بوتين وشي يرسمان ملامح العلاقة في «عالم ما بعد هيمنة واشنطن»

تعزيز الشراكة الاستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب على أجندة القمة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ يتبادلان التحية في تيانجين - الصين - 31 أغسطس 2025 (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ يتبادلان التحية في تيانجين - الصين - 31 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

بوتين وشي يرسمان ملامح العلاقة في «عالم ما بعد هيمنة واشنطن»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ يتبادلان التحية في تيانجين - الصين - 31 أغسطس 2025 (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) والرئيس الصيني شي جينبينغ يتبادلان التحية في تيانجين - الصين - 31 أغسطس 2025 (أ.ب)

أطلقت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين مرحلةً جديدةً في علاقات التعاون والشراكة بعيدة المدى بين البلدين، وفقاً لتأكيد الكرملين، الثلاثاء. وكان لافتاً أن وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية ربطت الزيارة الحالية لبوتين بإطلاق مرحلة جديدة في التعاون موجهة بالدرجة الأولى إلى «عمل مشترك لمواجهة تحديات المرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية على السياسات الدولية».

ورأت أن سياسات واشنطن «لا تقوض الثقة فحسب، بل تولد أيضاً الخوف من الولايات المتحدة، مما يفتح آفاقاً جديدة لتشكيل مستقبل النظام العالمي ما بعد الهيمنة الأميركية(..) ستحاول كل من الصين وروسيا استغلال هذا الوضع لصالحها، منفردةً ومجتمعةً. وهذا تحديداً ما يُميّز جدول أعمال المحادثات الحالية بين فلاديمير بوتين وشي جينبينغ».

الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)

إلى جانب ملفات التعاون الثنائي التي تشمل توسيع إمدادات الطاقة إلى الصين، وإبرام نحو 40 اتفاقية جديدة تعزز التبادل التجاري وتوسع التعاون في مجالات مختلفة، بدا تركيز الطرفين منصباً على إبراز العمل المشترك لتعميق «التفاعل الاستراتيجي»، والتعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، في إطار ما وُصف بأنه «تعزيز الشراكة الشاملة وإعلان نمط جديد في العلاقات الدولية في عالم متعدد الأقطاب».

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)

وحرص مساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية يوري أوشاكوف على استباق وصول بوتين إلى بكين، بإعلان أولويات الطرفين في هذه الزيارة، وأبرز مستوى الارتياح لتطور العلاقات التجارية الاقتصادية، ونمو حجم التبادل التجاري خلال السنوات الاخيرة ليزيد عن 200 مليار دولار ما يحوّل الصين إلى أهم شريك تجاري لروسيا، محتلةً بذلك المرتبة التي كان يشغلها قبل سنوات قليلة الاتحاد الأوروبي. وتحدث أوشاكوف عن «مرحلة جديدة من التعاون ينتظر أن تطلقها هذه الزيارة» في إشارة إلى نحو 40 وثيقة ينتظر توقيعها، الأربعاء، لتوسع مستوى التعاون إلى نطاقات غير مسبوقة. كما أشار إلى النجاحات التي حققها البلدان في تحويل معظم التعاملات التجارية بين البلدين إلى العملات الوطنية، الروبل واليوان.

وزاد أن روسيا والصين بنتا نظاماً تجارياً مستداماً متبادلاً، محمياً من تأثير الدول الأخرى والاتجاهات السلبية في الأسواق العالمية. ويبرز وفقاً لأوشاكوف ملف تطوير التعاون في مجال إمدادات الطاقة الروسية إلى الصين كأولوية أساسية يعول عليها الطرفان خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يضع مشروع «قوة سيبيريا 2» على رأس أجندة النقاشات بين الرئيسين. وزاد أن الرئيسين «سيناقشان بالتفصيل التعاون بين البلدين في قطاع الهيدروكربونات، ستتم مناقشة مشروع خط أنابيب الغاز (قوة سيبيريا 2) بشكل مفصل».

وتعول بكين بشكل قوي على توسيع وارداتها من مصادر الطاقة الروسية وضمان استقرار الإمدادات، خصوصاً على خلفية التوتر المتفاقم في مضيق هرمز.

