«قمة شنغهاي» ترسم ملامح النظام العالمي الجديد... بقيادة الصين

روسيا تعزز التعاون الاستراتيجي مع بكين... والهند «تنتقل إلى المعسكر المناهض للغرب»

الرئيسان الصيني والروسي ورئيس الوزراء الهندي خلال افتتاح «قمة شنغهاي للتعاون» في تيانجين الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيسان الصيني والروسي ورئيس الوزراء الهندي خلال افتتاح «قمة شنغهاي للتعاون» في تيانجين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

«قمة شنغهاي» ترسم ملامح النظام العالمي الجديد... بقيادة الصين

الرئيسان الصيني والروسي ورئيس الوزراء الهندي خلال افتتاح «قمة شنغهاي للتعاون» في تيانجين الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيسان الصيني والروسي ورئيس الوزراء الهندي خلال افتتاح «قمة شنغهاي للتعاون» في تيانجين الاثنين (إ.ب.أ)

قد تكون «قمة شنغهاي 2025»، التي استضافتها الصين الاثنين، الولادة الثانية لـ«المنظمة» بعد مرور نحو ربع قرن على انطلاقتها الأولى. هكذا تنظر الأوساط الروسية إلى نتائج القمة، التي وُصفت بأنها شكلت نقطة تحول رئيسية، ووضعت أساساً مشتركاً لترتيب أولويات الدول الأعضاء، خصوصاً روسيا والصين والهند.

ولا يقتصر الانطباع الذي خرج به جزء مهم من المحللين الروس على البعد المتعلق بتوسيع آليات التعاون الروسي - الصيني، ولا على الرسائل التي وجهتها «القمة» إلى الغرب، والتي حملت «طابعاً عدائياً» وفق عناوين بعض وسائل الإعلام الرئيسية؛ إذ شكل «انتقال الهند إلى المعسكر المناهض للغرب» الحدث الأبرز في «القمة»، مع الإشارات إلى خطوات لطيّ صفحة التوتر التقليدي بين الهند والصين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الصيني شي جينبينغ (رويترز)

قمة مواجهة الغرب

عكس البيان الختامي الصادر عن القمة تقارباً غير مسبوق من وجهة النظر الروسية في مواجهة «التدابير الأحادية» التي يتبناها الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ورغبة مشتركة في «دعم الاستقرار العالمي في ظروف تفاقم حدة المواجهة الجيوسياسية» وفقاً للبيان الختامي للقمة.

ركزت موسكو على اللهجة القوية والجديدة التي ميزت البيان المشترك، خصوصاً ما يتعلق بتأكيد السردية الروسية والصينية لآليات بناء نظام دولي أكبر عدلاً. والتأكيد على ضرورة حماية الذاكرة التاريخية للمآثر البطولية لشعوب العالم والدروس المستفادة من الحرب العالمية الثانية. فضلاً عن الدعوة إلى الالتزام بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم استخدام القوة، بوصفهما معاً أساساً لبناء علاقات دولية مستقرة وتنمية مستدامة.

كما التزمت دول المنظمة بخط سياسي يستبعد نهج التكتلات والمواجهة في معالجة قضايا التنمية الدولية، وأكدت عزمها على مواصلة النضال المشترك ضد الإرهاب والنزعات الانفصالية والتطرف.

وأدانت المنظمة بشدة الإرهاب بجميع أشكاله، مؤكدة أن اعتماد المعايير المزدوجة في مكافحته أمر غير مقبول. وقد اعتمدت دول المنظمة «استراتيجية التنمية» حتى عام 2035، التي تحدد المهام ذات الأولوية والاتجاهات الرئيسية لتعميق التعاون بين الدول الأعضاء.

