تفاقم الانقسامات داخل «طالبان» حول تعليم الفتيات بأفغانستان

وزير غادر كابل في يناير بسبب عدم الاستجابة لمطالبه

صورة أرشيفية لفتيات أفغانيات خلال حصة رسم (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لفتيات أفغانيات خلال حصة رسم (أ.ف.ب)
TT

تفاقم الانقسامات داخل «طالبان» حول تعليم الفتيات بأفغانستان

صورة أرشيفية لفتيات أفغانيات خلال حصة رسم (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لفتيات أفغانيات خلال حصة رسم (أ.ف.ب)

في يناير (كانون الثاني)، غادر أحد كبار المسؤولين أفغانستان، بعد انتقاده علانية حظر تعليم الفتيات، الأمر الذي حرم أكثر من مليونَي فتاة من التعليم، منذ عودة «طالبان» إلى السلطة.

طابور من أفغانيات في انتظار الحصول على معونات خارج كابل (متداولة)

وتتزايد الخلافات بين مسؤولي جماعة «طالبان» بخصوص قرار الجماعة منع الفتيات من التعليم الثانوي؛ ما دفع وزيراً واحداً، على الأقل، إلى مغادرة أفغانستان بسبب عدم الاستجابة لمطالبه بتعليم الفتيات، وأُجبرت عائلات على الانتقال حتى تتمكن فتياتهم من مواصلة تعليمهن.

أفغانيات عاملات في بيشاور (أرشيفية)

وفي حين تنظم الشرطة الدينية دوريات في أجزاء كبيرة من البلاد لضمان تطبيق القواعد، أصبحت القيود قمعية للغاية لدرجة دفعت حتى بعض كبار أعضاء الجماعة المسلحة للمطالبة بإلغائها في الأشهر الأخيرة، بحسب ما ذكره ثلاثة مسؤولين من «طالبان» لشبكة «إن بي سي نيوز» التي وافقت على عدم كشف هوياتهم، حتى يتمكنوا من التحدث بصراحة.

وأشار الثلاثة إلى وجود انقسامات متزايدة بين أعضاء «طالبان» شديدي المحافظة في مدينة قندهار جنوب البلاد، حيث يعيش الزعيم الأعلى للجماعة، هيبة الله أخوند زاده، من جهة، وأعضاء أكثر اعتدالاً في العاصمة كابل.

ورغم انتماء المسؤولين الثلاثة إلى أجنحة أكثر تشدداً داخل «طالبان»، فإنهم قالوا إن تفكيرهم بشأن تعليم الفتيات مختلف، مضيفين أنه كان من الخطأ منعهن من ارتياد المدارس. وصرح أحدهم لشبكة «إن بي سي نيوز»، هذا العام، بأن بعض مسؤولي «طالبان» أعربوا علناً عن آرائهم الداعمة لتعليم الفتيات، بناءً على اعتقادهم بأن ذلك سيؤثر على القيادة.

واستطرد موضحاً أنه «للأسف، بدلاً من الترحيب باقتراحاتهم، تعامل البعض معها على نحو سلبي، كما لو كانت ضد القيادة العليا للجماعة».

ذبيح الله مجاهد: لا توترات

في المقابل، نفى المتحدث باسم «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، وجود أي توترات داخل الحكومة، رغم أنه أقر بحدوث «اختلاف في الرأي بين الناس»، بعض الأحيان.

فتيات أفغانيات في اليوم الأول من افتتاح العام الدراسي الجديد في العاصمة كابل (أرشيفية)

وفي سياق متصل، وفي انتقاد نادر لـ«طالبان» من داخل صفوفها، انتقد شير محمد عباس ستانيكزاي، القائم بأعمال نائب وزير الخارجية الأفغاني، الحظر الذي فُرض في سبتمبر (أيلول) 2021، بعد شهر من تولي الجماعة السلطة، عقب الانسحاب الفوضوي للقوات التي تقودها الولايات المتحدة من البلاد.

وقال ستانيكزاي في أثناء حفل تخرج في ولاية خوست الشرقية في 18 يناير، إن «(طالبان) تقترف ظلماً» بمنع الفتيات من المدارس، مضيفاً أن ذلك لا يتماشى مع الشريعة، بل هو «اختيارنا الشخصي أو طبيعتنا».

وأكد قائلاً: «لا عذر لهذا الأمر، لا الآن ولا في المستقبل».