لكن، إلى جانب الملفات التجارية والاقتصادية التي يوليها الطرفان أهمية قصوى، بدا أن التركيز الروسي الصيني يتجه إلى توسيع الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتكريس آليات جديدة ومستدامة لتنسيق السياسات حيال الملفات الإقليمية والدولية. وهو ما أشار إليه أوشاكوف الذي يعد مهندس السياسة الدولية في الكرملين، وقال إن الرئيسين «سوف يتبنيان إعلاناً حول إقامة عالم متعدد الأقطاب وإرساء نمط جديد في العلاقات الدولية».

وأشار ممثل الكرملين إلى أن الرئيسين الروسي والصيني سيوقعان على «بيان مشترك حول تعزيز الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي، فضلاً عن تعميق علاقات حسن الجوار والصداقة والتعاون الثنائي».

الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)

ووفقاً له، فإن «هذه وثيقة برنامجية، وهي ضخمة للغاية، تتشكل من 47 صفحة، وهي تحدد المسارات الرئيسية لتطوير كامل منظومة علاقاتنا الثنائية متعددة الأوجه، وتضع رؤية مشتركة واضحة للقضايا الملحة على الأجندة الدولية، والأشكال الرئيسية للتفاعل في الشؤون العالمية».

وفي خروج عن المألوف في زيارات بوتين إلى العاصمة الصينية، استبق بوتين زيارته هذه المرة بتوجيه رسالة تلفزيونية إلى الشعب الصيني أشار فيها إلى «المستوى غير المسبوق للعلاقات بين روسيا والصين». وقال إن البلدين سيواصلان بذل كل ما في وسعهما لتنمية العلاقات وضمان الأمن العالمي.

وزاد: «تتطلع روسيا والصين بثقة إلى المستقبل، وتعملان بنشاط على تطوير العلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية، وتوسيع التبادلات الإنسانية، وتشجيع التواصل بين الشعبين»، وأكد بوتين أن التعاون الوثيق بين موسكو وبكين يُسهم في استقرار الأوضاع على الساحة الدولية. فهما يدعمان القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ويتعاونان بنشاط ضمن «منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «البريكس» وغيرها من المنظمات متعددة الأطراف. وأضاف: «في الوقت نفسه، لسنا متحالفين ضد أحد، بل نعمل من أجل السلام والازدهار العالمي».

40 زيارة في 25 سنة

وكالة أنباء «نوفوستي» ربطت الزيارة الحالية لبوتين بإطلاق مرحلة جديدة في التعاون موجهة بالدرجة الأولى إلى «عمل مشترك لمواجهة تحديات المرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية على السياسات الدولية». وكتب المعلق السياسي للوكالة قائلاً إن «أي زيارة يقوم بها فلاديمير بوتين إلى الصين تجذب اهتماماً عالمياً متزايداً، لا سيما الآن، حيث تُثير سرعة (التغيير الذي يحدث مرة واحدة في القرن) وفقاً لمصطلح استخدمه شي جينبينغ لأول مرة قبل ثلاث سنوات في موسكو، ضجة في كل أنحاء العالم تقريباً». اللافت وفقاً للمعلق السياسي للوكالة الرسمية أنه «في مقابل زيارتين لرئيس أميركي فإن هذه الزيارة الـ25 لبوتين إلى بكين منذ توليه السلطة قبل 26 سنة. وهذا اللقاء على مستوى القمة هو الـ40 بين الرئيسن بوتين وشي.

وأشارت الوكالة إلى أنه «ليس من المبالغة القول إن بوتين وشي جينبينغ لم يلتقيا من قبل في مثل هذا الوقت المضطرب والمتوتر. فعلى مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية، واجها سلسلة من التحديات والمحن الجسيمة، على الصعيدين المشترك والوطني. لكن تركيز المشاكل لم يكن يوماً بهذا القدر الذي يشهده العالم حالياً: يكفي أن ننظر إلى أحداث هذا العام: اختطاف مادورو في فنزويلا، والهجوم على إيران وإغلاق بحر هرمز، وحصار الوقود والتهديدات الموجهة لكوبا - كل هذا لا يؤثر على مصالح بلدينا بدرجات متفاوتة فحسب، بل له أيضاً تأثير على الوضع الدولي برمته». وخلص المعلق السياسي إلى أن «تحالفنا غير مُصنَّف ككتلة عسكرية رسمية، بل يُشكِّل نظاماً من التكتلات الدولية الواسعة والتحالفات المحتملة وبرغم محدودية نطاق تحركات موسكو وبكين في نصف الكرة الغربي، لكن هذا لا يعني أن أميركا تحقق انتصارات مؤكدة وتدفع الصين وروسيا إلى التراجع عبر مغامراتها».

