تراجع العملات الأفريقية: موجات تضخم «قائمة»... واضطرابات «قادمة»

بعد انخفاضات قياسية في كينيا ونيجيريا وغانا

متظاهر كيني يلقي قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة خلال احتجاجات مناهضة للحكومة في نيروبي (أ.ف.ب)
متظاهر كيني يلقي قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة خلال احتجاجات مناهضة للحكومة في نيروبي (أ.ف.ب)
TT

تراجع العملات الأفريقية: موجات تضخم «قائمة»... واضطرابات «قادمة»

متظاهر كيني يلقي قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة خلال احتجاجات مناهضة للحكومة في نيروبي (أ.ف.ب)
متظاهر كيني يلقي قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة خلال احتجاجات مناهضة للحكومة في نيروبي (أ.ف.ب)

تواجه دول أفريقية عدة صعوبات اقتصادية، جراء تراجع ملموس في قيمة عملاتها المحلية أمام الدولار، ما يضاعف من تكلفة المعيشة، بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، لا سيما الغذاء والطاقة؛ حيث تستورد البلدان الأفريقية نحو 60 في المائة من احتياجاتها من تلك السلع، الأمر الذي يفاقم من تداعيات التضخم، ويهدد باضطرابات داخلية وفق كثير من التقارير الدولية والمراقبين.

وتراجعت خلال النصف الأول من العام الحالي قيم العملات المحلية في أفريقيا، بنسب تراوحت بين 20 و70 في المائة، لعدة أسباب، أبرزها تراجع الاحتياطيات المحلية من النقد الأجنبي، بفعل ارتفاع تكاليف خدمة الديون البالغة 100 مليار دولار سنوياً، وزيادة أسعار الفائدة الأميركية، الأمر الذي أدى إلى ضغوط تضخمية عالية في تلك البلدان.

ويعد تضخم ديون دول البلدان الأفريقية البالغة حالياً نحو 1.1 تريليون دولار، هو العامل المشترك في الأزمة الهيكلية التي تعاني منها اقتصادات تلك الدول، فبينما تتركز 66 في المائة من ديون القارة الأفريقية في 9 بلدان تتصدرها جنوب أفريقيا بحصة 15 في المائة؛ نجد -وفقاً لصندوق النقد الدولي- أن «22 دولة أفريقية تعاني بالفعل من أعباء الديون، أو غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الدائنين، وتستقطع أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مما أدى إلى إضعاف العملات المحلية».

وكشف تقرير لموقع «فوربس» نُشر في مطلع الشهر الحالي، أن البلدان الأفريقية «تجد صعوبة متزايدة في الحصول على العملات الصعبة لشراء الواردات، وتسديد المدفوعات للمستثمرين الأجانب»؛ مشيراً إلى أن المنطقة أصبحت «ضحية غير مقصودة لمكافحة التضخم في العالم المتقدم بعد الوباء».

ولفت التقرير إلى ارتفاع معدلات التضخم في القارة الأفريقية إلى 30 في المائة، مع ضعف عملات القارة. ونقل التقرير عن كريستوفر آدم، أستاذ اقتصاديات التنمية بجامعة أكسفورد، قوله إن «ظهور التضخم العالمي، والسياسة النقدية الصارمة الناتجة عن ذلك، كلاهما أدى إلى ارتفاع أسعار الواردات الرئيسية وتكلفة الاقتراض الخارجي بشكل حاد»، إضافة إلى ذلك، أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية والأسمدة، مضيفاً أن صندوق النقد الدولي اقترح عدة خطوات يمكن أن تتخذها الحكومات للتخفيف من الآثار الواردة في توقعات الاقتصادات الأفريقية، وبخاصة جنوب الصحراء: «لكن جميعها ستتطلب تضحيات صعبة من مواطني تلك البلدان المتضررة».

ويعيش أكثر من ربع سكان أفريقيا البالغ تعدادهم 1.4 مليار نسمة تحت خط الفقر، وحسب دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي، فقد تراجعت قيمة عدة عملات أفريقية محلية؛ إذ انخفضت قيمة السيدي في غانا بأكثر من 45 في المائة، ما جعلها ثالث أسوأ العملات أداءً في العالم خلال 2022، كما شهدت عملات مثل الشلن الكيني، والنيرة النيجيرية، تراجعات اقتربت من 45 في المائة خلال الأشهر الستة الماضية.