وكان هذا التصريح أحد آخر أعماله داخل أفغانستان؛ ففي غضون أيام غادر ستانيكزاي - الرجل الذي وثقت به «طالبان» لقيادة فريق مفاوضيها في قطر في إطار محادثات الانسحاب الأميركي من أفغانستان - البلاد إلى الإمارات العربية المتحدة.

وأكد مسؤولو «طالبان» الثلاثة أنه رفض العودة، رغم زيارة نائب رئيس الوزراء الأفغاني، عبد الغني برادار، الذي فشل في إقناعه.

وصرح أحدهم بأن مغادرة ستانيكزاي جاءت بمثابة إشارة أخرى على الاحتجاج على «سياسات النظام المجافية للمنطق والمفتقرة إلى الشعور بالمسؤولية».

ومع بدء عام دراسي جديد، الأسبوع الماضي، حُرمت قرابة 2.2 مليون فتاة من التعليم في البلاد، بحسب منظمة «اليونيسف».

ومع ذلك، ليس ثمة مؤشرات تُذكر على أن «طالبان» ستتراجع عن سياستها؛ ما يدفع بعض العائلات إلى المخاطرة بحياتها للفرار من أفغانستان، حتى تتمكن الفتيات من مواصلة تعليمهن في أماكن أخرى، حسبما قالت سحر فيترات، الباحثة الأفغانية بمنظمة «هيومان رايتس ووتش». وأوضحت أن الكثيرين «لم يتعرضوا إلى صورة محددة من الاضطهاد، وإنما غادروا لأنهم أرادوا تعليم بناتهم»، مضيفةً أن رحلاتهم غالباً ما تكون «محفوفة بمخاطر كبرى، ويجري تنفيذها عبر سبل غير قانونية».

امرأة أفغانية ترتدي النقاب تتسوق في أحد الأسواق استعداداً لعيد الفطر في كابل بأفغانستان في 28 مارس 2025 (إ.ب.أ)

وفي هذا الإطار، قالت غولالاي (15 عاماً)، في مقابلة معها الشهر الماضي، إن عائلتها قررت مغادرة كابل إلى بيشاور؛ لأن والدها، صاحب متجر بقالة، «أراد أن نواصل تعليمنا».

وأضافت غولالاي متحدثةً من داخل ساحة مدرستها الجديدة: «كنا نعيش حياة سعيدة. وفجأة أوقفت (طالبان) تعليمنا، وتحطمت أحلامنا».

وبعد أن طالب وكلاء السفر بمبلغ 2.500 دولار أميركي عن كل تأشيرة - مبلغ يفوق بكثير مدخرات أسرتها المكونة من سبعة أفراد - لم يكن أمامهم خيار سوى رشوة المسؤولين وعبور الحدود بشكل غير قانوني، على حد قول غولالاي. وقالت إن أحد أقاربها ساعدهم في النهاية على الاستقرار في منزل من غرفتين على مشارف المدينة الواقعة شمال شرقي باكستان، مضيفةً أن والدها حصل على وظيفة في متجر، وأن والدتها كانت تنظف منازل العائلات المجاورة للمساعدة في تلبية احتياجاتها.

وأضافت غولالاي التي قالت إنها تحلم بأن تصبح ممرضة يوماً ما، أنها تكافح من أجل الاستقرار في مدرستها الجديدة؛ لأنها لا تتحدث أو تكتب الأردية؛ اللغة الوطنية الباكستانية.

واشتكت من أنها فقدت حياة سعيدة مع أصدقاء مقربين وأقارب وزملاء دراسة في كابل. وقالت: «لم تعد هناك حياة في أفغانستان؛ وإلا فمن يستطيع مغادرة موطنه؟!».

حلم بعيد المنال

من ناحية أخرى، فإنه حتى أولئك الذين تمكنوا من الفرار بأمان يجدون في النهاية أن الذهاب إلى المدرسة يبقى حلماً بعيد المنال في دول مثل تركيا أو إيران، حيث توجد قيود صارمة على منح اللجوء، بحسب فيترات من «هيومان رايتس ووتش».

وفي باكستان، أعلنت الحكومة في يناير أنها ستطرد جميع اللاجئين الأفغان المقيمين بالبلاد بحلول 31 مارس (آذار).