لكن مع الحديث عن المصالح المشتركة، والتحديات الجديدة التي تواجه بلدان المنظمة، بدا أن المجموعة، التي تضم أكثر من نصف سكان العالم وتنتج بلدانها نحو ربع الناتج الإجمالي العالمي، قررت أن تسير خطوات نحو التحول إلى مركز عالمي لمواجهة التهديدات الجديدة التي تطول أمن الدول الأعضاء. ومعلوم أن المنظمة تضم 10 بلدان تحظى بعضوية دائمة؛ أبرزها الثلاثي العملاق الصين وروسيا والهند، وهي تضم أيضاً 14 بلداً تحظى بصفة عضو مراقب.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

لكن الجديد أن دول المنظمة وضعت مساراً لتوحيد وضعَي «مراقب» و«شريك الحوار» في وضع واحد جديد هو «شريك منظمة شنغهاي للتعاون»؛ مما يفتح الباب على مزيد من التوسع في عضويتها وتحويل الشراكة معها إلى مكسب إضافي للدول المراقبة؛ مما يعزز فرصها أكثر للعب دور أكبر اتساعاً في السياسة الاقتصادية وفي وضع مسارات مشتركة لمواجهة الأزمات.

هذا الفهم الروسي لنتائج القمة، كما تجلى في البيان المشترك، كُرّس بشكل مباشر خلال اللقاءات الثنائية التي جرت على هامشها. وخلال اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني شي جينبينغ جرت الإشادة بـ«مستوى رفيع غير مسبوق في تعاون البلدين».

وقال بوتين: «تشكل ذكرى الأخوة القتالية والثقة والتعاون المتبادل والثبات في الدفاع عن المصالح المشتركة أساس علاقات الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي». وفي إشارة إلى مجريات الحرب العالمية الثانية التي يشكل الاحتفال بمرور 80 سنة على نهايتها مناسبة للقاء، تطرق بوتين إلى «الدور المحوري لبلدينا في تحقيق النصر في مسارح العمليات العسكرية الأوروبية والآسيوية، وهو دليلٌ على استعدادنا المشترك للدفاع عن الحقيقة التاريخية والعدالة. لقد دفع أجدادنا وآباؤنا ثمناً باهظاً من أجل السلام والحرية. لا ننسى هذا، بل نتذكره. هذا هو أساس إنجازاتنا اليوم وفي المستقبل».

خطوات لتكريس الشراكة الاستراتيجية

بدوره، قال الرئيس الصيني، شي جينبينغ، إن «روسيا والصين هما الفائزان الرئيسيان في الحرب العالمية الثانية». وشدد على أن العلاقات بين روسيا والصين صمدت أمام الاختبارات وأصبحت نموذجاً للعلاقات بين الدول. وأكد شي أن «الصين مستعدة مع روسيا للدعم المتبادل في تنمية شعبي البلدين والدفاع عن العدالة الدولية... الصين مستعدة للعمل مع روسيا لتشكيل نظام حوكمة عالمي أكبر عدالة وعقلانية».

وشدد على استمرار بلاده في تعزيز العلاقات رفيعة المستوى مع روسيا والتنسيق الفوري للمواقف بشأن القضايا المتعلقة بالمصالح الرئيسية بين البلدين.

وأكد ضرورة إنشاء مشروعات تعاون نموذجية، وتعزيز تكامل أعمق للمصالح والتعاون في المحافل والمنصات الدولية، كالأمم المتحدة و«منظمة شنغهاي للتعاون» و«مجموعة بريكس» و«مجموعة العشرين».

اللافت على خلفية مشهد اللقاء الذي جمع الرئيسين، أن الرئيسين سارا خطوات لتعميق التعاون في مجالات عدة. ومع توقيع نحو 20 وثيقة أساسية، بينها اتفاقات على مشروعات استراتيجية كبرى، بدا أن البلدين يسيران خطوات سريعة لتكريس الشراكة الاستراتيجية في عدد من المجالات، بينها الطاقة وإمدادات الغاز، وأعلنت شركة «غازبروم» الروسية توقيع اتفاقات استراتيجية مع «شركة البترول الوطنية الصينية» لزيادة إمدادات الغاز عبر أنابيب «قوة سيبيريا»، ورفد الشبكة بأنبوب جديد. وستجري زيادة الإمدادات عبر مسار «قوة سيبيريا»، (أنبوب غاز من روسيا إلى الصين)، من 38 ملياراً إلى 44 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.