وأدى تراجع العملات المحلية إلى ارتفاعات قياسية في معدلات التضخم، ما تسبب في إطلاق موجة من الاحتجاجات الشعبية في بعض بلدان القارة. ففي كينيا انطلقت خلال مارس (آذار) الماضي موجة من الاحتجاجات التي تقودها المعارضة، للاعتراض على ارتفاع تكلفة المعيشة، والمطالبة بعودة الدعم المرفوع عن السلع الأساسية.

وتعاني كينيا أزمة اقتصادية جراء ارتفاع تكلفة الدَّين، إذ تقوم الحكومة بإجراءات تقشف لإدارة أزمة سداد الديون المتصاعدة، مما يثير غضباً شعبياً، وتمثل القروض الصينية ما يقرب من 64 في المائة من رصيد كينيا الحالي من الدين الخارجي، بواقع 6.3 مليار دولار، وفق أحدث تقرير حكومي صادر في مارس الماضي.

من جهة أخرى، أفادت وكالة الإحصاء الوطنية في زيمبابوي، بأن التضخم في البلاد بلغ 268 في المائة سنوياً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى بلوغه 417 في المائة.

وتراجع الراند الجنوب أفريقي لأقل مستوياته منذ 3 سنوات، في الوقت الذي ارتفع فيه العائد على السندات المحلية، مع استمرار أزمة نقص إمدادات الكهرباء، مما أدى إلى تدهور النظرة المستقبلية لاقتصاد جنوب أفريقيا، صاحبة أكبر اقتصاد صناعي في القارة. واشتدت حدة أزمة نقص الكهرباء في جنوب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة؛ حيث سجلت البلاد انقطاعات متكررة للكهرباء على مدى 16 شهراً متتالية، ووصلت مدة الانقطاع إلى 12 ساعة يومياً في بعض الحالات، الأمر الذي تسبب في احتجاجات شعبية.

وتعاني نيجيريا من أزمة اقتصادية تؤثر بشكل أساسي على القدرة الشرائية للأفراد، وسط نقص لبعض المواد الأساسية، وتراجع لقدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها في ظل تضخم كلفة الدين. وتكافح الحكومة النيجيرية لمواجهة الأزمة الاقتصادية، بعدما أعلنت عجزها عن تسديد متأخرات تصل إلى 50 مليار دولار من إجمالي ديونها البالغة 102 مليار دولار. ورفعت الحكومة النيجيرية الأسبوع الماضي أسعار الوقود، واضطرت إلى الإعلان عن توزيع كميات كبيرة من القمح على الأسر الأشد احتياجاً مجاناً، لتهدئة الانتقادات الشعبية جراء زيادة أسعار الطاقة.

ويرى فريدريك نوابوفو، الكاتب والباحث الاقتصادي النيجيري، أن قضية توفير الغذاء والأزمات التي تواجه كثيراً من الدول الأفريقية في هذا الصدد باتت «قضية أمن قومي، وليست مشكلة اقتصادية». وأوضح نوابوفو لـ«الشرق الأوسط» أن قرار الحكومة الفيدرالية في نيجيريا نقل الإشراف على جميع الأمور المتعلقة بتوفر الغذاء والمياه والقدرة على تحمل التكاليف، لتكون ضمن اختصاص مجلس الأمن القومي: «لم يأتِ من فراغ؛ بل جاء نتيجة استشعار خطورة الموقف، وتأثير استمرار تلك الأزمات على الاستقرار الداخلي».

ويخلص الباحث الاقتصادي النيجيري إلى القول إن «الجوع هو العنف»؛ مشيراً إلى أن «كثيراً من الاضطرابات ومصائب التاريخ انفجرت بسبب الجوع الذي يطلق موجات لا هوادة فيها من الفوضى»، ويستشهد بأن الجوع كان المحفز الرئيسي لاندلاع الثورة الفرنسية عام 1788، وفي عام 2018 قلبت «ثورة الخبز» في السودان أوضاع البلاد رأساً على عقب إلى الآن.

من جانبه، يرى الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي المصري، أن انخفاض قيمة العملة «ليس شراً بحد ذاته»، فالدول التي لديها قدرات تصديرية كبيرة تستفيد منه في زيادة مزايا منتجاتها التنافسية؛ لكن الأمر ينقلب إلى العكس مع الدول الأكثر استيراداً، وهو ما ينطبق على معظم الدول الأفريقية.