تقديرات «العفو الدولية»

وطبقاً لتقديرات «منظمة العفو الدولية»، فإنه في الفترة من سبتمبر 2023 إلى فبراير (شباط)، جرى ترحيل ما لا يقل عن 844.499 مواطناً أفغانياً.

وقالت غولالاي: «خاطر والدي بهجرتنا إلى باكستان»، مضيفةً أنها لا تعرف ما إذا كان سيُسمح لعائلتها بالبقاء أم ستُجبر على المغادرة.

أما في أفغانستان، فقد شددت «طالبان» التي بدت أكثر اعتدالاً بعد توليها السلطة، قبضتها على حقوق المرأة.


مقالات ذات صلة

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

العالم الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

«الشرق الأوسط» (يريفان)
علوم العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية. غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

تساعد في جمع وتنظيم ومشاركة وعرض المواد بطريقة إبداعية

جيريمي كابلان (واشنطن)
علوم الأدوات الذكية تدخل المدارس

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدامه، وتحليل وظائفه، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي له، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

ناتاشا سينغر (نيويورك)
علوم استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية. تضاعف…

ناتاشا سينغر (نيويورك)

إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)
نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)
TT

إسلام آباد وبكين تحثان على إنهاء حرب الشرق الأوسط وسلامة الممرات المائية

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)
نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (رويترز)

حثّت الصين وباكستان على وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء الحرب في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، وعلى عقد محادثات سلام في أقرب وقت. وقالت مصادر رسمية إن وزيريْ خارجية البلدين أكدا ضرورة ضمان سلامة الممرات المائية وسلامة السفن وطواقمها العالقة في مياه مضيق هرمز. وذكرت وزارة الخارجية الباكستانية أن البلدين أطلقا هذا النداء في مبادرة من خمس نقاط صدرت، الثلاثاء؛ من أجل استعادة السلام والاستقرار بالمنطقة. وأعلنت وزارة الخارجية الصينية أن الصين وباكستان ستُعززان تعاونهما بشأن إيران. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، في مؤتمر صحافي، إن البلدين يتبنيان مواقف متشابهة بشأن القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية.

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (أ.ف.ب)

وتوجّه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى الصين، الثلاثاء، في زيارةٍ رسمية لمدة يوم واحد، بدعوة من نظيره الصيني وانج يي. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماو نينغ، خلال مؤتمر صحافي: «سيعزز وزيرا خارجية البلدين التواصل والتنسيق الاستراتيجي بشأن الوضع في إيران، وسيبذلان جهوداً جديدة للدعوة إلى السلام»، واصفة الصين وباكستان بأنهما شريكان استراتيجيان «في جميع الظروف». ويبحث دار مع القيادة الصينية، بشكل مكثف، التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية والقضايا العالمية ذات الاهتمام المشترك.

وتُعدّ باكستان من أقرب شركاء الصين في المنطقة، لكن بكين دعت إلى «الهدوء وضبط النفس» في نزاع إسلام آباد مع أفغانستان. وأعلنت وزارة الخارجية الصينية، هذا الشهر، أن مبعوثاً صينياً خاصاً أمضى أسبوعاً في الوساطة بين البلدين.

وقد سعى الجاران الآسيويان إلى التوسط لمنع تصعيد الصراع في الشرق الأوسط، وأعلنت إسلام آباد استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» بين الولايات المتحدة وإيران. تأتي زيارة دار بعد استضافته نظراءه من السعودية ومصر وتركيا، الأحد الماضي، لإجراء محادثات حول محاولة إنهاء الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، على أثر الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وتزداد المخاوف بشأن تداعيات الحرب، بما يشمل الشلل شبه التام في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وتُعدّ الصين شريكاً رئيسياً لإيران، لكنها لم تُعلن أي مساعدة عسكرية لطهران، بل دعت مراراً إلى وقف إطلاق النار.

نائب رئيس الوزراء الباكستاني ووزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر لدى لقائهم في إسلام آباد يوم الأحد (رويترز)

من جانب آخر، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، الثلاثاء، إن ثلاث سفن صينية عبَرَت مضيق هرمز، في الآونة الأخيرة، بعد تنسيق مع الأطراف المعنية، ودعت إلى استعادة السلام والاستقرار بمنطقة الخليج.