تدريبات سرية في الصين

الرئيسان الروسي والصيني خلال قمة سابقة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون» عُقدت في آستانة بكازاخستان (أ.ف.ب)

في سياق متصل أفادت ثلاث ‌وكالات مخابرات أوروبية ووثائق أن القوات المسلحة الصينية دربت سراً نحو ​200 عسكري روسي داخل الصين أواخر العام الماضي، وعاد بعضهم منذ ذلك الحين للقتال في أوكرانيا. ورغم إجراء الصين وروسيا عدة تدريبات عسكرية مشتركة منذ بداية الحرب الأوكرانية في 2022، تؤكد بكين مراراً أنها ‌تتبنى موقفاً محايداً ‌في الصراع وتقدم ​نفسها ‌على ⁠أنها ​وسيط سلام. وتحدثت وكالات المخابرات لـ«رويترز» ​بشرط عدم الكشف عن هويتها نظراً لحساسية المعلومات. وكشفت ⁠اتفاقية ثنائية باللغتين الروسية والصينية، وقعها ضباط كبار من البلدين في بكين في الثاني من يوليو (تموز) 2025 تفاصيل هذه التدريبات السرية التي ركزت في معظمها على استخدام الطائرات المسيرة.

ونصت الاتفاقية على ‌خطة لتدريب نحو 200 جندي ‌روسي في منشآت عسكرية ​بمواقع تشمل ‌بكين ومدينة نانجينغ شرق البلاد. وأكدت المصادر ‌أن هذا العدد تقريباً تلقى التدريب بالفعل في الصين في وقت لاحق. ونصت الاتفاقية على أن يخضع مئات الجنود الصينيين للتدريب ‌في منشآت عسكرية في روسيا. وقالت وزارة الخارجية الصينية في بيان لـ«رويترز»: «فيما يتعلق بأزمة أوكرانيا، تحافظ الصين باستمرار على موقف موضوعي ومحايد وعملت على تعزيز محادثات السلام، وهذا أمر ثابت وجلي ويشهد عليه المجتمع الدولي... على الأطراف المعنية ألا تؤجج المواجهة عمداً أو تلقي المسؤولية على ​الآخرين».

أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن أمله في أن يستغل الرئيس الصيني نفوذه لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في بكين، من أجل إنهاء الحرب ضد أوكرانيا. قال ميرتس في برلين الثلاثاء: «لا نتوقع حالياً تغييراً جذرياً في العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والصين»، وأضاف رئيس «الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني»، مستدركاً: «لكننا بالطبع نربط هذه الزيارة بالأمل في أن يؤثر الرئيس شي أيضاً على الرئيس بوتين لإنهاء هذه الحرب في أوكرانيا، التي لا يمكنه الانتصار فيها».


مقالات ذات صلة

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي تضررت إثر هجوم روسي على كييف (أ.ف.ب) p-circle

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو... خبراء لـ«الشرق الأوسط»: بوتين بين مواصلة حرب مكلفة والقبول بوساطة أميركية بشروط أصعب

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء خارج الكرملين في يوم صيفي في وسط مدينة موسكو بروسيا يوم 26 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

تزايد الضغوط الداخلية في روسيا... الحرب الطويلة تضع بوتين أمام تحديات متصاعدة

بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، تزداد مؤشرات الإرهاق داخل المجتمع الروسي، في وقت يواصل فيه الرئيس فلاديمير بوتين التأكيد على مواصلة الحرب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا جنود أوكرانيون يحمّلون صاروخاً على قاذفة قبل إطلاق النار على القوات الروسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في منطقة دنيبروبتروفسك بأوكرانيا يوم 22 يونيو 2026 (رويترز)

