بعيداً عن ساحة المعركة... الهند تشن حملة اقتصادية وسياسية على باكستان

انسحبت من اتفاقية تقاسم المياه وتسعى لحرمان إسلام آباد من قروض دولية

صورة جوية لسدّ على نهر جيلوم الذي يجري من كشمير الهندية إلى كشمير الباكستانية (رويترز)
صورة جوية لسدّ على نهر جيلوم الذي يجري من كشمير الهندية إلى كشمير الباكستانية (رويترز)
TT

بعيداً عن ساحة المعركة... الهند تشن حملة اقتصادية وسياسية على باكستان

صورة جوية لسدّ على نهر جيلوم الذي يجري من كشمير الهندية إلى كشمير الباكستانية (رويترز)
صورة جوية لسدّ على نهر جيلوم الذي يجري من كشمير الهندية إلى كشمير الباكستانية (رويترز)

في الوقت الذي كانت الهند تستعد فيه لاستخدام جيشها لتوجيه ضربة عسكرية لباكستان مطلع هذا الأسبوع، التي عدّتها ردّاً على «الهجوم الإرهابي» في كشمير الشهر الماضي، كانت الحكومة الهندية تعدّ أوراق ضغط أخرى، غير دموية وأكثر دقة، يستهدف أغلبها ضعف باكستان الاقتصادي.

وتمهيداً لاجتماع المجلس التنفيذي لصندوق النقد، الذي انعقد الجمعة في واشنطن، مارس الهنود ضغوطاً على الصندوق لرفض تمديد قرض بقيمة 7 مليارات دولار لباكستان. وقد وُصف القرض بأنه ضروري لوضع البلاد على أسس مالية أكثر صلابة ولتمويل الخدمات التي يحتاج إليها شعبها بشدة. وعلى الرغم من أن المسؤولين الهنود يرفضون تأكيد ذلك، فإن مصادر أخرى للمساعدات الباكستانية قد تكون أيضاً في مرمى نظر الهند، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام المحلية.

ورقة المياه

وفي الأسابيع التي سبقت ضرباتها ضد باكستان يوم الأربعاء، كانت الهند تختبر بالفعل طرقاً جديدة لتحدّي عدوها القديم. ففي 23 أبريل (نيسان)، انسحبت الهند من معاهدة تقاسم الأنهار التي تحمي إمدادات المياه الباكستانية الضعيفة منذ عام 1960. ووصفت باكستان ذلك بأنه «عمل حرب».

ولجأت الهند إلى قوتها الناعمة أيضاً، فمع تصاعد التوترات بعد الهجوم الإرهابي في كشمير، قامت الهند بتعديل ضوابطها على الإنترنت لقطع الموسيقيين ولاعبي الكريكيت الباكستانيين عن جمهورهم على وسائل التواصل الاجتماعي الهندية، مثلما منعت الهنود من استخدام تطبيق «تيك توك» المملوك للصين بعد اشتباك مع الصين عام 2020.

وأعلنت الهند كذلك عزمها قطع جميع أشكال التجارة مع باكستان. إلا أن هذا القرار لم ينعكس عملياً بشكل كبير على إسلام آباد، إذ تقتصر الصادرات الهندية إلى باكستان أساساً على السكر والأدوية والمواد الكيميائية. وأشار بعض المصدّرين الهنود إلى أنهم لم يتلقوا إشعاراً رسمياً من الحكومة، ما دفعهم إلى الاستمرار في الالتزام بالعقود القائمة.

ضغوط مالية

أما أكثر أشكال الضغط المالي قسوة، فتحدث في الغالب خلف الأبواب المغلقة. وفي إفادة صحافية يوم الخميس، كان وزير الخارجية الهندي، فيكرام ميسري، مباشراً نسبياً بشأن الضغط على صندوق النقد الدولي. وقال: «يجب أن تكون القضية فيما يتعلق بباكستان بديهية بالنسبة لأولئك الذين يفتحون جيوبهم بسخاء لإنقاذ هذا البلد».