وأضاف عبده لـ«الشرق الأوسط» أن انعكاس كثير من الأزمات الداخلية المتمثلة في عدم الاستقرار السياسي والأمني وهشاشة البنية الاقتصادية لكثير من دول القارة، أدى إلى مضاعفة تأثيرات الأزمات الخارجية، فتراجعت قيمة العملات المحلية نتيجة الاعتماد على الاستيراد؛ إذ تستورد دول القارة سنوياً سلعاً بنحو 700 مليار دولار، بما في ذلك المواد الغذائية، ويتم تسعير أكثر من ثلثي الواردات بالدولار الأميركي لمعظم دول المنطقة، ومع ارتفاع تكلفة تلك السلع بعد الحرب الروسية الأوكرانية، دخل كثير من دول القارة في أزمات «بالغة التعقيد».

وأوضح الخبير الاقتصادي المصري أن تراجع الموارد من السياحة والاستثمار أدى كذلك إلى مفاقمة الأزمة، فنتيجة غياب الاستقرار الداخلي، وانخفاض الرغبة في المخاطرة بالأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، اندفع المستثمرون بعيداً عن المنطقة نحو سندات الخزانة الأميركية الأكثر أماناً والأعلى ربحاً.


مقالات ذات صلة

أساري يصبح بطلاً قومياً يحمي عرين غانا في المونديال

رياضة عالمية بنجامين أساري حارس مرمى غانا (أ.ف.ب)

أساري يصبح بطلاً قومياً يحمي عرين غانا في المونديال

عاد بنجامين أساري حارس مرمى غانا من إصابة كادت أن تنهي مسيرته وأبعدته عن الملاعب لمدة 18 شهراً، ليصبح بطلاً في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية لاعب خط الوسط الغاني توماس بارتي (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: قُضي الأمر... بارتي لن يخوض مباراة بنما

رفضت محكمة كندية، الثلاثاء، طعناً قدمه لاعب خط الوسط الغاني، توماس بارتي، بعد أن تم منعه من دخول البلاد للمشاركة في مباراة فريقه ضد بنما في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
رياضة عالمية توماس بارتي نجم منتخب غانا (أ.ب)

«مونديال 2026»: محاولات غانية مستمرة لمنح بارتي تأشيرة كندا

حضر ممثلون عن الحكومة الغانية، الثلاثاء، أمام المحكمة الفيدرالية الكندية في محاولة للحصول على إلغاء قرار رفض منح تأشيرة دخول لنجم المنتخب توماس بارتي...

«الشرق الأوسط» (فانكوفر (كندا))
رياضة عالمية البرتغالي كارلوس كيروش مدرب غانا (رويترز)

كيروش يدخل سجلات الأرقام القياسية بخوض المونديال الخامس توالياً

لا يزال كارلوس كيروش على مسافة بطولة واحدة من معادلة الرقم القياسي لأكثر المدربين مشاركة في كأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا )
رياضة عالمية البرتغالي كارلوس كيروش مدرباً لغانا في المونديال (رويترز)

البرتغالي كيروش يقود غانا في المونديال

أعلن الاتحاد الغاني لكرة القدم، الاثنين، تعاقده مع البرتغالي كارلوس كيروش لتدريب المنتخب الأول في كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (أكرا)

الكونغو: ارتفاع الإصابات المؤكدة بـ«إيبولا» إلى 1561 منها 506 حالات وفاة

يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)
يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)
TT

الكونغو: ارتفاع الإصابات المؤكدة بـ«إيبولا» إلى 1561 منها 506 حالات وفاة

يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)
يستقبل عاملون صحيون كونغوليون مريضاً بمستشفى روامبارا العام بينما تُكثّف السلطات جهودها لاحتواء تفشٍّ جديد لفيروس إيبولا في روامبارا خارج بونيا بمقاطعة إيتوري (رويترز)

قالت جمهورية الكونغو الديمقراطية، في وقت متأخر من أمس الأحد، إن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس إيبولا في البلاد بلغ 1561 حالة، توفي منها 506.

كانت «منظمة الصحة العالمية» قد أعلنت، الأسبوع الماضي، بدء تجربة سريرية لعلاجين لفيروس بونديبوغيو المسبِّب لإيبولا في جمهورية الكونغو الديموقراطية التي تواجه تفشياً وبائياً متسارعاً.

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، خلال مؤتمر صحافي: «انطلقت التجربة السريرية الخاصة بتقييم علاجين، مع تسجيل أول مريض للمشاركة فيها».