وقالت نينغ، في إفادة صحافية يومية تعليقاً على التقارير التي أفادت بعبور السفن: «مضيق هرمز والمياه المحيطة به طريق مهم للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وتدعو الصين إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء القتال واستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج». ولم تُدلِ بأي تفاصيل عن السفن الصينية.

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الصيني وانج يي الثلاثاء (أ.ف.ب)

وأظهرت بيانات تتبُّع السفن أن سفينتيْ حاويات صينيتين عبَرَتا مضيق هرمز، الاثنين، في ثاني محاولة لمغادرة الخليج بعد عودتهما يوم الجمعة. وأظهرت بيانات منصة «مارين ترافيك» أن السفينتين أبحرتا بالقرب من بعضهما وخرجتا من المضيق إلى المياه المفتوحة. وقالت ريبيكا جيرديس، محللة البيانات لدى شركة كبلر المالكة لمنصة «مارين ترافيك»: «عبَرَت السفينتان بنجاح في المحاولة الثانية اليوم، لتكونا أول سفينتيْ حاويات تغادران الخليج العربي منذ بدء الصراع، باستثناء السفن التي ترفع العَلم الإيراني». وأضافت: «السفينتان تُبحران بسرعة عالية حالياً باتجاه خليج عمان». ولم يُدلِ مسؤولون من مجموعة كوسكو الصينية للشحن، التي تُشغّل السفينتين، بأي تعليق.


الصين تحظر «شقق رماد الموتى»... وتدفع نحو بدائل بيئية وسط شيخوخة متسارعة

ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
TT

الصين تحظر «شقق رماد الموتى»... وتدفع نحو بدائل بيئية وسط شيخوخة متسارعة

ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)

في خطوة تعكس تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة، قررت الصين حظر استخدام الشقق السكنية لتخزين رماد الموتى، وهي ظاهرة آخذة في الانتشار عُرفت محلياً بـ«شقق رماد الموتى»، مع تسارع وتيرة الشيخوخة وارتفاع تكاليف الدفن. وفقاً لصحيفة «التليغراف».

وبموجب لوائح جديدة دخلت حيِّز التنفيذ، الاثنين، مُنع استخدام الوحدات السكنية المخصصة للإقامة مكاناً لدفن -أو حفظ- الرماد، في محاولة للحد من ممارسات غير تقليدية فرضتها الضغوط الاقتصادية وتغيرات سوق العقارات.

وخلال السنوات الأخيرة، لجأ بعض المواطنين إلى شراء شقق فارغة في الأبراج السكنية، لاستخدامها أماكن لتخليد ذكرى أقاربهم، في ظل ارتفاع كبير في تكاليف المقابر، وبيوت حفظ الرماد (الكولومباريوم)، بالتوازي مع زيادة ملحوظة في أعداد الوفيات نتيجة شيخوخة السكان.

وتُعد الصين من أسرع دول العالم شيخوخة؛ إذ بات عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، ما ألقى بظلاله على تكاليف الجنازات التي ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات إلى أن تكلفة الجنازة بلغت نحو نصف متوسط الدخل السنوي للفرد في عام 2020، بينما تواصلت الزيادات خلال الأعوام اللاحقة.

في المقابل، شهدت أسعار الشقق تراجعاً بنحو 40 في المائة خلال 5 سنوات، بفعل أزمة قطاع العقارات وتراجع ثقة المستهلكين، ما جعل شراء وحدات سكنية خياراً مطروحاً لدى البعض، ليس للسكن؛ بل كمساحة خاصة لإحياء الطقوس وتكريم الموتى، في مفارقة لافتة بين سوقين متعاكسين.

وحسب تقارير محلية، يمكن تمييز هذه الشقق من نوافذها المغلقة بإحكام، أو من ستائرها المسدلة دائماً، بينما نقلت صحيفة «ليغال ديلي» عن أحد السكان مشهداً داخل إحدى تلك الوحدات؛ حيث يوجد شمعدانان يحيطان بصندوق أسود وصورة بالأبيض والأسود، في ترتيب تقليدي يرمز إلى استذكار الراحلين.

وتكشف الأرقام الرسمية اتساع الفجوة الديموغرافية؛ إذ سجلت الصين العام الماضي 11.3 مليون حالة وفاة مقابل 7.92 مليون ولادة فقط، مقارنة بنحو 16.5 مليون ولادة قبل عقد، ما يعكس تحوّلاً سكانياً حاداً يضغط على البنية الاجتماعية والاقتصادية معاً.