كما اتفق الجانبان على تطوير التعاون في صناعة الطائرات. ونقلت وكالة «نوفوستي» الحكومية أن موسكو قد تنقل تقنيات لصناعة محركات الطائرات إلى الصين. وعموماً، فقد شملت الاتفاقات الجديدة لتوسيع التعاون مجالات عدة، بينها الطاقة والصناعات الفضائية والذكاء الاصطناعي والزراعة والتعليم والإعلام. كما أعلن «الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة» عن إطلاق شراكة استراتيجية لدعم الأعمال الروسية في السوق الصينية، والأعمال الصينية في السوق الروسية

نظام دولي جديد

صورة جماعية لقادة دول «منظمة شنغهاي للتعاون» خلال قمتهم في تيانجين بالصين الاثنين (إ.ب.أ)

اللافت في الأمر أن اللقاء بين الزعيمين الروسي والصيني تجاهل في البيان الختامي المشترك الإشارة إلى الأزمة الأوكرانية وإلى اجتماع بوتين مع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في ألاسكا أخيراً. شكل هذا التجاهل، وفقاً لمحللين روس، إشارة واضحة إلى واشنطن بأن التحالف بين موسكو وبكين انتقل إلى مرحلة جديدة، تقوض الرهان الأميركي على إحداث شرخ بين الطرفين، أو استخدام التقارب الأميركي مع موسكو ضد الصين. ونقلت وكالة «نوفوستي» الرسمية عن جيا وينشان، أستاذ الاتصالات والدراسات العالمية بجامعة تشابمان، أن اللقاء الثنائي و«قمة منظمة شنغهاي للتعاون» أظهرا للعالم نموذجاً جديداً للحكم يختلف عن منطق الهيمنة الغربية. وأضاف أن القمة جاءت «في توقيت حاسم تجري فيه إعادة هيكلة النظام العالمي».

وأشار الخبير إلى أنه «في ظل الصراع الأوكراني، وتصاعد الخلافات في الكتلة الغربية، والنهج الأحادي الجانب لإدارة الرئيس ترمب (أميركا أولاً)، فإن (قمة منظمة شنغهاي للتعاون)، التي حضرها جميع الدول الأعضاء والدول المراقبة، ومن خلال نهج متعدد الأطراف ومشاورات متساوية، وفّرت للمجتمع الدولي نموذجاً جديداً للحكم يختلف عن منطق الهيمنة الغربية».

في هذا الشأن، قال خبراء إن «التفاعل المتساوي بين قادة روسيا والهند والصين، برز بوصفه عنصراً مناقضاً تماماً لنظام (مجموعة السبع)، الذي يهيمن عليه الغرب ولا يزال يحتفظ بوصمة التسلسل الهرمي».

ورأى بعضهم أن «اهتمام وسائل الإعلام الغربية لم يعد منصباً على الوثائق التي اعتمدها قادة المنظمة، بل على إظهار الوحدة بين روسيا والهند والصين في مواجهة الغرب».

وكان لافتاً أن وسائل إعلام روسية نقلت عن نظيراتها في الغرب عبارة ذات دلالة: «يتجمع المناهضون للغرب حول الزعيم الصيني شي جينبينغ». مع إشارات إلى أن اللقاءات التي استضافتها بكين على الصعيدين الجماعي والثنائي شكلت «استعراضاً سياسياً يحمل في طياته دلالات مربكة للغرب».