ومِن شأن هذه التجربة التي أُطلقت تحت اسم «بارتنرز» أن تسمح بتقييم فاعلية الجسم المضاد الوحيد النسيلة «MBP134»، والمضاد الفيروسي «ريمديسيفير» عند إعطائهما معاً أو كل واحد على حدة.

ويتولّى «المعهد الوطني للأبحاث الطبية الحيوية» بجمهورية الكونغو الديموقراطية إدارة هذه الدراسة، بدعم من مجموعة من الشركاء؛ بينهم «منظمة الصحة العالمية».


تجدُّد المعارك بين القوات الروسية والمتمردين الطوارق في شمال مالي

حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026
حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026
TT

تجدُّد المعارك بين القوات الروسية والمتمردين الطوارق في شمال مالي

حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026
حركة المرور في طريق رئيسي بالعاصمة المالية باماكو يوم 4 يوليو 2026

تجددت صباح الأحد، الاشتباكات المسلحة في أقصى شمالي دولة مالي؛ حيث تعرضت بلدة أنفيس التي تُعد واحدة من آخر معاقل الجيش المالي والقوات الروسية في منطقة كيدال إلى هجوم عنيف من المتمردين الطوارق.

وقال شهود عيان إن البلدة الصغيرة استيقظت صباح اليوم على هجمات بقذائف «الهاون»، وقصف متكرر تشنه طائرات مُسيَّرة، يتركز في محيط القاعدة العسكرية التي تقع على بعد أقل من كيلومتر واحد إلى الغرب من البلدة التي يقدر عدد سكانها بالمئات فقط.

قوات روسية محاصرة

ورغم أن المتمردين الطوارق المنخرطين في «جبهة تحرير أزواد» أعلنوا أمس دخول البلدة والسيطرة على مواقع داخلها، إلا أن القاعدة العسكرية لا تزال عصية على السقوط؛ حيث يتحصن عناصر الجيش المالي، وقوات «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية.

وقالت مصادر ميدانية كثيرة إن المتمردين الطوارق يحاصرون القاعدة العسكرية، بما في ذلك القوات الروسية المتحصنة فيها. وقال ناشطون في صفوف المتمردين الطوارق، إن المعركة الحاسمة ستكون في بلدة أنفيس، وذلك من أجل إسقاط القاعدة العسكرية التي تجسد آخر معاقل القوات الروسية والجيش المالي في منطقة كيدال.

في غضون ذلك، تداول ناشطون مقاطع فيديو لتعزيزات عسكرية تغادر مدينة غاو التي تبعد 240 كيلومتراً إلى الجنوب من أنفيس، وضمت هذه التعزيزات قوات من الجيش المالي وأخرى من القوات الروسية. وحسب المصادر فإن التعزيزات غادرت السبت، ويتوقع أن تصل الأحد.

وتؤكد هذه التعزيزات العسكرية حرص القوات المالية والروسية على التمسك بالقاعدة العسكرية في أنفيس، على خلاف انسحابهم نهاية أبريل (نيسان) الماضي من قواعد مماثلة في كيدال وتيساليت دون قتال كبير.

أسلحة روسية

إلى ذلك، أكد ناشطون ميدانيون أن القوات الروسية هي من تقود المعارك في أنفيس ضد المتمردين الطوارق؛ حيث نشر «فيلق أفريقيا» الروسي مقاطع فيديو أمس تُظهر جوانب من القتال العنيف الدائر في البلدة الصغيرة، وكان من بينها مقاطع لإجلاء جنود روس مصابين في المعارك.

في المقابل، ادعى ناشطون موالون لـ«جبهة لتحرير أزواد» أن 4 مروحيات روسية شاركت في عملية إجلاء الجرحى، ولكنها تعرضت للقصف بالمدفعية، ما أسفر عن سقوط مروحية وإلحاق أضرار جسيمة بأخرى، وفق رواية المتمردين.

وكان المتمردون الطوارق قد دخلوا البلدة على متن مدرعات روسية، حصلوا عليها بعد سقوط القاعدة العسكرية في بلدة تيساليت قبل أكثر من شهرين، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الأسلحة الروسية التي تركها الجيش المالي خلفه وهو ينسحب من البلدة.

ومع تجدد المعارك لليوم الثاني على التوالي، يبدو الوضع في البلدة متوتراً؛ حيث يسيطر المتمردون على البلدة ويتمركزون ما بين البيوت السكنية، ويحاصرون القاعدة العسكرية التي لا تزال تحت سيطرة القوات الروسية والجيش المالي.