أوكرانيا تراهن على الاستنزاف... ضربات العمق تضغط على روسيا وتغيّر معادلات الحرب

تكثّف أوكرانيا حرب الاستنزاف ضد روسيا عبر ضربات بعيدة المدى تستهدف منشآت حيوية، بينما يثير استمرار الخسائر الروسية تساؤلات حول مسار الحرب ومستقبلها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد طابور من السيارات أمام محطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في موسكو 24 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

«المركزي» الروسي: نراقب تأثير ارتفاع أسعار الوقود على التضخم

قال نائب محافظة البنك المركزي الروسي إن مسؤولي البنك يعتزمون مراقبة تأثير ارتفاع أسعار الوقود محلياً وسيقومون بتحديث توقعات التضخم تبعاً لذلك

«الشرق الأوسط» (سان بطرسبرغ (روسيا))
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملقياً كلمة في موسكو يوم 28 يونيو (أ.ف.ب)

بوتين يتعهد بضمان أمن روسيا في ظل تصاعد الضربات الأوكرانية

تعهّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأحد، بضمان أمن روسيا والتغلب على التحديات التي تواجهها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شي يدعو الحزب الشيوعي إلى التكيّف وحماية منجزاته

شي جينبينغ يشارك في فعاليات الذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي في بكين يوم 1 يوليو (أ.ب)
شي جينبينغ يشارك في فعاليات الذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي في بكين يوم 1 يوليو (أ.ب)
TT

شي يدعو الحزب الشيوعي إلى التكيّف وحماية منجزاته

شي جينبينغ يشارك في فعاليات الذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي في بكين يوم 1 يوليو (أ.ب)
شي جينبينغ يشارك في فعاليات الذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي في بكين يوم 1 يوليو (أ.ب)

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ، الأربعاء، الحزب الشيوعي الحاكم إلى مواكبة المتغيرات الداخلية والخارجية، مع الحفاظ على الإنجازات التي حققها، مؤكداً أن الصين تمر بمرحلة تتزامن فيها الفرص الاستراتيجية مع المخاطر والتحديات، وذلك خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب.

وفي خطاب استمر نحو 40 دقيقة في قاعة الشعب الكبرى في بكين، حثّ شي كوادر الحزب على إدراك التغيرات والتكيف معها بفاعلية، مع تعزيز دور الحزب في قيادة البلاد، قائلاً إن التنمية في الصين «تمُرّ حالياً بمرحلة تتعايش فيها الفرص الاستراتيجية مع المخاطر والتحديات»، داعياً إلى تنسيق أفضل للتعامل مع القضايا الداخلية والخارجية.

مخاطر وتحديات

ولم يحدد الرئيس الصيني طبيعة هذه الفرص أو المخاطر، وفق وكالة «رويترز»، إلا أن محللين يرون أن تباطؤ النمو الاقتصادي والتراجع الديموغرافي يمثلان أبرز التحديات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلى جانب القيود الغربية على التكنولوجيا، والعلاقات التجارية المتوترة مع الولايات المتحدة، والتوتر المتصاعد بشأن تايوان.

الرئيس الصيني يشارك في فعاليات الذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي في بكين يوم 1 يوليو (إ.ب.أ)

وتأسس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921 على يد عشرات الثوريين، ويضم اليوم أكثر من 100 مليون عضو، أي ما يعادل نحو 7.2 في المائة من سكان الصين. وقالت «وكالة أنباء الصين الجديدة» (شينخوا) في افتتاحية هذا الأسبوع إن الحزب يسعى إلى التحول من «أكبر حزب سياسي في العالم» إلى «أقوى حزب سياسي في العالم».

ودعا شي أعضاء الحزب إلى القضاء على كل ما يضر بتقدمه و«نقائه»، والعمل على استئصال «كل الفيروسات التي تنخر في الجسد السليم للحزب».

ومنذ توليه السلطة عام 2012، عمل شي على ترسيخ سلطة الحزب داخلياً، وتعزيز الانضباط والولاء بين أعضائه، بالتوازي مع توسيع نفوذ الصين على الساحة الدولية. كما أطلق واحدة من أوسع حملات مكافحة الفساد منذ عهد ماو تسي تونغ، شملت التحقيق مع ملايين المسؤولين ومعاقبة مئات القيادات المدنية والعسكرية.