جندي يقف عند نقطة حدودية بين الهند وباكستان 4 مايو (إ.ب.أ)

وقال سوديبتو موندل، الذي شغل منصب كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي في نيودلهي، إنه «سيكون من المستغرب إذا لم تتخذ الهند موقفاً» ضد القروض المقدمة إلى باكستان. وتابع موندل، الذي يرأس الآن مركز دراسات التنمية في الهند: «هذه المؤسسات تقدّم نفسها على أنها بنوك تجارية، لكنها في الأساس مؤسسات سياسية للغاية». وقال إنه من المفترض أن تتم الموافقة على القروض على أساس مزايا مشروع معين، ولكن «في نهاية المطاف، يتم تحديد الأمور حسب الجهة التي ينحاز إليها مختلف أعضاء مجلس الإدارة».

واستحضر موندل كيف ألغى بنك التنمية الآسيوي قرضاً للهند كان جاهزاً للموافقة عليه في عام 1998، ردّاً على اختبار الهند لقنبلة نووية. وكانت الولايات المتحدة ودول فاعلة أخرى غاضبة من الهند لإطلاق منافسة نووية مع باكستان، وفق وجهة نظرهم.

وأصبحت هذه الدول نفسها أكثر تعاطفاً مع الهند، وليس فقط بوصفها ضحية للإرهاب. فقد نما اقتصاد نيودلهي إلى 10 أضعاف حجم الاقتصاد الباكستاني، كما أن عمالها ومستهلكيها يروقون للاستراتيجيين الذين يتوقون إلى بديل للصين.

نفوذ دولي

وفي ليلة الضربات الهندية ضد الأهداف الباكستانية، أعلنت الهند وبريطانيا عن اتفاقية تجارة حرة كانت قيد الإعداد منذ 3 سنوات. وتعمل الهند على إبرام صفقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أيضاً.

ولكن هناك أسباباً تدفع المؤسسات المالية، التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، إلى التردد في التعامل مع جهود الهند لقطع الطريق أمام باكستان، فقد تكون تلك المؤسسات، التي تدرك ضعف باكستان الاقتصادي، مترددة في إغراق البلاد في حالة أعمق من عدم الاستقرار بعد سنوات من القروض والبرامج التي تهدف إلى تحسين ديونها واستقرار عملتها.

وقد نفت الهند تقريراً يُفيد بأن وزارة ماليتها تمارس ضغوطاً على بنك التنمية الآسيوي لإعادة النظر في منح قروض لباكستان، لكنها لم تنفِ تقارير أخرى تُشير إلى أنها تسعى لإعادة إدراج باكستان على «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويُهدد هذا الإدراج قدرة باكستان على الحصول على المساعدات المالية، لا سيما أن البلاد أمضت سنوات في محاولات حثيثة للخروج من القائمة، قبل أن تنجح في ذلك عام 2022.

وقال تي سي إيه راغافان، الذي شغل منصب المفوض السامي الهندي لدى باكستان في الفترة من 2013 إلى 2015، إن ورقة القائمة الرمادية قوية، لكن أكثر أدوات الهند حدة في هذا الصراع هي علاقاتها مع الدول الأخرى. ويوضّح: «تغيّرت المعادلات (الدولية) بشكل كبير للغاية. وعلى وجه الخصوص، علاقات الهند مع دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة». وتابع: «لقد تغيّرت هذه العلاقات كثيراً في السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية».