ورغم أن الهجمات التي أطلقتها «جبهة تحرير أزواد» استهدفت 5 مواقع رئيسية في مناطق مختلفة من مالي (هي: أنفيس، وغاو، وأجلهوك، وسيفاري، وكينيوروبا) فإن الوضع أكثر سخونة في بلدة أنفيس، عاصمة إقليم أنفيف، الذي يحظى بأهمية استراتيجية كبيرة.

هجمات «القاعدة»

وتوسعت دائرة الهجمات مع دخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ حيث أعلنت استهداف مواقع عسكرية تابعة للجيش المالي والقوات الروسية في وسط وجنوب مالي، وقالت إنها شنت أمس 10 هجمات في مناطق مختلفة، دون أن تتحدث عن أي مسؤولية لها عن الهجمات التي استهدفت الشمال (أنفيس وأجلهوك وغاو).

وأعلنت الجماعة أنها نصبت كميناً لدورية من الجيش المالي في ضواحي سوفارا، واستهدفت ثكنة للجيش المالي والفيلق الروسي في مدينة «ليري» بولاية تمبكتو بقصف مدفعي، وهاجمت مقراً لميليشيات الدونزو في غورل بوجي.

وقالت الجماعة إنها سيطرت على موقع عسكري في كينيوروبا غرب العاصمة باماكو، وآخر في منطقة تيو قرب مدينة كونا وسط البلاد، وثكنة في كواكورو بولاية موبتيفي الوسط، إضافة إلى مقرات لميليشيات الدونزو في كل من كونا بمنطقة باند جاغارا، وسومادوقو، وكاراكاني، وسيني كورو.

رد الجيش

ورداً على رواية تنظيم «القاعدة»، أعلن الجيش المالي صد هجمات إرهابية استهدفت بلدتَي كونا وسومادوغو في وسط البلاد، وأكد أن رد القوات المسلحة المالية كان «منسقاً وقوياً وحازماً»، معلناً أنها كبدت مقاتلي «القاعدة» خسائر فادحة. وأشار الجيش المالي إلى أن «عملية جوية برية متزامنة أسفرت عن دحر مجموعة إرهابية أخرى كانت تتجمع في سومادوغو؛ حيث كانت تخطط لشن هجوم ضد بلدة سوفورولاي، الواقعة أيضاً في إقليم موبتي».

وقال الجيش إن «الحصيلة البشرية والمادية لهاتين العمليتين كانت ثقيلة للغاية في صفوف الإرهابيين»، دون أن يصدر أي أرقام حول عدد ضحايا هذه العملية العسكرية، ولا الخسائر التي سُجلت فيها.


رئيس نيجيريا يشدد على «حوار الأديان» لمواجهة التحديات الأمنية

جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)
جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)
TT

رئيس نيجيريا يشدد على «حوار الأديان» لمواجهة التحديات الأمنية

جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)
جانب من لقاء الرئيس النيجيري مع مبعوث الفاتيكان في أبوجا السبت (إعلام محلي)

أفاد الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، بأن الحوار بين الأديان يمثل المسار الوحيد لمعالجة التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، مشيراً إلى أن الجيش حقق مكاسب مهمة خلال الآونة الأخيرة في حربه على الإرهاب، ولكن تقارير جديدة اتهمت حكومته بالتقصير في حماية المدنيين، وبشكل خاص المسيحيين.

وتواجه نيجيريا تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ أكثر من 10 سنوات تقوده جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ولكن الجيش النيجيري واجه مؤخراً اتهامات متكررة من جهات غربية بالتقصير في حماية المجتمعات المسيحية التي قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مرة، إنها تتعرض لما سماه «إبادة جماعية».

جانب من لقاء الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو مع رئيس أساقفة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول بول غالاغر في أبوجا السبت (إعلام محلي)

الحوار أولاً

استقبل الرئيس النيجيري، رئيس أساقفة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول، بول غالاغر، السبت في العاصمة النيجيرية أبوجا، وجدد في حديثه معه «التزام حكومته بمنح الأولوية للحوار بين الأديان، وتعزيز قيم السلام والوئام والتسامح بين مختلف الطوائف الدينية في نيجيريا». وأكد تينوبو أن «الجيش النيجيري حقق تقدماً كبيراً في الآونة الأخيرة»، وقال إنه «ملتزم بالحفاظ على هذه المكاسب»، مشيراً إلى أن «وقوع حادثة واحدة قد يقوض الإنجازات السابقة»، داعياً في هذا السياق إلى الحوار والحذر.