وبعد حملة واسعة لمكافحة الفساد داخل الجيش طالت معظم كبار القادة العسكريين، أرسل شي في أبريل (نيسان) الماضي كبار الضباط إلى دورة لإعادة التأهيل السياسي استمرت عشرة أسابيع، داعياً إياهم إلى ترسيخ الولاء للحزب ومبادئه وتنظيمه.

وفي الشأن التايواني، جدد الرئيس الصيني التأكيد على هدف بكين المتمثل في تحقيق «إعادة التوحيد» مع الجزيرة، داعياً إلى التطبيق الكامل لاستراتيجية الحزب بشأن «حل قضية تايوان».

الرئيس الصيني يشارك في فعاليات الذكرى السنوية الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي في بكين يوم 1 يوليو (إ.ب.أ)

وتعدّ بكين تايوان جزءاً من أراضيها، في حين ترفض حكومة تايبيه هذا الموقف، وتؤكد أن مستقبل الجزيرة يقرره شعبها.

ورداً على خطاب شي، قالت هيئة شؤون البر الرئيسي في تايوان إن تصريحاته «لا تعدو كونها تكراراً لخطابات سابقة»، مؤكدة أن الحكومة التايوانية لا تزال تدعو إلى حل الخلافات عبر الحوار مع الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، ومن دون شروط مسبقة، كما نقلت «رويترز».

ولم تستبعد الصين استخدام القوة لفرض سيطرتها على تايوان، فيما يواصل جيشها تنفيذ طلعات وتحركات عسكرية شبه يومية في محيط الجزيرة، التي أجرت الأسبوع الماضي مناورات لرفع جاهزيتها القتالية.

قانون الوحدة العرقية

دخل الأربعاء حيز التنفيذ قانون جديد في الصين يهدف إلى تعزيز الوحدة العرقية، فيما علت تحذيرات من تايوان والأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من أنه قد يهدد الحريات، خصوصاً لدى الأقليات. ويهدف «قانون تعزيز الوحدة والتقدم العرقي» إلى صياغة هوية وطنية «مشتركة» بين المجموعات العرقية، و«تعزيز التماسك» في المجتمع الصيني، فيما يعتبر ناشطون أنه سيقوّض حقوق الأقليات، مثل الأويغور والتيبتيين، الذين تتهم منظمات حقوقية بكين باضطهادهم، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية». وقالت نائبة المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية، سارة بروكس، للوكالة إن القانون سيُلزم الجميع بـ«التماهي السياسي والآيديولوجي مع الحزب الشيوعي الصيني»، كما أنه «يُكرّس سياسات الاستيعاب القسري». وحذّرت المنظمة من أن التشريع يدفع المجموعات العرقية إلى تبنّي «هوية وطنية واحدة تحدّدها الدولة وتُهيمن عليها ثقافة الهان».

شي يكرّم أحد أعضاء الحزب الحاكم في فعاليات الذكرى السنوية لتأسيسه يوم 1 يوليو (إ.ب.أ)

في المقابل، تنفي بكين ارتكاب أي انتهاكات بحق الأقليات، مؤكدة أن سياساتها تعزّز الأمن الداخلي والتنمية الاقتصادية لجميع المجموعات.

وبحسب مسؤول قضائي صيني بارز، فإن القانون يستهدف «الأفعال غير القانونية» التي «تقوّض الوحدة العرقية أو تحرّض على الانفصال»، معتبراً أن البند الذي ينصّ على تطبيقه خارج حدود الصين «مشروع وقانوني وضروري». من جهتها، أدانت تايوان «بشدة» القانون، معتبرة أنه يزيد «التهديدات والترهيب» ضدّ مواطنيها. وقالت وزارة الخارجية التايوانية: «في المستقبل، قد يصبح أي شخص في أي بلد، إذا لم تكن أقواله أو أفعاله مقبولة لدى الصين، عرضة للملاحقة بموجب هذا القانون». وأضافت أن الصين قد تستخدم هذا القانون كذريعة «لتكثيف القمع بحق الأقليات في شينغيانغ والتيبت، أو لتوسيع تهديداتها للأصوات المؤيدة لتايوان على المستوى الدولي».

تعزيز العلاقات مع بيونغ يانغ

في سياق متصل، تعهد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مواصلة تعزيز العلاقات مع الصين، واصفاً محادثات القمة الأخيرة مع شي في بيونغ يانغ بأنها «مناسبة تاريخية».

