم الانقلابات.

فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحادث معه عدة مرات، وكذلك فعل مسؤولون أفارقة وغربيون كبار منهم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن. وكل المتصلين أكدوا دعمهم لعودته لممارسة وظائفه الرئاسية، ووعدوا بتوفير الدعم له.

المسار السياسي

لم يتقبل العالم بعد الأمر الواقع الجديد، وما زال يأمل في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء باللجوء إلى المسار السياسي - الدبلوماسي والضغوط متعددة الأشكال التي ترافقه. ومنذ يوم الأحد الماضي، كلّف قادة «المجموعة الاقتصادية» الرئيس التشادي محمد دبي التوجه إلى نيامي لإقناع العسكر بالتراجع عن الانقلاب، والعودة إلى ثكناتهم. إلا أن جهوده باءت بالفشل.

مسؤولون عسكريون في مجموعة «إيكواس» يبحثون أزمة النيجر في أبوجا الأربعاء (إ.ب.أ)

وكان غريبا أن تُعهد هذه المهمة لرئيس وصل هو أيضا إلى السلطة بـ«نصف انقلاب»، وبطريقة أقل ما يقال فيها إنها غير ديمقراطية. دبي الابن فرض نفسه عقب مقتل والده الرئيس إدريس دبي في معارك مع متمردين شمال تشاد، ولم يحترم الأصول الدستورية في انتقال السلطة. إلا أن الأفارقة ومعهم الأوروبيون والأميركيون غضوا الطرف عما حصل.

وفشل دبي لم يثبط عزيمة الأفارقة، فعاودوا الكرة الأربعاء مع إرسال وفد باسم «المجموعة الاقتصادية» إلى نيامي برئاسة النيجيري عبد السلام أبو بكر، للقاء قادة الانقلاب والنظر معهم في إمكانية الاستجابة للإرادة الدولية والأفريقية. الأمر الذي أكده عبد الفتاح موسى، مفوض «المجموعة الاقتصادية» للشؤون السياسية والأمن والسلام.

إنذار جدي

يبدو واضحا أن الأفارقة يفضلون المسار الدبلوماسي ــ السياسي لإقناع الانقلابيين بالتراجع، الأمر الذي يفسر الإكثار من الوساطات. بيد أن أمرا كهذا ليس مضمونا. من هنا، فإن القادة الـ11 الذين تنادوا لعقد قمة في أبوجا، العاصمة النيجيرية، يوم الأحد الماضي لجأوا إلى توجيه رسالة تهديد وإنذار جدي إلى الانقلابيين، فحواه إعطاؤهم مهلة أسبوع للتراجع عن الانقلاب تحت طائلة اللجوء إلى القوة العسكرية، وذلك استكمالا للعقوبات المالية والتجارية والاقتصادية والعزلة السياسية التي فرضوها على حكام النيجر الجدد.

وتُبين ردود الفعل الدولية أن القادة الأفارقة يحظون بدعم كلي وعلني لقراراتهم وإجراءاتهم من العواصم الغربية المؤثرة، وعلى رأسها اثنتان هما واشنطن وباريس. وثمة من يرى أن «المجموعة الاقتصادية» تعمل بتوكيل من هذه العواصم. وواضح أيضا أن الأفارقة، كما تقول مصادر فرنسية، عازمون على «عدم إعطاء الانقلابيين الفرصة لينظموا أمورهم ويوطدوا سلطتهم، عملا بالمثل الفرنسي القائل: يتعين ضرب الحديد وهو حام».

الخيار الأخير

كان من الضروري أن يعمد قادة «المجموعة الاقتصادية» إلى إظهار التشدد مع الانقلابيين والتكشير عن أنيابهم، وذلك بدفع واضح من الرئيس النيجيري. من هنا، الاجتماعات التي انطلقت الأربعاء لرؤساء أركان الدول الأعضاء في «المجموعة الاقتصادية» في أبوجا ومن المرتقب أن تدوم حتى يوم الجمعة الأمر الذي يبين «جدية» الأفارقة لجهة إمكانية اللجوء إلى عمل عسكري يطيح الانقلابيين ويعيد الانتظام الدستوري والرئيس بازوم إلى وظيفته. لكن اللجوء إلى الحل العسكري هو «الخيار الأخير»، الأمر الذي أكده قبيل انطلاق اجتماعات رؤساء الأركان، عبد الفتاح موسى. وقال إن «الخيار العسكري المطروح على الطاولة هو الملاذ الأخير، ولكن علينا التحضير لهذا الاحتمال». وأضاف موسى: «هناك حاجة لإظهار أننا لا يمكننا الكلام فقط، لكن بوسعنا العمل أيضا». وعمدت نيجيريا، الأربعاء، إلى قطع إمدادات الكهرباء عن النيجر، ما يُعدّ وسيلة ضغط إضافية على الانقلابيين.