وأعلن الرئيس النيجيري أنه خصص مزيداً من الموارد لقطاع الأمن، مع تكثيف عمليات المراقبة خصوصاً في المناطق التي كانت سابقاً خارج سيطرة الدولة وسيادتها، وأكد أن الحكومة استثمرت في قطاع الشباب لمنع استغلالهم من قبل الإرهابيين وتقليل تعرضهم للأفكار المتطرفة، بوصف ذلك جزءاً من الجهود غير الحركية (الناعمة) إلى جانب العمليات العسكرية، وفق تعبيره.

يشار إلى أن تينوبو المسلم يحكم نيجيريا التي يمثل المسيحيون نحو نصف سكانها، وكثيراً ما يواجه اتهامات وتشكيكاً في مواقفه بسبب ديانته، ولكنه في تصريحاته الأخيرة قال: «نحن نبذل أيضاً جهوداً حثيثة لضمان حرية العبادة. وكما تعلمون، فإن زوجتي قسيسة في كنيسة إنجيلية، وهو ما يقلل من حدة الصبغة الدينية التي قد يتخذها الجدل الديني في بلادنا».

استهداف المسيحيين

في آخر تقرير نشرته الأمم المتحدة حول الوضع الأمني في نيجيريا، قالت الجمعية الدولية للحريات المدنية وسيادة القانون إن أكثر من 3550 نيجيرياً لقوا حتفهم جراء أنشطة الجماعات الإرهابية خلال النصف الأول من عام 2026.

وأوضحت المنظمة الأممية في تقرير نشرته الخميس الماضي، أن ضحايا الإرهاب في نيجيريا كان من بينهم 2550 مسيحياً، و1050 مسلماً، وأشار التقرير إلى تدمير 300 كنيسة وقتل 10 قساوسة واختطاف 10 آخرين، وإجبار 800 سيدة على الدخول في الإسلام خلال وجودهن في الأسر لدى تنظيم «داعش».

وقالت المنظمة إنه منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، سجلت 720 هجوماً ضد المسيحيين في نيجيريا، وهو ما يعني 120 هجوماً كل شهر، وأشارت المنظمة إلى أنه منذ بداية العام كان معدل قتل المسيحيين هو 14 قتيلاً كل يوم، واختطاف 16 يومياً.

وتحدثت المنظمة عن استهداف مجتمعات مسلمة بهجمات إرهابية، خلال الفترة نفسها، لكنها أشارت إلى أن هذه المجتمعات «تبين أنها تنتمي إلى السكان المدنيين من غير عرقية الفولاني»، متهمة ميليشيا من «الفولاني» بالتورط في هذه الهجمات «ذات الطابع العرقي».

اتهام السلطات

حمّلت المنظمة مسؤولية هذا الوضع للحكومة النيجيرية، التي قالت إنها «فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة هذه الجرائم، من خلال تنفيذ القوانين الجنائية المحلية، أو على الأقل التنازل عن اختصاصها القضائي لصالح المحكمة الجنائية الدولية». بل إن المنظمة ذهبت إلى اتهام السلطات النيجيرية بما قالت إنها «الإدانة الذاتية، والتواطؤ الذي لا يمكن الدفاع عنه، فضلاً عن كونه تجسيداً صريحاً لعدم الرغبة وعدم القدرة على التحرك».

ولم يصدر عن السلطات في نيجيريا أي تعليق أو رد على التقرير الأخير، إلا أنها سبق أن رفضت مثل هذه الاتهامات، مشيرة في أكثر من مرة، إلى أن الإرهاب الموجود في نيجيريا لا دين له ولا عرق، وأن ضحاياه من جميع الأديان والأعراق.

وترفض الحكومة النيجيرية اختزال التحديات الأمنية التي تعصف بها في استهداف المسيحيين، مشيرة إلى أنها تواجه أمة معقدة، حيث تبرز بالإضافة إلى مخاطر الإرهاب (داعش وبوكو حرام)، تحديات أخرى مثل اللصوصية المسلحة وعمليات الخطف الجماعي، والنزاعات بين المزارعين والرعاة، التي تتفاقم بسبب تغير المناخ والجفاف.

وأمام هذا الوضع، أعلنت الحكومة رفع ميزانية الدفاع والأمن، حيث بلغت هذا العام رقماً قياسياً يقترب من 4 مليارات دولار أميركي، كما أعلن الرئيس تينوبو حالة طوارئ أمنية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ووافق على تجنيد أكثر من 50 ألف شرطي جديد.