وفي رسالة تهنئة وجهها إلى شي لمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، أكد كيم أن التطوير المستمر للعلاقات مع بكين يمثل «موقفاً ثابتاً» لبيونغ يانغ، وفق «وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية». وقال كيم في الرسالة إن «التطوير المستمر لعلاقات الصداقة بين كوريا الشمالية والصين التاريخية والراسخة التي تشكل الاشتراكية ركيزتها الأساسية، يعدّ موقفاً ثابتاً لحزبنا وحكومتنا».

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في بيونغ يانغ يوم 8 يونيو (رويترز)

وأضاف: «شكّلت قمة بيونغ يانغ الأخيرة مناسبة تاريخية لتعميق علاقات الصداقة والثقة الرفاقية بيننا»، مشيراً إلى أن الزعيمين أكّدا مجدداً على «إرادتهما الراسخة» للارتقاء بالعلاقات الثنائية التقليدية. كما أعرب كيم عن استعداد بلاده للعمل مع شي لمواصلة تطوير «علاقات الصداقة والتعاون» بين كوريا الشمالية والصين، واصفاً إياها بأنها «ثروة مشتركة لشعبي البلدين».

وتأتي هذه الرسالة بعد أسابيع قليلة من زيارة نادرة قام بها شي لبيونغ يانغ، حيث تعهد الزعيمان تعزيز العلاقات الثنائية، بما في ذلك روابط بيونغ يانغ العسكرية الوثيقة والمتنامية مع روسيا.


أكثر من 100 ألف قتيل في نزاع ميانمار منذ الانقلاب العسكري عام 2021

رجال إطفاء يرشون المياه أمام كميات من المخدرات المصادرة خلال مراسم إتلافها في بورما (إ.ب.أ)
رجال إطفاء يرشون المياه أمام كميات من المخدرات المصادرة خلال مراسم إتلافها في بورما (إ.ب.أ)
TT

أكثر من 100 ألف قتيل في نزاع ميانمار منذ الانقلاب العسكري عام 2021

رجال إطفاء يرشون المياه أمام كميات من المخدرات المصادرة خلال مراسم إتلافها في بورما (إ.ب.أ)
رجال إطفاء يرشون المياه أمام كميات من المخدرات المصادرة خلال مراسم إتلافها في بورما (إ.ب.أ)

قتل أكثر من مائة ألف شخص من جميع الأطراف في ميانمار (بورما) منذ اندلاع النزاع الذي أعقب الانقلاب العسكري عام 2021، بحسب ما أفادت، اليوم الأربعاء، منظمة متخصصة في مراقبة النزاعات المسلحة، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأطاح الجيش في فبراير (شباط) 2021 حكومة أونغ سان سو تشي المنتخبة، واضعاً بذلك حداً لمسيرة الحائزة جائزة نوبل للسلام، ولتجربة حكم مدني استمرت عقداً.

وقمعت قوات الأمن الاحتجاجات المناهضة للانقلاب، لكن ناشطين غادروا المدن وشكلوا مجموعات مسلحة مطالبة بالديمقراطية، وتقاتل إلى جانب فصائل منبثقة عن أقليات عرقية تقاوم الحكم المركزي منذ فترة طويلة.

وبحسب الأرقام الأخيرة لمنظمة «بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها» (أكليد)، وهي منظمة غير حكومية توثق الأحداث التي تنقلها وسائل الإعلام، فإن المواجهات المسلحة تسببت في المجمل بمقتل 100114 شخصاً.

ولا توجد حصيلة رسمية للضحايا، فيما تتباين التقديرات بشأنها بشكل كبير، إلا أن محللين يعتبرون الحرب المستمرة منذ خمس سنوات واحدة من الأكثر دموية في آسيا.

وقالت ثين آي نو البالغة 49 عاماً، والتي قُتل زوجها في قصف جوي الشهر الماضي في ولاية راخين في غرب ميانمار: «الألم لا ينتهي».

وأضافت: «أشعر باستياء شديد وغضب عارم. لكنني لم أعد أعرف حتى على من أوجه غضبي. ولم يبقَ لي سوى أن أواسي نفسي بقبول الأمر كقدر محتوم».

الكثير من الذكريات

تولى قائد الجيش مين أونغ هلاينغ زمام الحكم في ميانمار بعد الانقلاب.