وكان راغافان يعمل في الشؤون الباكستانية قبل عام 2008، عندما أغار إرهابيون على مومباي، وقتلوا 166 شخصاً. وقال راغافان إنه بعد ذلك الحادث، «فهمت معظم الدول بوضوح شديد» طبيعة مشكلة الهند.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ترمب يعلن اتفاقاً تجارياً مع الهند وتوقفها عن شراء النفط الروسي

الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتصافحان في البيت الأبيض 13 فبراير 2025 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً تجارياً مع الهند وتوقفها عن شراء النفط الروسي

أعلن دونالد ترمب التوصل إلى «اتفاق تجاري» مع الهند بعد اتصال مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، مشيراً إلى أن نيودلهي وافقت على التوقف عن شراء النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق في سنوات المراهقة والشباب قام قادة العالم بأعمال بسيطة وخارجة عن المألوف (وكالات) p-circle 01:30

إردوغان باع الكعك وترمب جمع الزجاجات الفارغة... أعمال البدايات

في صغره، كان دونالد ترمب يجمع الزجاجات الفارغة ويبيعها، بينما كان إردوغان يبيع الكعك... كيف بدأ قادة العالم رحلتهم وما كانت أولى وظائفهم؟

كريستين حبيب (بيروت)
تحليل إخباري صورة مركبة للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ف.ب)

تحليل إخباري قلق أميركي من تعميق الشراكة الروسية - الهندية

وجهت زيارة بوتين إلى نيودلهي والاتفاقيات الاقتصادية والدفاعية التي ترتبت عنها رسالة «تحدٍ» واضحة إلى واشنطن.

إيلي يوسف (واشنطن)
آسيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتحدثان خلال قمة منظمة شنغهاي (رويترز) p-circle

خريطة طريق لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين موسكو ونيودلهي

قمة بوتين مودي تنتهي برزمة اتفاقات وتعاون بعيد الأمد وخريطة طريق لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين موسكو ونيودلهي.

رائد جبر (موسكو)
تحليل إخباري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يتحدثان خلال قمة منظمة شنغهاي (رويترز)

تحليل إخباري القمة الروسية - الهندية تعزز «الشراكة الاستراتيجية» وتتحدى ضغوط واشنطن

تُشكل زيارة بوتين إلى نيودلهي منعطفاً حاسماً جديداً في مسار تعزيز تحالفات موسكو مع شركائها التقليديين.

رائد جبر (موسكو)

قتلى وجرحى بانفجار في مسجد بباكستان

أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

قتلى وجرحى بانفجار في مسجد بباكستان

أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يقومون بنقل رجل مصاب إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قالت الشرطة الباكستانية إن انفجاراً استهدف مسجداً للشيعة في العاصمة إسلام آباد، اليوم (الجمعة)، أدى إلى مقتل عدد من المصلين.

وحسب السلطات المحلية، ارتفعت حصيلة الجرحى جراء انفجار المسجد في إسلام آباد إلى أكثر من 80.

وقال ظفر إقبال المسؤول بالشرطة إن الانفجار وقع أثناء صلاة الجمعة. وأضاف: «نقلنا عدداً من الأشخاص إلى المستشفيات. لا أستطيع تحديد عدد القتلى في هذه اللحظة، لكن نعم، توجد وفيات».

وكان مصدر أمني رفيع المستوى أوضح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «حتى الآن، استشهد 11 شخصاً وأصيب 20 آخرون».

وذكر متحدث باسم الشرطة أن طبيعة الانفجار لم تتضح بعد.


تايوان ترحب باتصال الرئيسين الأميركي والصيني: من شأنه «تعزيز الاستقرار الإقليمي»

العلمان التايواني والأميركي استعداداً لاجتماع في تايبيه (أرشيفية - رويترز)
العلمان التايواني والأميركي استعداداً لاجتماع في تايبيه (أرشيفية - رويترز)
TT

تايوان ترحب باتصال الرئيسين الأميركي والصيني: من شأنه «تعزيز الاستقرار الإقليمي»

العلمان التايواني والأميركي استعداداً لاجتماع في تايبيه (أرشيفية - رويترز)
العلمان التايواني والأميركي استعداداً لاجتماع في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

رحّبت تايوان، الخميس، بالاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ، عادّةً أنه «يساعد على تعزيز الاستقرار في المنطقة»، فيما تزيد الصين من تحركاتها العسكرية قرب الجزيرة التي تعدها «جزءاً من أراضيها».