ونقلت «نوفوستي» عن صحف غربية: «من غير المرجح أن يتذكر المراقبون الاتفاقيات التي وُقعت في (قمة منظمة شنغهاي للتعاون)؛ لكن تلك الصورة المذهلة ستبقى عالقة في الأذهان طويلاً... جلس قادة بعضٍ من أكثر الدول اكتظاظاً بالسكان، وأكبرها قوةً ومعاداةً لأميركا في العالم، جنباً إلى جنب، يتناولون الطعام ويضحكون ويومئون برؤوسهم، متفقين على ضرورة تعاونهم جميعاً بشكل أوثق. في عرض صُمم بوضوح لإثارة قلق المراقبين الغربيين». وزادت أنه «في قلب كل ذلك، بالطبع، يقف الزعيم الصيني... طاولة على شكل حدوة حصان، يتوسطها شي جينبينغ على بُعد مسافة من البقية. ولا شك في أن ضيف الشرف كان فلاديمير بوتين».

الهند تنقلب على واشنطن

لعل من أبرز العناوين في القمة هو التقارب غير المسبوق بين الهند والصين. وكتب المحلل السياسي ألكسندر نازاروف أن «(من يلسعه الحساء، ينفخ في الزبادي). وهو ما ينطبق تماماً على الولايات المتحدة والهند. فموقف ترمب المتشدد من الهند، لا سيما فرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المائة لا يرجع إلى تعاون نيودلهي مع موسكو في التحايل على العقوبات الغربية ضد الأخيرة، وإنما بسبب النمو الاقتصادي السريع للهند، الذي بلغ 6.5 في المائة عام 2024، متجاوزاً نمو الصين، والولايات المتحدة خصوصاً. وفي ظل وجود نموذج جيد مع الصين، التي تحولت إلى عملاق اقتصادي في غفلة من الولايات المتحدة، تخشى واشنطن تكرار ذلك مع الهند».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

ومع الإشارة إلى رفض رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الرد على مكالمات ترمب الهاتفية 4 مرات، فقد حملت زيارته الاستعراضية إلى الصين وإعلان الطرفين الصيني والهندي الرغبة في تعزيز التقارب وطيّ صفحة التوتر، رسالة قوية إلى واشنطن.

مع ذلك، وبغض النظر عن الطريقة التي تحاول بها الهند المناورة بين الولايات المتحدة والصين، فقد شهدت «قمة شنغهاي» حدثاً تاريخياً. ومع التطور المنتظر من جانب المحللين الروس في العلاقة الهندية - الصينية، فقد جرى التركيز أكثر على لهجة التحدي التي تحدث بها مودي خلال اللقاء مع بوتين. وقال رئيس الوزراء الهندي للرئيس الروسي إن «الهند وروسيا تقفان جنباً إلى جنب حتى في الأوقات الصعبة»، معرباً عن ترحيبه بالجهود الأخيرة الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، ومذكراً بأنه «حتى في أصعب المواقف، لطالما سارت الهند وروسيا جنباً إلى جنب. تعاوننا الوثيق مهم ليس فقط لشعبَي البلدين، ولكن أيضاً للسلام والاستقرار والازدهار العالمي».



زعيم كوريا الشمالية يدشن مدمرة جديدة ضمن نظام «الرد النووي»

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)
TT

زعيم كوريا الشمالية يدشن مدمرة جديدة ضمن نظام «الرد النووي»

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال تدشين المدمرة «كانغ كون» (رويترز)

أفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية، اليوم (الاثنين)، ​بأن الزعيم ‌الكوري ⁠الشمالي ​كيم جونغ ⁠أون، حضر حفل تدشين ⁠مدمرة ‌جديدة ‌على الساحل ​الشرقي للبلاد، ‌قائلا ‌إن السفينة ستكون ‌جزءا من نظام الرد النووي ⁠لبيونغ يانغ ⁠ويمكنها شن «ضربات انتقامية مدمرة» إذا صدر لها الأمر ​بذلك.