وتقاعد من القوات المسلحة ليتولى منصب الرئيس المدني في أبريل (نيسان) عقب انتخابات خضعت لقيود صارمة، وعطلها المتمردون في مناطق نفوذهم، مع تهميش حزب سو تشي خلالها.

ورأى محللون أن الانتخابات كانت مسعى لتلميع صورة حكومة مين أونغ هلاينغ، فيما رفض المتمردون دعوته إلى محادثات سلام جديدة، معتبرين أنها محاولة غير صادقة لتحسين صورته في الخارج.

وقال رجل من بلدة ميت تشاي في منطقة ماغواي (وسط) قُتل ابنه المراهق أخيراً: «لو لم يحدث الانقلاب، لكان الأطفال يرتادون المدارس».

وأضاف أن ابنه قُتل في معارك بعد فراره من المنزل للقتال إلى جانب مجموعات متمردة مؤيدة للديمقراطية.

وتابع: «لم تُتح لنا حتى فرصة القيام بالطقوس الجنائزية البوذية كما ينبغي، فقد كان القصف المدفعي كثيفاً».

وأضاف: «ترك وراءه الكثير من الذكريات، ويؤلمني أنني لم أستطع أن أفعل له أكثر من ذلك».

نزاع على مستوى البلاد

وبحسب الأمم المتحدة، يناهز عدد النازحين داخل ميانمار 3.7 مليون شخص، فيما يواجه أكثر من واحد من كل خمسة أشخاص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع انزلاق البلاد مجدداً نحو الفقر.

وفي رانغون، أكبر مدن البلاد، تقتصر أعمال العنف في بعض الأحيان على عمليات اغتيال.

وتعصف بمناطق أخرى حروب متجذرة، أو تتعرض لقصف جوي يومي تشنه طائرات الجيش التي زودته بها روسيا والصين.

وكانت ميانمار ثاني أكثر المناطق تضرراً من النزاعات في العالم العام الماضي، وفقاً لمنظمة أكليد، بعد الأراضي الفلسطينية.

ورصدت المنظمة أكثر من 1200 مجموعة مسلحة مختلفة في الحرب الأهلية، معتبرة أنها «أكثر النزاعات تشرذماً في العالم».

وقالت المحللة في «أكليد» سو مون: «إنها حرب فتاكة، وتشكل خطراً على المدنيين، وقد امتد النزاع ليشمل البلاد بأكملها».

وتغير مسار النزاع في بعض الأحيان لصالح كلا الجانبين.

وأفضى هجوم مشترك شنته عدة فصائل متمردة منذ أواخر عام 2023 إلى تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة، مع تقدمها نحو ماندلاي، ثاني أكبر مدن البلاد، وسط تكهنات بأنها قد تسيطر حتى على العاصمة الملكية القديمة.

لكن محللين يرون أن الكفة انقلبت لصالح الجيش بعد دعم الصين له، وتوقيع اتفاقات هدنة برعاية بكين مع اثنين من أقوى فصائل الأقليات العرقية.

يرسلون للموت

في فبراير 2024، أعاد الجيش العمل بقانون التجنيد الإجباري، بهدف رصّ صفوفه بـ50 ألف مواطن.

وقال مجند سابق فرّ بعد خدمته في الخطوط الأمامية: «هؤلاء المجندون عاجزون عن فعل أي شيء. كأنهم يُرسَلون للموت فحسب».

وأضاف الشاب البالغ 20 عاماً، طالباً عدم الكشف عن هويته: «إنْ لم تمت في مكان ما، يُرسَلونك إلى مكان آخر».

وكان للحرب أيضاً تداعيات واسعة النطاق خارج ميانمار . فقد امتلأت مخيمات في تايلاند وبنغلادش المجاورتين باللاجئين، ما وفر بيئة خصبة لأنشطة إجرامية عابرة للحدود.

وتمول مجموعات مسلحة من جميع الأطراف خزائنها من أرباح الإنتاج المتزايد للمخدرات، كالهيروين والميثامفيتامين، بحسب منظمات مراقبة.

وفي المقابل، أصبحت مناطق حدودية في ميانمار بؤرة لمراكز عمليات احتيال إلكتروني، غالباً ما تنشط من داخل مجمعات محصنة تحرسها فصائل مسلحة.