وقال نائب وزير الخارجية التايواني تشين مينغ تشي في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «لسنا قلقين بشأن هذه المكالمة الهاتفية. في الواقع، نعتقد أنّها ستسهم في استقرار الوضع، خصوصاً مع استمرار الصين في تصعيد التوترات في مضيق تايوان وفي جميع أنحاء المنطقة».

وقبل ذلك ببضع ساعات، نقلت «وكالة أنباء الصين الجديدة» الرسمية، أن شي جينبينغ دعا نظيره الأميركي خلال مكالمتهما الهاتفية، إلى «الاحترام المتبادل» لتعزيز العلاقات مع واشنطن و«توخي الحذر» فيما يتصل بتايوان.

أرشيفية للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

ولاحقاً، وصف ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال» المكالمة مع شي بأنها «ممتازة»، وقال إن علاقة الولايات المتحدة بالصين، وكذلك مع نظيره الصيني «جيدة إلى أبعد حد».

وعلّق نائب وزير الخارجية التايواني بالقول: «أعتقد أننا نرحب بهذه الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الأمني في هذه المنطقة».

والانفصال السياسي بين تايوان والصين مستمر منذ الحرب الأهلية الصينية التي انتهت في 1949. وتطالب الصين بالجزيرة آملة في «إعادة توحيد» سلمية، لكنها لا تستبعد استخدام القوة للسيطرة عليها... ومن دون أن تعترف رسمياً بتايوان، تعد واشنطن أكبر داعم لها ومزودها الرئيسي بالسلاح.

وأعلن الرئيس التايواني لاي تشينغ تي الخميس الماضي، أن العلاقات بين تايبيه وواشنطن «صلبة مثل الصخر»، مؤكداً أن «كل برامج التعاون ستتواصل» رغم تحذير الرئيس الصيني لنظيره الأميركي.

الرئيس التايواني لاي تشينغ تي (أرشيفية - رويترز)

مبعث القلق

وفي رأي تشينغ مينغ تشي، فإن مواقف الرئيس الصيني ينبغي ألا تشكل تهديداً لصفقات السلاح المقبلة بين تايوان وواشنطن. وقال: «سبق أن وعدت الولايات المتحدة بأن تبيع تايوان كمية معينة من الأسلحة».

وأضاف نائب وزير الخارجية: «مبعث القلق الرئيسي الذي يمكن أن يؤثر على صفقات بيع السلاح مستقبلاً يتصل بموقف أحزاب المعارضة لدينا (...) حيال موازنة الدفاع».

وتحدث الرئيس لاي تشينغ تي المنتمي الى «الحزب الديمقراطي التقدمي» عن مشاريع لزيادة نفقات الدفاع، بحيث تتجاوز ثلاثة في المائة من إجمالي الناتج المحلي هذا العام، مع السعي إلى جعلها تناهز خمسة في المائة لاحقاً، تجاوباً مع الطلبات الأميركية.

لكن «المجلس التشريعي» الذي يهيمن عليه حزب «كيومينتانغ»، عطّل مراراً مشروع الحكومة الهادف إلى الحصول على تمويل إضافي بقيمة أربعين مليار دولار تخصص للتجهيز العسكري.

وسيستخدم هذا المبلغ في تمويل صفقة شراء أسلحة بقيمة 11,1 مليار دولار وافقت عليها الولايات المتحدة وأعلنت في ديسمبر (كانون الأول) .

وهذه الصفقة هي الأكبر منذ 2001، حين صادق الرئيس جورج بوش الابن على تزويد تايوان بأسلحة بقيمة 18 مليار دولار. وقال تشين: «حتى الآن، لم نلاحظ أي تعاون» من جانب البرلمان.