وتبذل ‌كوريا الشمالية ‌جهودا حثيثة لتحديث ​قواتها ‌البحرية، ⁠في وقت ​يسعى فيه ⁠كيم إلى توسيع ترسانة البلاد من القوات القادرة على حمل أسلحة نووية.

وخلال مراسم تدشين أُقيمت في مدينة وونسان الساحلية الواقعة شرق البلاد، قال كيم ⁠إن نشر السفينة الجديدة ‌في البحر شرقي ‌شبه الجزيرة الكورية يبعث ​برسالة واضحة إلى ‌خصوم كوريا الشمالية.

ونقلت الوكالة عنه قوله «لقد ‌حان الوقت لممارسة سيادتنا في البحر وتحت الماء».

وأضافت الوكالة نقلا عن كيم أن المدمرة «كانغ كون»، التي تزن خمسة ‌آلاف طن، هي ثاني سفينة حربية من فئتها تدخل ⁠الخدمة ⁠بعد تدشين المدمرة تشو هيون على الساحل الغربي لكوريا الشمالية قبل نحو ثلاثة أشهر.

وقال كيم إن التسليح البحري النووي لكوريا الشمالية يتقدم وإن البلاد ستواصل توسيع ما وصفها بأنها أقوى أصولها الاستراتيجية في المياه الرئيسية لحماية سيادتها البحرية وأمن المنطقة.

وأضاف أن المدمرة ​«كانغ كون» ​ستشكل جزءا من منظومة الرد النووي للدولة في كوريا الشمالية.


العثور على امرأة حية بعد 10 أيام من فيضانات نيبال

عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)
عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)
TT

العثور على امرأة حية بعد 10 أيام من فيضانات نيبال

عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)
عامل إنقاذ يقف قرب حفارات في المنطقة الأكثر تضرراً بميناء غيرونغ (رويترز)

بدأت عائلة ‌شانديكا كوماري شريستا مراسم الحداد بعدما ظنت أن فيضانات مدمرة اجتاحت نيبال أودت بحياة المرأة المسنة، لكن بعد عشرة أيام عثرت عليها فرق الإنقاذ في ​منزلها المدمر بقرية بيتراواتي المنكوبة، حيث تشبثت بمساحة ضيقة للتنفس وسط المياه والطين.

وقال ضابط الشرطة ماهيندرا دارنال: «جرفت الفيضانات المنزل المكون من أربعة طوابق وتركته وسط الرمال المتحركة. وأثناء تجولنا حوله، سمعنا صوتاً يقول أنقذوني».

وأضاف أن فريقه عثر على شريستا داخل مكان ضيق خلال عملية إنقاذ استغرقت 45 دقيقة أمس السبت، قبل نقلها إلى مستشفى تابع للجيش.

وأشار إلى أنه كان على تواصل ‌مع عائلتها، ‌التي بدأت بالفعل فترة الحداد التي تستمر ​11 ‌يوماً.

وكانت ⁠شريستا من ​بين ⁠مئات المفقودين في بيتراواتي، إحدى أكثر المناطق تضرراً من الفيضانات في نيبال، التي غطتها ترسبات بيضاء متماسكة تكاد تشبه الخرسانة. ولا تزال فرق الإنقاذ تنتشل عشرات الجثث من المنطقة.

ودفنت السوق الرئيسية في البلدة ومعظم المباني السكنية، التي يصل ارتفاع بعضها إلى أربعة طوابق، بالكامل تقريباً تحت الأنقاض التي خلفتها الفيضانات الجارفة التي اجتاحت الوادي، في ⁠كارثة أودت بحياة أكثر من 1300 شخص في ‌أنحاء نيبال، فيما لا يزال ‌الآلاف في عداد المفقودين.