كما تُعد تكاليف الجنازات من بين الأعلى عالمياً؛ إذ تصل إلى نحو 37375 يواناً (نحو 5 آلاف دولار)، أي ما يعادل 86 في المائة من متوسط الدخل المتاح للفرد، بينما قد تتجاوز أسعار قطع الدفن في المدن الكبرى مائة ألف يوان، ما يجعلها عبئاً ثقيلاً على كثير من العائلات الباحثة عن بدائل أقل تكلفة وأكثر مرونة.

وفي هذا السياق، تبدو الشقق خياراً مغرياً للبعض، ولا سيما أن حق استخدامها يمتد إلى 70 عاماً، مقارنة بحق استخدام المقابر الذي لا يتجاوز عادة 20 عاماً، ما يوفِّر نظرياً استقراراً أطول للذكرى، وتعويضاً معنوياً عن غياب القبر التقليدي.

غير أن السلطات الصينية تسعى اليوم إلى إعادة تنظيم هذا الملف، عبر تشجيع أساليب دفن بديلة أكثر صداقة للبيئة، مثل «الدفن البيئي» ونثر الرماد في البحر، وقدَّمت بالفعل حوافز وتعويضاً مالياً لمن يختار هذه الخيارات.

ومع ذلك، يبقى التمسك بتقاليد تبجيل الأسلاف راسخاً في الثقافة الصينية؛ حيث يرى كثيرون أن وجود قبر مادي ليس مجرد طقس؛ بل هو امتدادٌ لعلاقة إنسانية لا تنقطع، ما يضع السلطات أمام معادلة دقيقة بين الحداثة والتقاليد.


45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت السلطة الوطنية لإدارة الكوارث في أفغانستان، الاثنين، عبر منصة «إكس»: «منذ 26 مارس (آذار)، قضى 28 شخصاً... بسبب الأمطار والفيضانات وانزلاقات التربة والصواعق».

وفي باكستان، قُتل 17 شخصاً بينهم 14 طفلاً في ولاية خيبر بختنوخوا بشمال البلاد بين الأربعاء والاثنين، معظمهم بسبب انهيار أسطح منازل وحوادث أخرى ناتجة عن الأمطار، وفق ما أفادت الوكالة الإقليمية للحالات الطارئة.

مركبات تسير على طريق غمرته المياه خلال هطول أمطار غزيرة في بيشاور بباكستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

وفي أفغانستان، قضى طفل يبلغ خمسة أعوام في ولاية دايكوندي بوسط البلاد إثر انهيار سقف منزل، بحسب ما ذكرت إدارة الطوارئ الأحد.

وفي ولاية ننكرهار الشرقية القريبة من باكستان، قضت امرأة في ظروف مماثلة في إقليم غني كيل، وأصيب طفلان، وفق ما أورد المتحدث باسم الشرطة سيد طيب حمد. وفي غرب أفغانستان، تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات مفاجئة بين الجمعة والسبت.

مزارع أفغاني يقوم بتجريف حقل زراعي غمرته الفيضانات المفاجئة بعد هطول الأمطار على مشارف ولاية غزني في 30 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم شرطة ولاية بدغيس صديق الله صديقي لمراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»: «غرق ثلاثة أشخاص أثناء محاولتهم جمع الحطب». وفي الولاية نفسها، قضى فتى (14 عاماً) بصاعقة، بحسب السلطات المحلية.

وفي حصيلة أصدرتها السلطة الوطنية لإدارة الكوارث في أفغانستان، تعرّض 130 منزلاً لتدمير كامل، ولحقت أضرار جزئية بـ438 منزلاً آخر. وأُغلقت العديد من الطرق في ولايات عدة خلال الأيام الماضية.

سكان محليون يتفقدون منزلاً متضرراً في أعقاب الفيضانات والانهيارات الأرضية والعواصف الرعدية في ولاية قندهار بأفغانستان يوم 29 مارس 2026 (أ.ب)

ويُتوقع هطول أمطار غزيرة مع عواصف رعدية مجدداً في أفغانستان الثلاثاء. وطلبت السلطات من المواطنين «عدم الاقتراب من الأنهار خلال هطول الأمطار، ومتابعة توقعات الطقس من كثب».

وتُعد أفغانستان من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات تغير المناخ، فضلاً عن مواجهتها إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.