مروحيات تحلق في سماء العاصمة التايوانية تايبيه (أ.ف.ب)

وقبل شهرين من لقاء مرتقب بين دونالد ترمب وشي جينبينغ في أبريل (نيسان) في بكين، أعرب تشين مينغ تشي عن مخاوفه من توقيع «اتفاق كبير» بين الرئيسين على حساب تايبيه، مشدداً على أن «تايوان هي من دون شك في صلب المصالح الوطنية للاقتصاد العالمي والولايات المتحدة».

ورغم أن تايوان تملك صناعتها الدفاعية الخاصة، فإن الجزيرة البالغ عدد سكانها 23 مليون نسمة تبقى مرتهنة إلى حد بعيد للأسلحة الأميركية في مواجهة القوة النارية الصينية.


تطهير الجيش الصيني من الفساد يطول الرؤوس الكبيرة

جنود من «جيش التحرير الشعبي» الصيني خلال عرض عسكري في ساحة تيانانمن ببكين (رويترز)
جنود من «جيش التحرير الشعبي» الصيني خلال عرض عسكري في ساحة تيانانمن ببكين (رويترز)
TT

تطهير الجيش الصيني من الفساد يطول الرؤوس الكبيرة

جنود من «جيش التحرير الشعبي» الصيني خلال عرض عسكري في ساحة تيانانمن ببكين (رويترز)
جنود من «جيش التحرير الشعبي» الصيني خلال عرض عسكري في ساحة تيانانمن ببكين (رويترز)

أثار إعلان الصين خضوع قائد قواتها العسكرية للتحقيق، دهشة المراقبين الذين رأوا فيه إضعافاً للهيئة العسكرية العليا، لكنه يرسخ نفوذ الرئيس شي جينبينغ.

يخضع تشانغ يوشيا، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية المهيبة، للتحقيق بتهمة «ارتكاب انتهاكات قانونية جسيمة»، وهو تعبير ملطف في الصين للفساد. وتنتهي مثل هذه التحقيقات عادة بالإقالة، على ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الأربعاء.

حتى وقت قريب، لم يكن أحد تقريباً يتوقع تهميش تشانغ، نظراً لتمرسه في الخدمة العسكرية منذ أمد طويل وعلاقته الوثيقة بشي. فقد شوهد الجنرال مراراً واقفاً بجانب الرئيس خلال حفلات ترقية الضباط، حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تشانغ يوشيا نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية يحضر اجتماعاً بوزارة الدفاع في هانوي بفيتنام 24 أكتوبر 2024 (إ.ب.أ)

نجا تشانغ القوي البنية، وذو الملامح الحادة، من عدة جولات سابقة من حملات مكافحة الفساد التي استهدفت اللجنة العسكرية المركزية التي تضم سبعة أعضاء، منذ تشكيلها خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الأخير عام 2022.

ويخضع ليو تشنلي وهو مسؤول آخر في اللجنة العسكرية المركزية للتحقيق أيضاً، ومن ثم لم يبق سوى عضوين معروفين في اللجنة بمنأى عن ذلك هما: الرئيس شي ومسؤول الانضباط تشانغ شنغ مين.

عائلة عسكرية

وُلد تشانغ في 1950 بعد أقل من عام على إعلان الزعيم ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، في عائلة انخرطت وقاتلت في صفوف القوات الشيوعية.

كان والده تشانغ تسونغ شون أحد «الجنرالات المؤسسين» لجمهورية الصين الشعبية، وخدم إلى جانب والد شي عندما كانا مقاتلين شيوعيين في شمال غربي البلاد.

نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية تشانغ يوشيا (يسار) ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو يصلان إلى منتدى شيانغشان في بكين 30 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

يُعد تشانغ الابن وشي، البالغان 75 و72 عاماً على التوالي، من «أبناء القادة الثوريين» الذين استفادوا من علاقاتهم العائلية.

مسيرة مهنية

انضم تشانغ إلى الجيش في سن الـ18، وترقى في الرتب ضمن فوجٍ خدم في مقاطعة يونان، المتاخمة لبورما ولاوس وفيتنام، في جنوب غربي الصين. وشارك في عدة نزاعات حدودية، من بينها الحرب الصينية الفيتنامية التي استمرت لأسابيع عام 1979، وهو ما أكسبه خبرة قتالية قلّ مثيلها.