وشوهد عمال الإنقاذ وهم يرتدون ​خوذات واقية ويحفرون بالمجارف، فيما ‌كان بعضهم يزحف عبر الفجوات بين المباني المنهارة ويطلق صفارات بشكل ‌متكرر لاستكشاف ما إذا كان هناك أشخاص ما زالوا أحياء تحت الأنقاض.

وقال دارنال إنه قبل خمسة أيام عثر على 24 جثة في حالة تحلل داخل مبنى كان يضم متجراً صغيراً في منطقة السوق ببيتراواتي.

‌البحث عن دلالات على وجود أحياء

بعد مرور 11 يوماً على انهيار نهر جليدي تسبب في ⁠الفيضانات المدمرة، لا ⁠يزال نحو خمسة آلاف شخص في عداد المفقودين.

وجرفت المياه مئات الجثث إلى ضفاف الأنهار بعيداً عن منطقة راسوا المنكوبة. وفي تشيتوان، الواقعة على بعد مئات الأميال، أجريت عدة عمليات دفن جماعي لجثث مجهولة الهوية وفي حالات تحلل متقدمة.

ورغم تلاشي الآمال تدريجياً، تواصل السلطات النيبالية جهودها للبحث عن أشخاص عالقين داخل الأنفاق وتحت الطبقات السميكة من الطين التي تصلبت فوق المباني.

ومنذ يوم الجمعة، تمكنت فرق الإنقاذ من إخراج ثلاثة أشخاص من الأنفاق، بينهم مواطن صيني قرب نهر تريشولي، حيث يعتقد أن أكثر من 900 ​شخص ما زالوا محاصرين. ​ونجا آخرون، مثل شريستا، في ظروف استثنائية، من بينهم طفل يبلغ ثمانية أعوام أعيد لم شمله بوالدته.


مدير مدرسة في نيبال: خلال دقائق انهار كل شيء بفعل الفيضان

سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)
سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)
TT

مدير مدرسة في نيبال: خلال دقائق انهار كل شيء بفعل الفيضان

سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)
سكان يقفون الأحد فوق منازل متضررة مغطاة بالطين بعد الفيضانات المفاجئة في تريشولي على الحدود بين نيبال والصين (أ.ف.ب)

كان مدير المدرسة راجندرا دوادي مع نحو 900 طالب بالمبنى الواقع قرب نهر تريشولي في نيبال عندما جاء أحد زملائه محذراً من وقوع فيضان. وقال دوادي في مقابلة صحافية: «جاء المحاسب إلى المدرسة، وقال: الفيضان آتٍ... الفيضان آتٍ». أمر المدير على الفور بإخلاء المدرسة، وأجلى الأساتذةُ مئاتِ التلاميذ إلى أماكن مرتفعة، موضحاً أنه وجد نفسه أمام احتمالين: «إذا كانت المعلومات خاطئة، فسنخسر يوماً دراسياً، لكن إذا كانت صحيحة، فسنخسر حياتنا».

راجندرا دوادي مدير مدرسة تريشولي يقف داخل حديقة منزله بمقاطعة نُواكوت في نيبال بعد أيام من كارثة الفيضانات (أ.ف.ب)

وبعد دقائق، شاهد داودي مدرسة منطقة تريشولي بازار الثانوية، التي أشرف عليها سنوات، تنهار تحت وطأة سيول جارفة صباح يوم 26 أغسطس (آب) الماضي. ودب الذعر داخل الطلاب، وأغمي على فتاة، غير أن سرعة إجلائهم سمحت بإنقاذ 900 شخص. والآن بعد مرور أكثر من 10 أيام على الكارثة، يقف دوادي على ضفة النهر المتضررة بمنطقة نواكوت، ويقول إنه «مدير مدرسة بلا مدرسة»، وفق ما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الأحد.