الجيش الباكستاني يعلن اعتراض 4 مسيّرات أطلقت من أفغانستان

سكان يسيرون وسط الأنقاض بعد هجمات باكستانية جديدة على قرية ماندوخيل بشرق أفغانستان الاثنين (أ.ب)
سكان يسيرون وسط الأنقاض بعد هجمات باكستانية جديدة على قرية ماندوخيل بشرق أفغانستان الاثنين (أ.ب)
TT

الجيش الباكستاني يعلن اعتراض 4 مسيّرات أطلقت من أفغانستان

سكان يسيرون وسط الأنقاض بعد هجمات باكستانية جديدة على قرية ماندوخيل بشرق أفغانستان الاثنين (أ.ب)
سكان يسيرون وسط الأنقاض بعد هجمات باكستانية جديدة على قرية ماندوخيل بشرق أفغانستان الاثنين (أ.ب)

قال الجيش الباكستاني، صباح اليوم (الأربعاء)، إنه اعترض أربع مسيّرات أطلقت من أفغانستان في اليوم السابق، في أحدث واقعة خلال أشهر من الصراع المستمر بين البلدين المتجاورين.

وكانت حكومة طالبان توعدت بالرد على الضربات الجوية الباكستانية الدامية التي استهدفت شرق أفغانستان هذا الأسبوع، في حين أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية في بيان صدر الليلة الماضية أنها نفذت عمليات جوية استهدفت مسلحين في المقاطعات الحدودية الباكستانية.

وقال الجيش الباكستاني إن قوات طالبان الأفغانية قامت الثلاثاء «بإطلاق أربع مسيّرات بدائية الصنع عبر الحدود في إقليم بلوشستان... ورصدت شبكة الدفاع الجوي الباكستانية تلك المنصات الجوية المعادية على الفور».

وأضاف «إذا واصلت حركة طالبان الأفغانية استفزاز باكستان، فستتلقى ردا مناسبا سيكلفها غاليا».

من جهتها، قالت وزارة الدفاع الأفغانية على «إكس» إنها شنت رغارات جوية» في بلوشستان وشمال غرب إقليم خيبر بختونخوا، مشيرة إلى أن هذه الغارات أسفرت عن وقوع إصابات في صفوف عناصر تنظيم «داعش».

وتفتقر القوات العسكرية لحركة طالبان إلى سلاح جو يعمل بكامل طاقته، لكنها استخدمت مسيّرات صغيرة استهدفت مناطق تقع في الغالب عند الحدود مع باكستان.

ولم تشر باكستان التي تنفي استخدام تنظيم «داعش» أراضيها، إلى وقوع أي إصابات واتهمت الحكومة الأفغانية بـ«تضليل» شعبها، قائلة إن هجمات الطائرات المسيرة «أُحبطت فعليا».

وتُعد هذه الحادثة أحدث تصعيد للصراع بين الجارتين اللتين تشهد علاقتهما توترا منذ العام 2021 حين تولت حكومة طالبان السلطة في كابول عقب حرب اندلعت في فبراير (شباط).

وبعد هجوم دامٍ وقع في كراتشي خلال نهاية الأسبوع، أسفرت غارات جوية باكستانية عن مقتل العشرات في شرق أفغانستان. وفي حين صرحت إسلام آباد، الاثنين، بأنها استهدفت مسلحين، أفادت الحكومة الأفغانية بسقوط ضحايا مدنيين.

من جهتها، أكدت الأمم المتحدة أن الضربات أسفرت عن مقتل 28 مدنيا وإصابة العشرات في حين لم تعلق باكستان على الخسائر في صفوف المدنيين، وذكرت أن 29 مسلحا قُتلوا جراء الضربات والعمليات البرية.

وتمحورت أشهر الصراع الذي أودى بحياة المئات، حول اتهامات إسلام آباد لحكومة طالبان بإيواء مسلحين يقفون وراء تصاعد الهجمات، ولا سيما حركة «تحريك طالبان باكستان» التي تشن حملة عنيفة ضد باكستان منذ سنوات.

وينفي مسؤولون أفغان تلك المزاعم ويؤكدون في المقابل أن باكستان تؤوي جماعات معادية ولا تحترم سيادة بلادهم.