دعم مالي وبوركينا فاسو

استبق الانقلابيون هذه الاجتماعات بتأكيد أن غرضها هو التحضير لعمل عسكري ضد النيجر. وبالتوازي، عمدوا إلى اتهام باريس بالتحضير من جانبها لعمل عسكري، وأنها حصلت على تفويض من وزير الخارجية في حكومة بازوم الذي يقوم راهنا بوظيفة رئيس الحكومة باعتبار أن الأخير متواجد خارج البلاد. وليس البيان الصادر عن القيادتين في مالي وبوركينا فاسو، الثلاثاء، والذي اعتبر أن أي عمل عسكري ضد النيجر هو «إعلان حرب» على البلدين، إلا تأكيدا لنظرتهما لـ«جدية التهديدات». ويمكن اعتبار أن الزيارة التي قام بها الأربعاء الجنرال ساليفو مودي، أحد أبرز المشاركين في انقلاب النيجر الأسبوع الماضي، ورئيس الأركان السابق للقوات المسلحة الذي أقيل في أبريل (نيسان)، إلى مالي على رأس وفد عسكري رفيع، مؤشر على المخاوف التي تعتري الانقلابيين من جدية التهديدات الأفريقية والسعي إلى التنسيق العسكري في حال نفذت «المجموعة الاقتصادية» وعيدها بالتدخل العسكري.

متظاهرون يهتفون لجيش النيجر أمام السفارة الفرنسية في نيامي في 30 يوليو (أ.ف.ب)

وبكلام آخر، قد تكون غاية نيامي تشكيل جبهة الانقلابيين العسكرية ثلاثية الأعضاء والتي تنضم إليها غينيا سياسيا، لمواجهة «جبهة الديمقراطيين» التي قد تقرن القول بالفعل وتعمد إلى التدخل العسكري. لكن الأمر المثير للدهشة أن «المجموعة الاقتصادية» غضت النظر عن انقلابات جرت في السنوات الأخيرة في غينيا ومالي وبوركينا في السنوات الأخيرة، وها هي اليوم تتعبأ لإجهاض الانقلاب الرابع غرب أفريقيا.

عدوى الانقلابات

ثمة من يعد استعجال الأوروبيين في ترحيل رعاياهم من النيجر مؤشرا على احتمال قيام عمل عسكري. وثمة من يرى أن التهويل بالتدخل العسكري يراد منه ممارسة الضغوط على الانقلابين وإفهامهم أن أمامهم خيارين: إما الاستجابة للمطالب المعروفة أو مواجهة القوات الأفريقية. وتقول مصادر سياسية في باريس إن «المجموعة الأفريقية» بحاجة إلى «إثبات مصداقيتها، وإذا ما فشلت في ذلك فإنها تكون قد فتحت الباب عمليا أمام حصول انقلابات أخرى. وستفقد هي بالتالي أي دور جدي لتتحول إلى صدفة فارغة».

إذن، ثمة خوف من عدوى الانقلابات، وبالتالي فإن «المجموعة الاقتصادية» تسعى بالدرجة الأولى إلى حماية نفسها من هذا الداء. وتفيد معلومات واردة من نيجيريا أن «عدة دول من المجموعة الاقتصادية أكدت استعدادها للمشاركة في عملية عسكرية»، فيما أكد مسؤولون نيجيريون أن «عددا من قطاعاتهم موجود غير بعيد عن الحدود المشتركة مع النيجر البالغة 1600 كلم وهي جاهزة للتدخل».

يبقى أن التساؤل يدور، في حال فشلت الوساطات، حول الدور الذي سيقوم به الغربيون الذين لديهم قوات في النيجر كفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا. والمؤكد أن هذه الأطراف غير راغبة بالتدخل وسبق لباريس أن نفت تخطيطها لعمل عسكري في النيجر. إلا أن ذلك لن يمنعها على الأرجح من تقديم الدعم ومن السعي إلى إبراز هشاشة وانقسامات العسكر ما من شأنه إضعاف المجلس العسكري، وربما حمله على الاستجابة للضغوط الدولية.


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».