عمليات البحث لا تزال جارية في معبر جيرونغ الحدودي بمقاطعة جيرونغ بمنطقة التيبت (أ.ف.ب)

وتسببت موجة عاتية من الماء والجليد والحطام، أشبه بتسونامي، ناجمة عن انهيار جليدي وصخري هائل على الحدود بين نيبال والصين، في مقتل 1362 شخصاً على الأقل، في حين لا يزال أكثر من 5500 في عداد المفقودين بالبلدين. وأكد وزير الطاقة في نيبال، الأحد، أن فرق الإغاثة تواصل جهودها دون توقف بحثاً عن ناجين، بعد 11 يوماً على كارثة الفيضانات. وانتشل عناصر الإنقاذ في الأيام الأخيرة 3 أشخاص على قيد الحياة هم عاملان نيباليان ومواطن صيني من أنفاق مشروع سد «تريشولي3» للطاقة، وامرأة ستينية من منزل طمره الوحل. ولفت دوادي إلى أن 5 طلاب لقوا حتفهم في الفيضانات التي اجتاحت محيط المدرسة، بالإضافة إلى مُعلم وأحد أفراد الأمن. وأوضح أن الموظف الذي غادر المدرسة بعده «ربما كان يريد إغلاق البوابة». وقال دوادي إن السلطات في تريشولي بازار لم تُقدّم خطة إخلاء.

«لم يبقَ شيء»

وحاول بعض السكان عبور الجسر، لكنّ المياه جرفتهم، فيما لجأ آخرون إلى مناطق مرتفعة. ويتذكر دوادي: «عندما نظرتُ خلفي، كانت المدرسة شامخة كأروع المباني، وفي 5 دقائق، انهار كل شيء». وأضاف: «إنها أيضاً المدرسة التي كنت أرتادها. لم يبقَ منها شيء».

الطالبة سانتوشي دوتيل (17 عاماً) تتحدث خلال مقابلة صحافية في منزلها عن نجاتها من الفيضانات (أ.ف.ب)

كانت سانتوشي دوتيل، البالغة 17 عاماً، في حصة المحاسبة عندما صدر أمر الإخلاء. في البداية، لم تستوعب الخطر، وقالت: «لم نكن نتخيل مطلقاً أن يصل الفيضان إلى هذا الحد». نزلت في البداية نحو النهر مع صديقتها لعبوره والوصول إلى منزل عائلتها. ثمّ ارتفع منسوب المياه. وقالت: «جرف الفيضان الجسر. رحت أبكي لأنني ظننت أنني لن أعود إلى المنزل أبداً، وأنه لا حيلة لنا». وسحبتها صديقتها إلى أعلى التل بينما كانت مياه الفيضان تجتاح المنطقة أسفله. انهمرت دموعها وهي تستذكر المعاناة التي عاشتها ساعات طويلة دون أن تعرف مصير والديها. وبعد 4 أيام أعادت مروحية سانتوشي إلى عائلتها. وقالت: «وجدت أمي فور خروجي من المروحية. عانقتني وبدأت البكاء. لم أعد أستطيع التفكير». كانت والدتها دورغا دوتيل تخشى الأسوأ، وقالت: «عندما رأيت النهر يفيض، فقدت أي أمل في نجاة ابنتي».

«أسوأ من زلزال 2015»

ووفق إحصاءات منظمة «سيف ذا تشيلدرن (أنقذوا الأطفال)»، فقد دُمّرت أو تضررت 69 مدرسة على الأقل؛ مما أدى إلى حرمان نحو 19 ألف تلميذ من التعليم. وأكد دوادي أن الكارثة كانت «أسوأ بكثير» من الزلزال الذي ضرب نيبال عام 2015. وأضاف: «دُمّرت المدرسة بالكامل (بعد الزلزال)، لكننا أعدنا بناءها». وتابع: «هذه المرة؛ خسرنا المبنى والأرض التي كان عليها. نحن بحاجة إلى مدرسة مجدداً. لكننا نحتاج أولاً إلى مكان آمن لبنائها».