كانت هذه الحرب التي شارك فيها نحو 200 ألف جندي صيني، آخر نزاع مسلح كبير خاضته قوات «جيش التحرير الشعبي»، على الرغم من استمرار المواجهات مع فيتنام لنحو عقدٍ من الزمن.

انتقل تشانغ لاحقاً إلى الشمال، وعُيّن قائداً لمنطقة شنيانغ العسكرية. بعدها رُقّي إلى رتبة جنرال عام 2011، ثم كُلّف بمسؤولية شراء وتطوير الأسلحة والمعدات. اختير لعضوية اللجنة العسكرية المركزية عام 2012، عندما تولى شي جينبينغ رئاستها بعد أن ارتقى إلى قمة الحزب الشيوعي.

وقال درو طومسون، المسؤول الدفاعي الأميركي السابق، خلال زيارة وفد صيني للولايات المتحدة عام 2012، إن تشانغ الذي صقلته المعارك كان «محاطاً بهالة من الخبرة». وكتب في منشور على منصة «سابستاك» عن لقائه به، «كان الضباط يقفون بثبات وثقة فور دخوله الغرفة»، وأن تشانغ «لم يكن يخشى التحدث إلى الأجانب».

الرئيس الصيني شي جينبينغ يتفقد قوات بلاده في هونغ كونغ (أرشيفية - رويترز)

في عام 2017، رُقّي تشانغ إلى أحد مناصب نواب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وانضم أيضاً إلى المكتب السياسي، الهيئة النخبوية للحزب الشيوعي. ثم تولى منصب النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية عام 2022.

علاقته بشي

وصف بعض المحللين تشانغ بأنه «صديق طفولة» شي، بينما شكك آخرون في هذا الادعاء. ويقول نيل توماس، الباحث في النخب السياسية الصينية في «جمعية آسيا»، إنه لا تتوافر سوى معلومات ضئيلة عن طبيعة علاقتهما. ربما تحرك الرجلان في بكين منذ طفولتهما في دائرة العلاقات نفسها؛ نظراً لأن والديهما ينحدران من مقاطعة شنشي الشمالية، لكنهما لم يعملا معاً إلا في مراحل لاحقة من حياتهما المهنية. ومع ذلك، حرص الرئيس على صعود تشانغ، كما كتب توماس، وهو ما يُظهر بوضوح أن شي كان يعده «زميلاً جديراً بالثقة».

سقوطه

انتشرت شائعات عن فتح التحقيق قبل أيام من الإعلان عنه، بعد أن بدا أن تشانغ وليو قد تغيبا عن اجتماع رسمي ترأسه شي وحضره النائب الثاني لرئيس اللجنة العسكرية المركزية تشانغ شنغمين.

لكنّ المحللين قالوا إن المشكلة بدأت قبل ذلك بكثير، مُشيرين إلى حملة التطهير التي ضمت وزير الدفاع السابق لي شانغفو الذي كان يُشرف، مثله مثل تشانغ، على المعدات العسكرية.

لم تُفصح وزارة الدفاع عن أسباب فتح التحقيق مع تشانغ وليو. ولكن صحيفة «جيش التحرير الشعبي» وصفتهما بأنهما «عنصران فاسدان» في مقالة نُشرت على صفحتها الأولى الاثنين. وجاء فيها، أن التحقيق الحازم ومعاقبة تشانغ وليو «يزيلان العقبات»، و«يستأصلان ما يُوهن الفاعلية القتالية».

وورد في مقالة سابقة، نُشرت بعد يوم من الإعلان عن التحقيق، أن تصرفاتهما «أوهنت على نحو جسيم وانتهكت منظومة مسؤوليات وصلاحيات رئيس اللجنة العسكرية المركزية» شي جينبينغ.